94 - تفسير سورة الشرح
تَفْسِيرُ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾( 1 ) ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ( 2 ) ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ( 3 ) ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ( 4 ) ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ( 5 ) ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ( 6 ) ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ ( 7 ) ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ( 8 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ) يَعْنِي : أَمَا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ ، أَيْ : نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسِيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا كَقَوْلِهِ : ( ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 125 ] ، وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعَهُ فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ) شَرْحُ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا ، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِلَ بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ ، عَنْ مُعَاذٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيًّا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ ، فَقَالَ :
يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَوَّلُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ ؟ فَاسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَقَالَ : " لَقَدْ سَأَلْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، إِنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي ، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ : أَهُوَ هُوَ ؟ [ قَالَ : نَعَمْ ] فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا [ لِخَلْقٍ ] قَطُّ ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ . فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَضُدِي ، لَا أَجِدُ لِأَحَدِهِمَا مَسًّا ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : أَضْجِعْهُ . فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْرٍ وَلَا هَصْرٍ . فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : افْلِقْ صَدْرَهُ . فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ ، فَقَالَ لَهُ : أَخْرِجِ الْغِلَّ وَالْحَسَدَ ، فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا ، فَقَالَ لَهُ : أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ ، فَإِذَا مِثْلُ الَّذِي أَخْرَجَ ، شَبَهُ الْفِضَّةِ ، ثُمَّ هَزَّ إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ : اغْدُ وَاسْلَمْ . فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو ، رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ ، وَرَحْمَةً لِلْكَبِيرِ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ) بِمَعْنَى : ( ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ) [ الْفَتْحِ : 2 ] ( ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ) الْإِنْقَاضُ : الصَّوْتُ . وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ) أَيْ : أَثْقَلَكَ حَمْلُهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتَشَهِّدٌ وَلَا صَاحِبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ : كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي " ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى بِهِ ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ ، قُلْتُ : قَدْ كَانَتْ قَبْلِي أَنْبِيَاءُ ، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى . قَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا رَبِّ . قَالَ : أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا رَبِّ . قَالَ : أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَلَى يَا رَبِّ . قَالَ : أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا رَبِّ " . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ " : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الْجَوْنِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرَامَ الْهِيَتِيُّ ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْتُ : يَا رَبِّ ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا وَقَدْ كَرَّمْتَهُ ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا ، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى ، فَمَا جَعَلْتَ لِي ؟ قَالَ : أَوَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، أَنِّي لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي ، وَجَعَلْتُ صُدُورَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا ، وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً ، وَأَعْطَيْتُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ " .
وَحَكَى الْبَغَوِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ : الْأَذَانُ . يَعْنِي : ذِكْرَهُ فِيهِ ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ :
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ ※ مِنَ اللَّهِ مِنْ نُورٍ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ ※ وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ※ إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ : أَشْهَدُ ※ وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ※ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ ※
وَقَالَ آخَرُونَ : رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ، وَنَوَّهَ بِهِ ، حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ، وَأَنْ يَأْمُرُوا أُمَمَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ ، ثُمَّ شَهَرَ ذِكْرَهُ فِي أُمَّتِهِ فَلَا يُذْكَرُ اللَّهُ إِلَّا ذُكِرَ مَعَهُ . وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ :
لَا يَصِحُّ الْأَذَانُ فِي الْفَرْضِ إِلَّا ※ بَاسْمِهِ الْعَذْبِ فِي الْفَمِ الْمَرْضِيِّ ※
وَقَالَ أَيْضًا :
[ أَلَمْ تَرَ أَنَّا لَا يَصِحُّ أَذَانُنَا ※ وَلَا فَرْضُنَا إِنْ لَمْ نُكَرِّرْهُ فِيهِمَا ] ※
وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ) أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُوجَدُ الْيُسْرُ ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ خُوَارٍ أَبُو الْجَهْمِ ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ :
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَحِيَالَهُ جُحْرٌ ، فَقَالَ : " لَوْ جَاءَ الْعُسْرُ فَدَخَلَ هَذَا الْجُحْرَ لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ " ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ) . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ حَمَّادٍ بِهِ ، وَلَفْظُهُ : " لَوْ جَاءَ الْعُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ هَذَا الْجُحْرَ لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ " ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ) ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ . قُلْتُ : وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ ، وَلَكِنْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ :
خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ ، وَهُوَ يَقُولُ : " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا " . وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا . وَقَالَ سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ : " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ " . وَمَعْنَى هَذَا : أَنَّ الْعُسْرَ مُعَرَّفٌ فِي الْحَالَيْنِ ، فَهُوَ مُفْرَدٌ ، وَالْيُسْرُ مُنَكَّرٌ فَتَعَدَّدَ ; وَلِهَذَا قَالَ : " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ " ، يَعْنِي قَوْلَهُ : ( ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ) فَالْعُسْرُ الْأَوَّلُ عَيْنُ الثَّانِي وَالْيُسْرُ تَعَدَّدَ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " نَزَّلَ الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ ، وَنَزَّلَ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ " . وَمِمَّا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ :
صَبْرًا جَمِيلًا مَا أَقْرَبَ الْفَرَجَا ※ مَنْ رَاقَبَ اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا ※ مَنْ صَدَقَ اللَّهَ لَمْ يَنَلْهُ أَذًى ※ وَمَنْ رَجَاهُ يَكُونُ حَيْثُ رَجَا ※
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : أَنْشَدَنِي أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ :
إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ الْقُلُوبُ ※ وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ ※ وَأَوْطَأَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ※ وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الْخُطُوبُ ※ وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ※ وَلَا أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الْأَرِيبُ ※ أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكَ غَوْثٌ ※ يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ الْمُسْتَجِيبُ ※ وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ※ فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ ※
وَقَالَ آخَرُ :
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ※ ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ ※ كَمُلَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلْقَاتُهَا ※ فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ ※
وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ) أَيْ : إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا وَقَطَعْتَ عَلَائِقَهَا ، فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ ، وَقُمْ إِلَيْهَا نَشِيطًا فَارِغَ الْبَالِ ، وَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ النِّيَّةَ وَالرَّغْبَةَ . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ :
" لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ " وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ " . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَانْصَبْ لِرَبِّكَ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ . وَعَنِ ابْنِ عِيَاضٍ نَحْوُهُ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( ﴿فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ) بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ جَالِسٌ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ ) يَعْنِي : فِي الدُّعَاءِ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالضَّحَّاكُ : ( ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ ) أَيْ : مِنَ الْجِهَادِ ( ﴿فَانْصَبْ﴾ ) أَيْ : فِي الْعِبَادَةِ . ( ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ) قَالَ الثَّوْرِيُّ : اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " أَلَمْ نَشْرَحْ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .