مكتبة الإسلام الشاملة

75 - تفسير سورة القيامة

1-15

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْقِيَامَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ( 1 ) ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ( 2 ) ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ( 3 ) ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ( 4 ) ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ( 5 ) ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ ( 6 ) ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ ( 7 ) ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ ( 8 ) ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ( 9 ) ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ ( 10 ) ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ ( 11 ) ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ ( 12 ) ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ( 13 ) ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ( 14 ) ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ( 15 ) ) قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُنْتَفِيًا ، جَازَ الْإِتْيَانُ بِلَا قَبْلَ الْقَسَمِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ . وَالْمَقْسُومُ عَلَيْهِ هَاهُنَا هُوَ إِثْبَاتُ الْمِيعَادِ ، وَالرَّدُّ عَلَى مَا يَزْعُمُهُ الْجَهَلَةُ مِنَ الْعِبَادِ مِنْ عَدَمِ بَعْثِ الْأَجْسَادِ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ : أَقْسَمَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : بَلْ أَقْسَمَ بِهِمَا جَمِيعًا . هَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَالْأَعْرَجِ أَنَّهُمَا قَرَآ : " لَأُقْسِمُ [ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ] " ، وَهَذَا يُوَجِّهُ قَوْلَ الْحَسَنِ ; لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْقَسَمَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَنَفَى الْقَسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَقْسَمَ بِهِمَا جَمِيعًا كَمَا قَالَهُ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . فَأَمَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَمَعْرُوفٌ ، وَأَمَّا النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ ، فَقَالَ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ - وَاللَّهِ - مَا نَرَاهُ إِلَّا يَلُومُ نَفْسَهُ : مَا أَرَدْتُ بِكَلِمَتِي ؟ مَا أَرَدْتُ بِأَكْلَتِي ؟ مَا أَرَدْتُ بِحَدِيثِ نَفْسِي ؟ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا مَا يُعَاتِبُ نَفْسَهُ . وَقَالَ جُوَيْبِرٌ : بَلَغَنَا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ) قَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا يَلُومُ نَفْسَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ : أَنَّهُ سَأَلَ عِكْرِمَةَ عَنْ قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ) قَالَ : يَلُومُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ : لَوْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا .

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي : ( ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ) قَالَ : تَلُومُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ : فَقَالَ : هِيَ النَّفْسُ اللَّئُومُ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : تَنْدَمُ عَلَى مَا فَاتَ وَتَلُومُ عَلَيْهِ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : اللَّوَّامَةُ : الْمَذْمُومَةُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿اللَّوَّامَةِ﴾ ) الْفَاجِرَةِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى ، الْأَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ أَنَّهَا الَّتِي تَلُومُ صَاحِبَهَا عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَتَنْدَمُ عَلَى مَا فَاتَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَيُظَنُّ أَنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى إِعَادَةِ عِظَامِهِ وَجَمْعِهَا مِنْ أَمَاكِنِهَا الْمُتَفَرِّقَةِ ؟ ( ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنْ نَجْعَلَهُ خُفًّا أَوْ حَافِرًا . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ جَرِيرٍ . وَوَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ شَاءَ لَجَعَلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا . وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ قَوْلَهُ : ( ﴿قَادِرِينَ﴾ ) حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ : ( ﴿نَجْمَعَ﴾ ) أَيْ : أَيُظَنُّ الْإِنْسَانُ أَنَا لَا نَجْمَعُ عِظَامَهُ ؟ بَلَى سَنَجْمَعُهَا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ، أَيْ : قُدْرَتُنَا صَالِحَةٌ لِجَمْعِهَا ، وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَاهُ أَزْيَدَ مِمَّا كَانَ ، فَنَجْعَلُ بَنَانَهُ - وَهِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ - مُسْتَوِيَةً . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَالزَّجَّاجِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ) قَالَ سَعِيدٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي يَمْضِي قُدُمًا . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ) يَعْنِي : الْأَمَلَ ، يَقُولُ الْإِنْسَانُ : أَعْمَلُ ثُمَّ أَتُوبُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَيُقَالُ : هُوَ الْكُفْرُ بِالْحَقِّ بَيْنَ يَدَيِ الْقِيَامَةِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ( ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ) لِيَمْضِيَ أَمَامَهُ رَاكِبًا رَأْسَهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا يُلْقَى ابْنُ آدَمَ إِلَّا تَنْزِعُ نَفْسَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ قُدُمًا قُدُمًا ، إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ . وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : هُوَ الَّذِي يَعْجَلُ الذُّنُوبَ وَيُسَوِّفُ التَّوْبَةَ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ الْكَافِرُ يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنَ الْمُرَادِ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ ( ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ ) ؟ أَيْ : يَقُولُمَتَى يَكُونُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؟ وَإِنَّمَا سُؤَالُهُ سُؤَالُ اسْتِبْعَادٍ لِوُقُوعِهِ ، وَتَكْذِيبٌ لِوُجُودِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ ) [ سَبَأٍ : 29 ، 30 ] . وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا : ( ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ ) قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ : ( ﴿بَرِقَ﴾ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ، أَيْ : حَارَ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 43 ] ، بَلْ يَنْظُرُونَ مِنَ الْفَزَعِ هَكَذَا وَهَكَذَا ، لَا يَسْتَقِرُّ لَهُمْ بَصَرٌ عَلَى شَيْءٍ ; مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ . وَقَرَأَ آخَرُونَ : " بَرَقَ " بِالْفَتْحِ ، وَهُوَ قَرِيبٌ فِي الْمَعْنَى مِنَ الْأَوَّلِ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْأَبْصَارَ تَنْبَهِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَخْشَعُ وَتَحَارُ وَتَذِلُّ مِنْ شِدَّةِ الْأَهْوَالِ ، وَمَنْ عِظَمِ مَا تُشَاهِدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأُمُورِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ ) أَيْ : ذَهَبَ ضَوْءُهُ . ( ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : كُوِّرَا . وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ) [ التَّكْوِيرِ : 1 ، 2 ] وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ : " وَجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ ) أَيْ : إِذَا عَايَنَ ابْنُ آدَمَ هَذِهِ الْأَهْوَالَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، حِينَئِذٍ يُرِيدُ أَنْ يَفِرَّ وَيَقُولُ : أَيْنَ الْمَفَرُّ ؟ أَيْ : هَلْ مِنْ مَلْجَأٍ أَوْ مَوْئِلٍ ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ ) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : أَيْ لَا نَجَاةَ . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ : ( ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ ) [ الشُّورَى : 47 ] أَيْ : لَيْسَ لَكُمْ مَكَانٌ تَتَنَكَّرُونَ فِيهِ ، وَكَذَا قَالَ هَاهُنَا ( ﴿لَا وَزَرَ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ لَكُمْ مَكَانٌ تَعْتَصِمُونَ فِيهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ ) أَيِ : الْمَرْجِعُ وَالْمَصِيرُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ) أَيْ : يُخْبَرُ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا ، أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا ، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ) [ الْكَهْفِ : 49 ] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ) أَيْ : هُوَ شَهِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ ، عَالِمٌ بِمَا فَعَلَهُ وَلَوِ اعْتَذَرَ وَأَنْكَرَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 14 ] . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ) يَقُولُ : سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَجَوَارِحُهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : إِذَا شِئْتَ - وَاللَّهِ - رَأَيْتَهُ بَصِيرًا بِعُيُوبِ النَّاسِ وَذُنُوبِهِمْ غَافِلًا عَنْ ذُنُوبِهِ ، وَكَانَ يُقَالُ : إِنَّ فِي الْإِنْجِيلِ مَكْتُوبًا : يَا ابْنَ آدَمَ ، تُبْصِرُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيكَ ، وَتَتْرُكُ الْجِذْلَ فِي عَيْنِكَ لَا تُبْصِرُهُ .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ) وَلَوْ جَادَلَ عَنْهَا فَهُوَ بَصِيرٌ عَلَيْهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ) وَلَوِ اعْتَذَرَ يَوْمَئِذٍ بِبَاطِلٍ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ) حُجَّتَهُ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ ، عَنْ زُرَارَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ) يَقُولُ : لَوْ أَلْقَى ثِيَابَهُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : وَلَوْ أَرْخَى سُتُورَهُ ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمَّوْنَ السِّتْرَ : الْمِعْذَارَ . وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَصْحَابِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 23 ] وَكَقَوْلِهِ ( ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ) [ الْمُجَادَلَةِ : 18 ] . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ) هِيَ الِاعْتِذَارُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ قَالَ : ( ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ ) [ غَافِرٍ : 52 ] وَقَالَ ( ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ ) [ النَّحْلِ : 87 ] ( ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ ) [ النَّحْلِ : 28 ] وَقَوْلُهُمْ ( ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ )

16-25

( ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ( 17 ) ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ( 18 ) ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ( 19 ) ) ( ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ ( 20 ) ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ ( 21 ) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ( 22 ) ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ( 23 ) ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ( 24 ) ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ ( 25 ) ) هَذَا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيكَيْفِيَّةِ تَلَقِّيهِ الْوَحْيِ مِنَ الْمَلَكِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُبَادِرُ إِلَى أَخْذِهِ ، وَيُسَابِقُ الْمَلَكَ فِي قِرَاءَتِهِ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا جَاءَهُ الْمَلَكُ بِالْوَحْيِ أَنْ يَسْتَمِعَ لَهُ ، وَتَكَفَّلَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَهُ فِي صَدْرِهِ ، وَأَنْ يُيَسِّرَهُ لِأَدَائِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَلْقَاهُ إِلَيْهِ ، وَأَنْ يُبَيِّنَهُ لَهُ وَيُفَسِّرَهُ وَيُوَضِّحَهُ ، فَالْحَالَةُ الْأُولَى جَمْعُهُ فِي صَدْرِهِ ، وَالثَّانِيَةُ تِلَاوَتُهُ ، وَالثَّالِثَةُ تَفْسِيرُهُ وَإِيضَاحُ مَعْنَاهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ) أَيْ : بِالْقُرْآنِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ) [ طه : 114 ] . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ ) أَيْ : فِي صَدْرِكَ ، ( ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ ) أَيْ : أَنْ تَقْرَأَهُ ، ( ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ ) أَيْ : إِذَا تَلَاهُ عَلَيْكَ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، ( ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ) أَيْ : فَاسْتَمَعْ لَهُ ، ثُمَّ اقْرَأْهُ كَمَا أَقْرَأَكَ ، ( ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ) أَيْ : بَعْدَ حِفْظِهِ وَتِلَاوَتِهِ نُبَيِّنُهُ لَكَ وَنُوَضِّحُهُ ، وَنُلْهِمُكَ مَعْنَاهُ عَلَى مَا أَرَدْنَا وَشَرَعْنَا . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً ، فَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - قَالَ : فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنَا أُحَرِّكُ شَفَتَيَّ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ . وَقَالَ لِي سَعِيدٌ : وَأَنَا أُحَرِّكُ شَفَتَيَّ كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ) قَالَ : جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ ، ثُمَّ تَقْرَأُهُ ، ( ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ) فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ . ( ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ) فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ كَمَا أَقْرَأَهُ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، بِهِ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ :

فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى التَّيْمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَلْقَى مِنْهُ شِدَّةٌ ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ عُرِفَ فِي تَحْرِيكِهِ شَفَتَيْهِ ، يَتَلَقَّى أَوَّلَهُ وَيُحَرِّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَنْسَى أَوَّلَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ آخِرِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ) وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ) قَالَ : كَانَ لَا يَفْتُرُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهُ ، فَقَالَ اللَّهُ : ( ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ ) أَنْ نَجْمَعَهُ لَكَ ( ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ ) أَنْ نُقْرِئَكَ فَلَا تَنْسَى . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ : ( ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ) تَبْيِينَ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿كَلًّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمُخَالَفَةِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الْحَقِّ وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ : إِنَّهُمْ إِنَّمَا هِمَّتُهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ ، وَهُمْ لَاهُونَ مُتَشَاغِلُونَ عَنِ الْآخِرَةِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ) مِنَ النَّضَارَةِ ، أَيْ حَسَنَةٌ بَهِيَّةٌ مُشْرِقَةٌ مَسْرُورَةٌ ، ( ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ) أَيْ : تَرَاهُ عَيَانًا ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي صَحِيحِهِ : " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيَانًا " . وَقَدْ ثَبَتَتْرُؤْيَةُ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّفِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ ، مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا وَلَا مَنْعُهَا ; لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَة‌َ - وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ - : أَنَّ نَاسًا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ : " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْسَ دُونَهُمَا سَحَابٌ؟ " قَالُوا : لَا . قَالَ : " فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَذَلِكَ " . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ : " إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى اللَّهِ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ " . وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ ، عَنْ صُهَيْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ " قَالَ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا ؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ " قَالَ : " فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ، وَهِيَ الزِّيَادَةُ " . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ) [ يُونُسَ : 26 ] . وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ : " إِنَّ اللَّهَ يَتَجَلَّى لِلْمُؤْمِنِينَ يَضْحَكُ "

26-40

( ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ( 26 ) ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ( 27 ) ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ ( 28 ) ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ( 29 ) ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ( 30 ) ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ ( 31 ) ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ( 32 ) ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ ( 33 ) ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ( 34 ) ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ( 35 ) ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ( 36 ) ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ ( 37 ) ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ ( 38 ) ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ( 39 ) ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ( 40 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالَةِ الِاحْتِضَارِ وَمَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَهْوَالِ - ثَبَّتَنَا اللَّهُ هُنَالِكَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ - فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ ) إِنْ جَعْلَنَا ) كَلَّا ) رَادِعَةً فَمَعْنَاهَا : لَسْتَ يَا ابْنَ آدَمَ تُكَذِّبُ هُنَاكَ بِمَا أُخْبِرْتَ بِهِ ، بَلْ صَارَ ذَلِكَ عِنْدَكَ عَيَانًا . وَإِنْ جَعَلْنَاهَا بِمَعْنَى ( حَقًّا ) فَظَاهِرٌ ، أَيْ : حَقًّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ، أَيِ : انْتُزِعَتْ رُوحُكَ مِنْ جَسَدِكَ وَبَلَغْتَ تَرَاقِيَكَ ، وَالتَّرَاقِي : جَمْعُ تَرْقُوَةٍ ، وَهِيَ الْعِظَامُ الَّتِي بَيْنَ ثَغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ) [ الْوَاقِعَةِ : 83 - 87 ] . وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ ) وَيُذْكَرُ هَاهُنَا حَدِيثُ بُسْرِ بْنِ جِحَاشٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ " يس " . وَالتَّرَاقِي : جَمْعُ تَرْقُوَةٍ ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْحُلْقُومِ .

( ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ) قَالَ : عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَيْ مَنْ رَاقٍ يَرْقِي ؟ وَكَذَا قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : ( ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ) أَيْ : مَنْ طَبِيبٌ شَافٍ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَبُو رَجَاءٍ الْكَلْبِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ) قَالَ : قِيلَ : مَنْ يَرْقَى بِرُوحِهِ : مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ أَمْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ؟ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ) قَالَ : الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ . وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ) يَقُولُ : آخِرُ يَوْمٍ فِي الدُّنْيَا ، وَأَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ ، فَتَلْتَقِي الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : ( ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ) الْأَمْرُ الْعَظِيمُ بِالْأَمْرِ الْعَظِيمِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بَلَاءٌ بِبَلَاءٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ) هُمَّا سَاقَاكَ إِذَا الْتَفَّتَا . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : مَاتَتْ رِجْلَاهُ فَلَمْ تَحْمِلَاهُ ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهَا جَوَّالًا . وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الْحَسَنِ : هُوَ لَفُّهُمَا فِي الْكَفَنِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ) اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ : النَّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ ، وَالْمَلَائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ) أَيِ : الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّوحَ تُرْفَعُ إِلَى السَّمَاوَاتِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : رُدُّوا عَبْدِي إِلَى الْأَرْضِ ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ ، وَمِنْهَا أَخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى . كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الطَّوِيلِ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 61 ، 62 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ) هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكَافِرِ الَّذِي كَانَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُكَذِّبًا لِلْحَقِّ بِقَلْبِهِ ، مُتَوَلِّيًا عَنِ الْعَمَلِ بِقَالَبِهِ ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ ) أَيْ : جَذِلًا أَشِرًا بَطِرًا كَسْلَانًا ، لَا هِمَّةَ لَهُ وَلَا عَمَلَ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ) [ الْمُطَفِّفِينَ : 34 ] . وَقَالَ ( ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ) أَيْ : يَرْجِعَ ( ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ ) [ الِانْشِقَاقِ : 13 - 15 ] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ ) [ أَيْ ] . يَخْتَالُ . وَقَالَ قَتَادَةُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : يَتَبَخْتَرُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ مِنْهُ تَعَالَى لِلْكَافِرِ بِهِ الْمُتَبَخْتِرِ فِي مِشْيَتِهِ ، أَيْ : يَحِقُّ لَكَ أَنْ تَمْشِيَ هَكَذَا وَقَدْ كَفَرْتَ بِخَالِقِكَ وَبَارِئِكَ ، كَمَا يُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ : ( ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ) [ الدُّخَانِ : 49 ] . وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ ) [ الْمُرْسَلَاتِ : 46 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ) [ الزُّمَرِ : 15 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 40 ] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ - ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قُلْتُ : ( ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ) ؟ قَالَ : قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ . حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ - ( ح ) وَحَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ . حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ - عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ) ؟ قَالَ : قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ( ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ) وَعِيدٌ عَلَى أَثَرِ وَعِيدٍ ، كَمَا تَسْمَعُونَ ، وَزَعَمُوا أَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ أَبَا جَهْلٍ أَخَذَ نَبِيَّ اللَّهِ بِمَجَامِعِ ثِيَابِهِ ، ثُمَّ قَالَ : " أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى " ، فَقَالَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ : أَتُوعِدُنِي يَا مُحَمَّدُ ؟ وَاللَّهِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ وَلَا رَبُّكَ شَيْئًا ، وَإِنِّي لَأَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ) قَالَ السُّدِّيُّ : يَعْنِي : لَا يُبْعَثُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : يَعْنِي لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ الْحَالَيْنِ ، أَيْ : لَيْسَ يُتْرَكُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مُهْمَلًا لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى ، وَلَا يُتْرَكُ فِي قَبْرِهِ سُدًى لَا يُبْعَثُ ، بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ مَنْهِيٌّ فِي الدُّنْيَا ، مَحْشُورٌ إِلَى اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَاإِثْبَاتُ الْمَعَادِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْجَهْلِ وَالْعِنَادِ ، وَلِهَذَا قَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَى الْإِعَادَةِ بِالْبُدَاءَةِ فَقَالَ . ( ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ ) ؟ أَيْ : أَمَا كَانَ الْإِنْسَانُ نُطْفَةً ضَعِيفَةً مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ يُمْنَى ، يُرَاقُ مِنَ الْأَصْلَابِ فِي الْأَرْحَامِ . ( ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ ) أَيْ : فَصَارَ عَلَقَةً ، ثُمَّ مُضْغَةً ، ثُمَّ شُكِّلَ وَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ ، فَصَارَ خَلْقًا آخَرَ سَوِيًّا سَلِيمَ الْأَعْضَاءِ ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ) أَيْ : أَمَا هَذَا الَّذِي أَنْشَأَ هَذَا الْخَلْقَ السَّوِيَّ مِنْ هَذِهِ النُّطْفَةِ الضَّعِيفَةِ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُعِيدَهُ كَمَا بَدَأَهُ ؟ وَتَنَاوُلُ الْقُدْرَةِ لِلْإِعَادَةِ إِمَّا بِطْرِيقِ الْأُولَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبُدَاءَةِ ، وَإِمَّا مُسَاوِيَةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ) [ الرُّومِ : 27 ] . وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ " الرُّومِ " بَيَانُهُ وَتَقْرِيرُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ آخَرَ : أَنَّهُ كَانَ فَوْقَ سَطْحٍ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ ، فَإِذَا قَرَأَ : ( ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ) ؟ قَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلَى ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَوْقَ بَيْتِهِ ، فَكَانَ إِذَا قَرَأَ : ( ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ) ؟ قَالَ سُبْحَانَكَ ، فَبَلَى ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يُسَمِّ هَذَا الصَّحَابِيَّ ، وَلَا يُضَرُّ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ : سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَة‌َ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا : ( ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ) ؟ فَلْيَقُلْ : بَلَى ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ . وَمَنْ قَرَأَ : ( ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ) فَانْتَهَى إِلَى : ( ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ) ؟ فَلْيَقُلْ : بَلَى . وَمَنْ قَرَأَ : ( ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ ) فَبَلَغَ ( ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ) ؟ فَلْيَقُلْ : آمَنَّا بِاللَّهِ " . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ . وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قُلْتُ لَهُ : مَنْ حَدَّثَكَ ؟ قَالَ رَجُلُ صِدْقٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة‌َ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ( ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ) ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَرَأَهَا قَالَ : " سُبْحَانَكَ وَبَلَى " . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ) ؟ ، قَالَ : سُبْحَانَكَ ; فَبَلَى . آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْقِيَامَةِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ