مكتبة الإسلام الشاملة

69 - تفسير سورة الحاقة

1-12

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِوَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿الْحَاقَّةُ﴾ ( 1 ) ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ ( 2 ) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ( 3 ) ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ ( 4 ) ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ ( 5 ) ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ( 6 ) ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ( 7 ) ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ( 8 ) ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ ( 9 ) ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ ( 10 ) ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ( 11 ) ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ( 12 ) ) الْحَاقَّةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ; لِأَنَّ فِيهَا يَتَحَقَّقُ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ ; وَلِهَذَا عَظَّمَ تَعَالَى أَمْرَهَا فَقَالَ : ( ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ) ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ ) وَهِيَالصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، الطَّاغِيَةُ : الصَّيْحَةُ . وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ . وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَابْنُ زَيْدٍ : إِنَّهَا الطُّغْيَانُ ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ : ( ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ ) [ الشَّمْسِ : 11 ] . وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ ) قَالَ : يَعْنِي : عَاقِرَ النَّاقَةِ . ( ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ ) أَيْ : بَارِدَةٍ . قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ وَالسُّدِّيُّ وَالثَّوْرِيُّ : ( عَاتِيَةٍ ) أَيْ : شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ . قَالَ قَتَادَةُ : عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبَتْ عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( صَرْصَرٍ ) بَارِدَةٍ ) عَاتِيَةٍ ) عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ . وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ : عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ . ( سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ ) أَيْ : سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ( ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ ) أَيْ : كَوَامِلَ مُتَتَابِعَاتٍ مَشَائِيمَ .

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ) حُسُومًا ) مُتَتَابِعَاتٍ . وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ : مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 16 ] قَالَ الرَّبِيعُ : وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ . وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ . وَيُقَالُ : إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ ; وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ) وَقِيلَ : لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ ، وَيُقَالُ : أَيَّامُ الْعَجُوزِ ; لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْقَوْمِ عَادٍدَخَلَتْ سِرْبًا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ . حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( خَاوِيَةٍ ) خَرِبَةٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : بَالِيَةٍ ، أَيْ : جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : "

نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ " . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضُّرَيْسِ الْعَبْدِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ ، فَمَرَّتْ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ وَمَا فِيهَا قَالُوا : هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ، فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ " . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ . ( ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ) ؟ أَيْ : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلَفًا . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ ) قُرِئَ بِكَسْرِ الْقَافِ ، أَيْ : وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ . وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا ، أَيْ : وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ . وَقَوْلُهُ : ( وَالْمُؤْتَفِكَاتُ ) وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ . ) بِالْخَاطِئَةِ ) أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ . قَالَ الرَّبِيعُ : ( بِالْخَاطِئَةِ ) أَيْ : بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بِالْخَطَايَا .

وَلِهَذَا قَالَ : تَعَالَى ( ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ ) وَهَذَا جِنْسٌ ، أَيْ : كُلٌّ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ . كَمَا قَالَ : ( ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ) [ ق : 14 ] . وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 105 ] ، ( ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 123 ] . ( ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 141 ] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ وَاحِدٌ ; وَلِهَذَا قَالَ هَا هُنَا : ( ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ ) أَيْ : عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً . قَالَ مُجَاهِدٌ : ( رَابِيَةً ) شَدِيدَةً . وَقَالَ السُّدِّيُّ : مُهْلِكَةً . ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ ) أَيْ : زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : ( طَغَى الْمَاءُ ) كَثُرَ - وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُوَعَمَّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ( ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ) وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ) عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ : ( ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ) وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ ، ( ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ ) عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ ، أَيْ : وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ) [ الزُّخْرُفِ : 12 ، 13 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ ) [ يس : 41 ، 42 ] . وَقَالَ قَتَادَةُ : أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ) أَيْ : وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ) عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ) سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ . أَيْ : مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ . وَهَذَا عَامٌّ فِيمَنْ فَهِمَ ، وَوَعَى .

وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ :

لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَ عَلِيٍّ " . [ قَالَ مَكْحُولٌ ] فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ : مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ بِهِ . وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ - يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ - حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلِيٍّ : " إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ ، وَحَقٌّ لَكَ أَنْ تَعِيَ " . قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ )

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ ، بِهِ ، ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى ، عَنْ بُرَيْدَةَ ، بِهِ . وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا .

13-18

( ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ( 13 ) ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ( 14 ) ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ( 15 ) ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ ( 16 ) ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ( 17 ) ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ( 18 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْأَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ حِينَ يُصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ بَعْدَهَا نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ، وَهِيَ هَذِهِ النَّفْخَةُ . وَقَدْ أَكَّدَهَا هَاهُنَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ ، لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَتَأْكِيدٍ . وَقَالَ الرَّبِيعُ : هِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ . وَالظَّاهِرُ مَا قُلْنَاهُ ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ) أَيْ : فَمُدَّتْ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ ، وَتَبَدَّلَتِ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ، ( ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ) أَيْ : قَامَتِ الْقِيَامَةُ . ( ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ) قَالَ سِمَاكٌ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : تَنْشَقُّ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : هِيَ كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ ) [ النَّبَأِ : 19 ] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مُنْخَرِقَةٌ ، وَالْعَرْشُ بِحِذَائِهَا . ( ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ ) الْمَلَكُ : اسْمُ جِنْسٍ ، أَيِ : الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَلَى مَا لَمْ يَهِ مِنْهَا ، أَيْ : حَافَّتِهَا . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : أَطْرَافُهَا . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : أَبْوَابُهَا . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ ) يَقُولُ : عَلَى مَا اسْتَدَقَّ مِنَ السَّمَاءِ ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ) أَيْ :يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَرْشِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ ، أَوِ : الْعَرْشَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرَةَ ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي ذِكْرِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبِيلٍ حُيَيُّ بْنُ هَانِئٍ : أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : حَمَلَةُ الْعَرْشُ ثَمَانِيَةٌ ، مَا بَيْنَ مُوقِ أَحَدِهِمْ إِلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ : حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "

أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ : بُعْدُ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعُنُقِهِ بِخَفْقِ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " السُّنَّةِ " مِنْ سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ : أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ " . هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ) قَالَ : ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ . قَالَ : وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ [ وَعِكْرِمَةَ ] وَالضَّحَّاكِ . وَابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلُ ذَلِكَ . وَكَذَا رَوَى السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ . وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنْهُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْكَرُوبِيُّونَ ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ ، كُلُّ جِنْسٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ . وَقَوْلُهُ : أَيْ تُعْرَضُونَ عَلَى عَالِمِ السِّرِّ وَالنَّجْوَى الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمْ ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالظَّوَاهِرِ وَالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ) وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا ، فَإِنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ : ( ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ) . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَفَاعَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي ، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ " . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ بِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة‌َ بِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: عَرْضَتَانِ ، مَعَاذِيرُ وَخُصُومَاتٌ ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي . وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا مِثْلَهُ .

19-24

( ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ( 19 ) ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ( 20 ) ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ( 21 ) ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ( 22 ) ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ ( 23 ) ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ( 24 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ**سَعَادَةِ مَنْ أَوُتِيَ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيَمِينِهِ ، وَفَرَحِهِ بِذَلِكَ ،**وَأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَهُ : ( ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ) أَيْ : خُذُوا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وَحَسَنَاتٌ مَحْضَةٌ ; لِأَنَّهُ مِمَّنْ بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ : مَعْنَى : ( ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ) أَيْ : هَا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ ، وَ " ؤُمْ " زَائِدَةٌ . كَذَا قَالَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى : هَاكُمْ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ حَدَّثَنَا : بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : الْمُؤْمِنُ يُعْطَى كِتَابَهُ [ بِيَمِينِهِ ] فِي سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ ، فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ ، فَكُلَّمَا قَرَأَ سَيِّئَةً تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى يَمُرَّ بِحَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ . ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ ، قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ : ( ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ) وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ - غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَقِفُ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُبْدِي سَيِّئَاتِهِ فِي ظَهْرِ صَحِيفَتِهِ ، فَيَقُولُ لَهُ : أَنْتَ عَمِلْتَ هَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ أَيْ رَبِّ ، فَيَقُولُ لَهُ : إِنِّي لَمْ أَفْضَحْكَ بِهِ ، وَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ، فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ : ( ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ) حِينَ نَجَا مِنْ فَضْحِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حِينَ سُئِلَ عَنِ النَّجْوَى ، فَقَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : "

يُدْنِي اللَّهُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ كُلِّهَا ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ : إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ . ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ : ( ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ) [ هُودٍ : 18 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ) أَيْ : قَدْ كُنْتُ مُوقِنًا فِي الدُّنْيَا أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 46 ] . قَالَ اللَّهُ : ( ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ) أَيْ : مُرْضِيَّةٍ ، ( ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ) أَيْ : رَفِيعَةٌ قُصُورُهَا ، حِسَانٌ حُورُهَا ، نَعِيمَةٌ دُورُهَا ، دَائِمٌ حُبُورُهَا . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَةَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ السَّكُونِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ يَتَزَاوَرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ،إِنَّهُ لَيَهْبِطُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا إِلَى أَهْلِ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، فَيُحَيُّونَهُمْ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى يَصْعَدُونَ إِلَى الْأَعْلَيْنَ ، تَقْصُرُ بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ " وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : " إِنَّ الْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ ) قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ : أَيْ قَرِيبَةٌ ، يَتَنَاوَلُهَا أَحَدُهُمْ ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرِهِ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ . قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : [ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّبُرِيُّ ] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِجَوَازٍ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ " . وَكَذَا رَوَاهُ الضِّيَاءُ فِيصِفَةِ الْجَنَّةِمِنْ طَرِيقِ سَعْدَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدَيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُعْطَى الْمُؤْمِنُ جَوَازًا عَلَى الصِّرَاطِ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانٍ ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ) أَيْ : يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ ; تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ ، وَامْتِنَانًا وَإِنْعَامًا وَإِحْسَانًا . وَإِلَّا فَقَدَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " اعْمَلُوا وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يُدْخِلَهُ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ " . قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " وَلَا أَنَا ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ " .

25-37

( ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ ( 25 ) ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ ( 26 ) ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ ( 27 ) ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ ( 28 ) ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ( 29 ) ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ( 30 ) ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ( 31 ) ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ ( 32 ) ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ ( 33 ) ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ( 34 ) ) ( ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ ( 35 ) ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ ( 36 ) ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ ( 37 ) ) وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ**حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي الْعَرَصَاتِ بِشَمَالِهِ ،**فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ ، فَيَقُولُ : ( ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ ) قَالَ الضَّحَّاكُ : يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا . وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالرَّبِيعُ وَالسُّدِّيُّ . وَقَالَ قَتَادَةُ : تَمَنَّى الْمَوْتَ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ . ( ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ) أَيْ : لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عَذَابَ اللَّهِ وَبَأْسَهُ ، بَلْ خَلُصَ الْأَمْرُ إِلَيَّ وَحْدِي ، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ ، فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) أَيْ : يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عُنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ ، فَتَغُلُّهُ ، أَيْ : تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ ، ثُمَّ تُورِدُهُ إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا ، أَيْ : تَغْمُرُهُ فِيهَا . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : إِذَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) خُذُوهُ ) ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا ، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي " الْأَهْوَالِ " : أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَّهُ ، فَيَقُولُ : مَا لِي وَلَكَ ؟ فَيَقُولُ : إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ . وَقَالَ الْفُضَيْلُ - هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ - : إِذَا قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ) ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ . ( ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ) أَيِ : اغْمُرُوهُ فِيهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ ) قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ : كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ جَرِيرٍ : بِذِرَاعِ الْمَلَكِ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( فَاسْلُكُوهُ ) تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "

لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى [ مِثْلِ ] جُمْجُمَةٍ - أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا " . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ بِهِ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ) أَيْ :لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ;فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا،وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى; وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَقُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : " الصَّلَاةَ ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " .

وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، لَا حَمِيمٌ - وَهُوَ الْقَرِيبُ - وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ ، وَلَا طَعَامٌ لَهُ هَا هُنَا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ . قَالَ قَتَادَةُ : هُوَ شَرُّطَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ وَالضَّحَّاكُ : هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ . وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْغِسْلِينُ : الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ : الْغِسْلِينُ : صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ .

38-43

( ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ ( 38 ) ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ ( 39 ) ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ( 40 ) ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ( 41 ) ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ( 42 ) ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ( 43 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُقْسِمًا لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَمَا غَابَ عَنْهُمْ مِمَّا لَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ : إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُهُ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ ، الَّذِي اصْطَفَاهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، فَقَالَ : ( ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ) يَعْنِي : مُحَمَّدًا أَضَافَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى التَّبْلِيغِ ; لِأَنَّالرَّسُولَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ; وَلِهَذَا أَضَافَهُ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ إِلَى الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ : ( ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ) وَهَذَا جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ ) يَعْنِي : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ) يَعْنِي : أَنَّمُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، ( ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ) أَيْ : بِمُتَّهَمٍ ( ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ ) [ التَّكْوِيرِ : 19 - 25 ] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلٍ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ) ، فَأَضَافَهُ تَارَةً إِلَى قَوْلٍ الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ ، وَتَارَةً إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ مَا اسْتَأْمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ . قَالَ : فَقَرَأَ : ( ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلٍ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ) قَالَ : فَقُلْتُ : كَاهِنٌ . قَالَ فَقَرَأَ : ( ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ . قَالَ : فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ . فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُؤَثِّرَةً فِيهِدَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا أَوْرَدْنَا كَيْفِيَّةَ إِسْلَامِهِ فِي سِيرَتِهِ الْمُفْرَدَةِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .

44-52

( ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ( 44 ) ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ( 45 ) ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ ( 46 ) ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ( 47 ) ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ( 48 ) ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ ( 49 ) ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ( 50 ) ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ ( 51 ) ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ( 52 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ ) أَيْ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا ، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا ، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ . وَلِهَذَا قَالَ ( ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ; لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ ، وَقِيلَ : لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ . ( ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ الْعِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَكَمُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُسْلِمٌ الْبَطِينُ وَأَبُو صَخْرٍ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : هُوَ الْقَلْبُ وَمَرَاقُّهُ وَمَا يَلِيهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ) أَيْ : فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَالْمَعْنَى فِي هَذَا بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ ; لِأَنَّاللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ) يَعْنِي : الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ : ( ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 44 ] . ثُمَّ قَالَ ( ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ ) أَيْ : مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَكَاهُ عَنْ قَتَادَةَ بِمِثْلِهِ .

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ : ( ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ) يَقُولُ : لَنَدَامَةٌ . وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ ، أَيْ : وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 200 ، 201 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ) [ سَبَأٍ : 54 ] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ ) أَيِ : الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ) أَيِ : الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ . [ آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْحَاقَّةِ " ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ]