مكتبة الإسلام الشاملة

88 - تفسير سورة الغاشية

1-7

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ :

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ بِ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ " وَالْغَاشِيَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ : بِمَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : " ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾" . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، بِهِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾( 1 ) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ ( 2 ) ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ ( 3 ) ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ( 4 ) ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ( 5 ) ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ ( 6 ) ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ ( 7 ) ) الْغَاشِيَةُ : مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ ; لِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ وَتَعُمُّهُمْ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ : ( ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ) فَقَامَ يَسْتَمِعُ وَيَقُولُ : " نَعَمْ ، قَدْ جَاءَنِي " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ ) أَيْ : ذَلِيلَةٌ . قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ ) أَيْ : قَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا كَثِيرًا ، وَنَصَبَتْ فِيهِ ، وَصَلِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حَامِيَةً .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ يَقُولُ : مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِدَيْرِ رَاهِبٍ ، قَالَ : فَنَادَاهُ : يَا رَاهِبُ [ يَا رَاهِبُ ] فَأَشْرَفَ . قَالَ : فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي . فَقِيلَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا ؟ قَالَ : ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ ، - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ : ( ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ) فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ ) النَّصَارَى . وَعَنْ عِكْرِمَةَ ، وَالسُّدِّيِّ : ( ﴿عَامِلَةٌ﴾ ) فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ( ﴿نَاصِبَةٌ﴾ ) فِي النَّارِ بِالْعَذَابِ وَالْأَغْلَالِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ : ( ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ) أَيْ : حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ ( ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ) أَيْ : قَدِ انْتَهَى حَرُّهَا وَغَلَيَانُهَا . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالسُّدِّيُّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : شَجَرٌ مِنْ نَارٍ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : هُوَ الزَّقُّومُ . وَعَنْهُ : أَنَّهَا الْحِجَارَةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ ، وَقَتَادَةُ : هُوَ الشِّبْرِقُ . قَالَ قَتَادَةُ : قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ فِي الرَّبِيعِ الشِّبْرِقُ ، وَفِي الصَّيْفِ الضَّرِيعُ . قَالَ عِكْرِمَةُ : وَهُوَ شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكٍ لَاطِئَةٌ بِالْأَرْضِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ مُجَاهِدٌ : الضَّرِيعُ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ : الشِّبْرِقُ ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يَبِسَ ، وَهُوَ سُمٌّ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( ﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ ) هُوَ الشِّبْرِقُ ، إِذَا يَبِسَ سُمِّي الضَّرِيعَ . وَقَالَ سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ ) مِنْ شَرِّ الطَّعَامِ وَأَبْشَعِهِ وَأَخْبَثِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ ) يَعْنِي : لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَحْذُورٌ .

8-16

( ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ( 8 ) ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ ( 9 ) ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ( 10 ) ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ ( 11 ) ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ ( 12 ) ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ( 13 ) ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ( 14 ) ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ( 15 ) ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ( 16 ) )

لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ : ( ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( ﴿نَاعِمَةٌ﴾ ) أَيْ : يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا . وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا . وَقَالَ سُفْيَانُ : ( ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ ) قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ) أَيْ : رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ، ( ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ ) أَيْ : لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ . كَمَا قَالَ : ( ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ ) [ مَرْيَمَ : 62 ] وَقَالَ : ( ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ ) [ الطَّوْرِ : 23 ] وَقَالَ : ( ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ ) [ الْوَاقِعَةِ : 25 ، 26 ] ( ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ ) أَيْ : سَارِحَةٌ . وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ ، يَعْنِي : فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : قُرِئَ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

" أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفَجُّرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ - أَوْ : مِنْ تَحْتِ جِبَالِ - الْمِسْكِ " . ( ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ) أَيْ : عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ ، مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ ، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ . قَالُوا : فَإِذَا أَرَادَ وَلِيُ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ ، ( ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ) يَعْنِي : أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرْصَدَةٌ لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا ، ( ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : النَّمَارِقُ : الْوَسَائِدُ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الزَّرَابِيُّ : الْبُسُطُ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ ، أَيْ : هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا . وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى : حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمِّرٍ لِلْجَنَّةِ ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا ، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ ، وَمُقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دَارٍ سَلِيمَةٍ ، وَفَاكِهَةٌ وَخَضِرَةٌ ، وَحَبْرَةٌ وَنِعْمَةٌ ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ ؟ " . قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا . قَالَ : " قُولُوا : إِنْ شَاءَ اللَّهُ " . قَالَ الْقَوْمُ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ .

17-26

(﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾( 17 ) ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ( 18 ) ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ( 19 ) ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ( 20 ) ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ( 21 ) ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ( 22 ) ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ( 23 ) ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ ( 24 ) ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ ( 25 ) ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ( 26 ) )

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ : ( ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ) ؟ فَإِنَّهَا خَلْقٌ عَجِيبٌ ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ ، وَتُؤْكَلُ ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا ، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا . وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ : اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ؟ أَيْ : كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ ، - عَزَّ وَجَلَّ - عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ) [ ق : 6 ] ( ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ) أَيْ : جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ . ( ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ) ؟ أَيْ : كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ ، فَنَبَّهَ الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ - عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ . وَهَكَذَا أَقْسَمَ " ضِمَامٌ " فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ،

عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّهُ أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ . قَالَ : " صَدَقَ " . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ ؟ قَالَ : " اللَّهُ " . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ ؟ قَالَ : " اللَّهُ " . قَالَ : فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ ؟ قَالَ : " اللَّهُ " . قَالَ : فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا . قَالَ : " صَدَقَ " . قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا ؟ قَالَ : " صَدَقَ " . قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ . قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . قَالَ : " صَدَقَ " . قَالَ : ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ " . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ ، بِهِ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، بِهِ بِطُولِهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : " وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ " . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا ، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا : يَا أُمَّهْ ، مَنْ خَلَقَكِ ؟ قَالَتِ : اللَّهُ . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ أَبِي ؟ قَالَتِ : اللَّهُ . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَنِي ؟ قَالَتِ : اللَّهُ . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ ؟ قَالَتِ : اللَّهُ . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ ؟ قَالَتِ : اللَّهُ . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ ؟ قَالَتِ : اللَّهُ . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ ؟ قَالَتِ : اللَّهُ . قَالَ : إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا . وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا . قَالَ ابْنُ دِينَارٍ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا . فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ ، ضَعَّفَهُ وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ) أَيْ : فَذَكِّرْ - يَا مُحَمَّدُ - النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُهُمَا : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - " . ثُمَّ قَرَأَ : ( ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ )

وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ " الْإِيمَانِ " ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ التَّفْسِيرِ " مِنْ سُنَنَيْهِمَا ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ) أَيْ : تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ : ( ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ) [ الْقِيَامَةِ : 31 ، 32 ] وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ

أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، إِلَّا مَنْ شَرَدَ عَلَى اللَّهِ شِرَادَ الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ " . تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا : " رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ ) أَيْ : مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ( ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ) أَيْ : نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْغَاشِيَةِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .