79 - تفسير سورة النازعات
تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّازِعَاتِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ ( 1 ) ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ ( 2 ) ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ ( 3 ) ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ ( 4 ) ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ( 5 ) ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ ( 6 ) ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ( 7 ) ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ ( 8 ) ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ ( 9 ) ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ ( 10 ) ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ ( 11 ) ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ ( 12 ) ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ( 13 ) ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ ( 14 ) ) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَأَبُو الضُّحَى ، وَالسُّدِّيُّ : ( ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ )الْمَلَائِكَةُ ، يَعْنُونَ حِينَ تُنْزَعُ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُ رُوحَهُ بِعُنْفٍ فَتُغْرِقُ فِي نَزْعِهَا ، وَ [ مِنْهُمْ ] مَنْ تَأْخُذُ رُوحَهُ بِسُهُولَةٍوَكَأَنَّمَا حَلَّتْهُ مِنْ نَشَاطٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ ) قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ ) هِيَ أَنْفُسُ الْكُفَّارِ ، تُنْزَعُ ثُمَّ تُنْشَطُ ، ثُمَّ تَغْرَقُ فِي النَّارِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ ) الْمَوْتُ . وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ : ( ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ ) هِيَ النُّجُومُ . وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ ) وَ ) النَّاشِطَاتِ ) هِيَ الْقِسِيُّ فِي الْقِتَالِ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ ) فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : هِيَ الْمَلَائِكَةُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ مِثْلُ ذَلِكَ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ ) الْمَوْتُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هِيَ النُّجُومُ . وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : هِيَ السُّفُنُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ ; قَالَ الْحَسَنُ : سَبَقَتْ إِلَى الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ : الْمَوْتُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هِيَ النُّجُومُ وَقَالَ عَطَاءٌ : هِيَ الْخَيْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ) قَالَ عَلِيٌّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيُّ : هِيَ الْمَلَائِكَةُ ، زَادَ الْحَسَنُ : تُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ . يَعْنِي : بِأَمْرِ رَبِّهَا - عَزَّ وَجَلَّ - . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي هَذَا ، وَلَمْ يَقْطَعِ ابْنُ جَرِيرٍ بِالْمُرَادِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُ حَكَى فِي ( ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ) أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ ، وَلَا أَثْبَتَ وَلَا نَفَى . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَمًّا النَّفْخَتَانِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ . وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ : أَمَّا الْأُولَى - وَهِيَ قَوْلُهُ : ( ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ ) - فَكَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ : ( ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ ) [ الْمُزَّمِّلِ : 14 ] ، وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ الرَّادِفَةُ - فَهِيَ كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 14 ] . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
" جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ ، تُتْبِعُهَا الرَّادِفَةُ ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلَاتَيْ كُلَّهَا عَلَيْكَ ؟ قَالَ : " إِذًا يَكْفِيكَ اللَّهُ مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ " . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلِهِ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا ذَهَبَ ثُلْثُ اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تُتْبِعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي خَائِفَةٌ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ . ( ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ ) أَيْ : أَبْصَارُ أَصْحَابِهَا . وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَيْهَا ; لِلْمُلَابَسَةِ ، أَيْ : ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ ; مِمَّا عَايَنَتْ مِنَ الْأَهْوَالِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ ) ؟ يَعْنِي : مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي إِنْكَارِ الْمَعَادِ ، يَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَصِيرِ إِلَى الْحَافِرَةِ، وَهِيَ الْقُبُورُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَبَعْدَ تَمَزُّقِ أَجْسَادِهِمْ وَتَفَتُّتِ عِظَامِهِمْ وَنَخُورِهَا ; وَلِهَذَا قَالُوا : ( ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ ) ؟ وَقُرِئَ : " نَاخِرَةً " . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ : أَيُّ بَالِيَةً . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَهُوَ الْعَظَمُ إِذَا بَلِيَ وَدَخَلَتْ الرِّيحُ فِيهِ . ( ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ ) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَقَتَادَةَ : الْحَافِرَةُ : الْحَيَاةُ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْحَافِرَةُ :النَّارُ . وَمَا أَكْثَرُ أَسْمَائِهَا! هِيَ النَّارُ ، وَالْجَحِيمُ ، وَسَقَرُ ، وَجَهَنَّمُ ، وَالْهَاوِيَةُ ، وَالْحَافِرَةُ ، وَلَظَى ، وَالْحُطَمَةُ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : ( ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ ) فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : قَالَتْ قُرَيْشٌ : لَئِنْ أَحْيَانَا اللَّهُ بَعْدَ أَنْ نَمُوتَ لَنَخْسَرَنَّ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) أَيْ : فَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ وَلَا تَأْكِيدَ ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ، وَهُوَ أَنْيَأْمُرَ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةُ الْبَعْثِ، فَإِذَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ - عَزَّ وَجَلَّ - يَنْظُرُونَ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 52 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ) [ الْقَمَرِ : 50 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ ) [ النَّحْلِ : 77 ] . قَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ) صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ : أَشُدُّ مَا يَكُونُ الرَّبُّ غَضِبًا عَلَى خَلْقِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : زَجْرَةٌ مِنَ الْغَضَبِ . وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ : هِيَ النَّفْخَةُ الْآخِرَةُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) الْأَرْضُ كُلُّهَا . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو صَالِحٍ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ : ( ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) وَجْهُ الْأَرْضِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَانُوا بِأَسْفَلِهَا فَأُخْرِجُوا إِلَى أَعْلَاهَا . قَالَ : وَ ( ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : ( ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) أَرْضُ الشَّامِ ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ : ( ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : ( السَّاهِرَةُ ) جَبَلٌ إِلَى جَانِبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا : ( ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) جَهَنَّمُ . وَهَذِهِ أَقْوَالٌ كُلُّهَا غَرِيبَةٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا الْأَرْضُ وَجْهُهَا الْأَعْلَى . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا خَزْرُ بْنُ الْمُبَارَكِ الشَّيْخُ الصَّالِحُ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السِّرِّيِّ ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : ( ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) قَالَ : أَرْضٌ بَيْضَاءُ عَفْرَاءُ خَالِيَةٌ كَالْخُبْزَةِ النَّقِيِّ . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) وَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 48 ] ، وَيَقُولُ : ( ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ ) [ طه : 105 ، 106 ] . وَقَالَ : ( ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ) [ الْكَهْفِ : 47 ] : وَبَرَزَتِ الْأَرْضُ الَّتِي عَلَيْهَا الْجِبَالُ ، وَهِيَ لَا تُعَدُّ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ ، وَهِيَ أَرْضٌ لَمْ يَعْمَلْ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ ، وَلِمَ يَهْرَاقْ عَلَيْهَا دَمٌ .
( ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ( 15 ) ) ( ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ( 16 ) ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ( 17 ) ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ ( 18 ) ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ ( 19 ) ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ ( 20 ) ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ ( 21 ) ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ ( 22 ) ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ ( 23 ) ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ( 24 ) ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ ( 25 ) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ( 26 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى رَسُولَهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ ابْتَعَثَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ ، وَأَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ ، وَمَعَ هَذَا اسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ ، حَتَّى أَخَذَهُ اللَّهُ أَخَذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ . وَكَذَلِكَ عَاقِبَةُ مَنْ خَالَفَكَ وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتَ بِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ : ( ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ) فَقَوْلُهُ : ( ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ) ؟ أَيْ : هَلْ سَمِعْتَ بِخَبَرِهِ ؟ ( ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ ) أَيْ : كَلَّمَهُ نِدَاءٍ ، ( ﴿بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ﴾ ) أَيِ : الْمُطَهَّرِ ، ( ﴿طُوًى﴾ ) وَهُوَ اسْمُ الْوَادِي عَلَى الصَّحِيحِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ طه . فَقَالَ لَهُ : ( ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ) أَيْ : تَجَبَّرَ وَتَمَرَّدَ وَعَتَا ، ( ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ ) ؟ أَيْ : قُلْ لَهُ هَلْ لَكَ أَنْ تُجِيبَ إِلَى طَرِيقَةٍ وَمَسْلَكٍ تَزَّكَّى بِهِ ، أَيْ : تُسَلِّمُ وَتُطِيعُ . ( ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ ) أَيْ : أَدُلُّكَ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ ، ( ﴿فَتَخْشَى﴾ ) أَيْ : فَيَصِيرُ قَلْبُكَ خَاضِعًا لَهُ مُطِيعًا خَاشِيًا بَعْدَمَا كَانَ قَاسِيًا خَبِيثًا بَعِيدًا مِنَ الْخَيْرِ . ( ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ ) يَعْنِي : فَأَظْهَرَ لَهُ مُوسَى مَعَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْحَقِّ حُجَّةً قَوِيَّةً ، وَدَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَهُ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، ( ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ ) أَيْ : فَكَذَّبَ بِالْحَقِّ وَخَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كَفَرَ قَلْبُهُ فَلَمْ يَنْفَعِلْ لِمُوسَى بِبَاطِنِهِ وَلَا بِظَاهِرِهِ ، وَعِلْمُهُ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ حَقٌّ لَا يُلْزِمُ مِنْهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهِ ; لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ عِلْمُ الْقَلْبِ ، وَالْإِيمَانُ عَمَلُهُ ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ لِلْحَقِّ وَالْخُضُوعِ لَهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ ) أَيْ : فِي مُقَابَلَةِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ ، وَهُوَجَمْعُهُ السَّحَرَةَ لِيُقَابِلُوا مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ ، ( ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ ) أَيْ : فِي قَوْمِهِ ، ( ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ : وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ قَالَهَا فِرْعَوْنٌ بَعْدَ قَوْلِهِ : ( ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ) [ الْقِصَصِ : 38 ] بِأَرْبَعِينَ سَنَةً . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ ) أَيْ :انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ انْتِقَامًا جَعَلَهُ بِهِ عِبْرَةً وَنَكَالًا لِأَمْثَالِهِ مِنَ الْمُتَمَرِّدِينَ فِي الدُّنْيَا، ( ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ ) [ هُودٍ : 99 ] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ) [ الْقِصَصِ : 41 ] . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ ، أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ ) أَيْ : الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ كَلِمَتَاهُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ . وَقِيلَ : كُفْرُهُ وَعِصْيَانُهُ . وَالصَّحِيحُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ الْأَوَّلُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ) أَيْ : لِمَنْ يَتَّعِظُ وَيَنْزَجِرُ .
( ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ ( 27 ) ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ ( 28 ) ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ ( 29 ) ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ( 30 ) ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ ( 31 ) ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ ( 32 ) ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ( 33 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَىمُنْكِرِي الْبَعْثِ فِي إِعَادَةِ الْخَلْقِ بَعْدَ بَدْئِهِ: ( أَأَنْتُمْ ) أَيُّهَا النَّاسُ ( ﴿أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ ) ؟ يَعْنِي : بَلِ السَّمَاءُ أَشَدُّ خَلْقًا مِنْكُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ ) [ غَافِرٍ : 57 ] ، وَقَالَ : ( ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ) [ يس : 81 ] ، فَقَوْلُهُ : ( بَنَاهَا ) فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ ) أَيْ : جَعَلَهَا عَالِيَةَ الْبِنَاءِ ، بَعِيدَةَ الْفَنَاءِ ، مُسْتَوِيَةَ الْأَرْجَاءِ ، مُكَلَّلَةً بِالْكَوَاكِبِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ ) أَيْ : جَعَلَ لَيْلَهَا مُظْلِمًا أَسْوَدَ حَالِكًا ، وَنَهَارَهَا مُضِيئًا مُشْرِقًا نَيِّرًا وَاضِحًا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَغْطَشَ لَيْلَهَا : أَظْلَمَهُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ . ( ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ ) أَيْ : أَنَارَ نَهَارَهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ) فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ " حم السَّجْدَةِ " أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا دُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَخْرَجَ مَا كَانَ فِيهَا بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَنِيسَةَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿دَحَاهَا﴾ ) وَدَحْيُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى ، وَشَقَّقَ [ فِيهَا ] الْأَنْهَارَ ، وَجَعَلَ فِيهَا الْجِبَالَ وَالرِّمَالَ وَالسُّبُلَ وَالْآكَامَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرَ ذَلِكَ هُنَالِكَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ ) أَيْ : قَرَّرَهَا وَأَثْبَتَهَا وَأَكَّدَهَا فِي أَمَاكِنِهَا ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ، الرَّءُوفُ بِخَلْقِهِ الرَّحِيمُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ :
" لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ ، فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَلْقَاهَا عَلَيْهَا ، فَاسْتَقَرَّتْ فَتَعَجَّبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْخَلْقِ الْجِبَالِفَقَالَتْ : يَا رَبُّ ، فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ ؟ قَالَ نَعَمْ ، الْحَدِيدُ . قَالَتْ : يَا رَبُّ ، فَهَلْ مَنْ خَلَقَكِ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، النَّارُ . قَالَتْ : يَا رَبُّ ، فَهَلْ مَنْ خَلَقَكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الْمَاءُ . قَالَتْ : يَا رَبُّ ، فَهَلْ مَنْ خَلَقَكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الرِّيحُ . قَالَتْ : يَا رَبُّ فَهَلْ مَنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ابْنُ آدَمَ ، يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شَمَالِهِ " . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لَمَّاخَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَقَمَصَتْ وَقَالَتْ : تَخْلُقُ عَلَيَّ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ ، يُلْقُونَ عَلَيَّ نَتَنَهُمْ وَيَعْمَلُونَ عَلَيَّ بِالْخَطَايَا ، فَأَرْسَاهَا اللَّهُ بِالْجِبَالِ ، فَمِنْهَا مَا تَرَوْنَ ، وَمِنْهَا مَا لَا تَرَوْنَ ، وَكَانَ أَوَّلُ قَرَارِ الْأَرْضِ كَلَحْمِ الْجَزُورِ إِذَا نُحِرَ ، يَخْتَلِجُ لَحْمُهُ . غَرِيبٌ . وَقَوْلُهُ ( ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ) أَيْ : دَحَا الْأَرْضَ فَأَنْبَعَ عُيُونَهَا ، وَأَظْهَرَ مَكْنُونَهَا ، وَأَجْرَى أَنْهَارَهَا ، وَأَنْبَتَ زُرُوعَهَا وَأَشْجَارَهَا وَثِمَارَهَا ، وَثَبَّتَ جِبَالَهَا ، لِتَسْتَقِرَّ بِأَهْلِهَا وَيَقَرُّ قَرَارُهَا ، كُلُّ ذَلِكَ مَتَاعًا لِخَلْقِهِ وَلِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَنْعَامِ الَّتِي يَأْكُلُونَهَا وَيَرْكَبُونَهَا مُدَّةَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمَدُ ، وَيَنْقَضِيَ الْأَجَلُ .
( ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ ( 34 ) ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ ( 35 ) ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ ( 36 ) ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ ( 37 ) ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ( 38 ) ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ( 39 ) ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ( 40 ) ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ( 41 ) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ( 42 ) ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ ( 43 ) ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ( 44 ) ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ ( 45 ) ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ( 46 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ ) وَهُوَيَوْمُ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَطُمُّ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ هَائِلٍ مُفْظِعٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ) [ الْقَمَرِ : 46 ] . ( ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ ) أَيْ : حِينَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ابْنُ آدَمَ جَمِيعَ عَمَلِهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ ) [ الْفَجْرِ : 23 ] . ( ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ ) أَيْ : أَظْهَرَتْ لِلنَّاظِرِينَ فَرَآهَا النَّاسُ عِيَانًا ، ( ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ ) أَيْ : تَمَرَّدَ وَعَتَا ، ( ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ) أَيْ : قَدَّمَهَا عَلَى أَمْرِ دِينِهِ وَأُخْرَاهُ ، ( ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ) أَيْ : فَإِنَّ مَصِيرَهُ إِلَى الْجَحِيمِ وَإِنَّ مَطْعَمَهُ مِنَ الزَّقُّومِ ، وَمَشْرَبَهُ مِنَ الْحَمِيمِ . ( ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ) أَيْ :خَافَ الْقِيَامَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَخَافَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ ، وَنَهَى نَفْسَهُ عَنْ هَوَاهَا ، وَرَدَّهَا إِلَى طَاعَةِ مَوْلَاهَا( ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ) أَيْ : مُنْقَلَبُهُ وَمَصِيرُهُ وَمَرْجِعُهُ إِلَى الْجَنَّةِ الْفَيْحَاءِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ) أَيْ : لَيْسَ عِلْمُهَا إِلَيْكَ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ ، بَلْ مَرَدُّهَا وَمَرْجِعُهَا إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُ وَقْتَهَا عَلَى التَّعْيِينِ ، ( ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 187 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ) وَلِهَذَا لَمَّا سَأَلَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْوَقْتِ السَّاعَةِقَالَ :
" مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ " . . وَقَوْلُهُ ( ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِتُنْذِرَ النَّاسَ وَتُحَذِّرَهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ ، فَمَنْ خَشِيَ اللَّهَ وَخَافَ مَقَامَهُ وَوَعِيدَهُ ، اتَّبَعَكَ فَأَفْلَحَ وَأَنْجَحَ ، وَالْخَيْبَةُ وَالْخَسَارُ عَلَى مَنْ كَذَّبَكَ وَخَالَفَكَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ) أَيْ : إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى الْمَحْشَرِ يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، حَتَّى كَأَنَّهَا عِنْدَهُمْ كَانَتْ عَشِيَّةً مِنْ يَوْمٍ أَوْ ضُحًى مِنْ يَوْمٍ . قَالَ جُويْبِرٌ ، عَنِ الضِّحَاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ) أَمَّا عَشِيَّةً : فَمَا بَيْنَ الظَّهْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، ( ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾ ) مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : وَقْتُ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِ الْقَوْمِ حِينَ عَايَنُوا الْآخِرَةَ . [ آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " النَّازِعَاتِ " ] [ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ] .