96 - تفسير سورة العلق
تَفْسِيرُ سُورَةِ اقْرَأْ وَهِيَ أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾( 1 ) ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ( 2 ) ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ( 3 ) ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ( 4 ) ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ( 5 ) ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :
أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ . ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ : التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِي ذَوَاتِ الْعَدَدِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُ لِمَثْلِهَا حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ فَقَالَ : اقْرَأْ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ " . قَالَ : " فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ . فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : اقْرَأْ . فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : ( ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ) حَتَّى بَلَغَ : ( ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ) قَالَ : فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ : " زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي " . فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ . فَقَالَ : يَا خَدِيجَةُ ، مَا لِي : فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ وَقَالَ : " قَدْ خَشِيتُ عَلَيَّ " . فَقَالَتْ لَهُ : كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ; إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبَ الْحَقِّ . ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِبْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنِ قُصَيٍّ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو أَبِيهَا ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ ، وَكَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُكْتَبَ ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ - فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : أَيِ ابْنَ عَمِّ ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ . فَقَالَ وَرَقَةُ : ابْنَ أَخِي ، مَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى ، فَقَالَ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى لَيْتَنِي فِيهَا جَذْعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ " . فَقَالَ وَرَقَةُ : نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا . [ ثُمَّ ] لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا بَلَغَنَا - حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذُرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ ، تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًا . فَيَسْكُنُ بِذَلِكَ جَأْشُهُ ، وَتَقَرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ . فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَوْفَى بِذُرْوَةِ الْجَبَلِ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ سَنَدِهِ وَمَتْنِهِ وَمَعَانِيهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِنَا لِلْبُخَارِيِّ مُسْتَقْصًى ، فَمَنْ أَرَادَهُ فَهُوَ هُنَاكَ مُحَرَّرٌ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . فَأَوَّلُ شَيْءٍ [ نَزَلَ ] مِنَ الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَهُنَّ أَوَّلُ رَحْمَةٍ رَحِمَ اللَّهُ بِهَا الْعِبَادَ ، وَأَوَّلُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِمْ . وَفِيهَا التَّنْبِيهُ عَلَى ابْتِدَاءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ عَلَقَةٍ ، وَأَنَّ مِنْ كَرَمِهِ تَعَالَى أَنْ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، فَشَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ بِالْعِلْمِ ، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي امْتَازَ بِهِ أَبُو الْبَرِيَّةِ آدَمُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْعِلْمُ تَارَةً يَكُونُ فِي الْأَذْهَانِ ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي اللِّسَانِ ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي الْكِتَابَةِ بِالْبَنَانِ ، ذِهْنِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ ، وَالرَّسْمِيُّ يَسْتَلْزِمُهُمَا مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ ، فَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ) وَفِي الْأَثَرِ : قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ . وَفِيهِ أَيْضًا : " مَنْ عَمِلِ بِمَا عَلِمَ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَكُنْ [ يَعْلَمْ ] .
(﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾( 6 ) ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ( 7 ) ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ( 8 ) ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ ( 9 ) ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ ( 10 ) ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ ( 11 ) ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ ( 12 ) ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ( 13 ) ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ( 14 ) ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ( 15 ) ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ( 16 ) ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ( 17 ) ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ( 18 ) ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ( 19 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ ذُو فَرَحٍ وَأَشَرٍ وَبَطَرٍ وَطُغْيَانٍ ، إِذَا رَأَى نَفْسَهُ قَدِ اسْتَغْنَى وَكَثُرَ مَالُهُ . ثُمَّ تَهَدَّدَهُ وَتَوَعَّدَهُ وَوَعَظَهُ فَقَالَ : ( ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ) أَيْ : إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ وَالْمَرْجِعُ ، وَسَيُحَاسِبُكَ عَلَى مَالِكِ : مِنْ أَيْنَ جَمَعْتَهُ ؟ وَفِيمَ صَرَفْتَهُ ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ ، عَنْ عَوْنٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ ، صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ فَأَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضَا الرَّحْمَنِ ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ . قَالَ ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ : ( ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ) وَقَالَ لِلْآخَرِ : ( ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ) [ فَاطِرٍ : 28 ] . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ : طَالِبُ عِلْمٍ ، وَطَالِبُ دُنْيَا " . ثُمَّ**قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ )**نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ ، لَعَنَهُ اللَّهُ ، تَوَعَّدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ الْبَيْتِ ، فَوَعَظَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَوَّلًا ، فَقَالَ : ( ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ ) أَيْ : فَمَا ظَنُّكَ إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي تَنْهَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَةِ فِي فِعْلِهِ ، أَوْ ( ﴿أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ ) بِقَوْلِهِ ، وَأَنْتَ تَزْجُرُهُ وَتَتَوَعَّدُهُ عَلَى صِلَاتِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ) أَيْ : أَمَا عَلِمَ هَذَا النَّاهِي لِهَذَا الْمُهْتَدِي أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ وَيَسْمَعُ كَلَامَهُ ، وَسَيُجَازِيهِ عَلَى فِعْلِهِ أَتَمَّ الْجَزَاءِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا وَمُتَهَدِّدًا : ( ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ ) أَيْ : لَئِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّقَاقِ وَالْعِنَادِ ( ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ ) أَيْ : لَنَسِمَنَّهَا سَوَادًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ) يَعْنِي : نَاصِيَةَ أَبِي جَهْلٍ كَاذِبَةً فِي مَقَالِهَا خَاطِئَةً فِي فِعَالِهَا . ( ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ) أَيْ : قَوْمَهُ وَعَشِيرَتَهُ ، أَيْ : لِيَدَعُهُمْ يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ ( ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ) وَهُمْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ، حَتَّى يَعْلَمَ مَنْ يَغْلِبُ : أَحِزْبُنَا أَوْ حِزْبُهُ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ . فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " لَئِنْ فَعَلَهُ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ " . ثُمَّ قَالَ : تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو - ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ . وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ - وَهَذَا لَفْظُهُ - مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْمَقَامِ ، فَمَرَّ بِهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا ؟ - وَتَوَعَّدَهُ - فَأَغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَهَرَهُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ بِأَيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَكْثَرُ هَذَا الْوَادِي نَادِيًا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ مِنْ سَاعَتِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا فُرَاتٌ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : لَئِنْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَآتِيَنَّهُ حَتَّى أَطَأَ عَلَى عُنُقِهِ . قَالَ : فَقَالَ : " لَوْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عِيَانًا ، وَلَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ ، وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ مَالًا وَلَا أَهْلًا " . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : لَئِنْ عَادَ مُحَمَّدٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْمَقَامِ لَأَقْتُلَنَّهُ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ]﴾ ) حَتَّى بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ) فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى فَقِيلَ : مَا يَمْنَعُكَ ؟ قَالَ : قَدِ اسْوَدَّ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنَ الْكَتَائِبِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَاللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ أَبِيهِ ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَقَالَ : وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ وَلَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ ، قَالَ : فَمَا فَجَأَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ ، قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : مَا لَكَ ؟ فَقَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً . قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا " . قَالَ : وَأَنْزَلَ اللَّهُ - لَا أَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَمْ لَا - : ( ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ ) يَعْنِي : يَا مُحَمَّدُ لَا تُطِعْهُ فِيمَا يَنْهَاكَ عَنْهُ مِنَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَكَثْرَتِهَا ، وَصَلِّ حَيْثُ شِئْتَ وَلَا تُبَالِهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ حَافِظُكَ وَنَاصِرُكَ ، وَهُوَ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ( ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ) كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ - عِنْدَ مُسْلِمٍ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ " . وَتَقَدَّمَ أَيْضًا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْجُدُ فِي : ( ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ) وَ ( ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ) آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " اقْرَأْ " .