89 - تفسير سورة الفجر
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْفَجْرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . قَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَكَمِ ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَأَبِي صَالِحٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ :
صَلَّى مُعَاذٌ صَلَاةً ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ فَطَوَّلَ ، فَصَلَّى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ : مُنَافِقٌ . فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ الْفَتَى ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جِئْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَطَوَّلَ عَلَيَّ ، فَانْصَرَفْتُ وَصَلَّيْتُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، فَعَلَّقْتُ نَاضِحِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ ؟ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ) ( ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ) ( ﴿وَالْفَجْرِ﴾ ) ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿وَالْفَجْرِ﴾( 1 ) ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ( 2 ) ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ( 3 ) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ( 4 ) ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ( 5 ) ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ( 6 ) ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ( 7 ) ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ( 8 ) ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ ( 9 ) ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ ( 10 ) ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ ( 11 ) ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ ( 12 ) ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ ( 13 ) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ( 14 ) ) أَمَّا الْفَجْرُ فَمَعْرُوفٌ ، وَهُوَ : الصُّبْحُ . قَالَهُ عَلَيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالسُّدِّيُّ . وَعَنْ مَسْرُوقٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ : الْمُرَادُ بِهِ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً ، وَهُوَ خَاتِمَةُ اللَّيَالِي الْعَشْرِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الصَّلَاةُ الَّتِي تُفْعَلُ عِنْدَهُ ، كَمَا قَالَهُ عِكْرِمَةُ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ النَّهَارِ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَاللَّيَالِي الْعَشْرُ: الْمُرَادُ بِهَا عَشَرُ ذِي الْحِجَّةِ . كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : " مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ " - يَعْنِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ - قَالُوا : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : " وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ " .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعَشْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ ، حَكَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ وَلَمْ يَعْزُهُ إِلَى أَحَدٍ وَقَدْ رَوَى أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظِبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ) قَالَ : هُوَ الْعَشْرُ الْأَوَّلُ مِنْ رَمَضَانَ . وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ; قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ عُقْبَةَ ، حَدَّثَنِي خَيْرُ بْنُ نُعَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ :
" إِنَّ الْعَشْرَ عَشْرُ الْأَضْحَى ، وَالْوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَالشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ " . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَعَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، بِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، بِهِ وَهَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ ، وَعِنْدِي أَنَّ الْمَتْنَ فِي رَفْعِهِ نَكَارَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، لِكَوْنِهِ التَّاسِعَ ، وَأَنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ لِكَوْنِهِ الْعَاشِرَ . وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالضَّحَّاكُ أَيْضًا . قَوْلٌ ثَانٍ : وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ : ( ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ) قُلْتُ : صَلَاتُنَا وِتْرَنَا هَذَا ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَالْوَتْرَ لَيْلَةُ الْأَضْحَى . قَوْلٌ ثَالِثٌ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَصْبَهَانِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ النُّعْمَانِ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ - عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ ، حَدَّثَنِي بِمَكَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ النَّاسَ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ . فَقَالَ : الشَّفْعُ قَوْلُ اللَّهِ ، - عَزَّ وَجَلَّ - : ( ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ) وَالْوَتْرُ قَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 203 ] . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُرْتَفِعِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : الشَّفْعُ أَوْسَطُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَالْوَتْرُ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخْلَ الْجَنَّةَ ، وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ " . قَوْلٌ رَابِعٌ : قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : الْخَلْقُ كُلُّهُمْ شَفْعٌ ، وَوِتْرٌ ، أَقْسَمَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْأَوَّلُ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ) قَالَ : اللَّهُ وِتْرٌ وَاحِدٌ ، وَأَنْتُمْ شَفْعٌ . وَيُقَالُ : الشَّفْعُ صَلَاةُ الْغَدَاةِ ، وَالْوَتْرُ : صَلَاةُ الْمَغْرِبِ . قَوْلٌ خَامِسٌ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ) قَالَ : الشَّفْعُ الزَّوْجُ ، وَالْوَتْرُ : اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : اللَّهُ الْوَتْرُ ، وَخَلْقُهُ الشَّفْعُ ، الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : ( ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ) كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ شَفْعٌ ، السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، وَنَحْوُ هَذَا . وَنَحَا مُجَاهِدٌ فِي هَذَا مَا ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ) [ الذَّارِيَاتِ : 49 ] أَيْ : لِتَعْلَمُوا أَنَّ خَالِقَ الْأَزْوَاجِ وَاحِدٌ . قَوْلٌ سَادِسٌ : قَالَ قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ : ( ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ) هُوَ الْعَدَدُ ، مِنْهُ شَفْعٌ وَمِنْهُ وَتْرٌ . قَوْلٌ سَابِعٌ : فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرٌ يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَطَوَانِيُّ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، أَخْبَرَنِي عَيَّاشُ بْنُ عُقْبَةَ ، حَدَّثَنِي خَيْرُ بْنُ نُعَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ :
" الشَّفْعُ الْيَوْمَانِ ، وَالْوَتَرُ الْيَوْمُ الثَّالِثُ " . هَكَذَا وَرَدَ هَذَا الْخَبَرُ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ اللَّفْظِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَمَا رَوَاهُ هُوَ أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُهُمَا : هِيَ الصَّلَاةُ ، مِنْهَا شَفْعٌ كَالرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّنَائِيَّةِ ، وَمِنْهَا وَتْرٌ كَالْمَغْرِبِ ، فَإِنَّهَا ثَلَاثٌ ، وَهِيَ وَتْرُ النَّهَارِ . وَكَذَلِكَصَلَاةُ الْوِتْرِفِي آخِرِ التَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ . وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : ( ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ) قَالَ : هِيَ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ ، مِنْهَا شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ وَمَوْقُوفٌ ، وَلَفْظُهُ خَاصٌّ بِالْمَكْتُوبَةِ . وَقَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَفْظُهُ عَامٌّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ - هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامٍ : أَنَّ شَيْخًا حَدَّثَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ، فَقَالَ : " هِيَ الصَّلَاةُ ، بَعْضُهَا شَفْعٌ ، وَبَعْضُهَا وَتْرٌ " . هَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُسْنَدِ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنْ عَفَّانَ وَعَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى ، كِلَاهُمَا عَنْ هَمَّامٍ - وَهُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامٍ ، عَنْ شَيْخٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَأَبِي دَاوُدَ ، كِلَاهُمَا عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ : غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامٍ ، عَنْ عِمْرَانَ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْتُ : وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا هَمَّامُ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامٍ الضُّبَعِيِّ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ ، هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي تَفْسِيرِهِ ، فَجَعَلَ الشَّيْخَ الْبَصْرِيَّ هُوَ عِمْرَانَ بْنَ عِصَامٍ [ الضُّبَعِيَّ ] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قَالَ : " هِيَ الصَّلَاةُ مِنْهَا شَفْعٌ ، وَمِنْهَا وَتْرٌ " . فَأَسْقَطَ ذِكْرَ الشَّيْخِ الْمُبْهَمِ ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عِمْرَانُ بْنُ عِصَامٍ الضُّبَعِيُّ أَبُو عُمَارَةَ الْبَصْرِيُّ ، إِمَامُ مَسْجِدِ بَنِي ضُبَيْعَةَ وَهُوَ وَالِدُ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ . رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ ، وَابْنُهُ أَبُو جَمْرَةَ وَالْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ . وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ وَذَكَرَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَكَانَ شَرِيفًا نَبِيلًا حَظِيًّا عِنْدَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ ، ثُمَّ قَتَلَهُ يَوْمَ الزَّاوِيَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ لِخُرُوجِهِ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ . وَعِنْدِي أَنَّ وَقْفَهُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَشْبَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَمْ يَجْزِمِ ابْنُ جَرِيرٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَيْ إِذَا ذَهَبَ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ) حَتَّى يُذْهِبَ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَابْنِ زَيْدٍ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ) إِذَا سَارَ . وَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَيْ : ذَهَبَ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِذَا سَارَ ، أَيْ : أَقْبَلَ . وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ هَذَا أَنْسَبُ ; لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ : ( ﴿وَالْفَجْرِ﴾ ) فَإِنَّ الْفَجْرَ هُوَ إِقْبَالُ النَّهَارِ وَإِدْبَارُ اللَّيْلِ ، فَإِذَا حُمِلَ قَوْلُهُ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ) عَلَى إِقْبَالِهِ كَانَ قَسَمًا بِإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَإِدْبَارِ النَّهَارِ ، وَبِالْعَكْسِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ) [ التَّكْوِيرِ : 17 ، 18 ] . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ : ( ﴿[ وَاللَّيْلِ ] إِذَا يَسْرِ﴾ ) أَيْ : يَجْرِي . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ) يَعْنِي : لَيْلَةَ جَمْعٍ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ) قَالَ : اسْرِ يَا سَارِ وَلَا تَبِينَ إِلَّا بِجَمْعٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ) أَيْ : لِذِي عَقْلٍ وَلُبٍّ وَحِجَا [ وَدِينٍ ] وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعَقْلُ حِجْرًا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنْ تَعَاطِي مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ ، وَمِنْهُ حِجْرُ الْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الطَّائِفَ مِنَ اللُّصُوقِ بِجِدَارِهِ الشَّامِيِّ . وَمِنْهُ حِجْرُ الْيَمَامَةِ ، وَحَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَى فُلَانٍ : إِذَا مَنَعَهُ التَّصَرُّفَ ، ( ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 22 ] ، كُلُّ هَذَا مِنْ قَبِيلٍ وَاحِدٍ ، وَمَعْنًى مُتَقَارِبٍ ، وَهَذَا الْقَسَمُ هُوَ بِأَوْقَاتِ الْعِبَادَةِ ، وَبِنَفْسِ الْعِبَادَةِ مِنْ حَجٍّ وَصَلَاةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرَبِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا [ إِلَيْهِ عِبَادُهُ ] الْمُتَّقُونَ الْمُطِيعُونَ لَهُ ، الْخَائِفُونَ مِنْهُ ، الْمُتَوَاضِعُونَ لَدَيْهِ ، الْخَاشِعُونَ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ . وَلَمَّا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ وَعِبَادَتَهُمْ وَطَاعَتَهُمْ قَالَ بَعْدَهُ : ( ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ) وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُتَمَرِّدِينَ عُتَاةً جَبَّارِينَ ، خَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ مُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِ ، جَاحِدِينَ لِكُتُبِهِ . فَذَكَرَ تَعَالَى كَيْفَ أَهْلَكَهُمْ وَدَمَّرَهُمْ ، وَجَعَلَهُمْ أَحَادِيثَ وَعِبَرًا ، فَقَالَ : ( ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ) وَهَؤُلَاءِ عَادٌ الْأَوْلَى ، وَهُمْ أَوْلَادُ عَادِ بْنِ إِرَمَ بْنِ عَوْصِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ ، قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ هُودًا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ ، فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ وَمَنْ آمَنُ مَعَهُ مِنْهُمْ ، وَأَهْلَكَهُمْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ، ( ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 7 ، 8 ] وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّتَهُمْ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ ، لِيَعْتَبِرَ بِمَصْرَعِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ . فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ) عَطْفُ بَيَانٍ ; زِيَادَةُ تَعْرِيفٍ بِهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ) لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ بُيُوتَ الشَّعْرِ الَّتِي تُرْفَعُ بِالْأَعْمِدَةِ الشِّدَادِ ، وَقَدْ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ خِلْقَةً وَأَقْوَاهُمْ بَطْشًا ، وَلِهَذَا ذَكَّرَهُمْ هُودٌ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَنْ يَسْتَعْمِلُوهَا فِي طَاعَةِ رَبِّهِمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ ، فَقَالَ : ( ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ [ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ]﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 69 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 15 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ) أَيِ : الْقَبِيلَةُ الَّتِي لَمْ يَخْلُقْ مِثْلَهَا فِي بِلَادِهِمْ ، لِقُوَّتِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ وَعِظَمِ تَرْكِيبِهِمْ . قَالَ مُجَاهِدٌ : إِرَمَ : أُمَّةٌ قَدِيمَةٌ . يَعْنِي : عَادًا الْأُولَى ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ ، وَالسُّدِّيُّ : إِنَّ إِرَمَ بَيْتُ مَمْلَكَةِ عَادٍ . وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْكَلْبِيُّ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ) كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ : ( ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ) لِطُولِهِمْ . وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَرَدَّ الثَّانِي فَأَصَابَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ) أَعَادَ ابْنُ زَيْدٍ الضَّمِيرَ عَلَى الْعِمَادِ ; لِارْتِفَاعِهَا ، وَقَالَ : بَنَوْا عُمُدًا بِالْأَحْقَافِ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . وَأَمَّا قَتَادَةُ وَابْنُ جَرِيرٍ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْقَبِيلَةِ ، أَيْ : لَمْ يَخْلُقْ مِثْلَ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ فِي الْبِلَادِ ، يَعْنِي فِي زَمَانِهِمْ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ ، وَقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ : الَّتِي لَمْ يُعْمَلْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ، وَإِنَّمَا قَالَ : ( ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ) وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ الْمِقْدَامِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ ذَكَرَ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ فَقَالَ : " كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَأْتِي عَلَى صَخْرَةٍ فَيَحْمِلُهَا عَلَى الْحَيِّ فَيُهْلِكُهُمْ " . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ . قَالَ : قَرَأْتُ كِتَابًا - قَدْ سَمَّى حَيْثُ قَرَأَهُ - : أَنَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ ، وَأَنَا الَّذِي رَفَعْتُ الْعِمَادَ ، وَأَنَا الَّذِي شَدَدْتُ بِذِرَاعِي نَظَرَ وَاحِدٍ ، وَأَنَا الَّذِي كَنَزْتُ كَنْزًا عَلَى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قُلْتُ : فَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ سَوَاءٌ كَانَتِ الْعِمَادُ أَبْنِيَةً بَنَوْهَا ، أَوْ أَعْمِدَةَ بُيُوتِهِمْ لِلْبَدْوِ ، أَوْ سِلَاحًا يُقَاتِلُونَ بِهِ ، أَوْ طُولَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ - فَهُمْ قَبِيلَةٌ وَأُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ ، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ ، الْمَقْرُونُونَ بِثَمُودَ كَمَا هَاهُنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ) مَدِينَةٌ إِمَّا دِمَشْقُ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعِكْرِمَةَ ، أَوِ إِسْكَنْدَرِيَّةُ كَمَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوْ غَيْرُهُمَا ، فَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ كَيْفَ يَلْتَئِمُ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا : ( ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ) إِنْ جَعَلَ ذَلِكَ بَدَلًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَّسِقُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ . ثُمَّ الْمُرَادُ إِنَّمَا هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ إِهْلَاكِ الْقَبِيلَةِ الْمُسَمَّاةِ بِعَادٍ ، وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ بَأْسِهِ الَّذِي لَا يُرَدُّ ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ الْإِخْبَارُ عَنْ مَدِينَةٍ أَوْ إِقْلِيمٍ .
وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، مِنْ ذِكْرِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا : ( ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ) مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، قُصُورُهَا وَدَوْرُهَا وَبَسَاتِينُهَا ، وَإِنَّ حَصْبَاءَهَا لَآلِئٌ وَجَوَاهِرُ ، وَتُرَابُهَا بَنَادِقُ الْمِسْكِ ، وَأَنْهَارُهَا سَارِحَةٌ ، وَثِمَارُهَا سَاقِطَةٌ ، وَدُورُهَا لَا أَنِيسَ بِهَا ، وَسُورُهَا وَأَبْوَابُهَا تَصْفَرُّ ، لَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٍ . وَأَنَّهَا تَنْتَقِلُ فَتَارَةٌ تَكُونُ بِأَرْضِ الشَّامِ ، وَتَارَةٌ بِالْيَمَنِ ، وَتَارَةٌ بِالْعِرَاقِ ، وَتَارَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبِلَادِ - فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ خُرَافَاتِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ ، مِنْ وَضْعِ بَعْضِ زَنَادِقَتِهِمْ ، لِيَخْتَبِرُوا بِذَلِكَ عُقُولَ الْجَهَلَةِ مِنَ النَّاسِ أَنْ تُصَدِّقَهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قِلَابَةَ - فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ ذَهَبَ فِي طَلَبِ أَبَاعِرَ لَهُ شَرَدَتْ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتِيهُ فِي ابْتِغَائِهَا ، إِذْ طَلَعَ عَلَى مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ لَهَا سُورٌ وَأَبْوَابٌ ، فَدَخَلَهَا فَوَجَدَ فِيهَا قَرِيبًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَدِينَةِ الذَّهَبِيَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، وَأَنَّهُ رَجَعَ فَأَخْبَرَ النَّاسَ ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قَالَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ قِصَّةَ ( ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ) هَاهُنَا مُطَوَّلَةً جِدًّا ، فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ لَيْسَ يَصِحُّ إِسْنَادُهَا ، وَلَوْ صَحَّ إِلَى ذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ فَقَدْ يَكُونُ اخْتَلَقَ ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ أَصَابَهُ نَوْعٌ مِنَ الْهَوَسِ وَالْخَبَالِ فَاعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي الْخَارِجِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ . وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا يُخْبِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ وَالطَّامِعِينَ وَالْمُتَحَيِّلِينَ ، مِنْ وُجُودِ مَطَالِبَ تَحْتَ الْأَرْضِ ، فِيهَا قَنَاطِيرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَأَلْوَانِ الْجَوَاهِرِ وَالْيَوَاقِيتِ وَاللَّآلِئِ وَالْإِكْسِيرِ الْكَبِيرِ ، لَكِنْ عَلَيْهَا مَوَانِعُ تَمْنَعُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَالْأَخْذِ مِنْهَا ، فَيَحْتَالُونَ عَلَى أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ وَالضَّعَفَةِ وَالسُّفَهَاءِ ، فَيَأْكُلُونَهَا بِالْبَاطِلِ فِي صَرْفِهَا فِي بَخَاخِيرَ وَعَقَاقِيرَ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْهَذَيَانَاتِ ، وَيَطْنِزُونَ بِهِمْ . وَالَّذِي يُجْزَمُ بِهِ أَنَّ فِي الْأَرْضِ دَفَائِنَ جَاهِلِيَّةً وَإِسْلَامِيَّةً وَكُنُوزًا كَثِيرَةً ، مَنْ ظَفَرَ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَمْكَنَهُ تَحْوِيلُهُ فَأَمَّا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي زَعَمُوهَا فَكَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ وَبُهْتٌ ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِمَّا يَقُولُونَ إِلَّا عَنْ نَقْلِهِمْ أَوْ نَقْلِ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْهَادِي لِلصَّوَابِ . وَقَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿إِرَمَ﴾ ) قَبِيلَةً أَوْ بَلْدَةً كَانَتْ عَادٌ تَسْكُنُهَا فَلِذَلِكَ لَمْ تُصْرَفْ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السِّيَاقِ إِنَّمَا هُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْقَبِيلَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ : ( ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ ) يَعْنِي : يَقْطَعُونَ الصَّخْرَ بِالْوَادِي . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَنْحِتُونَهَا وَيَخْرِقُونَهَا . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَمِنْهُ يُقَالُ : " مُجْتَابِي النِّمَارَ " . إِذَا خَرَقُوهَا ، وَاجْتَابَ الثَّوْبَ : إِذَا فَتَحَهُ . وَمِنْهُ الْجَيْبُ أَيْضًا . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 149 ] . وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا قَوْلَ الشَّاعِرِ :
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ - مَا خَلَا اللَّهَ - بَائِدٌ ※ كَمَا بَادَ حَيٌّ مِنْ شَنِيفٍ وَمَارِدِ ※ هُمْ ضَرَبُوا فِي كُلِ صَمَّاءَ ※ صَعْدَةً بِأَيْدٍ شِدَادٍ أَيَّدَاتِ السَّوَاعِدِ ※
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانُوا عَرَبًا ، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِوَادِي الْقُرَى . وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ " عَادٍ " مُسْتَقْصَاةً فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ " بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْأَوْتَادُ : الْجُنُودُ الَّذِينَ يَشُدُّونَ لَهُ أَمْرَهُ . وَيُقَالُ :كَانَ فِرْعَوْنُ يُوتِدُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ فِي أَوْتَادٍ مِنْ حَدِيدٍ يُعَلِّقُهُمْ بِهَا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَ يُوتِدُ النَّاسَ بِالْأَوْتَادِ . وَهَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالسُّدِّيُّ . قَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ يَرْبِطُ الرَّجُلَ ، كُلُّ قَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِهِ فِي وَتَدٍ ثُمَّ يُرْسِلُ عَلَيْهِ صَخْرَةً عَظِيمَةً فَتَشْدَخُهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ مَطَالٌّ وَمَلَاعِبٌ ، يَلْعَبُ لَهُ تَحْتَهَا ، مِنْ أَوْتَادٍ وَحِبَالٍ . وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ : قِيلَ لِفِرْعَوْنَ ( ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ ) ; لِأَنَّهُ ضَرَبَ لِامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًى عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ ) أَيْ : تَمَرَّدُوا وَعَتَوْا وَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ بِالْإِفْسَادِ وَالْأَذِيَّةِ لِلنَّاسِ ، ( ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ ) أَيْ : أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ ، وَأَحَلَّ بِهِمْ عُقُوبَةً لَا يَرُدُّهَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَسْمَعُ وَيَرَى . يَعْنِي : يَرْصُدُ خَلْقَهُ فِيمَا يَعْمَلُونَ ، وَيُجَازِي كُلًّا بِسَعْيِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى ، وَسَيُعْرَضُ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ ، فَيَحْكُمُ فِيهِمْ بِعَدْلِهِ ، وَيُقَابِلُ كُلًّا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ . وَهُوَ الْمُنَزَّهُ عَنِ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا - وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ وَفِي صِحَّتِهِ - فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْبَيْسَانِيِّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
" يَا مُعَاذُ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَدَى الْحَقِّ أَسِيرٌ . يَا مُعَاذُ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسْكُنُ رَوْعُهُ وَلَا يَأْمَنُ اضْطِرَابُهُ حَتَّى يُخَلَّفَ جِسْرَ جَهَنَّمَ خَلْفَ ظَهْرِهِ . يَا مُعَاذُ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَيَّدَهُ الْقُرْآنُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ شَهَوَاتِهِ ، وَعَنْ أَنْ يَهْلَكَ فِيهَا هُوَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، - عَزَّ وَجَلَّ - فَالْقُرْآنُ دَلِيلُهُ ، وَالْخَوْفُ مَحَجَّتُهُ ، وَالشَّوْقُ مَطِيَّتُهُ ، وَالصَّلَاةُ كَهْفُهُ ، وَالصَّوْمُ جَنَّتُهُ ، وَالصَّدَقَةُ فِكَاكُهُ ، وَالصِّدْقُ أَمِيرُهُ ، وَالْحَيَاءُ وَزِيرُهُ ، وَرَبُّهُ ، - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْمِرْصَادِ " . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : يُونُسُ الْحَذَّاءُ وَأَبُو حَمْزَةَ مَجْهُولَانِ ، وَأَبُو حَمْزَةَ عَنْ مُعَاذٍ مُرْسَلٌ . وَلَوْ كَانَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ لَكَانَ حَسَنًا . أَيْ : لَوْ كَانَ مِنْ كَلَامِهِ لَكَانَ حَسَنًا . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَيْفَعَ بْنِ عَبْدٍ الْكُلَاعِيِّ : أَنَّهُ سَمِعَهُ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ يَقُولُ : إِنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ قَنَاطِرَ - قَالَ : وَالصِّرَاطُ عَلَيْهِنَّ ، قَالَ : فَيَحْبِسُ الْخَلَائِقَ عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ الْأُولَى ، فَيَقُولُ : ( ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ) [ الصَّافَّاتِ : 24 ] ، قَالَ : فَيُحَاسَبُونَ عَلَى الصَّلَاةِ وَيُسْأَلُونَ عَنْهَا ، قَالَ : فَيَهْلِكُ فِيهَا مَنْ هَلَكَ ، وَيَنْجُو مَنْ نَجَا ، فَإِذَا بَلَغُوا الْقَنْطَرَةَ الثَّانِيَةَ حُوسِبُوا عَلَى الْأَمَانَةِ كَيْفَ أَدَّوْهَا ، وَكَيْفَ خَانُوهَا ؟ قَالَ : فَيَهْلِكُ مَنْ هَلَكَ وَيَنْجُو مَنْ نَجَا . فَإِذَا بَلَغُوا الْقَنْطَرَةَ الثَّالِثَةَ سُئِلُوا عَنِ الرَّحِمِ كَيْفَ وَصَلُوهَا وَكَيْفَ قَطَعُوهَا ؟ قَالَ : فَيَهْلِكُ مَنْ هَلَكَ وَيَنْجُو مَنْ نَجَا . قَالَ : وَالرَّحِمُ يَوْمَئِذٍ مُتَدَلِّيَةٌ إِلَى الْهُوِيِّ فِي جَهَنَّمَ تَقُولُ : اللَّهُمَّ مَنْ وَصَلَنِي فَصِلْهُ ، وَمَنْ قَطَعَنِي فَاقْطَعْهُ . قَالَ : وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ) . هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْأَثَرَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَمَامَهُ .
(﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾( 15 ) ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ ( 16 ) ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ ( 17 ) ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ( 18 ) ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ ( 19 ) ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ( 20 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْإِنْسَانِ فِي اعْتِقَادِهِ إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ لِيَخْتَبِرَهُ فِي ذَلِكَ ، فَيَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ إِكْرَامٌ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 55 ، 56 ] . وَكَذَلِكَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ إِذَا ابْتَلَاهُ وَامْتَحَنَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ ، يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ إِهَانَةٌ لَهُ . قَالَ اللَّهُ : ( كَلَّا ) أَيْ : لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ ، لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الْمَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ ، وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِي كُلٍّ مِنَ الْحَالَيْنِ ، إِذَا كَانَ غَنِيًّا بِأَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَ فَقِيرًا بِأَنْ يَصْبِرَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ ) فِيهِ أَمْرٌ بِالْإِكْرَامِ لَهُ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي عَتَّابٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
" خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ " ثُمَّ قَالَ بِأُصْبُعِهِ : " أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا " . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ - حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَهْلٍ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ" . وَقَرَنَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ : الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ .
( ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ) يَعْنِي : لَا يَأْمُرُونَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، وَيُحِثُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ ، ( ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ ) يَعْنِي : الْمِيرَاثَ ( ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ ) أَيْ : مِنْ أَيِّ جِهَةٍ حَصَلَ لَهُمْ ، مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ ، ( ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ) أَيْ : كَثِيرًا - زَادَ بَعْضُهُمْ : فَاحِشًا .
(﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾( 21 ) ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ( 22 ) ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ ( 23 ) ) ( ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ ( 24 ) ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ( 25 ) ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ( 26 ) ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ ( 27 ) ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ( 28 ) ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ ( 29 ) ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ( 30 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَهْوَالِ الْعَظِيمَةِ، فَقَالَ : ( كَلَّا ) أَيْ : حَقًّا ( ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ) أَيْ : وُطِئَتْ وَمُهِّدَتْ وَسُوِّيَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ ، وَقَامَ الْخَلَائِقُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّهِمْ ، ( ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ) يَعْنِي : لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا يَسْتَشْفِعُونَ إِلَيْهِ بِسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَمَا يَسْأَلُونَ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، فَكُلُّهُمْ يَقُولُ : لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَاكُمْ ، حَتَّى تَنْتَهِيَ النَّوْبَةُ إِلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُ :
" أَنَا لَهَا ، أَنَا لَهَا " . فَيَذْهَبُ فَيَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ فِي أَنْ يَأْتِيَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، وَهِيَ أَوَّلُ الشَّفَاعَاتِ ، وَهِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ " سُبْحَانَ " فَيَجِيءُ الرَّبُّ تَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ كَمَا يَشَاءُ ، وَالْمَلَائِكَةُ يَجِيئُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا صُفُوفًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ ) قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ الْكَاهِلِيِّ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا " . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ ، بِهِ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ - وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَوْلُهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيِّ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَوْلُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ ) أَيْ : عَمَلَهُ وَمَا كَانَ أَسْلَفَهُ فِي قَدِيمِ دَهْرِهِ وَحَدِيثِهِ ، ( ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ ) أَيْ : وَكَيْفَ تَنْفَعُهُ الذِّكْرَى ؟ ( ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ ) يَعْنِي : يَنْدَمُ عَلَى مَا كَانَ سَلَفَ مِنْهُ مِنَ الْمَعَاصِي - إِنْ كَانَ عَاصِيًا - وَيَوَدُّ لَوْ كَانَ ازْدَادَ مِنَ الطَّاعَاتِ - إِنْ كَانَ طَائِعًا - كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ أَنَّ عَبْدًا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرِمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، لَحَقِرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَوَدَّ أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادُ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ . وَرَوَاهُ بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ أَحَدٌ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ تَعْذِيبِ اللَّهِ مَنْ عَصَاهُ ، ( ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ) أَيْ : وَلَيْسَ أَحَدٌ أَشَدَّ قَبْضًا وَوَثْقًا مِنَ الزَّبَانِيَةِ لِمَنْ كَفَرَ بِرَبِّهِمْ ، - عَزَّ وَجَلَّ - هَذَا فِي حَقِّ الْمُجْرِمِينَ مِنَ الْخَلَائِقِ وَالظَّالِمِينَ فَأَمَّا النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ الْمُطْمَئِنَّةُ وَهِيَ السَّاكِنَةُ الثَّابِتَةُ الدَّائِرَةُ مَعَ الْحَقِّ فَيُقَالُ لَهَا : ( ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ ) أَيْ : إِلَى جِوَارِهِ وَثَوَابِهِ وَمَا أَعَدَّ لِعِبَادِهِ فِي جَنَّتِهِ ، ( ﴿رَاضِيَةً﴾ ) أَيْ : فِي نَفْسِهَا ( ﴿مَرْضِيَّةً﴾ ) أَيْ : قَدْ رَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا ، ( ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ ) أَيْ : فِي جُمْلَتِهِمْ ، ( ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ) وَهَذَا يُقَالُ لَهَا عِنْدَ الِاحْتِضَارِ ، وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْضًا ، كَمَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُبَشِّرُونَ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ وَعِنْدَ قِيَامِهِ مِنْ قَبْرِهِ ، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا . ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فَيَمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَرَوَى الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ . وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ : نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُقَالُ لِلْأَرْوَاحِ الْمُطْمَئِنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ( ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ ) يَعْنِي : صَاحِبُكِ ، وَهُوَ بَدَنُهَا الَّذِي كَانَتْ تُعَمِّرُهُ فِي الدُّنْيَا ، ( ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ) وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : " فَادْخُلِي فِي عَبْدِي وَادْخُلِي جَنَّتِي " . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْكَلْبِيُّ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَهُوَ غَرِيبٌ ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ ; لِقَوْلِهِ : ( ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 62 ] ( ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ ) [ غَافِرٍ : 43 ] أَيْ : إِلَى حُكْمِهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّشْتَكِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ) قَالَ : نَزَلَتْ وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَحْسَنَ هَذَا . فَقَالَ : " أَمَا إِنَّهُ سَيُقَالُ لَكَ هَذَا " . ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قَرَأْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّ هَذَا حَسَنٌ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُ لَكَ هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ " . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ يَمَانٍ ، بِهِ . وَهَذَا مُرْسَلٌ حَسَنٌ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ ، فَجَاءَ طَيْرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خَلْقِهِ فَدَخَلَ نَعْشَهُ ، ثُمَّ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ فَلَمَّا دُفِنَ تُلِيَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ ، مَا يُدْرَى مَنْ تَلَاهَا : ( ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ شُجَاعٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَجْلَانَ الْأَفْطَسِ ، بِهِ فَذَكَرَهُ . وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْهَرَوِيُّ - الْمَعْرُوفُ بِشُكْرٍ - فِي كِتَابِ " الْعَجَائِبِ " بِسَنَدِهِ عَنْ قُبَاثِ بْنِ رَزِينٍ أَبِي هَاشِمٍ قَالَ : أُسِرْتُ فِي بِلَادِ الرُّومِ ، فَجَمَعَنَا الْمَلِكُ وَعَرَضَ عَلَيْنَا دِينَهُ ، عَلَى أَنَّ مَنِ امْتَنَعَ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ . فَارْتَدَّ ثَلَاثَةٌ ، وَجَاءَ الرَّابِعُ فَامْتَنَعَ ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ ، وَأُلْقِيَ رَأْسُهُ فِي نَهْرٍ هُنَاكَ ، فَرَسَبَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ طَفَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ ، وَنَظَرَ إِلَى أُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ : يَا فُلَانُ ، وَيَا فُلَانُ ، وَيَا فُلَانُ - يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : ( ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ) ثُمَّ غَاصَ فِي الْمَاءِ ، [ قَالَ ] فَكَادَتِ النَّصَارَى أَنْ يُسْلِمُوا ، وَوَقَعَ سَرِيرُ الْمَلِكِ ، وَرَجَعَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ إِلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَجَاءَ الْفِدَاءُ مِنْ عِنْدِ الْخَلِيفَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ فَخَلَّصَنَا . وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ رَوَاحَةَ بِنْتِ أَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ أَبِيهَا : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ : " قُلِ اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ نَفْسًا بِكَ مُطَمْئِنَةً ، تُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ ، وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ ، وَتَقْنَعُ بِعَطَائِكَ "
ثُمَّ رَوَى عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ زَبْرٍ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ رَوَاحَةَ هَذَا وَاحِدُ أُمِّهِ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْفَجْرِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [ وَالْمِنَّةُ ] .