90 - تفسير سورة البلد
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَلَدِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾( 1 ) ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ( 2 ) ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ ( 3 ) ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ( 4 ) ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ( 5 ) ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ ( 6 ) ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ( 7 ) ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ( 8 ) ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ ( 9 ) ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ( 10 ) ) هَذَا قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِمَكَّةَ أُمِّ الْقُرَى فِي حَالِ كَوْنِ السَّاكِنِ فِيهَا حَالًا ; لِيُنَبِّهَ عَلَى عَظَمَةِ قَدْرِهَا فِي حَالِ إِحْرَامِ أَهْلِهَا . قَالَ خُصَيْفٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ) لَا رَدَّ عَلَيْهِمْ ; أَقْسَمَ بِهَذَا الْبَلَدِ . وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ) يَعْنِي : مَكَّةَ ، ( ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ) قَالَ : أَنْتَ - يَا مُحَمَّدُ - يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُقَابِلَ بِهِ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، وَعَطِيَّةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَابْنِ زَيْدٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَا أَصَبْتَ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ لَكَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ) قَالَ : أَنْتَ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَلَا إِثْمٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ . وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَالُوهُ قَدْ وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ :
"إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ . وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ ، أَلَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ " . وَفِي لَفْظٍ [ آخَرَ ] فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فَقُولُوا : إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ ) الْوَالِدُ : الَّذِي يَلِدُ ، وَمَا وَلَدَ : الْعَاقِرُ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ .
وَرَوَاهُ [ ابْنُ جَرِيرٍ وَ ] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي - بِهِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : الْوَالِدُ : الْعَاقِرُ ، وَمَا وَلَدَ : الَّذِي يَلِدُ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَخُصَيْفٌ ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ : يَعْنِي بِالْوَالِدِ آدَمَ ، وَمَا وَلَدَ وَلَدَهُ . وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَأَصْحَابُهُ حَسَنٌ قَوِيٌّ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَقْسَمَ بِأُمِّ الْقُرَى وَهِيَ الْمَسَاكِنُ أَقْسَمَ بَعْدَهُ بِالسَّاكِنِ ، وَهُوَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ وَوَلَدُهُ . وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ : هُوَ إِبْرَاهِيمُ وَذُرِّيَّتُهُ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ . وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ )**رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَخَيْثَمَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ : يَعْنِي مُنْتَصِبًا - زَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - فِي بَطْنِ أُمِّهِ . وَالْكَبَدُ : الِاسْتِوَاءُ وَالِاسْتِقَامَةُ . وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا كَقَوْلِهِ : ( ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ) [ الِانْفِطَارِ : 6 ، 7 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ) [ التِّينِ : 4 ] . وَقَالَ ابْنُ [ أَبِي نَجِيحٍ ] عَنْ جُرَيْجٍ وَعَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فِي كَبَدٍ ، قَالَ : فِي شِدَّةِ خَلْقٍ ، أَلَمْ تَرَ إِلَيْهِ . . وَذَكَرَ مَوْلِدَهُ وَنَبَاتَ أَسْنَانِهِ . قَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿فِي كَبَدٍ﴾ ) نُطْفَةٌ ، ثُمَّ عَلَقَةٌ ، ثُمَّ مُضْغَةٌ يَتَكَبَّدُ فِي الْخَلْقِ - قَالَ مُجَاهِدٌ : وَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ ) وَأَرْضَعَتْهُ كُرْهًا ، وَمَعِيشَتُهُ كُرْهٌ ، فَهُوَ يُكَابِدُ ذَلِكَ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ) فِي شِدَّةٍ وَطَلَبِ مَعِيشَةٍ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : فِي شِدَّةٍ وَطُولٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ : فِي مَشَقَّةٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ سَأَلَ رَجُلًا مَنِ الْأَنْصَارِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ) قَالَ : فِي قِيَامِهِ وَاعْتِدَالِهِ . فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ . وَرَوَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَوْدُودٍ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ) قَالَ : يُكَابِدُ أَمْرًا مَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ، وَأَمْرًا مَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ : يُكَابِدُ مَضَايِقَ الدُّنْيَا وَشَدَائِدَ الْآخِرَةِ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ( ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ) قَالَ : آدَمُ خُلِقَ فِي السَّمَاءِ ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْكَبَدُ . وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ [ بِذَلِكَ ] مُكَابَدَةُ الْأُمُورِ وَمَشَاقِّهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يَعْنِي أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَأْخُذُ مَالَهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ) قَالَ : ابْنُ آدَمَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يُسْأَلَ عَنْ هَذَا الْمَالِ : مَنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَأَيْنَ أَنْفَقَهُ ؟ وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ) قَالَ : اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ ) أَيْ : يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : أَنْفَقْتُ مَالًا لُبَدًا ، أَيْ : كَثِيرًا . قَالَهُ مُجَاهِدٌ [ وَالْحَسَنُ ] وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . ( ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ) أَيْ : يُبْصِرُ بِهِمَا ، ( وَلِسَانًا ) أَيْ : يَنْطِقُ بِهِ ، فَيُعَبِّرُ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ ، ( ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ) يَسْتَعِينُ بِهِمَا عَلَى الْكَلَامِ وَأَكْلِ الطَّعَامِ ، وَجَمَالًا لِوَجْهِهِ وَفَمِهِ . وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الرَّبِيعِ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى :يَا ابْنَ آدَمَ ، قَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ نِعَمًا عِظَامًا لَا تُحْصِي عَدَدَهَا وَلَا تُطِيقُ شُكْرَهَا، وَإِنَّ مِمَّا أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ جَعَلْتُ لَكَ عَيْنَيْنِ تَنْظُرُ بِهِمَا ، وَجَعَلْتُ لَهُمَا غِطَاءً ، فَانْظُرْ بِعَيْنَيْكَ إِلَى مَا أَحْلَلْتُ لَكَ ، وَإِنْ رَأَيْتَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأَطْبِقْ عَلَيْهِمَا غِطَاءَهُمَا . وَجَعَلْتُ لَكَ لِسَانًا ، وَجَعَلْتُ لَهُ غُلَافًا ، فَانْطِقْ بِمَا أَمَرْتُكَ وَأَحْلَلْتُ لَكَ ، فَإِنْ عَرَضَ لَكَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأَغْلِقْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ . وَجَعَلْتُ لَكَ فَرْجًا ، وَجَعَلْتُ لَكَ سِتْرًا ، فَأَصِبْ بِفَرْجِكَ مَا أَحْلَلْتُ لَكَ ، فَإِنْ عَرَضَ لَكَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأَرْخِ عَلَيْكَ سِتْرَكَ . يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ لَا تَحْمِلُ سُخْطِي ، وَلَا تُطِيقُ انْتِقَامِي " . ( ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ) قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - : ( ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ) قَالَ : الْخَيْرُ وَالشَّرُّ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَأَبِي وَائِلٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ فِي آخَرِينَ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " هُمَا نَجْدَانِ ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ " .
تَفَرَّدَ بِهِ سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ - وَيُقَالُ : سَعْدُ بْنُ سِنَانٍ - وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْجُوزَجَانِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَحْمَدُ : تَرَكْتُ حَدِيثَهُ لِاضْطِرَابِهِ . وَرَوَى خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مُنْكَرَةً كُلَّهَا ، مَا أَعْرِفُ مِنْهَا حَدِيثًا وَاحِدًا . يُشْبِهُ حَدِيثُهُ حَدِيثَ الْحَسَنِ - يَعْنِي الْبَصْرِيَّ - لَا يُشْبِهُ حَدِيثَ أَنَسٍ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ : سَمِعْتُ
الْحَسَنَ يَقُولُ : ( ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ) قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُمَا النَّجْدَانِ ، نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ " . وَكَذَا رَوَاهُ حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَأَبُو وَهْبٍ ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا . وَهَكَذَا أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عِقَالٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ) قَالَ : الثَّدْيَيْنِ . وَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ وَقَتَادَةَ وَأَبِي حَازِمٍ ، مِثْلُ ذَلِكَ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عِقَالٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ : وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ . وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ) [ سُورَةُ الْإِنْسَانِ : 2 ، 3 ] .
(﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾( 11 ) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ( 12 ) ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ( 13 ) ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ( 14 ) ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ( 15 ) ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ( 16 ) ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ ( 17 ) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ( 18 ) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ ( 19 ) ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ ( 20 ) ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ) قَالَ : جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ . وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ : ( ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ) هُوَ سَبْعُونَ دَرَجَةً فِي جَهَنَّمَ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : ( ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ) قَالَ : عَقَبَةٌ فِي جَهَنَّمَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : إِنَّهَا قَحْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَاقْتَحِمُوهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَقَالَ قَتَادَةُ ( ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ) ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ اقْتِحَامِهَا . فَقَالَ : ( ﴿فَكُ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ﴾ )
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ( ﴿اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ) أَيْ : أَفَلَا سَلَكَ الطَّرِيقَ الَّتِي فِيهَا النَّجَاةُ وَالْخَيْرُ . ثُمَّ بَيَّنَهَا فَقَالَ : ( ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ﴾ ) قُرِئَ : ( ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ) بِالْإِضَافَةِ ، وَقُرِئَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ ، وَفِيهِ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَالرَّقَبَةُ مَفْعُولُهُ وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ - مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
"مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إِرْبٍ مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُعْتِقُ بِالْيَدِ الْيَدَ ، وَبِالرِّجْلِ الرِّجْلَ ، وَبِالْفَرْجِ الْفَرْجَ " . فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : نَعَمْ . فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لِغُلَامٍ لَهُ - أَفْرَهَ غِلْمَانِهِ - : ادْعُ مُطَرِّفًا . فَلَمَّا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ : اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ ، بِهِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ الَّذِي أَعْتَقَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ فِيهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ وَفَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظْمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرِّرِهِ مِنَ النَّارِ ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ وَفَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهَا مِنَ النَّارِ " . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا وَأَبُو نَجِيحٍ هَذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ السُّلَمِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُذْكَرَ اللَّهُ فِيهِ ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ . وَمَنْأَعْتَقَ نَفْسًا مُسَلِمَةً، كَانَتْ فِدْيَتَهُ مِنْ جَهَنَّمَ . وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ، حَدَّثَنَا حَرِيزٌ ; عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ : أَنْ شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ حَدِّثْنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّدٌ وَلَا نِسْيَانٌ . قَالَ عَمْرٌو : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ ، عُضْوًا بِعُضْوٍ . وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فَبَلَغَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ ، كَانَ كَمُعْتِقِ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ " . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ بَعْضَهُ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ ، حَدَّثَنَا لُقْمَانُ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ قَالَ السُّلَمِيُّ قُلْتُ لَهُ : حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ فِيهِ انْتِقَاصٌ وَلَا وَهْمٌ . قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : " مَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فِي الْإِسْلَامِ فَمَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، بَلَغَ بِهِ الْعَدُّوَ ، أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ ، كَانَ لَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ . وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ ، وَمَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ ، يُدْخِلُهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ مِنْهَا " . وَهَذِهِ أَسَانِيدُ جَيِّدَةٌ قَوِيَّةٌ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [ وَالْمِنَّةُ ] . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنِ الْغَرِيفِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ : أَتَيْنَا وَاثِلَّةَ بْنَ الْأَسْقَعِ فَقُلْنَا لَهُ : حَدِّثْنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ . فَغَضِبَ وَقَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَقْرَأُ وَمُصْحَفُهُ مُعَلَّقٌ فِي بَيْتِهِ ، فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ . قُلْنَا : إِنَّمَا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ : أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَوْجَبَ - يَعْنِي النَّارَ - بِالْقَتْلِ ، فَقَالَ : " أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقُ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ " . وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنِ الْغَرِيفِ بْنِ عَيَّاشٍ الدَّيْلَمِيِّ ، عَنْ وَاثِلَةَ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ قَيْسٍ الْجُذَامِيِّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةَ مُسْلِمَةٍ فَهُوَ فِدَاؤُهُ مِنَ النَّارِ " . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْخَفَّافُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ أَنَّ قَيْسًا الْجُذَامِيَّ حَدَّثَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَهِيَ فِكَاكُهُ مِنَ النَّارِ " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَأَبُو أَحْمَدَ قَالَا حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَجَلِيُّ - مَنْ بَنِي بَجِيلَةَ - مَنْ بَنِي سُلَيْمٍ - عَنْ طَلْحَةَ - قَالَ أَبُو أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ . فَقَالَ : " لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ . أَعْتِقِ النَّسَمَةَ ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ " . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ ؟ قَالَ : " لَا إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا ، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا . وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ ، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ ; فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنَ الْخَيْرِ " . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ )**قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذِي مَجَاعَةٍ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَالسَّغَبُ : هُوَ الْجُوعُ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُ : فِي يَوْمٍ الطَّعَامُ فِيهِ عَزِيزٌ . وَقَالَ قَتَادَةُ : فِي يَوْمٍ يُشْتَهَى فِيهِ الطَّعَامُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَتِيمًا﴾ ) أَيْ : أَطْعِمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ يَتِيمًا ، ( ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ) أَيْ : ذَا قَرَابَةٍ مِنْهُ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ . كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ ، صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ " . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ) أَيْ : فَقِيرًا مُدْقِعًا لَاصِقًا بِالتُّرَابِ ، وَهُوَ الدَّقْعَاءُ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ) هُوَ الْمَطْرُوحُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي لَا بَيْتَ لَهُ ، وَلَا شَيْءَ يَقِيهِ مِنَ التُّرَابِ - وَفِي رِوَايَةٍ : هُوَ الَّذِي لَصِقَ بِالدَّقْعَاءِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ ، لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : هُوَ الْبَعِيدُ التُّرْبَةِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : يَعْنِي الْغَرِيبَ عَنْ وَطَنِهِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : هُوَ الْفَقِيرُ الْمَدْيُونُ الْمُحْتَاجُ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : هُوَ الَّذِي لَا أَحَدَ لَهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : هُوَ ذُو الْعِيَالِ . وَكُلُّ هَذِهِ قَرِيبَةُ الْمَعْنَى . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) أَيْ : ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ الطَّاهِرَةِ مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ ، مُحْتَسِبٌ ثَوَابَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 19 ] وَقَالَ ( ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ) الْآيَةَ [ النَّحْلِ : 97 ] . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ )**أَيْ : كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ صَالِحًا ، الْمُتَوَاصِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى النَّاسِ ، وَعَلَى الرَّحْمَةِ بِهِمْ . كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ " وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ " . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا [ أَبُو بَكْرٍ ] بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - يَرْوِيهِ - قَالَ : " مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا ، فَلَيْسَ مِنَّا " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ) أَيِ : الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ ) أَيْ : أَصْحَابُ الشِّمَالِ ، ( ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ ) أَيْ : مُطْبَقَةٌ عَلَيْهِمْ ، فَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا ، وَلَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : ( ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ ) أَيْ : مُطْبَقَةٌ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مُغْلَقَةُ الْأَبْوَابِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَصَدَ الْبَابَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ : أَيْ أَغْلَقَهُ . وَسَيَأْتِي فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فِي سُورَةِ : ( ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ) وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ ) حَيْطٌ لَا بَابَ لَهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ ) مُطْبِقَةٌ فَلَا ضَوْءَ فِيهَا وَلَا فُرَجَ ، وَلَا خُرُوجَ مِنْهَا آخِرَ الْأَبَدِ . وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ بِكُلِّ جَبَّارٍ وَكُلِّ شَيْطَانٍ وَكُلِّ مَنْ كَانَ يَخَافُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا شَرَّهُ ، فَأُوثِقُوا فِي الْحَدِيدِ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ، ثُمَّ أَوْصَدُوهَا عَلَيْهِمْ ، أَيْ : أَطْبَقُوهَا - قَالَ : فَلَا وَاللَّهِ لَا تَسْتَقِرُّ أَقْدَامُهُمْ عَلَى قَرَارٍ أَبَدًا ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُونَ فِيهَا إِلَى أَدِيمِ سَمَاءٍ أَبَدًا ، وَلَا وَاللَّهِ لَا تَلْتَقِي جُفُونُ أَعْيُنِهِمْ عَلَى غَمْضِ نَوْمٍ أَبَدًا ، . وَلَا وَاللَّهِ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَارِدَ شَرَابٍ أَبَدًا . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْبَلَدِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ