76 - تفسير سورة الإنسان
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْإِنْسَانِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . قَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنَا ابْنُ زَيْدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ :
" هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ " وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ أَسْوَدُ ، فَلَمَّا بَلَغَ صِفَةَ الْجِنَانِ ، زَفَرَ زَفْرَةً فَخَرَجَتْ نَفْسُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَخْرَجَ نَفْسَ صَاحِبِكُمْ - أَوْ قَالَ : أَخِيكُمْ - الشَّوْقُ إِلَى الْجَنَّةِ " . مُرْسَلٌ غَرِيبٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ( 1 ) ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ( 2 ) ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ( 3 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ أَوْجَدَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُذْكَرُ لِحَقَارَتِهِ وَضَعْفِهِ ، فَقَالَ : ( ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ) ؟ ثُمَّ بَيْنَ ذَلِكَ فَقَالَ : ( ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ ) أَيْ : أَخْلَاطٍ . وَالْمَشْجُ وَالْمَشِيجُ : الشَّيْءُ الْخَلِيطُ ، بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ ) يَعْنِي : مَاءَ الرَّجُلِ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ إِذَا اجْتَمَعَا وَاخْتَلَطَا ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ بَعْدُ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ ، وَحَالٍ إِلَى حَالٍ ، وَلَوْنٍ إِلَى لَوْنٍ . وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : الْأَمْشَاجُ : هُوَ اخْتِلَاطُ مَاءِ الرَّجُلِ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ ) أَيْ : نَخْتَبِرُهُ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ) [ الْمُلْكِ : 2 ] . ( ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ) أَيْ : جَعَلَنَا لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا يَتَمَكَّنُ بِهِمَا مِنَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ ) أَيْ : بَيَّنَّاهُ لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَبَصَّرْنَاهُ بِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 17 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ) [ الْبَلَدِ : 10 ] ، أَيْ : بَيَّنَّا لَهُ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَطَرِيقَ الشَّرِّ . وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَعَطِيَّةَ وَابْنِ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٍ - فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ - وَالْجُمْهُورِ . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي صَالِحٍ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ ) يَعْنِي خُرُوجَهُ مِنَ الرَّحِمِ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ " الْهَاءِ " فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ ) تَقْدِيرُهُ : فَهُوَ فِي ذَلِكَ إِمَّا شَقِيٌّ وَإِمَّا سَعِيدٌ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو ، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمَوْبِقُهَا أَوْ مُعْتِقُهَا " . وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ " الرُّومِ " عِنْدَ قَوْلِهِ : ( ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ) [ الرُّومِ : 30 ] مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، فَإِذَا أَعْرَبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، فَإِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ خَارِجٍ يَخْرُجُ إِلَّا بِبَابِهِ رَايَتَانِ : رَايَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ ، وَرَايَةٌ بِيَدِ شَيْطَانٍ ، فَإِنْ خَرَجَ لِمَا يُحِبُّ اللَّهُ اتَّبَعَهُ الْمَلَكُ بِرَايَتِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رَايَةِ الْمَلَكِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ . وَإِنْ خَرَجَ لِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ اتَّبَعَهُ الشَّيْطَانُ بِرَايَتِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رَايَةِ الشَّيْطَانِ ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : " أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ " . قَالَ : وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ ؟ قَالَ : " أُمَرَاءٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي ، لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ، فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ ، وَلَا يَرِدُونَ عَلَى حَوْضِي . وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ، فَأُولَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ، وَسَيَرِدُونَ عَلَى حَوْضِي . يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ ، الصَّوْمُ جَنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ ، وَالصَّلَاةُ قُرْبَانٌ - أَوْ قَالَ : بُرْهَانٌ - يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ ، إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ . يَا كَعْبُ ، النَّاسُ غَادِيَانِ ، فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا ، وَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمَوْبِقُهَا " . وَرَوَاهُ عَنْ عَفَّانَ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، بِهِ .
( ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ ( 4 ) ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ ( 5 ) ) ( ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ ( 6 ) ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ( 7 ) ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ( 8 ) ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ ( 9 ) ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ( 10 ) ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ ( 11 ) ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ( 12 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا أَرْصَدَهُ لِلْكَافِرِينَ مِنْ خَلْقِهِ بِهِ مِنَ السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ وَالسَّعِيرِ ، وَهُوَ اللَّهَبُ وَالْحَرِيقُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ) [ غَافِرٍ : 71 ، 72 ] . وَلَمَّا ذَكَرَ مَا أَعَدَّهُ لِهَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاءِ مِنَ السَّعِيرِ قَالَ بَعْدَهُ : ( ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ ) وَقَدْ عُلِمَ مَا فِي الْكَافُورِ مِنَ التَّبْرِيدِ وَالرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ ، مَعَ مَا يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ اللَّذَاذَةِ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ الْحَسَنُ : بَرْدُ الْكَافُورِ فِي طِيبِ الزَّنْجَبِيلِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ ) أَيْ : هَذَا الَّذِي مُزِجَ لِهَؤُلَاءِ الْأَبْرَارِ مِنَ الْكَافُورِ هُوَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَرْفًا بِلَا مَزْجٍ وَيَرْوُونَ بِهَا ; وَلِهَذَا ضَمَّنَ يَشْرَبُ " يَرْوَى " حَتَّى عَدَّاهُ بِالْبَاءِ ، وَنَصَبَ ) عَيْنًا ) عَلَى التَّمْيِيزِ . قَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا الشَّرَابُ فِي طِيبِهِ كَالْكَافُورِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مِنْ عَيْنٍ كَافُورٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِ ) يَشْرَبُ ) حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ ) أَيْ : يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا حَيْثُ شَاؤُوا وَأَيْنَ شَاؤُوا ، مِنْ قُصُورِهِمْ وَدُورِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ وَمَحَالِّهِمْ . وَالتَّفْجِيرُ هُوَ الْإِنْبَاعُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 90 ] . وَقَالَ : ( ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ ) [ الْكَهْفِ : 33 ] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ ) يَقُودُونَهَا حَيْثُ شَاؤُوا ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَصْرِفُونَهَا حَيْثُ شَاؤُوا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ) أَيْ : يَتَعَبَّدُونَ لِلَّهِ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ [ فِعْلِ ] الطَّاعَاتِ الْوَاجِبَةِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَمَا أَوْجَبُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِطَرِيقِ النَّذْرِ .
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَيْلِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
" مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ " ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَيَتْرُكُونَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي نَهَاهُمْ عَنْهَا خِيفَةً مِنْ سُوءِ الْحِسَابِ يَوْمَ الْمَعَادِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي شَرُهُ مُسْتَطِيرٌ ، أَيْ : مُنْتَشِرٌ عَامٌّ عَلَى النَّاسِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاشِيًا . وَقَالَ قَتَادَةُ : اسْتَطَارَ - وَاللَّهِ - شَرُّ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى مَلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ : اسْتَطَارَ الصَّدْعُ فِي الزُّجَاجَةِ وَاسْتَطَالَ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى :
فَبَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي الْفُؤَا ※ دِ صَدْعًا عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا ※
يَعْنِي : مُمْتَدًّا فَاشِيًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ) قِيلَ : عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى . وَجَعَلُوا الضَّمِيرَ عَائِدًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الطَّعَامِ ، أَيْ : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي حَالِ مَحَبَّتِهِمْ وَشَهْوَتِهِمْ لَهُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 177 ] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 92 ] . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ ، مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : مَرِضَ ابْنُ عُمَرَ فَاشْتَهَى عِنَبًا - أَوَّلَ مَا جَاءَ الْعِنَبُ - فَأَرْسَلَتْ صَفِيَّةُ - يَعْنِي امْرَأَتَهُ - فَاشْتَرَتْ عُنْقُودًا بِدِرْهَمٍ ، فَاتَّبَعَ الرَّسُولَ السَّائِلُ ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهِ قَالَ السَّائِلُ : السَّائِلَ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَعْطُوهُ إِيَّاهُ ، فَأَعْطَوْهُ إِيَّاهُ . ثُمَّ أَرْسَلَتْ بِدِرْهَمٍ آخَرَ فَاشْتَرَتْ عُنْقُودًا فَاتَّبَعَ الرَّسُولَ السَّائِلُ ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ السَّائِلُ : السَّائِلَ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَعْطُوهُ إِيَّاهُ ، فَأَعْطَوْهُ إِيَّاهُ ، فَأَرْسَلَتْ صَفِيَّةُ إِلَى السَّائِلِ ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ إِنْ عُدْتَ لَا تُصِيبُ مِنْهُ خَيْرًا أَبَدًا . ثُمَّ أَرْسَلَتْ بِدِرْهَمٍ آخَرَ فَاشْتَرَتْ بِهِ . وَفِي الصَّحِيحِ :
"أَفْضَلُ الصَّدَقَةِأَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ ، شَحِيحٌ ، تَأْمَلُ الْغِنَى ، وَتَخْشَى الْفَقْرَ " أَيْ : فِي حَالِ مَحَبَّتِكَ لِلْمَالِ وَحِرْصِكَ عَلَيْهِ وَحَاجَتِكَ إِلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ) أَمَّا الْمِسْكِينُ وَالْيَتِيمُ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا وَصِفَتُهُمَا . وَأَمَّا الْأَسِيرُ : فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ : الْأَسِيرُ : مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ أُسَرَاؤُهُمْ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكِينَ . وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يُكْرِمُوا الْأُسَارَى ، فَكَانُوا يُقَدِّمُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْغَدَاءِ ، وَهَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ .
وَقَدْوَصَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَرِقَّاءِفِي غَيْرِمَا حَدِيثٍ ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ آخِرَ مَا أَوْصَى أَنْ جَعَلَ يَقُولُ :
" الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : هُمُ الْعَبِيدُ - وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ - لِعُمُومِ الْآيَةِ لِلْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ . قَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ الْمَحْبُوسُ ، أَيْ : يُطْعِمُونَ لِهَؤُلَاءِ الطَّعَامَ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ ، قَائِلِينَ بِلِسَانِ الْحَالِ : ( ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَرِضَاهُ ( ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ ) أَيْ : لَا نَطْلُبُ مِنْكُمْ مُجَازَاةً تُكَافِئُونَا بِهَا وَلَا أَنْ تَشْكُرُونَا عِنْدَ النَّاسِ . قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : أَمَا وَاللَّهِ مَا قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَلَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ ، فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ . ( ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا نَفْعَلُ هَذَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَنَا وَيَتَلَقَّانَا بِلُطْفِهِ فِي الْيَوْمِ الْعَبُوسِ الْقَمْطَرِيرِ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( ﴿عَبُوسًا﴾ ) ضَيِّقًا ، ( ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ ) طَوِيلًا . وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ ، عَنْهُ ، فِي قَوْلِهِ : ( ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ) أَيْ : يَعْبَسُ الْكَافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتَّى يَسِيلَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَقٌ مِثْلُ الْقَطْرَانِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿عَبُوسًا﴾ ) الْعَابِسُ الشَّفَتَيْنِ ، ( ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ ) قَالَ : تَقْبِيضُ الْوَجْهِ بِالْبُسُورِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ : تَعْبَسُ فِيهِ الْوُجُوهُ مِنَ الْهَوْلِ ، ( ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ ) تَقْلِيصُ الْجَبِينِ وَمَا بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ ، مِنَ الْهَوْلِ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْعُبُوسُ : الشَّرُّ . وَالْقَمْطَرِيرُ : الشَّدِيدُ . وَأَوْضَحُ الْعِبَارَاتِ وَأَجْلَاهَا وَأَحْلَاهَا ، وَأَعْلَاهَا وَأَوْلَاهَا - قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالْقَمْطَرِيرُ هُوَ : الشَّدِيدُ ; يُقَالُ : هُوَ يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وَيَوْمٌ قُمَاطِرُ ، وَيَوْمٌ عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ ، وَقَدِ اقْمَطَرَّ الْيَوْمُ يَقْمَطِرُّ اقْمِطْرَارًا ، وَذَلِكَ أَشَدُّ الْأَيَّامِ وَأَطْوَلُهَا فِي الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ :
بَنِي عَمِّنَا ، هَلْ تَذْكُرُونَ بَلَاءَنَا ؟ ※ عَلَيْكُمْ إِذَا مَا كَانَ يَوْمُ قُمَاطِرَ ※
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ ) وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّجَانُسِ الْبَلِيغِ ، ( ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ ) أَيْ : آمَنَهُمْ مِمَّا خَافُوا مِنْهُ ، ( ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ ) أَيْ : فِي وُجُوهِهِمْ ، ( ﴿وَسُرُورًا﴾ ) أَيْ : فِي قُلُوبِهِمْ . قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ) [ عَبَسَ : 38 ، 39 ] . وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ الْوَجْهُ ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ :
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ . الْحَدِيثَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ ) أَيْ : بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ أَعْطَاهُمْ وَنَوَّلَهُمْ وَبَوَّأَهُمْ ( ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ) أَيْ : مَنْزِلًا رَحْبًا ، وَعَيْشًا رَغَدًا وَلِبَاسًا حَسَنًا . وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ ، قَالَ : قُرِئَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ سُورَةُ : ( ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ ) فَلَمَّا بَلَغَ الْقَارِئُ إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ) قَالَ بِمَا صَبَرُوا عَلَى تَرْكِ الشَّهَوَاتِ فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ أَنْشَدَ :
كَمْ قَتِيلٌ بِشَهْوَةٍ وَأَسِيرٌ ※ أُفٍّ مِنْ مُشْتَهِي خِلَافَ الْجَمِيلِ ※ شَهَوَاتُ الْإِنْسَانِ تُوْرِثُهُ الذُّلَّ ※ وَتُلْقِيهِ فِي الْبَلْاءِ الطَّوِيلِ ※
( ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ ( 13 ) ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ( 14 ) ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ ( 15 ) ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ ( 16 ) ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ ( 17 ) ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ ( 18 ) ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ ( 19 ) ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ( 20 ) ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ ( 21 ) ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ ( 22 ) ) يُخْبَرُ تَعَالَى عَنْأَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَمَا أُسْبِغَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَضْلِ الْعَمِيمِ ، فَقَالَ : ( ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ " الصَّافَّاتِ " ، وَذَكَرَ الْخِلَافِ فِي الِاتِّكَاءِ : هَلْ هُوَ الِاضْطِجَاعُ ، أَوِ التَّمَرْفُقُ ، أَوِ التَّرَبُّعُ أَوِ التَّمَكُّنُ فِي الْجُلُوسِ ؟ وَأَنَّ الْأَرَائِكَ هِيَ السُّرُرُ تَحْتَ الْحِجَالِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ ) أَيْ : لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَرٌّ مُزْعِجٌ ، وَلَا بَرْدٌ مُؤْلِمٌ ، بَلْ هِيَ مِزَاجٌ وَاحِدٌ دَائِمٌ سَرْمَدِيٌّ ، ( ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ) [ الْكَهْفِ : 108 ] .
( ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ ) أَيْ : قَرِيبَةٌ إِلَيْهِمْ أَغْصَانُهَا ، ( ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ) أَيْ : مَتَى تَعَاطَاهُ دَنَا الْقَطْفُ إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مِنْ أَعْلَى غُصْنِهِ ، كَأَنَّهُ سَامِعٌ طَائِعٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ ) [ الرَّحْمَنِ : 54 ] وَقَالَ تَعَالَى ( ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 23 ] قَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ) إِنْ قَامَ ارْتَفَعَتْ بِقَدْرِهِ ، وَإِنْ قَعَدَ تَدَلَّتْ لَهُ حَتَّى يَنَالَهَا ، وَإِنِ اضْطَجَعَ تَدَلَّتْ لَهُ حَتَّى يَنَالَهَا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ﴿تَذْلِيلًا﴾ ) وَقَالَ قَتَادَةُ : لَا يَرُدُّ أَيْدِيَهُمْ عَنْهَا شَوْكٌ وَلَا بُعْدُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَرْضُ الْجَنَّةِ مِنْ وَرَقٍ ، وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ ، وَأُصُولُ شَجَرِهَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، وَأَفْنَانُهَا مِنَ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ ، وَالْوَرَقِ وَالثَّمَرِ بَيْنَ ذَلِكَ ، فَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا قَائِمًا لَمْ يُؤْذِهِ ، وَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا قَاعِدًا لَمْ يُؤْذِهِ ، وَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا مُضْطَجِعًا لَمْ يُؤْذِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ ) أَيْ : يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخَدَمُ بِأَوَانِي الطَّعَامِ ، وَهِيَ مِنْ فِضَّةٍ ، وَأَكْوَابِ الشَّرَابِ وَهِيَ الْكِيزَانُ الَّتِي لَا عُرَى لَهَا وَلَا خَرَاطِيمَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿قَوَارِيرَ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ) فَالْأَوَّلُ مَنْصُوبٌ بِخَبَرِ " كَانَ " أَيْ : كَانَتْ قَوَارِيرَ . وَالثَّانِي مَنْصُوبٌ إِمَّا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَوْ تَمْيِيزٌ ; لِأَنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : بَيَاضُ الْفِضَّةِ فِي صَفَاءِ الزُّجَاجِ ، وَالْقَوَارِيرُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ زُجَاجٍ ، فَهَذِهِ الْأَكْوَابُ هِيَ مِنْ فِضَّةٍ ، وَهِيَ مَعَ هَذَا شَفَّافَةٌ يُرَى مَا فِي بَاطِنِهَا مِنْ ظَاهِرِهَا ، وَهَذَا مِمَّا لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الدُّنْيَا . قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ أُعْطِيتُمْ فِي الدُّنْيَا شَبَهُهُ إِلَّا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ ) أَيْ : عَلَى قَدْرِ رِيِّهِمْ ، لَا تَزِيدُ عَنْهُ وَلَا تَنْقُصُ ، بَلْ هِيَ مُعَدَّةٌ لِذَلِكَ ، مُقَدَّرَةٌ بِحَسْبِ رِيِّ صَاحِبِهَا . هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَابْنِ أَبْزَى ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ زَيْدٍ . وَقَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الِاعْتِنَاءِ وَالشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ ) قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ . وَهَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : عَلَى قَدْرِ أَكُفِّ الْخُدَّامِ . وَهَذَا لَا يُنَافِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ، فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ فِي الْقَدْرِ وَالرِّيِّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ ) أَيْ : وَيُسْقَوْنَ - يَعْنِي الْأَبْرَارَ أَيْضًا - فِي هَذِهِ الْأَكْوَابِ ) كَأْسًا ) أَيْ : خَمْرًا ، ( ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ ) فَتَارَةً يُمْزَجُ لَهُمُ الشَّرَابُ بِالْكَافُورِ وَهُوَ بَارِدٌ ، وَتَارَةً بِالزَّنْجَبِيلِ وَهُوَ حَارٌّ ، لِيَعْتَدِلَ الْأَمْرُ ، وَهَؤُلَاءِ يُمْزَجُ لَهُمْ مِنْ هَذَا تَارَةً وَمِنْ هَذَا تَارَةً . وَأَمَّا الْمُقَرَّبُونَ فَإِنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا صِرْفًا ، كَمَا قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ : ( ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ) وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ ) أَيِ : الزَّنْجَبِيلُ عَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا . قَالَ عِكْرِمَةُ : اسْمُ عَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَلَاسَةِ سَيْلِهَا وَحِدَّةِ جَرْيِهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ ) عَيْنٌ سَلِسَةٌ مُسْتَقِيدٌ مَاؤُهَا . وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَلَاسَتِهَا فِي الْحَلْقِ . وَاخْتَارَ هُوَ أَنَّهَا تَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ ) أَيْ : يَطُوفُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ لِلْخِدْمَةِ وِلْدَانٌ مِنْ وِلْدَانِ الْجَنَّةِ ( ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ ) أَيْ : عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مُخَلَّدُونَ عَلَيْهَا ، لَا يَتَغَيَّرُونَ عَنْهَا ، لَا تَزِيدُ أَعْمَارُهُمْ عَنْ تِلْكَ السِّنِّ . وَمَنْ فَسَرَّهُمْ بِأَنَّهُمْ مُخَرَّصُونَ فِي آذَانِهِمُ الْأَقْرِطَةَ ، فَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنِ الْمَعْنَى بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الصَّغِيرَ هُوَ الَّذِي يَلِيقُ لَهُ ذَلِكَ دُونَ الْكَبِيرِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ ) أَيْ : إِذَا رَأَيْتَهُمْ فِي انْتِشَارِهِمْ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ السَّادَةِ ، وَكَثْرَتِهِمْ ، وَصَبَاحَةِ وُجُوهِهِمْ ، وَحُسْنِ أَلْوَانِهِمْ وَثِيَابِهِمْ وَحُلِيِّهِمْ ، حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا . وَلَا يَكُونُ فِي التَّشْبِيهِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا ، وَلَا فِي الْمَنْظَرِ أَحْسَنُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ الْمَنْثُورِ عَلَى الْمَكَانِ الْحَسَنِ . قَالَ قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : مَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا يَسْعَى عَلَيْهِ أَلْفُ خَادِمٍ ، كُلُّ خَادِمٍ عَلَى عَمَلٍ مَا عَلَيْهِ صَاحِبُهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ ) أَيْ : وَإِذَا رَأَيْتَ يَا مُحَمَّدُ ، ( ثَمَّ ) أَيْ : هُنَاكَ ، يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَسَعَتِهَا وَارْتِفَاعِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ ، ( ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ) أَيْ : مَمْلَكَةً لِلَّهِ هُنَاكَ عَظِيمَةً وَسُلْطَانًا بَاهِرًا . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِآخَرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا ، وَآخَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَيْهَا :
إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشْرَةَ أَمْثَالِهَا . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طَرِيقِ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفَيْ سَنَةٍ يَنْظُرُ إِلَى أَقْصَاهُ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى أَدْنَاهُ " ، فَإِذَا كَانَ هَذَا عَطَاؤُهُ تَعَالَى لِأَدْنَى مَنْ يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا هُوَ أَعْلَى مَنْزِلَةً ، وَأَحْظَى عِنْدَهُ تَعَالَى . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ هَاهُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : " سَلْ وَاسْتَفْهِمْ " ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فُضِّلْتُمْ عَلَيْنَا بِالصُّوَرِ وَالْأَلْوَانِ وَالنُّبُوَّةِ ، أَفَرَأَيْتَ إِنْ آمَنْتُ بِمَا آمَنْتَ بِهِ وَعَمِلْتُ بِمِثْلِ مَا عَمِلْتَ بِهِ ، إِنِّي لِكَائِنٌ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّهُ لَيُرَى بَيَاضُ الْأَسْوَدِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍّ " . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، كَانَ لَهُ بِهَا عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَمَنْ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ ، وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ حَسَنَةٍ " ، فَقَالَ رَجُلٌ : كَيْفَ نَهْلَكُ بَعْدَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الرَّجُلَ لِيَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْعَمَلِ لَوْ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لِأَثْقَلَهُ ، فَتَقُومُ النِّعْمَةُ - أَوْ : نِعَمُ اللَّهِ - فَتَكَادُ تَسْتَنْفِذُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ " . وَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ : ( ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ) فَقَالَ الْحَبَشِيُّ : وَإِنَّ عَيْنِي لَتَرَى مَا تَرَى عَيْنَاكَ فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ، فَاسْتَبْكَى حَتَّى فَاضَتْ نَفْسُهُ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْلِيهِ فِي حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ ) أَيْ :لِبَاسُ أَهْلِ الْجَنَّةِفِيهَا الْحَرِيرُ ، وَمِنْهُ سُنْدُسٌ ، وَهُوَ رَفِيعُ الْحَرِيرِ كَالْقُمْصَانِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَلِي أَبْدَانَهُمْ ، وَالْإِسْتَبْرَقُ مِنْهُ مَا فِيهِ بَرِيقٌ وَلَمَعَانٌ ، وَهُوَ مِمَّا يَلِي الظَّاهِرَ ، كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي اللِّبَاسِ ( ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ) وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَبْرَارِ ، وَأَمَّا الْمُقَرَّبُونَ فَكَمَا قَالَ : ( ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ) [ الْحَجِّ : 23 ] وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى زِينَةَ الظَّاهِرِ بِالْحَرِيرِ وَالْحُلِيِّ قَالَ بَعْدَهُ : ( ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ ) أَيْ : طَهَّرَ بَوَاطِنَهُمْ مِنَ الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْأَذَى وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيَّةِ ، كَمَا رَوَيْنَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا انْتَهَى أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَجَدُوا هُنَالِكَ عَيْنَيْنِ فَكَأَنَّمَا أُلْهِمُوا ذَلِكَ فَشَرِبُوا مِنْ إِحْدَاهُمَا [ فَأَذْهَبَ اللَّهُ ] مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ أَذًى ، ثُمَّ اغْتَسَلُوا مِنَ الْأُخْرَى فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ ) أَيْ : يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لَهُمْ وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ : ( ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 24 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 43 ] وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ ) أَيْ : جَزَاكُمُ اللَّهُ عَلَى الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ .
( ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ ( 23 ) ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ( 24 ) ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ( 25 ) ) ( ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ ( 26 ) ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ ( 27 ) ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ ( 28 ) ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ( 29 ) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ( 30 ) ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ( 31 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا نَزَّلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ تَنْزِيلًا ( ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ ) أَيْ : كَمَا أَكْرَمْتُكَ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ ، فَاصْبِرْ عَلَى قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيُدَبِّرُكَ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ ، ( ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ) أَيْ : لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنْ أَرَادُوا صَدَّكَ عَمًّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ بَلْ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فَالْآثِمُ هُوَ الْفَاجِرُ فِي أَفْعَالِهِ ، وَالْكَفُورُ هُوَ الْكَافِرُ بِقَلْبِهِ . ( ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ) أَيْ : أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ . ( ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ ) كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 79 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ) [ الْمُزَّمِّلِ : 1 - 4 ] . ثُمَّ قَالَ : مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّارِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ فِيحُبِّ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَالِانْصِبَابِ إِلَيْهَا، وَتَرْكِ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ : ( ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : يَعْنِي خَلْقَهُمْ . ( ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ ) أَيْ : وَإِذَا شِئْنَا بَعَثْنَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَبَدَّلْنَاهُمْ فَأَعَدْنَاهُمْ خَلْقًا جَدِيدًا . وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْبُدَاءَةِ عَلَى الرَّجْعَةِ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ : ( ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ ) [ أَيْ ] : وَإِذَا شِئْنَا أَتَيْنَا بِقَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِهِمْ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 133 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 19 ، 20 ، وَفَاطِرٍ 16 ، 17 ] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ هَذِهِ ) يَعْنِي : هَذِهِ السُّورَةَ ( ﴿تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ) أَيْ طَرِيقًا وَمَسْلَكًا ، أَيْ : مَنْ شَاءَ اهْتَدَى بِالْقُرْآنِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 39 ] . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ) أَيْ : لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَهْدِيَ نَفْسَهُ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ وَلَا يُجْرِ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ، ( ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ) أَيْ : عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ فَيُيَسِّرُهَا لَهُ ، وَيُقَيِّضُ لَهُ أَسْبَابَهَا ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الْغَوَايَةَ فَيَصْرِفُهُ عَنِ الْهُدَى ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ) أَيْ : يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَمَنْ يَهْدِهِ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضَلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . [ آخِرُ سُورَةِ " الْإِنْسَانِ " ] [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ]