مكتبة الإسلام الشاملة

78 - تفسير سورة النبأ

1-16

تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّبَأِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ( 1 ) ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ ( 2 ) ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ( 3 ) ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ( 4 ) ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ( 5 ) ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ ( 6 ) ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ ( 7 ) ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ( 8 ) ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ ( 9 ) ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ( 10 ) ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ ( 11 ) ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ ( 12 ) ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ ( 13 ) ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ ( 14 ) ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ ( 15 ) ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ ( 16 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي تَسَاؤُلِهِمْ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنْكَارًا لِوُقُوعِهَا : ( ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ ) أَيْ : عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَسَاءَلُونَ ؟ مِنْ أَمْرِ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ النَّبَأُ الْعَظِيمُ ، يَعْنِي : الْخَبَرَ الْهَائِلَ الْمُفْظِعَ الْبَاهِرَ . قَالَ قَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ : النَّبَأُ الْعَظِيمُ : الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ الْقُرْآنُ . وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ : ( ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ) يَعْنِي : النَّاسُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : مُؤْمِنٌ بِهِ وَكَافِرٌ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِمُنْكِرِي الْقِيَامَةِ : ( ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ) وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ . ثُمَّ شَرَعَ وَتَعَالَىيُبَيِّنُ قُدْرَتَهُ الْعَظِيمَةَ عَلَى خَلْقِ الْأَشْيَاءِ الْغَرِيبَةِ وَالْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ ، الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُمِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ وَغَيْرِهِ ، فَقَالَ : ( ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ ) ؟ أَيْ : مُمَهَّدَةٌ لِلْخَلَائِقِ ذَلُولًا لَهُمْ ، قَارَّةً سَاكِنَةً ثَابِتَةً ، ( ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ ) أَيْ : جَعَلَهَا لَهَا أَوْتَادًا أَرْسَاهَا بِهَا وَثَبَّتَهَا وَقَرَّرَهَا حَتَّى سَكَنَتْ وَلَمْ تَضْطَرِبْ بِمَنْ عَلَيْهَا . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ) يَعْنِي : ذَكَرًا وَأُنْثَى ، يَسْتَمْتِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ ، وَيَحْصُلُ التَّنَاسُلُ بِذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ) [ الرُّومِ : 21 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ ) أَيْ : قَطْعًا لِلْحَرَكَةِ لِتَحْصُلَ الرَّاحَةُ مِنْ كَثْرَةِ التَّرْدَادِ وَالسَّعْيِ فِي الْمَعَايِشِ فِي عَرْضِ النَّهَارِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ " الْفُرْقَانِ " . ( ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ) أَيْ : يَغْشَى النَّاسَ ظَلَامُهُ وَسَوَادُهُ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ ) [ الشَّمْسِ : 4 ] وَقَالَ الشَّاعِرُ :

فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ ، أَوْ حِينَ نَصَّبَتْ ※ لَهُ مِنْ خَذَا آذَانِهَا وَهْوَ جَانِحُ ※

وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ) أَيْ : سَكَنًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ ) أَيْ : جَعَلْنَاهُ مُشْرِقًا مُنِيرًا مُضِيئًا ، لِيَتَمَكَّنَ النَّاسُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالذِّهَابِ وَالْمَجِيءِ لِلْمَعَاشِ وَالتَّكَسُّبِ وَالتِّجَارَاتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ ) يَعْنِي : السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ ، فِي اتِّسَاعِهَا وَارْتِفَاعِهَا وَإِحْكَامِهَا وَإِتْقَانِهَا ، وَتَزْيِينِهَا بِالْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ ) يَعْنِي : الشَّمْسَ الْمُنِيرَةَ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ الَّتِي يَتَوَهَّجُ ضَوْؤُهَا لِأَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾ ) الرِّيحُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ ) قَالَ : الرِّيَاحُ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ ، وَالْكَلْبِيُّ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : إِنَّهَا الرِّيَاحُ . وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهَا تَسْتَدِرُّ الْمَطَرَ مِنَ السَّحَابِ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ ) أَيْ : مِنَ السَّحَابِ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ أَيْضًا ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالثَّوْرِيُّ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : هِيَ السَّحَابُ الَّتِي تَتَحَلَّبُ بِالْمَطَرِ وَلَمْ تُمْطِرْ بَعْدُ ، كَمَا يُقَالُ امْرَأَةٌ مُعْصِرٌ ، إِذَا دَنَا حَيْضُهَا وَلَمْ تَحِضْ . وَعَنِ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ : ( ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ ) يَعْنِي : السَّمَاوَاتِ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعْصِرَاتِ : السَّحَابُ ، كَمَا قَالَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ ) [ الرُّومِ : 48 ] أَيْ : مِنْ بَيْنِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( ﴿ثَجَّاجًا﴾ ) مُنْصَبًّا . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : مُتَتَابِعًا . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَثِيرًا .

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَلَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي صِفَةِ الْكَثْرَةِ الثَّجُّ ، وَإِنَّمَا الثَّجُّ : الصَّبُّ الْمُتَتَابِعُ . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

" أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ " . يَعْنِي صَبَّ دِمَاءِ الْبُدْنِ . هَكَذَا قَالَ . قُلْتُ : وَفِي حَدِيثِ الْمُسْتَحَاضَةِ حِينَ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ " - يَعْنِي : أَنْ تَحْتَشِيَ بِالْقُطْنِ - : قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا . وَهَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الثَّجِّ فِي الصَّبِّ الْمُتَتَابِعِ الْكَثِيرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ ) أَيْ : لِنَخْرِجَ بِهَذَا الْمَاءِ الْكَثِيرِ الطَّيِّبِ النَّافِعِ الْمُبَارَكِ ) حُبًّا ) يُدَّخَرُ لِلْأَنَاسِيِّ وَالْأَنْعَامِ ، ( ﴿وَنَبَاتًا﴾ ) أَيْ : خَضِرًا يُؤْكَلُ رَطْبًا ، ( وَجَنَّاتٍ ) أَيْ : بَسَاتِينَ وَحَدَائِقَ مِنْ ثَمَرَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ ، وَأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَطَعُومٍ وَرَوَائِحَ مُتَفَاوِتَةٍ ، وَإِنْ كَانَ ذَهَلَكَ فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ مُجْتَمَعًا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُهُ : ( ﴿أَلْفَافًا﴾ ) مُجْتَمِعَةً . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ ) الْآيَةَ [ الرَّعْدِ : 4 ] .

17-30

( ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ ( 17 ) ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ ( 18 ) ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ ( 19 ) ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ ( 20 ) ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ ( 21 ) ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ ( 22 ) ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ( 23 ) ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ ( 24 ) ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ ( 25 ) ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ ( 26 ) ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ ( 27 ) ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ ( 28 ) ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ ( 29 ) ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ ( 30 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَوْمِ الْفَصْلِ ، وَهُوَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ، لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ ، وَلَا يَعْلَمُ وَقْتَهُ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - كَمَا قَالَ : ( ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ) [ هُودِ : 104 ] . ( ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ) قَالَ مُجَاهِدٌ : زُمَرًا . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يَعْنِي تَأْتِي كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ رَسُولِهَا ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 31 ] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : ( ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

" مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ " . قَالُوا : أَرْبَعُونَ يَوْمًا ؟ قَالَ : " أَبَيْتُ " . قَالُوا : أَرْبَعُونَ شَهْرًا ؟ قَالَ : " أَبَيْتُ " . قَالُوا : أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ : " أَبَيْتُ " . قَالَ : " ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ ،لَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى ، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا ، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . ( ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ ) أَيْ : طُرُقًا وَمَسَالِكَ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ ، ( ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ ) كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ ) [ النَّمْلِ : 88 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ ) [ الْقَارِعَةِ : 5 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ ) أَيْ : يُخَيَّلُ إِلَى النَّاظِرِ أَنَّهَا شَيْءٌ ، وَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ ، بَعْدَ هَذَا تَذْهَبُ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَلَا عَيْنَ وَلَا أَثَرَ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ ) [ طه : 105 - 107 ] وَقَالَ : ( ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ) [ الْكَهْفِ : 47 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ ) أَيْ : مُرْصَدَةً مُعَدَّةً ، ( ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ ) وَهُمُ : الْمَرَدَةُ الْعُصَاةُ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ ، ( ﴿مَآبًا﴾ ) أَيْ : مَرْجِعًا وَمُنْقَلَبًا وَمَصِيرًا وَنُزُلًا . وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ ) يَعْنِي : أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ حَتَّى يَجْتَازَ بِالنَّارِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ جَوَازٌ نَجَا ، وَإِلَّا احْتَبَسَ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : عَلَيْهَا ثَلَاثُ قَنَاطِرَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ، وَهِيَ جَمْعُ " حُقْبٍ " ، وَهُوَ : الْمُدَّةُ مِنَ الزَّمَانِ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ . فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مِهْرَانَ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَمَّارِ الدُّهْنِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِهِلَالٍ الْهَجَرِيِّ : مَا تَجِدُونَ الْحُقْبَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ ؟ قَالَ : نَجِدُهُ ثَمَانِينَ سَنَةً ، كُلُّ سَنَةٍ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، كُلُّ شَهْرٍ ثَلَاثُونَ يَوْمًا كُلُّ يَوْمٍ أَلْفَ سَنَةٍ . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكِ . وَعَنِ الْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ أَيْضًا : سَبْعُونَ سَنَةً كَذَلِكَ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : الْحُقْبُ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ : ذُكِرَ لِي أَنَّ الْحُقْبَ الْوَاحِدَ ثَلَاثُمِائَةُ سَنَةٍ ، كُلُّ سَنَةٍ ثَلَاثُمِائَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا ، كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا كَأَلْفِ سَنَةٍ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْأَسْفَذْنِيِّ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : ( ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ) قَالَ : فَالْحُقْبُ [ أَلْفُ ] شَهْرٍ ، الشَّهْرُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، وَالسَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، وَالسَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا ، كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا أَلْفُ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ، فَالْحُقْبُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفِ سَنَةٍ . وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا ، وَالْقَاسِمُ هُوَ وَالرَّاوِي عَنْهُ وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ كِلَاهُمَا مَتْرُوكٌ . وَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِرْدَاسٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبُو الْمُعَلَّى قَالَ : سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ : هَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَحَدٌ ؟ فَقَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " وَاللَّهِ لَا يُخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَحَدٌ حَتَّى يَمْكُثَ فِيهَا أَحْقَابًا " . قَالَ : وَالْحُقْبُ : بِضْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً ، وَالسَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا مِمَّا تَعُدُّونَ . ثُمَّ قَالَ : سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ بَصْرِيٌّ مَشْهُورٌ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ) سَبْعُمِائَةُ حُقْبٍ ، كُلُّ حُقْبٍ سَبْعُونَ سَنَةً ، كُلُّ سَنَةٍ ثَلَاثُمِائَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا ، كُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . وَقَدْ قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : ( ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ ) وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ : هَذِهِ الْآيَةُ وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ) [ هُودٍ : 107 ] فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ . رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ . ثُمَّ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : ( ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ : ( ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ ) ثُمَّ يُحْدِثُ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَابًا مِنْ شَكْلٍ آخَرَ وَنَوْعٍ آخَرَ . ثُمَّ قَالَ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا انْقِضَاءَ لَهَا ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زُهَيْرٍ ، عَنْ سَالِمٍ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَسْأَلُ عَنْ قَوْلِهِ : ( ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ) قَالَ : أَمَّا الْأَحْقَابُ فَلَيْسَ لَهَا عِدَّةٌ إِلَّا الْخُلُودَ فِي النَّارِ ، وَلَكِنْ ذَكَرُوا أَنَّ الْحُقْبَ سَبْعُونَ سَنَةً ، كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . وَقَالَ سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ) وَهُوَ : مَا لَا انْقِطَاعَ لَهُ ، كُلَّمَا مَضَى حُقْبٌ جَاءَ حُقْبٌ بَعْدَهُ ، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحُقْبَ ثَمَانُونَ سَنَةً . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ) لَا يَعْلَمُ عِدَّةَ هَذِهِ الْأَحْقَابِ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَكِنَّ الْحُقْبَ الْوَاحِدَ ثَمَانُونَ سَنَةً ، وَالسَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا ، كُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . رَوَاهُمَا أَيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ .

وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ ) أَيْ :لَا يَجِدُونَ فِي جَهَنَّمَ بَرْدًا لِقُلُوبِهِمْ ، وَلَا شَرَابًا طَيِّبًا يَتَغَذَّوْنَ بِهِ. وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : اسْتَثْنَى مِنَ الْبَرْدِ الْحَمِيمَ وَمِنَ الشَّرَابِ الْغَسَاقَ . وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . فَأَمَّا الْحَمِيمُ : فَهُوَ الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَحُمُوُّهُ . وَالْغَسَّاقُ : هُوَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ وَعَرَقِهِمْ وَدُمُوعِهِمْ وَجُرُوحِهِمْ ، فَهُوَ بَارِدٌ لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ بَرْدِهِ ، وَلَا يُوَاجَهُ مَنْ نَتَنِهِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْغَسَّاقِ فِي سُورَةِ " ص " بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ ) يَعْنِي : النَّوْمَ ، كَمَا قَالَ الْكِنْدِيُّ :

بَرَدَتْ مَرَاشِفُهَا عَلَيَّ فَصَدَّنِي ※ عَنْهَا وَعَنْ قُبُلَاتِهَا ، الْبَرْدُ ※

يَعْنِي بِالْبَرْدِ : النُّعَاسُ وَالنَّوْمُ هَكَذَا ذَكَرَهُ وَلَمْ يَعْزُهُ إِلَى أَحَدٍ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ . وَنَقَلَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا . وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَالْكِسَائِيُّ أَيْضًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ ) أَيْ : هَذَا الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِالْعُقُوبَةِ وِفْقَ أَعْمَالِهِمُ الْفَاسِدَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ ) أَيْ : لَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ثَمَّ دَارًا يُجَازَوْنَ فِيهَا وَيُحَاسَبُونَ ، ( ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ ) أَيْ : وَكَانُوايُكَذِّبُونَ بِحُجَجِ اللَّهِ وَدَلَائِلِهِ عَلَى خَلْقِهِالَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ ، فَيُقَابِلُونَهَا بِالتَّكْذِيبِ وَالْمُعَانَدَةِ . وَقَوْلُهُ : ( كِذَّابًا ) أَيْ : تَكْذِيبًا ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ الْفِعْلِ . قَالُوا : وَقَدْ سُمِعَ أَعْرَابِيٌّ يَسْتَفْتِي الْفَرَّاءَ عَلَى الْمَرْوَةِ : الْحَلْقُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَوِ الْقِصَارُ ؟ وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ :

لَقَدْ طَالَ مَا ثَبَّطْتَنِي عَنْ صَحَابَتِي ※ وَعَنْ حِوَجٍ قَضَاؤُهَا مِنْ شِفَائِيَا ※

وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ ) أَيْ : وَقَدْ عَلِمْنَاأَعْمَالَ الْعِبَادِكُلِّهِمْ ، وَكَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ، وَسَنَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنَّ شَرًا فَشَرٌّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ ) أَيْ : يُقَالُ لِأَهْلِ النَّارِ : ذُوقُوا مَا أَنْتُمْ فِيهِ ، فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا مِنْ جِنْسِهِ ، ( ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ) [ ص : 58 ] . قَالَ قَتَادَةُ : عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : لَمْ يَنْزِلْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ : ( ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ ) قَالَ : فَهُمْ فِي مَزِيدٍ مِنَ الْعَذَابِ أَبَدًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ الصُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا جَسْرُ بْنُ فَرْقَدَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ عَنْأَشَدِّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ النَّارِ. قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ :

( ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ ) فَقَالَ : " هَلَكَ الْقَوْمُ بِمَعَاصِيهِمُ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - " . جِسْرُ بْنُ فَرْقَدَ : ضَعِيفُ الْحَدِيثِ بِالْكُلِّيَّةِ .

31-36

( ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ( 31 ) ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ ( 32 ) ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ ( 33 ) ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ ( 34 ) ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ ( 35 ) ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ ( 36 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ السُّعَدَاءِ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ تَعَالَى مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، فَقَالَ : ( ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ : مُتَنَزَّهًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ : فَازُوا ، فَنَجَوْا مِنَ النَّارِ . الْأَظْهَرُ هَاهُنَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ : ( حَدَائِقَ ) وَهِيَالْبَسَاتِينُ مِنَ النَّخِيلِ وَغَيْرِهَا( ﴿وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ ) أَيْ : وَحُورًا كَوَاعِبَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : ( كَوَاعِبَ ) أَيْ : نَوَاهِدَ ، يَعْنُونَ أَنْثُدُيَّهُنْ نَوَاهِدَ لَمْ يَتَدَلَّيْنَ لِأَنَّهُنَّ أَبْكَارٌعُرُبٌ أَتْرَابٌ ، أَيْ : فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ " الْوَاقِعَةِ " . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ بْنِ تَيْمٍ الْيَشْكُرِيِّ ، حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ :

" إِنَّقُمُصَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِتَبْدُوَ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، وَإِنَّ السَّحَابَةَ لَتَمُرُّ بِهِمْ فَتُنَادِيهِمْ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ أُمْطِرَكُمْ ؟ حَتَّى إِنَّهَا لَتُمْطِرُهُمُ الْكَوَاعِبَ الْأَتْرَابَ "

وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَمْلُوءَةٌ مُتَتَابِعَةٌ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : صَافِيَةٌ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ : ( ﴿دِهَاقًا﴾ ) الْمَلْأَى الْمُتْرَعَةُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : هِيَ الْمُتَتَابِعَةُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ ) كَقَوْلِهِ : ( ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ ) [ الطَّوْرِ : 23 ] أَيْ :لَيْسَ فِيهَا كَلَامٌ لَاغٍ عَارٍ عَنِ الْفَائِدَةِ ، وَلَا إِثْمٌ كَذِبٌ ، بَلْ هِيَ دَارُ السَّلَامِ ، وَكُلُّ مَا فِيهَا سَالِمٌ مِنَ النَّقْصِ.

وَقَوْلُهُ : ( ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ ) أَيْ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ جَازَاهُمُ اللَّهُ بِهِ وَأَعْطَاهُمُوهُ ، بِفَضْلِهِ وَمَنَّهِ وَإِحْسَانِهِ وَرَحْمَتِهِ ; ( ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ ) أَيْ : كَافِيًا وَافِرًا شَامِلًا كَثِيرًا ; تَقُولُ الْعَرَبُ : " أَعْطَانِي فَأَحْسَبَنِي " أَيْ : كَفَانِي . وَمِنْهُ " حَسْبِيَ اللَّهُ " ، أَيِ : اللَّهُ كَافِيَّ .

37-40

( ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ ( 37 ) ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ ( 38 ) ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ ( 39 ) ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ ( 40 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ ، وَأَنَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّهُ الرَّحْمَنُ الَّذِي شَمِلَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ ) أَيْ : لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ابْتِدَاءِ مُخَاطَبَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ) [ هُودٍ : 105 ] وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ هَاهُنَا ، مَا هُوَ ؟ عَلَى أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُمْ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ . الثَّانِي : هُمْ بَنُو آدَمَ . قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : هَذَا مِمَّا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُهُ . الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ ، وَلَيْسُوا بِمَلَائِكَةٍ وَلَا بِبَشَرٍ ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو صَالِحٍ وَالْأَعْمَشُ . الرَّابِعُ : هُوَ جِبْرِيلُ . قَالَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ . وَيُسْتَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ : ( ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 193 ، 194 ] وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : الرُّوحُ : أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ ، وَأَقْرَبُ إِلَى الرَّبِّ - عَزَّ وَجَلَّ - وَصَاحِبُ الْوَحْيِ . وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ الْقُرْآنُ . قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ ) الْآيَةَ [ الشُّورَى : 52 ] . وَالسَّادِسُ : أَنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَدْرِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ; قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : ( ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ ) قَالَ : هُوَ مَلِكٌ عَظِيمٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الرُّوحُ : فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ هُوَ أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَمِنَ الْجِبَالِ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ ، يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفًا وَحْدَهُ ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا . وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْسٍ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ [ اللَّهِ بْنُ رِزْقٍ أَبُو هُرَيْرَةَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ] ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ :

" إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا لَوْ قِيلَ لَهُ : الْتَقِمِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ بِلُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَفَعَلَ ، تَسْبِيحُهُ : سُبْحَانَكَ حَيْثُ كُنْتَ " . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَكُونُ مِمَّا تَلَقَّاهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فَلَمْ يَقْطَعُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا ، وَالْأَشْبَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ بَنُو آدَمَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ) كَقَوْلِهِ : ( ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ) [ هُودٍ : 105 ] . وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : " وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ " . وَقَوْلُهُ ( ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ ) أَيْ : حَقًّا ، وَمِنَ الْحَقِّ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، كَمَا قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ ، وَعِكْرِمَةُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ ) أَيِ : الْكَائِنُ لَا مَحَالَةَ ، ( ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ ) أَيْ : مَرْجِعًا وَطَرِيقًا يَهْتَدِي إِلَيْهِ وَمَنْهَجًا يَمُرُّ بِهِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِتَأَكُّدِ وُقُوعِهِ صَارَ قَرِيبًا ، لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ . ( ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ ) أَيْ : يَعْرِضُ عَلَيْهِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ ، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا ، قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ ) [ الْكَهْفِ : 49 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ) [ الْقِيَامَةِ : 13 ] . ( ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ ) أَيْ : يَوَدُّ الْكَافِرُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ كَانَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا تُرَابًا ، وَلَمْ يَكُنْ خُلِقَ ، وَلَا خَرَجَ إِلَى الْوُجُودِ . وَذَلِكَ حِينَ عَايَنَ عَذَابَ اللَّهِ ، وَنَظَرَ إِلَى أَعْمَالِهِ الْفَاسِدَةِ قَدْ سُطِّرَتْ عَلَيْهِ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا يَوَدُّ ذَلِكَ حِينَ يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا ، فَيَفْصِلُ بَيْنَهَا بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ الَّذِي لَا يَجُورُ ، حَتَّى إِنَّهُلِيَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ. فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهَا قَالَ لَهَا : كُونِي تُرَابًا ، فَتَصِيرُ تُرَابًا . فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ : ( ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ ) أَيْ : كُنْتُ حَيَوَانًا فَأَرْجِعُ إِلَى التُّرَابِ . وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى هَذَا فِي حَدِيثِ الصُّوَرِ الْمَشْهُورِ وَوَرَدَ فِيهِ آثَارٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَغَيْرِهِمَا . [ آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " عَمَّ " ]