95 - تفسير سورة التين
تَفْسِيرُ سُورَةِ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . قَالَ مَالِكٌ وَشُعْبَةُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ :
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي سَفَرٍ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ . أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾( 1 ) ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ( 2 ) ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ ( 3 ) ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ( 4 ) ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ( 5 ) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ( 6 ) ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ ( 7 ) ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ( 8 ) ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ فَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالتِّينِ مَسْجِدُ دِمَشْقَ . وَقِيلَ : هِيَ نَفْسُهَا . وَقِيلَ : الْجَبَلُ الَّذِي عِنْدَهَا . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هُوَ مَسْجِدُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ . وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي عَلَى الْجُودِيِّ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ تِينِكُمْ هَذَا . ( ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ ) قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ : هُوَ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ : هُوَ هَذَا الزَّيْتُونُ الَّذِي تَعْصِرُونَ . ( ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ) قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى . ( ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ ) يَعْنِي : مَكَّةَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحُسْنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَابْنُ زَيْدٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ . وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ : هَذِهِ مَحَالُّ ثَلَاثَةٌ ، بَعَثَ اللَّهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا نَبِيًّا مُرْسَلًا مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَصْحَابِ الشَّرَائِعِ الْكِبَارِ ، فَالْأَوَّلُ : مَحَلَّةُ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ ، وَهِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ فِيهَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ . وَالثَّانِي : طُورُ سِينِينَ ، وَهُوَ طُورُ سَيْنَاءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ . وَالثَّالِثُ : مَكَّةُ وَهُوَ الْبَلَدُ الْأَمِينُ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ فِيهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالُوا : وَفِي آخِرِ التَّوْرَاةِ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ : جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ - يَعْنِي الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى [ بْنَ عِمْرَانَ ] - وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ - يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ مِنْهُ عِيسَى - وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ - يَعْنِي : جِبَالَ مَكَّةَ الَّتِي أَرْسَلَ اللَّهُ مِنْهَا مُحَمَّدًا - فَذَكَرَهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ بِحَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فِي الزَّمَانِ ، وَلِهَذَا أَقْسَمَ بِالْأَشْرَفِ ، ثُمَّ الْأَشْرَفِ مِنْهُ ، ثُمَّ بِالْأَشْرَفِ مِنْهُمَا . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ )**هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَشَكْلٍ ، مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ ، سَوِيَّ الْأَعْضَاءِ حَسَنَهَا . ( ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ) أَيْ : إِلَى النَّارِ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ . ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْحُسْنِ وَالنَّضَارَةِ مَصِيرُهُ إِلَى النَّارِ إِنْ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ وَيَتَّبِعِ الرُّسُلَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ( ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ) أَيْ : إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ . رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ - حَتَّى قَالَ عِكْرِمَةُ : مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ . وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ . وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَمَا حَسُنَ اسْتِثْنَاءُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْهَرَمَ قَدْ يُصِيبُ بَعْضَهُمْ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ) [ الْعَصْرِ : 1 - 3 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ) أَيْ : غَيْرُ مَقْطُوعٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ ) يَعْنِي : يَا ابْنَ آدَمَ ( ﴿بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ ) ؟ أَيْ : بِالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ الْبَدْأَةَ ، وَعَرَفْتَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْبَدْأَةِ ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الرَّجْعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَحْمِلُكَ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ وَقَدْ عَرَفْتَ هَذَا ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ : قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ : ( ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ ) عَنَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ! عَنَى بِهِ الْإِنْسَانَ . وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ) أَيْ : أَمَا هُوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، الَّذِي لَا يَجُورُ وَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا ، وَمِنْ عَدْلِهِ أَنْ يُقِيمَ الْقِيَامَةَ فَيُنْصِفَ الْمَظْلُومَ فِي الدُّنْيَا مِمَّنْ ظَلَمَهُ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا :
" فَإِذَا قَرَأَ أَحَدُكُمْ ( ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ) فَأَتَى عَلَى آخِرِهَا : ( ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ) فَلْيَقُلْ : بَلَى ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ " . آخِرُ تَفْسِيرِ [ سُورَةِ ] " وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .