91 - تفسير سورة الشمس
تَفْسِيرُ سُورَةِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ :
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذٍ : " هَلَّا صَلَّيْتَ بِ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ) ( ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ) ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ) ؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾( 1 ) ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ( 2 ) ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ ( 3 ) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ ( 4 ) ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ( 5 ) ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ ( 6 ) ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ ( 7 ) ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ( 8 ) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ( 9 ) ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ( 10 ) ) قَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ) أَيْ : وَضَوْئِهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿وَضُحَاهَا﴾ ) النَّهَارُ كُلُّهُ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ : أَقْسَمَ اللَّهُ بِالشَّمْسِ وَنَهَارِهَا ; لِأَنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ الظَّاهِرَ هُوَ النَّهَارُ . ( ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : تَبِعَهَا . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ) قَالَ : يَتْلُو النَّهَارَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿إِذَا تَلَاهَا﴾ ) لَيْلَةَ الْهِلَالِ ، إِذَا سَقَطَتِ الشَّمْسُ رُؤِيَ الْهِلَالُ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هُوَ يَتْلُوهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ ، ثُمَّ هِيَ تَتْلُوهُ . وَهُوَ يَتَقَدَّمُهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ الشَّهْرِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : إِذَا تَلَاهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : أَضَاءَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ ) إِذَا غَشِيَهَا النَّهَارُ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ بِمَعْنَى : وَالنَّهَارُ إِذَا جَلَّا الظُّلْمَةِ ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا . قُلْتُ : وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ تَأَوَّلَ [ ذَلِكَ ] بِمَعْنَى ( ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ ) أَيِ : الْبَسِيطَةُ ، لَكَانَ أَوْلَى ، وَلَصَحَّ [ تَأْوِيلُهُ فِي ] قَوْلِ اللَّهِ ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ ) فَكَانَ أَجْوَدْ وَأَقْوَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ ) إِنَّهُ كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ) [ اللَّيْلِ : 2 ] . وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَاخْتَارَ عَوْدَ الضَّمِيرِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الشَّمْسِ ، لِجَرَيَانِ ذِكْرِهَا . وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ ) يَعْنِي : إِذَا يَغْشَى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ ، فَتُظْلِمُ الْآفَاقُ . وَقَالَ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ صَفْوَانَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ ذِي حَمَامَةَ قَالَ : إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ قَالَ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ : غَشِيَ عِبَادِي خَلْقِي الْعَظِيمُ ، فَاللَّيْلُ يَهَابُهُ ، وَالَّذِي خَلَقَهُ أَحَقُّ أَنْ يَهَابَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " مَا " هَاهُنَا مَصْدَرِيَّةٌ ، بِمَعْنَى : وَالسَّمَاءِ وَبِنَائِهَا . وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى " مَنْ " يَعْنِي : وَالسَّمَاءِ وَبَانِيهَا . وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ ، وَالْبِنَاءُ هُوَ الرَّفْعُ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ ) أَيْ : بِقُوَّةٍ ( ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ ) [ الذَّارِيَاتِ : 47 ، 48 ] . وَهَكَذَا قَوْلُهُ : ( ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿طَحَاهَا﴾ ) دَحَاهَا . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ ) أَيْ : خَلَقَ فِيهَا . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿طَحَاهَا﴾ ) قَسَمَهَا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَابْنُ زَيْدٍ : ( ﴿طَحَاهَا﴾ ) بَسَطَهَا . وَهَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : طَحَوْتُهُ مِثْلُ دَحَوْتُهُ ، أَيْ : بَسَطْتُهُ . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ )**أَيْ : خَلَقَهَا سَوِيَّةً مُسْتَقِيمَةً عَلَى الْفِطْرَةِ الْقَوِيمَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ) [ الرُّومِ : 30 ] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةٌ جَمْعَاءُ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ؟ " . أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ) أَيْ : فَأَرْشَدَهَا إِلَى فُجُورِهَا وَتَقْوَاهَا ، أَيْ : بَيَّنَ لَهَا ذَلِكَ ، وَهَدَاهَا إِلَى مَا قُدِّرَ لَهَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ) بَيَّنَ لَهَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالثَّوْرِيُّ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : أَلْهَمَهَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : جَعَلَ فِيهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ قَالَا حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ،
عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ قَالَ : قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ : أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ فِيهِ النَّاسُ وَيَتَكَادَحُونَ فِيهِ ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَكَّدَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ ؟ قُلْتُ : بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ . قَالَ : فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ؟ قَالَ : فَفَزِعْتُ مِنْهُ فَزَعًا شَدِيدًا ، قَالَ : قُلْتُ لَهُ : لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ خَلْقُهُ وَمِلْكُ يَدِهِ ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . قَالَ : سَدَّدَكَ اللَّهُ ، إِنَّمَا سَأَلْتُ لِأَخْبَرَ عَقْلَكَ ، إِنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ - أَوْ جُهَيْنَةَ - أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فِيهِ وَيَتَكَادَحُونَ ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ ، أَمْ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ، وَأَكَّدَتْ بِهِ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ ؟ قَالَ : " بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ " . قَالَ : فَفِيمَ نَعْمَلُ ؟ قَالَ : " مَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِإِحْدَى الْمَنْزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لَهَا ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ( ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ )
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ ، أَيْ : بِطَاعَةِ اللَّهِ - كَمَا قَالَ قَتَادَةُ - وَطَهَّرَهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيئَةِ وَالرَّذَائِلِ . وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ) [ الْأَعْلَى : 14 ، 15 ] . ( ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ) أَيْ : دَسَّسَهَا ، أَيْ : أَخْمَلَهَا وَوَضَعَ مِنْهَا بِخِذْلَانِهِ إِيَّاهَا عَنِ الْهُدَى ، حَتَّى رَكِبَ الْمَعَاصِيَ وَتَرَكَ طَاعَةَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسَهُ ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّى اللَّهُ نَفْسَهُ ، كَمَا قَالَ الْعَوْفِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو زُرْعَةَ قَالَا حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ - يَعْنِي عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ - عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ) قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ " . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ ، بِهِ . وَجُوَيْبِرٌ [ هَذَا ] هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَالضَّحَّاكُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا مَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ) وَقَفَ ، ثُمَّ قَالَ : " اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا ، وَخَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ الْمَدَنِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيُّ ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيُّ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيِّ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ : ( ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ) قَالَ : " اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا " لَمْ يُخْرِجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ نَافِعٍ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - عَنْ صَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا فَقَدَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَضْجَعِهِ ، فَلَمَسَتْهُ بِيَدِهَا ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ ، وَهُوَ يَقُولُ : " رَبِّ ، أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا " تَفَرَّدَ بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْهَرَمِ ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ . اللَّهُمَّ ، آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا . اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَعِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَدَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا " . قَالَ زَيْدٌ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَاهُنَّ وَنَحْنُ نُعَلِّمُكُوهُنَّ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ - وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، بِهِ .
(﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾( 11 ) ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ ( 12 ) ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ( 13 ) ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ ( 14 ) ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ ( 15 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ ثَمُودَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ ، بِسَبَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الطُّغْيَانِ وَالْبَغْيِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : ( ﴿بِطَغْوَاهَا﴾ ) أَيْ : بِأَجْمَعِهَا . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا . فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ تَكْذِيبًا فِي قُلُوبِهِمْ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْيَقِينِ . ( ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ ) أَيْ : أَشْقَى الْقَبِيلَةِ ، هُوَ قِدَارُ بْنُ سَالِفٍ عَاقِرُ النَّاقَةِ ، وَهُوَ أُحَيْمِرُ ثَمُودَ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ ) [ الْقَمَرِ : 29 ] . وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ عَزِيزًا فِيهِمْ ، شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ ، نَسِيبًا رَئِيسًا مُطَاعًا ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ :
خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ النَّاقَةَ ، وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا ، فَقَالَ : " ( ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ ) انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ ، مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ " . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَمُسْلِمٌ فِي صِفَةِ النَّارِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنِهِمَا وَكَذَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [ مِنْ طُرُقٍ ] عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، بِهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ أَبِي يَزِيدَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَلِيٍّ : " أَلَا أُحَدِّثُكَ بِأَشْقَى النَّاسِ ؟ " . قَالَ : بَلَى : قَالَ : " رَجُلَانِ ; أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِيعَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذَا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتَّى تَبْتَلَّ مِنْهُ هَذِهِ " يَعْنِي : لِحْيَتَهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ) يَعْنِي صَالِحًا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ ) أَيِ : احْذَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ أَنْ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ، ( ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ ) أَيْ : لَا تَعْتَدُوا عَلَيْهَا فِي سُقْيَاهَا ، فَإِنَّ لَهَا شِرْبُ يَوْمٍ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ . قَالَ اللَّهُ : ( ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ ) أَيْ : كَذَّبُوهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ أَنْ عَقَرُوا النَّاقَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا اللَّهُ مِنَ الصَّخْرَةِ آيَةً لَهُمْ وَحُجَّةً عَلَيْهِمْ ، ( ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ ) أَيْ : غَضِبَ عَلَيْهِمْ ، فَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ ، ( ﴿فَسَوَّاهَا﴾ ) أَيْ : فَجَعَلَ الْعُقُوبَةَ نَازِلَةً عَلَيْهِمْ عَلَى السَّوَاءِ . قَالَ قَتَادَةُ : بَلَغَنَا أَنَّ أُحَيْمِرَ ثَمُودَ لَمْ يَعْقِرِ النَّاقَةَ حَتَّى تَابَعَهُ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ ، وَذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ ، فَلَمَّا اشْتَرَكَ الْقَوْمُ فِي عَقْرِهَا دَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ فَسَوَّاهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ ) وَقُرِئَ : " فَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا " .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يَخَافُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ تَبِعَةً . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ : ( ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ ) أَيْ : لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَهَا عَاقِبَةَ مَا صَنَعَ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . آخِرُ تَفْسِيرِ " ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ " .