مكتبة الإسلام الشاملة

92 - تفسير سورة الليل

1-11

تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَّيْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمُعَاذٍ : " فَهَلَّا صَلَّيْتَ بِ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ " " ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ " " ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ " ؟ " . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾( 1 ) ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ( 2 ) ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ( 3 ) ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ( 4 ) ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ ( 5 ) ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ ( 6 ) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ( 7 ) ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ ( 8 ) ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ ( 9 ) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ( 10 ) ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ ( 11 ) ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ : أَنَّهُ قَدِمَ الشَّامَ فَدَخَلَ مَسْجِدَ دِمَشْقَ ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ ، ارْزُقْنِي جَلِيسًا صَالِحًا . قَالَ : فَجَلَسَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ . قَالَ : كَيْفَ سَمِعْتَ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ يَقْرَأُ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ) ؟ قَالَ عَلْقَمَةُ : " وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى " . فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : لَقَدْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا زَالَ هَؤُلَاءِ حَتَّى شَكَّكُونِي . ثُمَّ قَالَ : ثُمَّ أَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ الْوِسَادِ وَصَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ ، وَالَّذِي أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا وَمُسْلِمٌ ، مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَيَّ قِرَاءَةَ عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالُوا : كُلُّنَا ، قَالَ : أَيُّكُمْ أَحْفَظُ ؟ فَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ ، فَقَالَ : كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ) ؟ قَالَ : " وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى " . قَالَ : أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَكَذَا ، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي أَنْ أَقْرَأَ : ( ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ) وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ : هَكَذَا قَرَأَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ - وَرَفَعَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ - وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَرَأُوا ذَلِكَ كَمَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامُ الْعُثْمَانِيُّ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ : ( ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ) فَأَقْسَمَ تَعَالَى بِ ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ) أَيْ : إِذَا غَشِيَ الْخَلِيقَةَ بِظَلَامِهِ ، ( ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ) أَيْ : بِضِيَائِهِ وَإِشْرَاقِهِ ، ( ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ) كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ) [ النَّبَأِ : 8 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ ) [ الذَّارِيَاتِ : 49 ] . وَلَمَّا كَانَ الْقَسَمُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ كَانَ الْقَسَمُ عَلَيْهِ أَيْضًا مُتَضَادًّا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ) أَيْ : أَعْمَالُ الْعِبَادِ الَّتِي اكْتَسَبُوهَا مُتَضَادَّةٌ أَيْضًا وَمُتَخَالِفَةٌ ، فَمِنْ فَاعِلٍ خَيْرًا وَمِنْ فَاعِلٍ شَرًّا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ ) أَيْ : أَعْطَى مَا أُمِرَ بِإِخْرَاجِهِ ، وَاتَّقَى اللَّهَ فِي أُمُورِهِ ، ( ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ ) أَيْ : بِالْمُجَازَاةِ عَلَى ذَلِكَ - قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَقَالَ خُصَيْفٌ : بِالثَّوَابِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : ( ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ ) أَيْ : بِالْخَلَفِ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ : ( ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ ) أَيْ : بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عِكْرِمَةَ : ( ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ ) أَيْ : بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ ) قَالَ : الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ . وَقَالَ مَرَّةٍ : وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ أَبَا الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ :

سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْحُسْنَى قَالَ : " الْحُسْنَى : الْجَنَّةُ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي لِلْخَيْرِ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : يَعْنِي لِلْجَنَّةِ . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا ، وَمِنْ جَزَاءِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَهَا ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ ) أَيْ : بِمَا عِنْدَهُ ، ( ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ ) قَالَ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَيْ بَخِلَ بِمَالِهِ ، وَاسْتَغْنَى عَنْ رَبِّهِ ، - عَزَّ وَجَلَّ - . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . ( ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ ) أَيْ : بِالْجَزَاءِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ . ( ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ) أَيْ : لِطَرِيقِ الشَّرِّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 11 ] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ ، - عَزَّ وَجَلَّ - يُجَازِي مَنْ قَصَدَ الْخَيْرَ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ ، وَمَنْ قَصَدَ الشَّرَّ بِالْخِذْلَانِ . وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مُقَدَّرٍ ، وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ : رِوَايَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنِي الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ أَنَّ أَبَاهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ يَقُولُ : قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَعْمَلُ عَلَى مَا فُرِغَ مِنْهُ أَوْ عَلَى أَمْرٍ مُؤْتَنِفٍ ؟ قَالَ : " بَلْ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ " . قَالَ : فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : "كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" . رِوَايَةُ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْبُخَارِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فِي جِنَازَةٍ ، فَقَالَ : " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ " . فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا نَتَّكِلُ ؟ فَقَالَ : " اعْمَلُوا ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ " . قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ : ( ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿لِلْعُسْرَى﴾ ) . وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَوَكِيعٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، بِنَحْوِهِ ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ - أَوْ : مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةٌ أَوْ سَعِيدَةٌ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا نَتَّكِلُ وَنَدَعُ الْعَمَلَ ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مَنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مَنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى أَهْلِ الشَّقَاءِ ؟ فَقَالَ : " أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُونَ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ " . ثُمَّ قَرَأَ : ( ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ) الْآيَةَ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، بِهِ . رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : قَالَ : قَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ فِيهِ ؟ أَفِي أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ أَوْ مُبْتَدَأٍ أَوْ مُبْتَدَعٍ ؟ قَالَ : " فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ، فَاعْمَلْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَإِنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْقَدْرِ ، عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، بِهِ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . حَدِيثٌ آخَرُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَعْمَلُ لِأَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ، أَوْ لِأَمْرٍ نَسْتَأْنِفُهُ ؟ فَقَالَ : " لِأَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ " . فَقَالَ سُرَاقَةُ : فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذًا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كُلُ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ " . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ : سَأَلَ غُلَامَانِ شَابَّانِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَعْمَلُ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ ، أَوْ فِي شَيْءٍ يُسْتَأْنَفُ ؟ فَقَالَ : " بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ " . قَالَا فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذًا ؟ قَالَ : " اعْمَلُوا فَكُلُ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ " . قَالَا فَالْآنَ نَجِدُّ وَنَعْمَلُ . رِوَايَةُ أَبِي الدَّرْدَاءِ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ عُتْبَةَ السُّلَمِيُّ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ ، أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَمْ شَيْءٌ نَسْتَأْنِفُهُ ؟ قَالَ : " بَلْ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ " . قَالُوا : فَكَيْفَ بِالْعَمَلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " كُلُّ امْرِئٍ مُهَيَّأٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنِي خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا " . وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ : ( ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ) . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطِّهْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَانِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ نَخْلٌ ، وَمِنْهَا نَخْلَةٌ فَرْعُهَا إِلَى دَارِ رَجُلٍ صَالِحٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ ، فَإِذَا جَاءَ الرَّجُلُ فَدَخَلَ دَارَهُ وَأَخَذَ الثَّمَرَ مَنْ نَخْلَتِهِ ، فَتَسْقُطُ الثَّمَرَةُ فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ فَنَزَلَ مِنْ نَخْلَتِهِ فَنَزَعَ الثَّمَرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، وَإِنْ أَدْخَلَ أَحَدُهُمُ الثَّمَرَةَ فِي فَمِهِ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي حَلْقِ الْغُلَامِ وَنَزَعَ الثَّمَرَةَ مَنْ حَلْقِهِ . فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اذْهَبْ " . وَلَقِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاحِبَ النَّخْلَةِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَعْطِنِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعُهَا فِي دَارِ فُلَانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ " فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ أَعْطَيْتُ ، وَلَكِنْ يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا ، وَإِنَّ لِي لَنَخْلًا كَثِيرًا مَا فِيهَا نَخْلَةٌ أَعْجَبُ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْ ثَمَرِهَا . فَذَهَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَبِعَهُ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلَامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ . فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ أَنَا أَخَذْتُ النَّخْلَةَ فَصَارَتْ لِي النَّخْلَةُ فَأَعْطَيْتُهَا أَتُعْطِينِي بِهَا مَا أَعْطَيْتَهُ بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ لَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ ، وَلِكِلَاهُمَا نَخْلٌ ، فَقَالَ لَهُ : أُخْبِرُكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ، [ قَدْ ] أَعْطَانِي بِنَخْلَتِي الْمَائِلَةِ فِي دَارِ فُلَانٍ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ ، فَقُلْتُ ، لَهُ : قَدْ أَعْطَيْتُ وَلَكِنْ يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا . فَسَكَتَ عَنْهُ الرَّجُلُ ، فَقَالَ لَهُ : أَتُرَاكَ إِذَا بِعْتَهَا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ أُعْطَى بِهَا شَيْئًا ، وَلَا أَظُنُّنِي أُعْطَاهُ . قَالَ : وَمَا مُنَاكَ بِهَا ؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ نَخْلَةً . فَقَالَ الرَّجُلُ : لَقَدْ جِئْتَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، نَخْلَتُكَ تَطْلُبُ بِهَا أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ؟! ثُمَّ سَكَتَا وَأَنْشَأَ فِي كَلَامٍ [ آخَرَ ] ثُمَّ قَالَ : أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ، فَقَالَ : أَشْهِدْ لِي إِنْ كُنْتَ صَادِقًا . فَأَمَرَ بِأُنَاسٍ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ : اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ نَخْلِي أَرْبَعِينَ نَخْلَةً بِنَخْلَتِهِ الَّتِي فَرْعُهَا فِي دَارِ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ . ثُمَّ قَالَ : مَا تَقَوُّلُ ؟ فَقَالَ صَاحِبُ النَّخْلَةِ : قَدْ رَضِيتُ . ثُمَّ قَالَ بَعْدُ : لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ لَمْ نَفْتَرِقْ قَالَ لَهُ : قَدْ أَقَالَكَ اللَّهُ ، وَلَسْتُ بِأَحْمَقَ حِينَ أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ . فَقَالَ صَاحِبُ النَّخْلَةِ : قَدْ رَضِيتُ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا أُرِيدُ . قَالَ : تُعْطِينِيهَا عَلَى سَاقٍ . ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : هِيَ لَكَ عَلَى سَاقٍ وَأَوْقَفَ لَهُ شُهُودًا وَعَدَّ لَهُ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً عَلَى سَاقٍ ، فَتَفَرَّقَا ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ النَّخْلَةَ الْمَائِلَةَ فِي دَارِ فُلَانٍ قَدْ صَارَتْ لِي ، فَهِيَ لَكَ . فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الرَّجُلِ صَاحِبِ الدَّارِ فَقَالَ لَهُ : " النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ " . قَالَ عِكْرِمَةُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ . هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعْتِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ ، فَكَانَ يُعْتِقُ عَجَائِزَ وَنِسَاءً إِذَا أَسْلَمْنَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : أَيْ بُنَيَّ ، أَرَاكَ تَعْتِقُ أُنَاسًا ضُعَفَاءَ ، فَلَوْ أَنَّكَ تَعْتِقُ رِجَالًا جُلَدَاءَ يَقُومُونَ مَعَكَ وَيَمْنَعُونَكَ وَيَدْفَعُونَ عَنْكَ ؟! فَقَالَ : أَيْ أَبَتِ ، إِنَّمَا أُرِيدُ - أَظُنُّهُ قَالَ - مَا عِنْدَ اللَّهِ : قَالَ : فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِيهِ : ( ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ إِذَا مَاتَ . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ ، وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : إِذَا تَرَدَّى فِي النَّارِ .

12-21

(﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾( 12 ) ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ ( 13 ) ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ ( 14 ) ) ( ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ ( 15 ) ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ( 16 ) ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ ( 17 ) ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ ( 18 ) ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ( 19 ) ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ ( 20 ) ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ( 21 ) ) قَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ ) أَيْ : نُبَيِّنُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْهُدَى وَصَلَ إِلَى اللَّهِ . وَجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ ) [ النَّحْلِ : 9 ] . حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ ) أَيِ : الْجَمِيعُ مِلْكُنَا وَأَنَا الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ تَوَهَّجُ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَقُولُ :

" أُنْذِرُكُمُ النَّارَ [ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ ، أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ ] حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِالسُّوقِ لَسَمِعَهُ مِنْ مَقَامِي هَذَا . قَالَ : حَتَّى وَقَعَتْ خَمِيصَةٌ كَانَتْ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ وَيَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّأَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ " . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ مُسْلِمٌ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ ، مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدَّ مِنْهُ عَذَابًا ، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ ) أَيْ : لَا يَدْخُلُهَا دُخُولًا يُحِيطُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ إِلَّا الْأَشْقَى . ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ : ( ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ ) أَيْ : بِقَلْبِهِ ، ( وَتَوَلَّى ) أَيْ : عَنِ الْعَمَلِ بِجَوَارِحِهِ وَأَرْكَانِهِ .

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

" لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ " . قِيلَ : وَمَنِ الشَّقِيُّ ؟ قَالَ : " الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِطَاعَةٍ ، وَلَا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يُونُسُ وَسُرَيْجٌ قَالَا حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَبَى " . قَالُوا : وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى " . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانَ ، عَنْ فُلَيْحٍ ، بِهِ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ ) أَيْ : وَسَيُزَحْزَحُ عَنِ النَّارِ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الْأَتْقَى . ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ ) أَيْ : يَصْرِفُ مَالَهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ ; لِيُزَكِّيَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَمَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنْ دِينٍ وَدُنْيَا . ( ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ) أَيْ : لَيْسَ بَذْلُهُ حَالَهُ فِي مُكَافَأَةِ مَنْ أَسْدَى إِلَيْهِ مَعْرُوفًا ، فَهُوَ يُعْطِي فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ ذَلِكَ ( ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ ) أَيْ : طَمَعًا فِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ رُؤْيَتُهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ) أَيْ : وَلَسَوْفَ يَرْضَى مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ . وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ حَكَى الْإِجْمَاعَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى ذَلِكَ . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهَا ، وَأَوْلَى الْأُمَّةِ بِعُمُومِهَا ، فَإِنَّ لَفْظَهَا لَفْظُ الْعُمُومِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ) وَلَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الْأُمَّةِ وَسَابِقُهُمْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَسَائِرِ الْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ ; فَإِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا تَقِيًا كَرِيمًا جَوَادًا بَذَّالًا لِأَمْوَالِهِ فِي طَاعَةِ مَوْلَاهُ ، وَنُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَكَمْ مِنْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ بَذَلَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْكَرِيمِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُكَافِئَهُ بِهَا ، وَلَكِنْ كَانَ فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ عَلَى السَّادَاتِ وَالرُّؤَسَاءِ مِنْ سَائِرِ الْقَبَائِلِ ; وَلِهَذَا قَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ - وَهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ ، يَوْمَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - : أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ كَانَتْ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ . وَكَانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أَغْلَظَ لَهُ فِي الْمَقَالَةِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ مَعَ سَادَاتِ الْعَرَبِ وَرُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ ، فَكَيْفَ بِمَنْ عَدَاهُمْ ؟ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، هَذَا خَيْرٌ " ، فَقَالَأَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْهَا ضَرُورَةٌ فَهَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ " . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " اللَّيْلِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ