مكتبة الإسلام الشاملة

99 - تفسير سورة الزلزلة

1-8

تَفْسِيرُ سُورَةِ إِذَا زُلْزِلَتْوَهِيَ مَكِّيَّةٌ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ :

أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ لَهُ : " اقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَاتِ الر " . فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : كَبُرَ سِنِّي وَاسْتَدَّ قَلْبِي ، وَغَلُظَ لِسَانِي . قَالَ : " فَاقْرَأْ مِنْ ذَاتِ حم " ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى . فَقَالَ : " اقْرَأْ ثَلَاثًا مِنَ الْمُسَبِّحَاتِ " ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ . فَقَالَ الرَّجُلُ : وَلَكِنْ أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةً جَامِعَةً . فَأَقْرَأَهُ : " ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ " حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ الرَّجُلُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، لَا أَزْيَدُ عَلَيْهَا أَبَدًا . ثُمَّ أَدْبَرَ الرِّجْلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ! أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ! " ثُمَّ قَالَ : " عَلَيَّ بِهِ " . فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ : " أُمِرْتُ بِيَوْمِ الْأَضْحَى جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ " . فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا مَنِيحَةَ أُنْثَى فَأُضَحِّي بِهَا ؟ قَالَ : " لَا ، وَلَكِنَّكَ تَأْخُذُ مِنْ شِعْرِكَ ، وَتُقَلِّمُ أَظْفَارَكَ ، وَتَقُصُّ شَارِبَكَ ، وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ ، فَذَاكَ تَمَامُ أُضْحِيَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ الْبَصْرِيُّ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلْمِ بْنِ صَالِحٍ الْعِجْلِيُّ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَرَأَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " عُدِلَتْ لَهُ بِنِصْفِ الْقُرْآنِ " . ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَلْمٍ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْحَرَشِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَلْمٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " تَعْدِلُ ثُلْثَ الْقُرْآنِ ، وَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ " . هَذَا لَفْظُهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا يَمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْعَنْزِيُّ ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " "إِذَا زُلْزِلَتْ " تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، وَ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " تَعْدِلُ ثُلْثَ الْقُرْآنِ ، وَ " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ " . ثُمَّ قَالَ : غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَمَانِ بْنِ الْمُغِيرَةِ

وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عُقَبَةُ بْنُ مُكَرَّمٍ الْعَمِّيُّ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ وَرْدَانَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ :

" هَلْ تَزَوَّجْتَ يَا فُلَانُ ؟ " قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا عِنْدِي مَا أَتَزَوَّجُ ؟! قَالَ : " أَلَيْسَ مَعَكَ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " ؟ " . قَالَ : بَلَى . قَالَ : " ثُلُثُ الْقُرْآنِ " . قَالَ : " أَلَيْسَ مَعَكَ " ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ " ؟ " . قَالَ : بَلَى . قَالَ : " رُبُعُ الْقُرْآنِ " . قَالَ : " أَلَيْسَ مَعَكَ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " ؟ " . قَالَ : بَلَى . قَالَ : " رُبُعُ الْقُرْآنِ " . قَالَ : " أَلَيْسَ مَعَكَ " ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ " ؟ " . قَالَ : بَلَى . قَالَ : " رُبُعُ الْقُرْآنِ " تَزَوَّجْ ، [ تَزَوَّجْ ] . ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . تَفَرَّدَ بِهِنَّ ثَلَاثَتِهِنَّ التِّرْمِذِيُّ لَمْ يَرْوِهِنَّ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ( 1 ) ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ( 2 ) ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ( 3 ) ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ( 4 ) ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ( 5 ) ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ ( 6 ) ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ( 7 ) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ( 8 ) ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ ) أَيْ : تَحَرَّكَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا . ( ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ) يَعْنِي : أَلْقَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى . قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ) [ الْحَجُّ : 1 ] وَكَقَوْلِهِ ( ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مَدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ ) [ الِانْشِقَاقِ : 3 ، 4 ] . وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ : فِي هَذَا قُتِلْتُ ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ : فِي هَذَا قُطِعَتْ رَحِمِي ، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ : فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي ، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ) أَيْ : اسْتَنْكَرَ أَمْرَهَا بَعْدَ مَا كَانَتْ قَارَّةً سَاكِنَةً ثَابِتَةً ، وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى ظَهْرِهَا ، أَيْ : تَقَلَّبَتِ الْحَالُ ، فَصَارَتْ مُتَحَرِّكَةً مُضْطَرِبَةً ، قَدْ جَاءَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا قَدْ أُعِدَّ لَهَا مِنَ الزِّلْزَالِ الَّذِي لَا مَحِيدَ لَهَا عَنْهُ ، ثُمَّ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الْأَمْوَاتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ، وَحِينَئِذٍ اسْتَنْكَرَ النَّاسُ أَمْرَهَا وَتَبَدَّلَتِ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ، وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) أَيْ : تُحَدِّثُ بِمَا عَمِلَ الْعَامِلُونَ عَلَى ظَهْرِهَا .

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ - وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ ، وَاللَّفْظُ لَهُ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ) قَالَ : " أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا ؟ " . قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنَّ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا ، أَنْ تَقُولَ : عَمِلَ كَذَا وَكَذَا ، يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا " . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ - سَمِعَ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيَّ - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " تَحَفَّظُوا مِنَ الْأَرْضِ ، فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ عَامِلٌ عَلَيْهَا خَيْرًا أَوْ شَرًّا ، إِلَّا وَهِيَ مُخْبِرَةٌ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : أَوْحَى لَهَا وَأَوْحَى إِلَيْهَا ، وَوَحَى لَهَا وَوَحَى إِلَيْهَا : وَاحِدٌ وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ ) أَيْ : أَوْحَى إِلَيْهَا . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُضَمَّنٌ [ بِمَعْنَى ] أَذِنَ لَهَا . وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ) قَالَ : قَالَ لَهَا رَبُّهَا : قُولِي ، فَقَالَتْ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ ) أَيْ : أَمَرَهَا . وَقَالَ الْقُرَظِيُّ : أَمَرَهَا أَنْ تَنْشَقَّ عَنْهُمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ ) أَيْ : يَرْجِعُونَ عَنْ مَوَاقِفِ الْحِسَابِ ( ﴿أَشْتَاتًا﴾ ) أَيْ : أَنْوَاعًا وَأَصْنَافًا ، مَا بَيْنَ شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ ، مَأْمُورٍ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَأْمُورٍ بِهِ إِلَى النَّارِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يَتَصَدَّعُونَ أَشْتَاتًا فَلَا يَجْتَمِعُونَ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( ﴿أَشْتَاتًا﴾ ) فِرَقًا . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ ) أَيْ : لِيَعْمَلُوا وَيُجَازُوا بِمَا عَمِلُوهُ فِي الدُّنْيَا ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ . وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ : لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ ; فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ طِيَلَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ فِي الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ، كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ ، وَهِيَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَجْرٌ . وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا ، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ . وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً وَنِوَاءً ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ " . فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحُمُرِ ، فَقَالَ : " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ : ( ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ) . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ - عَمِّ الْفَرَزْدَقِ - : أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ : ( ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ) قَالَ : حَسْبِي ! لَا أُبَالِي أَلَّا أَسْمَعَ غَيْرَهَا . وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا صَعْصَعَةُ عَمُّ الْفَرَزْدَقِ ، فَذَكَرَهُ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا : " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ " وَفِي الصَّحِيحِ : " لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْبَسِطٌ " وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا : " يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ " يَعْنِي : ظِلْفَهَا . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحَرَّقٍ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا عَائِشَةُ ، اسْتَتِرِي مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، فَإِنَّهَا تَسُدُّ مِنَ الْجَائِعِ مَسَدَّهَا مِنَ الشَّبْعَانِ " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تَصَدَّقَتْ بِعِنَبَةٍ ، وَقَالَتْ : كَمْ فِيهَا مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الطُّفَيْلِ : أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " يَا عَائِشَةُ ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا " . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ الْحَسَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ) فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُجْزَى بِمَا عَمِلْتُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ شَرٍّ ؟ فَقَالَ : " يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا رَأَيْتَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا تَكْرَهُ فَبِمَثَاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ وَيَدَّخِرُ اللَّهُ لَكَ مَثَاقِيلَ ذَرِّ الْخَيْرِ حَتَّى تُوفَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ [ عَنْ ] أَبِي الْخَطَّابِ بِهِ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ قَالَ : فِي كِتَابِ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَذَكَرَهُ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَبُلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ ) وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَاعِدٌ ، فَبَكَى حِينَ أُنْزِلَتْ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ " . قَالَ : يُبْكِينِي هَذِهِ السُّورَةُ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "لَوْلَا أَنَّكُمْ تُخْطِئُونَ وَتُذْنِبُونَ فَيَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ، لَخَلَقَ اللَّهُ أُمَّةً يُخْطِئُونَ وَيُذْنِبُونَ فَيَغْفِرَ لَهُمْ" . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ [ مُحَمَّدِ بْنِ ] الْمُغِيرَةِ - الْمَعْرُوفُ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ - ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانَيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ : ( ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ) قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لَرَاءٍ عَمَلِيَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قُلْتُ : تِلْكَ الْكِبَارُ الْكِبَارُ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قُلْتُ : الصِّغَارُ الصِّغَارُ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قُلْتُ : وَاثُكْلَ أُمِّي . قَالَ : " أَبْشِرْ يَا أَبَا سَعِيدٍ ; فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا - يَعْنِي إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ - وَيُضَاعِفُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا أَوْ يَغْفِرُ اللَّهُ ، وَلَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ " . قُلْتُ : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ " قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَمْ يَرْوِ هَذَا غَيْرُ ابْنِ لَهِيعَةَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ) وَذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ) [ الْإِنْسَانِ : 8 ] ، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْجَرُونَ عَلَى الشَّيْءِ الْقَلِيلِ الَّذِي أَعْطَوْهُ ، فَيَجِيءُ الْمِسْكِينُ إِلَى أَبْوَابِهِمْ فَيَسْتَقِلُّونَ أَنْ يُعْطُوهُ التَّمْرَةَ وَالْكَسْرَةَ وَالْجَوْزَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَيَرُدُّونَهُ وَيَقُولُونَ : مَا هَذَا بِشَيْءٍ . إِنَّمَا نُؤْجَرُ عَلَى مَا نُعْطِي وَنَحْنُ نُحِبُّهُ . وَكَانَ آخَرُونَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ لَا يُلَامُونَ عَلَى الذَّنْبِ الْيَسِيرِ : الْكَذْبَةِ وَالنَّظْرَةِ وَالْغِيبَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، يَقُولُونَ : إِنَّمَا وَعُدَ اللَّهُ النَّارَ عَلَى الْكَبَائِرِ . فَرَغَّبَهُمْ فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْخَيْرِ أَنْ يَعْمَلُوهُ ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ ، وَحَذَّرَهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ ، فَنَزَلَتْ : ( ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ) يَعْنِي : وَزْنَ أَصْغَرِ النَّمْلِ ( ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ ) يَعْنِي : فِي كِتَابِهِ ، وَيَسُرُّهُ ذَلِكَ . قَالَ : يَكْتُبُ لِكُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةً وَاحِدَةً . وَبِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ضَاعَفَ اللَّهُ حَسَنَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا ، بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرٌ ، وَيَمْحُو عَنْهُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ ، فَمَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ " . وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ ، فَجُعِلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا ، وَأَجَّجُوا نَارًا ، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا . [ آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " إِذَا زُلْزِلَتْ " ] [ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ]