70 - تفسير سورة المعارج
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَأَلَ سَائِلٌ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ( 1 ) ﴿لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ ( 2 ) ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ ( 3 ) ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ( 4 ) ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ ( 5 ) ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ( 6 ) ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ ( 7 ) ) ( ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ) فِيهِ تَضْمِينٌ دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ " الْبَاءِ " ، كَأَنَّهُ مُقَدَّرٌ : يَسْتَعْجِلُ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ . كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ) أَيْ : وَعَذَابُهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ . قَالَ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ) قَالَ : النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ) قَالَ : ذَلِكَ سُؤَالُ الْكُفَّارِ عَنْ عَذَابِ اللَّهِ وَهُوَ وَاقِعٌ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : تَعَالَى ) سَأَلَ سَائِلٌ ) دَعَا دَاعٍ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ يَقَعُ فِي الْآخِرَةِ ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُهُمْ : ( ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ) [ الْأَنْفَالِ : 32 ] . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ : ( ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ) أَيْ : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، يَسِيلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْعَذَابِ . وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ ، بَعِيدٌ عَنِ الْمُرَادِ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : ( وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ ) أَيْ : مُرْصَدٌ مُعَدٌّ لِلْكَافِرِينَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( وَاقِعٍ ) جَاءٍ ) لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) أَيْ : لَا دَافِعَ لَهُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهُ ; وَلِهَذَا قَالَ ) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ) قَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ذِي الْمَعَارِجِ ) قَالَ : ذُو الدَّرَجَاتِ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ذِي الْمَعَارِجِ ) يَعْنِي : الْعُلُوُّ وَالْفَوَاضِلُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ذِي الْمَعَارِجِ ) مَعَارِجِ السَّمَاءِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ذِي الْفَوَاضِلِ وَالنِّعَمِ .
وَقَوْلُهُ : ( ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( تَعْرُجُ ) تَصْعَدُ . وَأَمَّا الرُّوحُ ، فَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : هُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ . يُشْبِهُونَ النَّاسَ ، وَلَيْسُوا أُنَاسًا . قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلَ ، وَيَكُونَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ لِأَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ ، فَإِنَّهَاإِذَا قُبِضَتْ يُصْعَدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ . وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا - الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي قَبْضِ الرُّوحِ الطَّيِّبَةِ - قَالَ فِيهِ :
" فَلَا يَزَالُ يُصْعَدُ بِهَا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ " . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ ، فَقَدْ تُكُلِّمَ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ ، وَلَكِنَّهُ مَشْهُورٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ الْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ بَسَطْنَا لَفْظَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 27 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ ، وَهُوَ قَرَارُ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، هَذَا ارْتِفَاعُ الْعَرْشِ عَنِ الْمَرْكَزِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ . وَذَلِكَ اتِّسَاعُ الْعَرْشِ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَأَنَّهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِصِفَةِ الْعَرْشِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مَعْرُوفٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) قَالَ : مُنْتَهَى أَمْرِهِ مِنْ أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهِ مِنْ فَوْقِ السَّمَاوَاتِ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَيَوْمٌ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : تَنَزُّلَ الْأَمْرِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَمِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ مِقْدَارُهُ أَلْفُ سَنَةٍ ; لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِقْدَارُ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ حَكَّامِ بْنِ سَلْمٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مَعْرُوفٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ ، لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّنَافِسِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا نُوحٌ الْمُؤَدَّبُ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : غِلَظُ كُلِّ أَرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ، وَبَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ، فَذَلِكَ سَبْعَةُ آلَافِ عَامٍ . وَغِلَظُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ، فَذَلِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْعَرْشِ مَسِيرَةُ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ عَامٍ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُدَّةُ بَقَاءِ الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ هَذَا الْعَالَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) قَالَ : الدُّنْيَا عُمْرُهَا خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ . وَذَلِكَ عُمْرُهَا يَوْمَ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ ، ( ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ ) قَالَ : الْيَوْمُ : الدُّنْيَا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ - وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) قَالَ : الدُّنْيَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، لَا يَدْرِي أَحَدٌ كَمْ مَضَى ، وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ . الْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْيَوْمُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، حَدَّثَنَا بُهْلُولُ بْنُ الْمُورِقِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) قَالَ : هُوَ يَوْمُ الْفَصْلِ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . الْقَوْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) قَالَ :يَوْمُ الْقِيَامَةِ. هَذَا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) يَوْمُ الْقِيَامَةِ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) قَالَ : فَهَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا " .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ بِهِ ، إِلَّا أَنَّ دَرَّاجًا وَشَيْخَهُ ضَعِيفَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْغُدَانِيِّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَقِيلَ لَهُ : هَذَا أَكْثَرُ عَامِرِيٍّ مَالًا ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : رُدُّوهُ فَقَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّكَ ذُو مَالٍ كَثِيرٍ ؟ فَقَالَ الْعَامِرِيُّ : إِيْ وَاللَّهِ ، إِنَّ لِي لَمِائَةً حُمْرًا وَمِائَةً أُدْمًا ، حَتَّى عَدَّ مِنْ أَلْوَانِ الْإِبِلِ ، وَأَفْنَانِ الرَّقِيقِ ، وَرِبَاطِ الْخَيْلِ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إِيَّاكَ وَأَخْفَافَ الْإِبِلِ وَأَظْلَافَ النَّعَمِ - يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، حَتَّى جَعَلَ لَوْنُ الْعَامِرِيُّ يَتَغَيَّرُ - فَقَالَ : مَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
" مَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا - قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا نَجْدَتُهَا وَرِسْلُهَا ؟ قَالَ : " فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا - " فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَكْثَرِهِ وَأَسْمَنِهِ وَآشَرِهِ ، حَتَّى يُبْطَحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرَ ، فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا ، فَإِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ بَقَرٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا ، فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَكْثَرِهِ وَأَسْمَنِهِ وَآشَرِهِ ، حَتَّى يُبْطَحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرَ ، فَتَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا ، وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنِهَا ، إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ . وَإِذَا كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا ، فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنِهِ وَآشَرِهِ ، حَتَّى يُبْطَحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرَ ، فَتَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنِهَا ، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ ، إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ، فَيَرَى سَبِيلَهُ " . قَالَ الْعَامِرِيُّ : وَمَا حَقُّ الْإِبِلِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : أَنْ تُعْطِيَ الْكَرِيمَةَ ، وَتَمْنَحَ الْغَزِيرَةَ ، وَتُفْقِرَ الظَّهْرَ ، وَتَسْقِيَ اللَّبَنَ وَتُطْرِقَ الْفَحْلَ . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِهِ . طَرِيقٌ أُخْرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ صَاحِبٍ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ إِلَّا جُعِلَ صَفَائِحَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ وَظَهْرُهُ ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تُعِدُّونَ ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ " . وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ فِي الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِيهِ : " الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ ; لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ " إِلَى آخِرِهِ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِتَمَامِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ دُونَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَوْضِعُ اسْتِقْصَاءِ طُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي " الْأَحْكَامِ " ، وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِهِ هَاهُنَا قَوْلُهُ : " حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ : ( ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) قَالَ : فَاتَّهَمَهُ ، فَقِيلَ لَهُ فِيهِ ، فَقَالَ : مَا يَوْمٌ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا سَأَلْتُكَ لِتُحَدِّثَنِي . قَالَ : هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِمَا لَا أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ ) أَيِ : اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى تَكْذِيبِ قَوْمِكَ لَكَ ، وَاسْتِعْجَالِهِمُ الْعَذَابَ اسْتِبْعَادًا لِوُقُوعِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ ) [ الشُّورَى : 18 ] قَالَ : ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ) أَيْ :وُقُوعَ الْعَذَابِ وَقِيَامَ السَّاعَةِيَرَاهُ الْكَفَرَةُ بَعِيدَ الْوُقُوعِ ، بِمَعْنَى مُسْتَحِيلَ الْوُقُوعِ ، ( وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) أَيِ : الْمُؤْمِنُونَ يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ قَرِيبًا ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَمَدٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، لَكِنْ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ قَرِيبٌ وَوَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ .
( ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ ( 8 ) ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ ( 9 ) ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ ( 10 ) ) ( ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ ( 11 ) ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ ( 12 ) ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ ( 13 ) ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ ( 14 ) ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾ ( 15 ) ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ ( 16 ) ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ ( 17 ) ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ ( 18 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : الْعَذَابُ وَاقِعٌ بِالْكَافِرِينَ ( ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ ، ( ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ ) أَيْ : كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ . وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ ) [ الْقَارِعَةِ : 5 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ ) أَيْ : لَا يَسْأَلُ الْقَرِيبُ عَنْ حَالِهِ ، وَهُوَ يَرَاهُ فِي أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ ، فَتَشْغَلُهُ نَفْسُهُ عَنْ غَيْرِهِ . قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَيَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بَعْدَ ذَلِكَ ، يَقُولُ : ( ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ) وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ : ( ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ) [ لُقْمَانَ : 33 ] . وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ) [ فَاطِرٍ : 18 ] . وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 101 ] . وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ) [ عَبَسَ : 34 - 37 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِوَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ كَلَّا﴾ ) أَيْ : لَا يَقْبَلُ مِنْهُ فِدَاءً وَلَوْ جَاءَ بِأَهْلِ الْأَرْضِ ، وَبِأَعَزِّ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْمَالِ ، وَلَوْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا ، أَوْ مِنْ وَلَدِهِ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا حُشَاشَةَ كَبِدِهِ ، يَوَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا رَأَى الْأَهْوَالَ أَنْ يَفْتَدِيَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ . قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ : ( فَصِيلَتِهِ ) قَبِيلَتِهِ وَعَشِيرَتِهِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : فَخِذُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ . وَقَالَ أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ : ( فَصِيلَتِهِ ) أُمِّهِ . وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهَا لَظَى ) يَصِفُالنَّارَ وَشِدَّةَ حَرِّهَا) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ : جِلْدَةُ الرَّأْسِ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ) الْجُلُودِ وَالْهَامِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَا دُونَ الْعَظْمِ مِنَ اللَّحْمِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : الْعَصَبُ ، وَالْعَقِبُ . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : ( نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ) يَعْنِي : أَطْرَافَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ . وَقَالَ أَيْضًا : نَزَّاعَةً لَحْمَ السَّاقَيْنِ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ : ( نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ) أَيْ : مَكَارِمَ وَجْهِهِ . وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا : تَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِ ، وَيَبْقَى فُؤَادُهُ يَصِيحُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ) أَيْ : نَزَّاعَةً لِهَامَتِهِ وَمَكَارِمِ وَجْهِهِ وَخَلْقِهِ وَأَطْرَافِهِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : تَبْرِي اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ عَنِ الْعَظْمِ ، حَتَّى لَا تَتْرُكَ مِنْهُ شَيْئًا . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الشَّوَى : الْآرَابُ الْعِظَامُ ، فَقَوْلُهُ : نَزَّاعَةً ، قَالَ : تَقْطَعُ عِظَامَهُمْ ، ثُمَّ يُجَدَّدُ خَلْقُهُمْ وَتُبَدَّلُ جُلُودُهُمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿تَدْعُوَ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ ) أَيْ :تَدْعُو النَّارُ إِلَيْهَا أَبْنَاءَهَا الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لَهَا ، وَقَدَّرَ لَهُمْ أَنَّهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ عَمَلَهَا، فَتَدْعُوهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِسَانٍ طَلِقٍ ذَلِقٍ ، ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْمَحْشَرِ كَمَا يَلْتَقِطُ الطَّيْرُ الْحَبَّ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ - كَمَا قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ - كَانُوا مِمَّنْ ) أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ) أَيْ : كَذَّبَ بِقَلْبِهِ ، وَتَرَكَ الْعَمَلَ بِجَوَارِحِهِ ) وَجَمَعَ فَأَوْعَى ) أَيْ : جَمَعَ الْمَالَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَأَوْعَاهُ ، أَيْ : أَوْكَاهُ وَمَنَعَ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَاتِ وَمِنْ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : "
وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ " وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ لَا يَرْبُطُ لَهُ كِيسًا وَيَقُولُ : سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : ( وَجَمَعَ فَأَوْعَى ) وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يَا ابْنَ آدَمَ سَمِعْتَ وَعِيدَ اللَّهِ ثُمَّ أَوْعَيْتَ الدُّنْيَا . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَجَمَعَ فَأَوْعَى ) قَالَ : كَانَ جَمُوعًا قَمُومًا لِلْخَبِيثِ .
( ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ( 19 ) ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ( 20 ) ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ( 21 ) ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ ( 22 ) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ( 23 ) ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ( 24 ) ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ( 25 ) ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ( 26 ) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ( 27 ) ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ( 28 ) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ( 29 ) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ( 30 ) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ( 31 ) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ( 32 ) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ ( 33 ) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ( 34 ) ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ ( 35 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْإِنْسَانِ وَمَا هُوَ مَجْبُولٌ عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيئَةِ : ( ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ) ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ) أَيْ : إِذَا أَصَابَهُ الضُّرُّ فَزِعَ وَجَزِعَ وَانْخَلَعَ قَلْبُهُ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ ، وَأَيِسَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرٌ . ( ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ) أَيْ : إِذَا حَصَلَتْ لَهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بَخِلَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ ، وَمَنَعَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي بِهِ ، وَلَيْسَ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَهُ سِوَاهُ . ثُمَّ قَالَ : ( إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) أَيِ :الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الذَّمِّ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ، وَهَدَاهُ إِلَى الْخَيْرِ وَيَسَّرَ لَهُ أَسْبَابَهُ ، وَهُمُ الْمُصَلُّونَ ( ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ يُحَافِظُونَ عَلَى أَوْقَاتِهِمْ وَوَاجِبَاتِهِمْ . قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَسْرُوقٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالدَّوَامِ هَاهُنَا السُّكُونُ وَالْخُشُوعُ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 1 ، 2 ] . قَالَهُ عُتْبَةُ بْنُ عَامِرٍ . وَمِنْهُ الْمَاءُ الدَّائِمُ ، أَيِ : السَّاكِنُ الرَّاكِدُ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الَّذِينَ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا دَاوَمُوا عَلَيْهِ وَأَثْبَتُوهُ ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ) ذُكِرَ لَنَا أَنَّ دَانْيَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ،نَعَتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَفَقَالَ : يُصَلُّونَ صَلَاةً لَوْ صَلَّاهَا قَوْمُ نُوحٍ مَا غَرِقُوا ، أَوْ قَوْمُ عَادٍ مَا أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْعَقِيمُ ، أَوْ ثَمُودُ مَا أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا خُلُقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسَنٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ) أَيْ : فِي أَمْوَالِهِمْ نَصِيبٌ مُقَرِّرٌ لِذَوِي الْحَاجَاتِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي " سُورَةِ الذَّارِيَاتِ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ) أَيْ : يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ وَالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ ، فَهُمْ يَعْمَلُونَ عَمَلَ مَنْ يَرْجُو الثَّوَابَ وَيَخَافُ الْعِقَابَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ) أَيْ : خَائِفُونَ وَجِلُونَ ، ( ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ) أَيْ : لَا يَأْمَنُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ إِلَّا بِأَمَانٍ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ) أَيْ : يَكُفُّونَهَا عَنِ الْحَرَامِ وَيَمْنَعُونَهَا أَنْ تُوضَعَ فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ [ فِيهِ ] وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ) أَيْ : مِنَ الْإِمَاءِ ، ( ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ ( ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ) بِمَا أَغْنَى عَنِّي إِعَادَتَهُ هَا هُنَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ) أَيْ : إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا ، وَإِذَا عَاهَدُوا لَمْ يَغْدِرُوا . وَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَضِدُّهَاصِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ :
" آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ ) أَيْ : مُحَافِظُونَ عَلَيْهَا لَا يَزِيدُونَ فِيهَا ، وَلَا يَنْقُصُونَ مِنْهَا ، وَلَا يَكْتُمُونَهَا ، ( ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 283 ] . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ) أَيْ : عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَمُسْتَحِبَّاتِهَا ، فَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ وَاخْتَتَمَهُ بِذِكْرِهَا ، فَدَلَّ عَلَىالِاعْتِنَاءِ بِهَا وَالتَّنْوِيهِ بِشَرَفِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةٍ : ( ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ) ; سَوَاءٌ لِهَذَا قَالَ هُنَاكَ : ( ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 10 ، 11 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ ) أَيْ : مُكْرَمُونَ بِأَنْوَاعِ الْمَلَاذِّ وَالْمَسَارِّ .
( ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ( 36 ) ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ ( 37 ) ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ ( 38 ) ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ ( 39 ) ) ( ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ ( 40 ) ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ( 41 ) ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ( 42 ) ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ( 43 ) ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( 44 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ مُشَاهِدُونَ لَهُ ، وَلِمَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَمَا أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ ، ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا كُلِّهِ فَارُّونَ مِنْهُ ، مُتَفَرِّقُونَ عَنْهُ ، شَارِدُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فِرَقًا فِرَقًا ، وَشِيَعًا شِيَعًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 49 ، 51 ] الْآيَةَ ، وَهَذِهِ مِثْلُهَا ; فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ) أَيْ : فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ عِنْدَكَ يَا مُحَمَّدُ ) مُهْطِعِينَ ) أَيْ مُسْرِعِينَ نَافِرِينَ مِنْكَ ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : ( مُهْطِعِينَ ) أَيْ : مُنْطَلِقِينَ ، ( ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ ) وَاحِدُهَا عِزَةٌ ، أَيْ : مُتَفَرِّقِينَ . وَهُوَ حَالٌ مِنْ مُهْطِعِينَ ، أَيْ : فِي حَالِ تَفَرُّقِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ : فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ ، مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ ، مُتَّفِقُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ) قَالَ : قَبِلَكَ يَنْظُرُونَ ، ( ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ ) قَالَ : الْعِزِينُ : الْعَصَبُ مِنَ النَّاسِ ، عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ مُعْرِضِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ . حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ ) مُتَفَرِّقِينَ ، يَأْخُذُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا يَقُولُونَ : مَا قَالُ هَذَا الرَّجُلُ ؟ وَقَالَ قَتَادَةُ : ( مُهْطِعِينَ ) عَامِدِينَ ، ( ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ ) أَيْ : فِرَقًا حَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْغَبُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا فِي نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ ، وَعَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، وَوَكِيعٌ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ بِهِ
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ حِلَقٌ حِلَقٌ ، فَقَالَ : " مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ ) أَيْ : أَيُطْمِعُ هَؤُلَاءِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - مِنْ فِرَارِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ - أَنْ يَدْخُلُوا جَنَّاتِ النَّعِيمِ ؟ كَلَّا بَلْ مَأْوَاهُمُ الْجَحِيمُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُقَرِّرًا لِوُقُوعِ الْمَعَادِ وَالْعَذَابِ بِهِمُ الَّذِي أَنْكَرُوا كَوْنَهُ وَاسْتَبْعَدُوا وُجُودَهُ ، مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ بِالْبُدَاءَةِ الَّتِي الْإِعَادَةُ أَهْوَنُ مِنْهَا وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِهَا ، فَقَالَ ( ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ ) أَيْ : مِنَ الْمَنِيِّ الضَّعِيفِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ) [ الْمُرْسَلَاتِ : 20 ] . وَقَالَ : ( ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ ) [ الطَّارِقِ : 5 - 10 ] . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ ) أَيِ : الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَجَعَلَ مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا ، وَسَخَّرَ الْكَوَاكِبَ تَبْدُو مِنْ مَشَارِقِهَا وَتَغِيبُ فِي مَغَارِبِهَا . وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنْ لَا مَعَادَ وَلَا حِسَابَ ، وَلَا بَعْثَ وَلَا نُشُورَ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ وَاقِعٌ وَكَائِنٌ لَا مَحَالَةَ . وَلِهَذَا أَتَى بِ " لَا " فِي ابْتِدَاءِ الْقَسَمِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ نَفْيٌ ، وَهُوَ مَضْمُونُ الْكَلَامِ ، وَهُوَ الرَّدُّ عَلَى زَعْمِهِمُ الْفَاسِدِ فِي نَفْيِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ شَاهَدُوا مِنْعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَىمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ إِقَامَةِ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَتَسْخِيرُ مَا فِيهِمَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ ، وَسَائِرِ صُنُوفِ الْمَوْجُودَاتِ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ ) [ غَافِرٍ : 57 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ) [ الْأَحْقَافِ : 33 ] . وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ) [ يس : 81 ، 82 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُعِيدُهُمْ بِأَبْدَانٍ خَيْرٍ مِنْ هَذِهِ ، فَإِنَّ قُدْرَتَهُ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ ، ( ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ) أَيْ : بِعَاجِزِينَ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ) [ الْقِيَامَةِ : 3 ، 4 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ) [ الْوَاقِعَةِ : 6 ، 61 ] . وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ ( ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ ) أَيْ : أُمَّةً تُطِيعُنَا وَلَا تَعْصِينَا وَجَعَلَهَا ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ ) [ مُحَمَّدٍ : 38 ] . وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِدَلَالَةِ الْآيَاتِ الْأُخَرِ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( فَذَرْهُمْ ) أَيْ : يَا مُحَمَّدُ ) يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا ) أَيْ : دَعْهُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ ، ( ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ) أَيْ : فَسَيَعْلَمُونَ غِبَّ ذَلِكَ وَيَذُوقُونَ وَبَالَهُ ( ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ) أَيْ :يَقُومُونَ مِنَ الْقُبُورِ إِذَا دَعَاهُمُ الرَّبُّ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ، يَنْهَضُونَ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوْفِضُونَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ : إِلَى عَلَمٍ يَسْعَوْنَ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : إِلَى غَايَةٍ يَسْعَوْنَ إِلَيْهَا . وَقَدْ قَرَأَ الْجُمْهُورُ : " نَصْبٍ " بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَنْصُوبِ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : ( نُصُبٍ ) بِضَمِّ النُّونِ وَالصَّادِّ ، وَهُوَ الصَّنَمُ ، أَيْ : كَأَنَّهُمْ فِي إِسْرَاعِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يُهَرْوِلُونَ إِلَى النُّصُبِ إِذَا عَايَنُوهُ يُوْفِضُونَ ، يَبْتَدِرُونَ ، أَيُّهُمْ يَسْتَلِمُهُ أَوَّلَ ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، وَعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، وَابْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ) أَيْ : خَاضِعَةً ) تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) أَيْ : فِي مُقَابَلَةِ مَا اسْتَكْبَرُوا فِي الدُّنْيَا عَنِ الطَّاعَةِ ، ( ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ ) آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " سَأَلَ سَائِلٌ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .