98 - تفسير سورة البينة
تَفْسِيرُ سُورَةِ لَمْ يَكُنْ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - ، أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ - هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا حَيَّةَ الْبَدْرِيَّ - وَهُوَ : مَالِكُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ - قَالَ :
لَمَّا نَزَلَتْ : " ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ " إِلَى آخِرِهَا ، قَالَ جِبْرِيلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًّا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيٍّ : "إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ" . قَالَ أُبَيٌّ : وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَبَكَى أُبَيٌّ . حَدِيثٌ آخَرُ : وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ : " ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " قَالَ : وَسَمَّانِي لَكَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . فَبَكَى . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ الْمُنْقِرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَدْ ذُكِرْتُ هُنَاكَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ . قَالَ : وَمَا يَمْنَعُنِي وَاللَّهُ يَقُولُ : " ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ " [ يُونُسَ : 58 ] . قَالَ مُؤَمَّلٌ : قُلْتُ لِسُفْيَانَ : الْقِرَاءَةُ فِي الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي : " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ " . قَالَ : فَقَرَأَ : " ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ " قَالَ : فَقَرَأَ فِيهَا : وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ ، فَأُعْطِيَهُ لَسَأَلَ ثَانِيًا ، وَلَوْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ لَسَأَلَ ثَالِثًا ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ . وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ ، غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ وَلَا الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ ، وَمَنْ يَفْعَلُ خَيْرًا فَلَنْ يُكْفَرَهُ .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ بِهِ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ " . قَالَ : بِاللَّهِ آمَنْتُ ، وَعَلَى يَدِكَ أَسْلَمْتُ ، وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ . قَالَ : فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَوْلَ . [ قَالَ ] فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَذُكِرْتُ هُنَاكَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى " . قَالَ : فَاقْرَأْ إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ . هَذَا غَرِيبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَالثَّابِتُ مَا تَقَدَّمَ . وَإِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ تَثْبِيتًا لَهُ ، وَزِيَادَةً لِإِيمَانِهِ ، فَإِنَّهُ - كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَفَّانَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْهُ كَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى إِنْسَانٍ - وَهُوَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى خِلَافِ مَا أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَقْرَأَهُمَا ، وَقَالَ ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا : " أَصَبْتَ " . قَالَ أُبَيُّ : فَأَخَذَنِي مِنَ الشَّكِّ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِهِ ، قَالَ أُبَيُّ : فَفِضْتُ عَرَقًا ، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا . وَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ . فَقُلْتُ : " أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ " . فَقَالَ : عَلَى حَرْفَيْنِ . فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ هَذَا الْحَدِيثِ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ . فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ وَفِيهَا : " رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ " قَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَتَثْبِيتٍ وَإِنْذَارٍ ، لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ وَاسْتِذْكَارٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا كَمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ : أَوْلَمَ تَكُنْ تُخْبِرُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ ؟ قَالَ : " بَلَى ، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ عَامَكَ هَذَا ؟ " . قَالَ : لَا . قَالَ : " فَإِنَّكَ آتِيهِ ، وَمُطَوَّفٌ بِهِ " . فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ " الْفَتْحِ " ، دَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ ، وَفِيهَا قَوْلُهُ : " ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ " الْآيَةَ [ الْفَتْحِ : 27 ] ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ " أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ " مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْجَعْفَرِيِّ الْمَدَنِيِّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْمَدَنِيِّ ، حَدَّثَنِي فُضَيْلٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " فَيَقُولُ : أَبْشِرْ عَبْدِي ، فَوَعِزَّتِي لَأُمَكِّنَنَّهُ لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى " . حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا . وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنْ نَظِيرٍ الْمُزَنِيِّ - أَوْ : الْمَدَنِيِّ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " وَيَقُولُ : أَبْشِرْ عَبْدِي ، فَوَعِزَّتِي لَا أَنْسَاكَ عَلَى حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَلَأُمَكِّنَنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى " .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾( 1 ) ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ( 2 ) ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ( 3 ) ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ( 4 ) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ( 5 ) ) أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمُ : الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكُونَ ؛ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ ، مِنَ الْعَرَبِ وَمِنَ الْعَجَمِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَمْ يَكُونُوا ( ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ ) يَعْنِي : مُنْتَهِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ . ( ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ) أَيْ : هَذَا الْقُرْآنُ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ) ثُمَّ فَسَّرَ الْبَيِّنَةَ بِقَوْلِهِ : ( ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ) يَعْنِي : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، الَّذِي هُوَ مُكْتَتَبٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى ، فِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ كَقَوْلِهِ : ( ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ) [ عَبَسَ : 13 - 16 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَيْ فِيالصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِكُتُبٌ مِنَ اللَّهِ ، قِيمَةٌ : عَادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ ، لَيْسَ فِيهَا خَطَأٌ ; لِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ) يَذْكُرُ الْقُرْآنَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِأَحْسَنِ الثَّنَاءِ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ( ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ) مُسْتَقِيمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ) كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 105 ] يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَنَا ، بَعْدَ مَا أَقَامَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ وَالْبَيِّنَاتِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ كُتُبِهِمْ ، وَاخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرِقٍ :
" إِنَّ الْيَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَإِنَّ النَّصَارَى اخْتَلَفُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً " . قَالُوا : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ) كَقَوْلِهِ ( ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 25 ] ; وَلِهَذَا قَالَ : حُنَفَاءُ ، أَيْ : مُتَحَنِّفِينَ عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ . كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ) [ النَّحْلِ : 36 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ الْحَنِيفِ فِي سُورَةِ " الْأَنْعَامِ " بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . ( ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ) وَهِيَ أَشْرَفُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ ( ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ ) وَهِيَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ . ( ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ) أَيْ : الْمِلَّةُ الْقَائِمَةُ الْعَادِلَةُ ، أَوِ : الْأُمَّةُ الْمُسْتَقِيمَةُ الْمُعْتَدِلَةُ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّالْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ )
( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ( 6 ) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ( 7 ) ) ( ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ( 8 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْمَآلِ الْفُجَّارِ ، مِنْ كَفَرَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَالْمُشْرِكِينَ الْمُخَالِفِينَ لَكُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْمُرْسَلَةِ: أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ) أَيْ : مَاكِثِينَ ، لَا يُحَوَّلُونَ عَنْهَا وَلَا يَزُولُونَ ( ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ) أَيْ : شَرُّ الْخَلِيقَةِ الَّتِي بَرَأَهَا اللَّهُ وَذَرَأَهَا . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْأَبْرَارِ - الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِأَبْدَانِهِمْ - بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، عَلَىتَفْضِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْبَرِيَّةِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ; لِقَوْلِهِ : ( ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ**( ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾**) أَيْ : بِلَا انْفِصَالٍ وَلَا انْقِضَاءٍ وَلَا فَرَاغٍ . ( ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ) وَمَقَامُ رِضَاهُ عَنْهُمْ أَعْلَى مِمَّا أُوتُوهُ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ( ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ) فِيمَا مَنَحَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ الْعَمِيمِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ) أَيْ : هَذَا الْجَزَاءُ حَاصِلٌ لِمَنْ خَشِيَ اللَّهَ وَاتَّقَاهُ حَقَّ تَقْوَاهُ ، وَعَبَدَهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ - مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :