مكتبة الإسلام الشاملة

77 - تفسير سورة المرسلات

1-15

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، [ حَدَّثَنَا أَبِي ] ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ :

بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي غَارٍ بِمِنًى ، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ : " وَالْمُرْسَلَاتِ " فَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لِأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا ، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اقْتُلُوهَا " ، فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا " . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا ، مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُمِّهِ : أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا . وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ : " وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا " ، فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ ، ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ ، أَنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، بِهِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ( 1 ) ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ ( 2 ) ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ ( 3 ) ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ ( 4 ) ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ ( 5 ) ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ ( 6 ) ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ ( 7 ) ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ( 8 ) ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ ( 9 ) ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ ( 10 ) ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ( 11 ) ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ( 12 ) ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ ( 13 ) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ ( 14 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 15 ) ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ سَهْلٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة‌َ : ( ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ) قَالَ : الْمَلَائِكَةُ .

قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَأَبِي الضُّحَى وَمُجَاهِدٍ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ - وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، مِثْلُ ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ الرُّسُلُ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ . وَهَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ فِي " الْعَاصِفَاتِ " وَ " النَّاشِرَاتِ " [ وَ " الْفَارِقَاتِ " ] وَ " الْمُلْقِيَاتِ " : أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ، عَنْ ( ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ) قَالَ : الرِّيحُ . وَكَذَا قَالَ فِي : ( ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ ) إِنَّهَا الرِّيحُ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ( ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ) هَلْ هِيَ الْمَلَائِكَةُ إِذَا أُرْسِلَتْ بِالْعُرْفِ ، أَوْ كَعُرْفِ الْفَرَسِ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ؟ أَوْ : هِيَ الرِّيَاحُ إِذَا هَبَّتْ شَيْئًا فَشَيْئًا ؟ وَقَطَعَ بِأَنَّ الْعَاصِفَاتِ عَصْفًا هِيَ الرِّيَاحُ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَنْ تَابَعَهُ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِي الْعَاصِفَاتِ أَيْضًا : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالسُّدِّيُّ ، وَتَوَقَّفَ فِي ( ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ ) هَلْ هِيَ الْمَلَائِكَةُ أَوِ الرِّيحُ ؟ كَمَا تَقَدَّمَ . وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ : أَنَّ النَّاشِرَاتِ نَشْرًا : الْمَطَرُ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّ : " الْمُرْسَلَاتِ " هِيَ الرِّيَاحُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ) [ الْحِجْرِ : 22 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 57 ] وَهَكَذَا الْعَاصِفَاتُ هِيَ : الرِّيَاحُ ، يُقَالُ : عَصَفَتِ الرِّيحُ إِذَا هَبَّتْ بِتَصْوِيتٍ ، وَكَذَا النَّاشِرَاتُ هِيَ : الرِّيَاحُ الَّتِي تَنْشُرُ السَّحَابَ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ ، كَمَا يَشَاءُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ ) يَعْنِي : الْمَلَائِكَةَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ . وَلَا خِلَافَ هَاهُنَا ; فَإِنَّهَا تَنْزِلَ بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى الرُّسُلِ ، تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْهُدَى وَالْغَيِّ ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَتُلْقِي إِلَى الرُّسُلِ وَحْيًا فِيهِ إِعْذَارٌ إِلَى الْخَلْقِ ، وَإِنْذَارٌ لَهُمْ عِقَابَ اللَّهِ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ ) هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ ، أَيْ : مَا وُعِدْتُمْ بِهِ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ ، وَبَعْثِ الْأَجْسَادِ وَجَمْعِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، وَمُجَازَاةِ كُلِّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ ، إِنَّ هَذَا كُلَّهُ ) لَوَاقِعٌ ) أَيْ : لَكَائِنٌّ لَا مَحَالَةَ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ) أَيْ : ذَهَبَ ضَوْؤُهَا ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ) [ التَّكْوِيرِ : 2 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ) [ الِانْفِطَارِ : 2 ] . ( ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ ) أَيِ : انْفَطَرَتْ وَانْشَقَّتْ ، وَتَدَلَّتْ أَرْجَاؤُهَا ، وَوَهَتْ أَطْرَافُهَا . ( ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ ) أَيْ : ذُهِبَ بِهَا ، فَلَا يَبْقَى لَهَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ ) [ طَهَ : 105 - 107 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ) [ الْكَهْفِ : 47 ] وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جُمِعَتْ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ ) [ الْمَائِدَةِ : 109 ] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿أُقِّتَتْ﴾ ) أُجِّلَتْ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : ( ﴿أُقِّتَتْ﴾ ) أَوْعِدَتْ . وَكَأَنَّهُ يَجْعَلُهَا كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ) [ الزُّمَرِ : 69 ] . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) يَقُولُ تَعَالَى : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتِ الرُّسُلُ وَأُرْجِئَ أَمْرُهَا ؟ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 47 ، 48 ] وَهُوَ يَوْمُ الْفَصْلِ ، كَمَا قَالَ ( ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ ) ثُمَّ قَالَ مُعَظِّمًا لِشَأْنِهِ : ( ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) أَيْ : وَيْلٌ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ غَدًا . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ " وَيْلٌ " : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ . وَلَا يَصِحُّ .

16-28

( ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ ( 17 ) ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ ( 18 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 19 ) ) ( ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ( 20 ) ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ( 21 ) ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ( 22 ) ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ ( 23 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 24 ) ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ ( 25 ) ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ ( 26 ) ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ ( 27 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 28 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ ) ؟ يَعْنِي : مِنَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ الْمُخَالِفِينَ لِمَا جَاءُوهُمْ بِهِ ، ( ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ ) أَيْ : مِمَّنْ أَشْبَهَهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . ثُمَّ قَالَ مُمْتَنًّا عَلَى خَلْقِهِ وَمُحْتَجًّا عَلَى الْإِعَادَةِ بِالْبُدَاءَةِ : ( ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ) ؟ أَيْ : ضَعِيفٍ حَقِيرٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ الْبَارِئِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ " يس " فِي حَدِيثِ بُسْرِ بْنِ جَحَّاشٍ : " ابْنَ آدَمَ ، أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مَنْ مِثْلِ هَذِهِ؟ " .

( ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ) يَعْنِي : جَمَعْنَاهُ فِي الرَّحِمِ ، وَهُوَ قَرَارُ الْمَاءِ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَالرَّحِمِ مُعَدٌّ لِذَلِكَ ، حَافِظٌ لِمَا أُوْدِعَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ) يَعْنِي : إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿كِفَاتًا﴾ ) كُنَّا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُكْفَتُ الْمَيِّتُ فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : بَطْنُهَا لِأَمْوَاتِكُمْ ، وَظَهْرُهَا لِأَحْيَائِكُمْ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ . ( ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ ) يَعْنِي : الْجِبَالَ ، أَرْسَى بِهَا الْأَرْضَ لِئَلَّا تَمِيدَ وَتَضْطَرِبَ . ( ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ ) عَذْبًا زُلَالًا مِنَ السَّحَابِ ، أَوْ مِمَّا أَنْبَعَهُ اللَّهُ مِنْ عُيُونِ الْأَرْضِ . ( ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) أَيْ : وَيْلٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهَا ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يَسْتَمِرُّ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَكُفْرِهِ .

29-40

( ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ ( 30 ) ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ( 31 ) ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ ( 32 ) ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ ( 33 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 34 ) ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ ( 35 ) ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ( 36 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 37 ) ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ ( 38 ) ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ( 39 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 40 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِلْكُفَّارِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، أَنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ( ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ ) يَعْنِي : لَهَبُ النَّارِ إِذَا ارْتَفَعَ وَصَعِدَ مَعَهُ دُخَانٌ ، فَمِنْ شِدَّتِهِ وَقُوَّتِهِ أَنَّ لَهُ ثَلَاثَ شُعَبٍ ، ( ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ) أَيْ : ظِلُّ الدُّخَانِ الْمُقَابِلُ لِلَّهَبِ لَا ظَلِيلٌ هُوَ فِي نَفْسِهِ ، وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ، يَعْنِي : وَلَا يَقِيهِمْ حَرَّ اللَّهَبِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ ) أَيْ : يَتَطَايَرُ الشَّرَرُ مِنْ لَهَبِهَا كَالْقَصْرِ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَالْحُصُونِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَغَيْرِهِمْ : يَعْنِي أُصُولَ الشَّجَرِ . ( ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ ) أَيْ : كَالْإِبِلِ السُّودِ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( ﴿جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ ) يَعْنِي : حِبَالُ السُّفُنِ . وَعَنْهُ - أَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - : ( ﴿جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ ) قِطَعُ نُحَاسٍ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ : ( ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ ) قَالَ : كُنَّا نَعْمِدُ إِلَى الْخَشَبَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ وَفَوْقَ ذَلِكَ ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ ، فَنُسَمِّيهِ الْقَصَرَ ، ( ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ ) حِبَالُ السُّفُنِ ، تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرِّجَالِ ، ( ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ ) أَيْ : لَا يَتَكَلَّمُونَ . ( ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ) أَيْ : لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْكَلَامِ ، وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِيهِ لِيَعْتَذِرُوا ، بَلْ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ ، وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ . وَعَرَصَاتُ الْقِيَامَةِ حَالَاتٌ ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ تَارَةً ، وَعَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ تَارَةً ; لِيَدُلَّ عَلَى شِدَّةِ الْأَهْوَالِ وَالزَّلَازِلِ يَوْمَئِذٍ . وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْدَ كُلِّ فَصْلٍ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ : ( ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) وَقَوْلُهُ : ( ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ) وَهَذِهِ مُخَاطَبَةٌ مِنَ الْخَالِقِ لِعِبَادِهِ يَقُولُ لَهُمْ : ( ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ ) يَعْنِي : أَنَّهُ جَمَعَهُمْ بِقُدْرَتِهِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ) تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ ، أَيْ : إِنْ قَدَرْتُمْ عَلَى أَنْ تَتَخَلَّصُوا مِنْ قَبْضَتِي ، وَتَنْجُوا مِنْ حُكْمِي فَافْعَلُوا ، فَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ( ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ) [ الرَّحْمَنِ : 33 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ ) [ هُودٍ : 57 ] وَفِي الْحَدِيثِ :

" يَا عِبَادِي ، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ، وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي " . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ الطَّرِيقِيُّ الْأَوْدِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَإِذَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَقَالَ عُبَادَةُ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ بِصَعِيدٍ وَاحِدٍ ، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ، وَيَقُولُ اللَّهُ : ( ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ) الْيَوْمَ لَا يَنْجُو مِنِّي جَبَّارٌ عَنِيدٌ ، وَلَا شَيْطَانٌ مَرِيدٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : فَإِنَّا نُحَدَّثُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَتَنْطَلِقُ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ ظَهَرَانَيِ النَّاسِ نَادَتْ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى ثَلَاثَةٍ أَنَا أَعْرَفُ بِهِمْ مِنَ الْأَبِ بِوَلَدِهِ وَمِنَ الْأَخِ بِأَخِيهِ ، لَا يُغَيِّبُهُمْ عَنِّي وَزَرٌ ، وَلَا تُخْفِيهِمْ عَنِّي خَافِيَةٌ : الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ، وَكُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، وَكُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ، فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ فَتَقْذِفُ بِهِمْ فِي النَّارِ قَبْلَ الْحِسَابِ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً .

41-50

( ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ( 41 ) ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ( 42 ) ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ( 43 ) ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ( 44 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 45 ) ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ ( 46 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 47 ) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ ( 48 ) ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 49 ) ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ( 50 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ : إِنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُونَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، أَيْ : بِخِلَافِ مَا أُولَئِكَ الْأَشْقِيَاءُ فِيهِ ، مِنْ ظِلِّ الْيَحْمُومِ ، وَهُوَ الدُّخَانُ الْأَسْوَدُ الْمُنْتِنُ . ( ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ) أَيْ : مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ ، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا . ( ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) أَيْ : يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا : ( ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ) أَيْ : هَذَا حَزَّاؤُنَا لِمَنْ أَحْسَنَ الْعَمَلَ ، ( ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) وَقَوْلُهُ : ( ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ ) خِطَابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ، وَأَمَرَهُمْ أَمْرَ تَهْدِيدٍ وَوَعِيدٍ فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ ) أَيْ : مُدَّةً قَلِيلَةً قَرِيبَةً قَصِيرَةً ، ( ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ ) أَيْ : ثُمَّ تُسَاقُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، ( ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ) [ لُقْمَانَ : 24 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ) [ يُونُسَ : 69 ، 70 ] وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ ) أَيْ : إِذَا أَمَرَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةَ مِنَ الْكُفَّارِ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمَصَلِّينِ مَعَ الْجَمَاعَةِ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ) ؟ أَيْ : إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْقُرْآنِ ، فَبِأَيِّ كَلَامٍ يُؤْمِنُونَ بِهِ ؟! كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ) [ الْجَاثِيَةِ : 6 ] . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ : سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا بَدَوِيًّا يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ إِذَا قَرَأَ : ( ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ) فَقَرَأَ : ( ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ) ؟ فَلْيَقُلْ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِمَا أَنْزَلَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي سُورَةِ " الْقِيَامَةِ " . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " وَالْمُرْسَلَاتِ " [ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ]