مكتبة الإسلام الشاملة

71 - تفسير سورة نوح

1-4

تَفْسِيرُ سُورَةِ نُوحٍ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 1 ) ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ( 2 ) ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ( 3 ) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ( 4 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى قَوْمِهِ آمِرًا لَهُ أَنْ يُنْذِرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ، فَإِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا رَفْعَ عَنْهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ) أَيْ : بَيِّنُ النِّذَارَةِ ، ظَاهِرُ الْأَمْرِ وَاضِحُهُ . ( ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ ) أَيِ : اتْرُكُوا مَحَارِمَهُ وَاجْتَنِبُوا مَآثِمَهُ ) وَأَطِيعُونِ ) فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ . ( ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ) أَيْ : إِذَا فَعَلْتُمْ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَصَدَّقْتُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ . وَ " مِنْ " هَاهُنَا قِيلَ : إِنَّهَا زَائِدَةٌ . وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِزِيَادَتِهَا فِي الْإِثْبَاتِ قَلِيلٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعَرَبِ : " قَدْ كَانَ مِنْ مَطَرٍ " . وَقِيلَ : إِنَّهَا بِمَعْنَى " عَنْ " ، تَقْدِيرُهُ : يَصْفَحُ لَكُمْ عَنْ ذُنُوبِكُمْ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ ، أَيْ يَغْفِرُ لَكُمُ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ الَّتِي وَعَدَكُمْ عَلَى ارْتِكَابِكُمْ إِيَّاهَا الِانْتِقَامَ . ( ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ) أَيْ : يَمُدُّ فِي أَعْمَارِكُمْ وَيَدْرَأُ عَنْكُمُ الْعَذَابَ الَّذِي إِنْ لَمْ تَنْزَجِرُوا عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ ، أَوْقَعَهُ بِكُمْ . وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّالطَّاعَةَ وَالْبِرَّ وَصِلَةَ الرَّحِمِ ، يُزَادُ بِهَا فِي الْعُمْرِحَقِيقَةً ; كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ :

" صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ " .

وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ) أَيْ : بَادِرُوا بِالطَّاعَةِ قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ ، فَإِنَّهُ إِذَا أَمَرَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى بِكَوْنِ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ وَلَا يُمَانَعُ ، فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ ، الْعَزِيزُ الَّذِي دَانَتْ لِعِزَّتِهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ .

5-20

( ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ ( 5 ) ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ ( 6 ) ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ ( 7 ) ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ ( 8 ) ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ( 9 ) ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ ( 10 ) ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ( 11 ) ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ( 12 ) ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ ( 13 ) ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ( 14 ) ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ( 15 ) ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ ( 16 ) ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ( 17 ) ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ ( 18 ) ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ ( 19 ) ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ ( 20 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ اشْتَكَى إِلَى رَبِّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ ، وَمَا صَبَرَ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي هِيَ أَلْفُ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ، وَمَا بَيَّنَ لِقَوْمِهِ وَوَضَّحَ لَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى الرُّشْدِ وَالسَّبِيلِ الْأَقْوَمِ ، فَقَالَ : ( ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ) أَيْ : لَمْ أَتْرُكْ دُعَاءَهُمْ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ ، امْتِثَالًا لِأَمْرِكَ وَابْتِغَاءً لِطَاعَتِكَ ، ( ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ ) أَيْ : كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِيَقْتَرِبُوا مِنَ الْحَقِّ فَرُّوا مِنْهُ وَحَادُوا عَنْهُ ، . ( ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ ) أَيْ : سَدُّوا آذَانَهُمْ لِئَلَّا يَسْمَعُوا مَا أَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ . كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ : ( ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 26 ] . ( ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ ) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : تَنَكَّرُوا لَهُ لِئَلَّا يَعْرِفَهُمْ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ : غَطَّوْا رُءُوسَهُمْ لِئَلَّا يَسْمَعُوا مَا يَقُولُ . ( وَأَصَرُّوا ) أَيِ : اسْتَمَرُّوا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ الْعَظِيمِ الْفَظِيعِ ، ( وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) أَيْ : وَاسْتَنْكَفُوا عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالِانْقِيَادِ لَهُ . ( ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ ) أَيْ : جَهْرَةً بَيْنَ النَّاسِ . ( ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ ) أَيْ : كَلَامًا ظَاهِرًا بِصَوْتٍ عَالٍ ، ( ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ) أَيْ : فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةَ لِتَكُونَ أَنْجَعَ فِيهِمْ . ( ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ ) أَيِ : ارْجِعُوا إِلَيْهِ وَارْجِعُوا عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ ، فَإِنَّهُمَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ مَهْمَا كَانَتْ فِي الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ) أَيْ : مُتَوَاصِلَةَ الْأَمْطَارِ . وَلِهَذَا تُسْتَحَبُّقِرَاءَةُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِلِأَجْلِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ لِيَسْتَسْقِيَ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَىالِاسْتِغْفَارِ، وَقَرَأَ الْآيَاتِ فِي الِاسْتِغْفَارِ . وَمِنْهَا هَذِهِ الْآيَةُ ( ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ) ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ طَلَبْتُ الْغَيْثَ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي سَتُنْزِلُ بِهَا الْمَطَرَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ) أَيْ : إِذَا تُبْتُمْ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفَرْتُمُوهُ وَأَطَعْتُمُوهُ ، كَثُرَ الرِّزْقُ عَلَيْكُمْ ، وَأَسْقَاكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ ، وَأَنْبَتَ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ ، وَأَنْبَتَ لَكُمُ الزَّرْعَ ، وَأَدَرَّ لَكُمُ الضَّرْعَ ، وَأَمَدَّكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ، أَيْ : أَعْطَاكُمُ الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ ، وَجَعَلَ لَكُمْ جَنَّاتٍ فِيهَا أَنْوَاعَ الثِّمَارِ ، وَخَلَّلَهَا بِالْأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ بَيْنَهَا . هَذَا مَقَامُ الدَّعْوَةِ بِالتَّرْغِيبِ ، ثُمَّ عَدَلَ بِهِمْ إِلَى دَعْوَتِهِمْ بِالتَّرْهِيبِ فَقَالَ : ( ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ ) أَيْ : عَظْمَةً ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا تُعَظِّمُونَ اللَّهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ ، أَيْ : لَا تَخَافُونَ مِنْ بَأْسِهِ وَنِقْمَتِهِ . ( ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَيَحْيَى بْنُ رَافِعٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ) ؟ أَيْ : وَاحِدَةً فَوْقَ وَاحِدَةٍ ، وَهَلْ هَذَا يُتَلَقَّى مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ فَقَطْ ؟ أَوْ هِيَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُدْرَكَةِ بِالْحِسِّ ، مِمَّا عُلِمَ مِنَ التَّسْيِيرِ وَالْكُسُوفَاتِ ، فَإِنَّ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ السَّيَّارَةَ يَكْسِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَأَدْنَاهَا الْقَمَرُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَهُوَ يَكْسِفُ مَا فَوْقَهُ ، وَعُطَارِدُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَالزُّهَرَةُ فِي الثَّالِثَةِ ، وَالشَّمْسُ فِي الرَّابِعَةِ ، وَالْمَرِّيخُ فِي الْخَامِسَةِ ، وَالْمُشْتَرِي فِي السَّادِسَةِ ، وَزُحَلُ فِي السَّابِعَةِ . وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْكَوَاكِبِ - وَهِيَ الثَّوَابِتُ - فَفِي فَلَكٍ ثَامِنٍ يُسَمُّونَهُ فَلَكَ الثَّوَابِتِ . وَالْمُتَشَرِّعُونَ مِنْهُمْ يَقُولُونَ : هُوَ الْكُرْسِيُّ ، وَالْفَلَكُ التَّاسِعُ ، وَهُوَ الْأَطْلَسُ ، وَالْأَثِيرُ عِنْدَهُمُ الَّذِي حَرَكَتُهُ عَلَى خِلَافِ حَرَكَةِ سَائِرِ الْأَفْلَاكِ ، وَذَلِكَ أَنَّ حَرَكَتَهُ مَبْدَأُ الْحَرَكَاتِ ، وَهِيَ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ ; وَسَائِرُ الْأَفْلَاكِ عَكْسُهُ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَمَعَهَا يَدُورُ سَائِرُ الْكَوَاكِبِ تَبَعًا ، وَلَكِنْ لِلسَّيَّارَةِ حَرَكَةٌ مُعَاكِسَةٌ لِحَرَكَةِ أَفْلَاكِهَا ، فَإِنَّهَا تَسِيرُ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ . وَكُّلٌ يَقْطَعُ فَلَكَهُ بِحَسْبِهِ ، فَالْقَمَرُ يَقْطَعُ فَلَكَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ، وَالشَّمْسُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً ، وَزُحَلُ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ سَنَةً مَرَّةً ، وَذَلِكَ بِحَسْبِ اتِّسَاعِ أَفْلَاكِهَا وَإِنْ كَانَتْ حَرَكَةُ الْجَمْعِ فِي السُّرْعَةِ مُتَنَاسِبَةً ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا يَقُولُونَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ، لَسْنَا بِصَدَدِ بَيَانِهَا ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ : ( ﴿خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ ) أَيْ : فَاوَتَ بَيْنَهُمَا فِي الِاسْتِنَارَةِ فَجَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا أُنْمُوذَجًا عَلَى حِدَةٍ ، لِيُعْرَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ بِمَطْلَعِ الشَّمْسِ وَمَغِيبِهَا ، وَقَدَّرَ الْقَمَرَ مَنَازِلَ وَبُرُوجًا ، وَفَاوَتَ نُورَهُ ، فَتَارَةً يَزْدَادُ حَتَّى يَتَنَاهَى ثُمَّ يَشْرَعُ فِي النَّقْصِ حَتَّى يَسْتَسِرَّ ، لِيَدُلَّ عَلَى مُضِيِّ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ) [ يُونُسَ : 5 ] .

وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ) هَذَا اسْمُ مَصْدَرٍ ، وَالْإِتْيَانُ بِهِ هَا هُنَا أَحْسَنُ ، ( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ) أَيْ : إِذَا مُتُّمْ ) وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعِيدُكُمْ كَمَا بَدَأَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . ( ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ ) أَيْ : بَسَطَهَا وَمَهَّدَهَا وَقَرَّرَهَا وَثَبَّتَهَا بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الشُّمِّ الشَّامِخَاتِ . ( ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ ) أَيْ : خَلَقَهَا لَكُمْ لِتَسْتَقِرُّوا عَلَيْهَا وَتَسْلُكُوا فِيهَا أَيْنَ شِئْتُمْ ، مِنْ نَوَاحِيهَا وَأَرْجَائِهَا وَأَقْطَارِهَا ، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُنَبِّهُهُمْ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَىقُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْمَنَافِعِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَرْضِيَّةِ ، فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ ، جَعَلَ السَّمَاءَ بِنَاءً ، وَالْأَرْضَ مِهَادًا ، وَأَوْسَعَ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ رِزْقِهِ ، فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ وَيُوَحَّدَ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ أَحَدٌ ; لِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا عَدِيلَ لَهُ ، وَلَا نِدَّ وَلَا كُفْءَ ، وَلَا صَاحِبَةَ وَلَا وَلَدَ ، وَلَا وَزِيرَ وَلَا مُشِيرَ ، بَلْ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ .

21-24

( ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ ( 21 ) ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ ( 22 ) ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ( 23 ) ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ ( 24 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ أَنْهَى إِلَيْهِ ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ ، أَنَّهُ مَعَ الْبَيَانِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَالدَّعْوَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْمُتَشَمِّلَةِ عَلَى التَّرْغِيبِ تَارَةً وَالتَّرْهِيبِ أُخْرَى : أَنَّهُمْ عَصَوْهُ وَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ ، وَاتَّبَعُوا أَبْنَاءَ الدُّنْيَا مِمَّنْ غَفَلَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ ، وَمُتِّعَ بِمَالٍ وَأَوْلَادٍ ، وَهِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اسْتِدْرَاجٌ وَإِنْظَارٌ لَا إِكْرَامٌ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ) قُرِئَ ) وَوُلْدُهُ ) بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ ، وَكِلَاهُمَا مُتَقَارِبٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : ( كُبَّارًا ) أَيْ عَظِيمًا . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ( كُبَّارًا ) أَيْ : كَبِيرًا . وَالْعَرَبُ تَقُولُ : أَمْرٌ عَجِيبٌ وَعُجَابٌ وَعُجَّابٌ . وَرَجُلٌ حُسَانٌ ، وَحُسَّانٌ : وَجُمَالٌ وَجُمَّالٌ ، بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ ) أَيْ : بِاتِّبَاعِهِمْ فِي تَسْوِيلِهِمْ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى ، كَمَا يَقُولُونَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ( ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ ) [ سَبَأٍ : 33 ] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ) وَهَذِهِ أَسْمَاءُ أَصْنَامِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ : أَمَّا وَدٌّ : فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ ; وَأَمَّا سُوَاعٌ : فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادَ ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَأٍ ، أَمَّا يَعُوقُ : فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ ، وَأَمَّا نَسْرٌ : فَكَانَتْ لِحَمِيرَ لِآلِ ذِي كَلَاعٍ ، وَهِيَ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ ، فَفَعَلُوا ، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ وَابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوُ هَذَا . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هَذِهِ أَصْنَامٌ كَانَتْ تُعْبَدُ فِي زَمَنِ نُوحٍ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ) [ يَغُوثَ ] وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) قَالَ : كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ وَكَانَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ ، فَلَمَّا مَاتُوا قَالَ أَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِمْ : لَوْ صَوَّرْنَاهُمْ كَانَ أَشْوَقَ لَنَا إِلَى الْعِبَادَةِ إِذَا ذَكَرْنَاهُمْ ، فَصَوَّرُوهُمْ ، فَلَمَّا مَاتُوا وَجَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَبِهِمْ يُسْقَوْنَ الْمَطَرَ ، فَعَبَدُوهُمْ . وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ شِيثَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي جُوَيْبِرٌ وَمُقَاتِلٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : وُلِدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَرْبَعُونَ وَلَدًا ، عِشْرُونَ غُلَامًا وَعِشْرُونَ جَارِيَةً ، فَكَانَ مِمَّنْ عَاشَ مِنْهُمْ : هَابِيلُ وَقَابِيلُ وَصَالِحٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَالَّذِي كَانَ سَمَّاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ - وَوَدٌّ وَكَانَ وَدٌّ يُقَالُ لَهُ " شِيثَ " وَيُقَالُ لَهُ : " هِبَةُ اللَّهِ " وَكَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ سَوَّدُوهُ ، وَوُلِدَ لَهُ سُوَاعٌ وَيَغُوثُ وَيَعُوقُ وَنَسْرٌ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الدُّورِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي حَزْرَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : اشْتَكَى آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَعِنْدَهُ بَنُوهُ : وَدٌّ وَيَغُوثُ [ وَيَعُوقُ ] وَسُوَاعٌ وَنَسْرٌ - قَالَ وَكَانَ وَدٌّ أَكْبَرَهُمْ وَأَبَرَّهُمْ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ أَبِي الْمُطَهِّرِ قَالَ : ذَكَرُوا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ - وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي - يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ قَالَ : فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ : ذَكَرْتُمْ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ أَمَا إِنَّهُ قُتِلَ فِي أَوَّلِ أَرْضٍ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اللَّهِ . قَالَ : ثُمَّ ذَكَرَ وَدًّا - قَالَ : وَكَانَ وَدٌّ رَجُلًا مُسْلِمًا وَكَانَ مُحَبَّبًا فِي قَوْمِهِ ، فَلَمَّا مَاتَ عَسْكَرُوا حَوْلَ قَبْرِهِ فِي أَرْضِ بَابِلَ وَجَزِعُوا عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ جَزَعَهُمْ عَلَيْهِ ، تَشَبَّهَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي أَرَى جَزَعَكُمْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ أُصَوِّرَ لَكُمْ مِثْلَهُ ، فَيَكُونَ فِي نَادِيكُمْ فَتَذْكُرُونَهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَصُوِّرَ لَهُمْ مَثَلُهُ ، قَالَ : وَوَضَعُوهُ فِي نَادِيهِمْ وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ ذِكْرِهِ قَالَ : هَلْ لَكُمْ أَنْ أَجْعَلَ فِي مَنْزِلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ تِمْثَالًا مِثْلَهُ ، فَيَكُونَ لَهُ فِي بَيْتِهِ فَتَذْكُرُونَهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَمَثَّلَ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ تِمْثَالًا مِثْلَهُ ، فَأَقْبَلُوا فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ ، قَالَ : وَأَدْرَكَ أَبْنَاؤُهُمْ فَجَعَلُوا يَرَوْنَ مَا يَصْنَعُونَ بِهِ ، قَالَ وَتَنَاسَلُوا وَدَرَسَ أَمْرُ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مَنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِمْ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا عُبِدَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ الصَّنَمُ الَّذِي سَمَّوْهُ وَدًّا . وَقَوْلُهُ : ( وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ) يَعْنِي الْأَصْنَامَ الَّتِي اتَّخَذُوهَا أَضَلُّوا بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا ، فَإِنَّهُ اسْتَمَرَّتْ عِبَادَتُهَا فِي الْقُرُونِ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَسَائِرِ صُنُوفِ بَنِي آدَمَ . وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي دُعَائِهِ : ( ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 35 ، 36 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ ) دُعَاءٌ مِنْهُ عَلَى قَوْمِهِ لِتَمَرُّدِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ ، كَمَا دَعَا مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَثَلِهِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ) [ يُونُسَ : 88 ] وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنَ النَّبِيَّيْنِ فِي قَوْمِهِ ، وَأَغْرَقَ أُمَّتَهُ بِتَكْذِيبِهِمْ لِمَا جَاءَهُمْ بِهِ .

25-28

( ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ ( 25 ) ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ( 26 ) ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ( 27 ) ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ ( 28 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( مِمَّا خَطَايَاهُمْ ) وَقُرِئَ : ( خَطِيئَاتِهِمْ ) ) أُغْرِقُوا ) أَيْ : مِنْ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ رَسُولَهُمْ ( ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ ) أَيْ : نُقِلُوا مِنْ تَيَّارِ الْبِحَارِ إِلَى حَرَارَةِ النَّارِ ، ( ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ ) أَيْ : لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُعِينٌ وَلَا مُغِيثٌ وَلَا مُجِيرٌ يُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ : ( ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ) [ هُودٍ : 43 ] . ( ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) أَيْ : لَا تَتْرُكْ عَلَى [ وَجْهِ ] الْأَرْضِ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا تُومُرِيَّا وَهَذِهِ مِنْ صِيَغِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ . قَالَ الضَّحَّاكُ : ( دَيَّارًا ) وَاحِدًا . وَقَالَ السُّدِّيُّ : الدَّيَّارُ : الَّذِي يَسْكُنُ الدَّارَ . فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ، فَأَهْلَكَ جَمِيعَ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ حَتَّى وَلَدَ نُوحٍ لِصُلْبِهِ الَّذِي اعْتَزَلَ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ : ( ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ ) [ هُودٍ : 43 ] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : قُرِئَ عَلَى يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي شَبِيبُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" لَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْقَوْمِ نُوحٍأَحَدًا ، لَرَحِمَ امْرَأَةً ، لَمَّا رَأَتِ الْمَاءَ حَمَلَتْ وَلَدَهَا ثُمَّ صَعِدَتِ الْجَبَلَ ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ صَعِدَتْ بِهِ مَنْكِبَهَا ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ مَنْكِبَهَا وَضَعَتْ وَلَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ رَأْسَهَا رَفَعَتْ وَلَدَهَا بِيَدِهَا ، فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَحَدًا لِرَحِمِ هَذِهِ الْمَرْأَةَ " .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ،وَنَجَّى اللَّهُ أَصْحَابَ السَّفِينَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُمُ الَّذِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِحَمْلِهِمْ مَعَهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ ) أَيْ : إِنَّكَ إِنْ أَبْقَيْتَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَضَلُّوا عِبَادَكَ ، أَيِ : الَّذِينَ تَخْلُقُهُمْ بَعْدَهُمْ ( ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ) أَيْ : فَاجِرًا فِي الْأَعْمَالِ كَافِرَ الْقَلْبِ ، وَذَلِكَ لِخِبْرَتِهِ بِهِمْ وَمُكْثِهِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ ) قَالَ الضَّحَّاكُ : يَعْنِي : مَسْجِدِي ، وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا ، وَهُوَ أَنَّهُ دَعَا لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ، أَنْبَأَنَا سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ : أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ التَّجِيبِيَّ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - أَوْ : عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

" لَا تَصْحَبْ إِلَّا مُؤْمِنًا ، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ " .

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَوْلُهُ : ( وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) دُعَاءٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الْأَحْيَاءَ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ; وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ مِثْلُ هَذَا الدُّعَاءِ ، اقْتِدَاءً بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَبِمَا جَاءَ فِي الْآثَارِ ، وَالْأَدْعِيَةِ [ الْمَشْهُورَةِ ] الْمَشْرُوعَةِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ ) قَالَ السُّدِّيُّ : إِلَّا هَلَاكًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِلَّا خَسَارًا ، أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " نُوحٍ " [ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ] .