72 - تفسير سورة الجن
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْجِنِّ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ( 1 ) ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ( 2 ) ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ ( 3 ) ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ ( 4 ) ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ( 5 ) ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ( 6 ) ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ ( 7 ) ) يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبَرَ قَوْمَهُ : أَنَّالْجِنَّ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ وَانْقَادُوا لَهُ، فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ ) أَيْ : إِلَى السَّدَادِ وَالنَّجَاحِ ، ( ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ) وَهَذَا الْمَقَامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ ) [ الْأَحْقَافِ : 29 ] وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( جَدُّ رَبِّنَا ) أَيْ : فِعْلُهُ وَأَمْرُهُ وَقُدْرَتُهُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جَدُّ اللَّهِ : آلَاؤُهُ وَقُدْرَتُهُ وَنِعْمَتُهُ عَلَى خَلْقِهِ . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ : جَلَالُ رَبِّنَا . وَقَالَ قَتَادَةُ : تَعَالَى جَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ وَأَمْرُهُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : تَعَالَى أَمْرُ رَبِّنَا . وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا وَابْنُ جُرَيْجٍ : تَعَالَى ذِكْرُهُ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا ) أَيْ : تَعَالَى رَبُّنَا . فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْجَدُّ : أَبٌ ، وَلَوْ عَلِمَتِ الْجِنُّ أَنَّ فِي الْإِنْسِ جِدًّا مَا قَالُوا : تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا . فَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، وَلَكِنْ لَسْتُ أَفْهَمُ مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ ; وَلَعَلَّهُ قَدْ سَقَطَ شَيْءٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ ) أَيْ : تَعَالَى عَنِ اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ ، أَيْ :قَالَتْ الْجِنُّ : تَنَزَّهَ الرَّبُّ تَعَالَى جَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ ، حِينَ أَسْلَمُوا وَآمَنُوا بِالْقُرْآنِ ، عَنِ اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ. ثُمَّ قَالُوا : ( ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ : ( سَفِيهُنَا ) يَعْنُونَ : إِبْلِيسَ ، ( شَطَطًا ) قَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ : ( شَطَطًا ) أَيْ : جَوْرًا . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ظُلْمًا كَبِيرًا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ : ( سَفِيهُنَا ) اسْمَ جِنْسٍ لِكُلِّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا ؛ وَلِهَذَا قَالُوا : ( ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ ) أَيْ : قَبْلَ إِسْلَامِهِ ) عَلَى اللَّهِ شَطَطًا ) أَيْ : بَاطِلًا وَزُورًا ; ( ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ) أَيْ : مَا حَسِبْنَا أَنَّ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ يَتَمَالَئُونَ عَلَى الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ فِي نِسْبَةِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا سَمِعْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَآمَنَّا بِهِ ، عَلِمْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ فِي ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ) أَيْ : كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فَضْلًا عَلَى الْإِنْسِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعُوذُونَ بِنَا ، أَيْ : إِذَا نَزَلُوا وَادِيًا أَوْ مَكَانًا مُوحِشًا مِنَ الْبَرَارِي وَغَيْرِهَا كَمَا كَانَ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهَا ، يَعُوذُونَ بِعَظِيمِ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنَ الْجَانِّ ، أَنْ يُصِيبَهُمْ بِشَيْءٍ يَسُوؤُهُمْ كَمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَدْخُلُ بِلَادَ أَعْدَائِهِ فِي جِوَارِ رَجُلٍ كَبِيرٍ وَذِمَامِهِ وَخَفَارَتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِنُّ أَنَّ الْإِنْسَ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْهُمْ ، ( فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) أَيْ : خَوْفًا وَإِرْهَابًا وَذُعْرًا ، حَتَّى تَبْقَوْا أَشَدَّ مِنْهُمْ مَخَافَةً وَأَكْثَرَ تَعَوُّذًا بِهِمْ ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ : ( فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) أَيْ : إِثْمًا ، وَازْدَادَتِ الْجِنُّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ جَرَاءَةً . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : ( فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) أَيِ : ازْدَادَتِ الْجِنُّ عَلَيْهِمْ جُرْأَةً . وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ بِأَهْلِهِ فَيَأْتِي الْأَرْضَ فَيَنْزِلُهَا فَيَقُولُ : أَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي مِنَ الْجِنِّ أَنْ أُضَرَّ أَنَا فِيهِ أَوْ مَالِي أَوْ وَلَدِي أَوْ مَاشِيَتِي ، قَالَ : فَإِذَا عَاذَ بِهِمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، رَهِقَتْهُمُ الْجِنُّ الْأَذَى عِنْدَ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ :كَانَ الْجِنُّ يَفْرَقُونَ مِنَ الْإِنْسِ كَمَا يَفْرَقُ الْإِنْسُ مِنْهُمْ أَوْ أَشَدَّ، وَكَانَ الْإِنْسُ إِذَا نَزَلُوا وَادِيًا هَرَبَ الْجِنُّ ، فَيَقُولُ سَيِّدُ الْقَوْمِ : نَعُوذُ بِسَيِّدِ أَهْلِ هَذَا الْوَادِي . فَقَالَ الْجِنُّ : نَرَاهُمْ يَفْرَقُونَ مِنَّا كَمَا نَفْرَقُ مِنْهُمْ ، فَدَنَوْا مِنَ الْإِنْسِ فَأَصَابُوهُمْ بِالْخَبَلِ وَالْجُنُونِ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ( ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ) وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : ( رَهَقًا ) أَيْ : خَوْفًا . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) أَيْ : إِثْمًا . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : زَادَ الْكُفَّارَ طُغْيَانًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ الْمَغْرَاءِ الْكِنْدِيُّ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ - يَعْنِي الْمُزَنِيَّ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ كَرْدِمِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ أَبِي مِنَ الْمَدِينَةِ فِي حَاجَةٍ ، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ، فَآوَانَا الْمَبِيتُ إِلَى رَاعِي غَنَمٍ ، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جَاءَ ذِئْبٌ فَأَخَذَ حَمَلًا مِنَ الْغَنَمِ ، فَوَثَبَ الرَّاعِي فَقَالَ : يَا عَامِرَ الْوَادِي ، جَارَكَ ، فَنَادَى مُنَادٍ لَا نَرَاهُ ، يَقُولُ : يَا سِرْحَانُ ، أَرْسِلْهُ ، فَأَتَى الْحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتَّى دَخَلَ فِي الْغَنَمِ لَمْ تُصِبْهُ كَدْمَةٌ . وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ( ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ) ثُمَّ قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعَيِّ نَحْوُهُ . وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الذِّئْبُ الَّذِي أَخَذَ الْحَمَلَ - وَهُوَ وَلَدُ الشَّاةِ - وَكَانَ جِنِّيًّا حَتَّى يُرْهِبَ الْإِنْسِيَّ وَيَخَافُ مِنْهُ ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ لَمَّا اسْتَجَارَ بِهِ ، لِيُضِلَّهُ وَيُهِينَهُ ، وَيُخْرِجَهُ عَنْ دِينِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ ) أَيْ : لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ رَسُولًا . قَالَهُ الْكَلْبِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ .
( ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ ( 8 ) ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ ( 9 ) ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ( 10 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْجِنِّ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، وَكَانَ مِنْ حِفْظِهِ لَهُ أَنَّالسَّمَاءَ مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا ، وَحُفِظَتْ مِنْ سَائِرِ أَرْجَائِهَا ، وَطُرِدَتِ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَقَاعِدِهَاالَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ; لِئَلَّا يَسْتَرِقُوا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ ، فَيُلْقُوهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْكَهَنَةِ ، فَيَلْتَبِسُ الْأَمْرُ وَيَخْتَلِطُ وَلَا يُدْرَى مَنِ الصَّادِقُ ! وَهَذَا مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ ، وَحِفْظِهِ لِكِتَابِهِ الْعَزِيزِ ، وَلِهَذَا قَالَ الْجِنُّ : ( ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ ) أَيْ : مَنْ يَرُومُ أَنْ يَسْتَرِقَ السَّمْعَ الْيَوْمَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا مُرْصِدًا لَهُ ، لَا يَتَخَطَّاهُ وَلَا يَتَعَدَّاهُ ، بَلْ يَمْحَقُهُ وَيُهْلِكُهُ ، ( ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ) أَيْ : مَا نَدْرِي هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي قَدْ حَدَثَ فِي السَّمَاءِ ، لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ؟ وَهَذَا مِنْ أَدَبِهِمْ فِي الْعِبَارَةِ حَيْثُ أَسْنَدُوا الشَّرَّ إِلَى غَيْرِ فَاعِلٍ ، وَالْخَيْرَ أَضَافُوهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ :
" وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ " . وَقَدْ كَانَتِ الْكَوَاكِبُ يُرْمَى بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِكَثِيرٍ بَلْ فِي الْأَحْيَانِ بَعْدَ الْأَحْيَانِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ ، فَقَالَ : " مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ فَقُلْنَا : كُنَّا نَقُولُ : يُولَدُ عَظِيمٌ ، يَمُوتُ عَظِيمٌ ، فَقَالَ : " لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ " ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي سُورَةِ " سَبَأٍ " بِتَمَامِهِ ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى تَطَلُّبِ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ ، فَأَخَذُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ، فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِأَصْحَابِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَعَرَفُوا أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي حُفِظَتْ مِنْ أَجْلِهِ السَّمَاءُ ، فَآمَنَ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ، وَتَمَرَّدَ فِي طُغْيَانِهِ مَنْ بَقِيَ ، كَمَا تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ ، عِنْدَ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ " الْأَحْقَافِ " : ( ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ ) الْآيَةَ 29 . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمَّا حَدَثَ هَذَا الْأَمْرُ وَهُوَ كَثْرَةُ الشُّهُبِ فِي السَّمَاءِ وَالرَّمْيُ بِهَا ، هَالَ ذَلِكَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَانْزَعَجُوا لَهُ وَارْتَاعُوا لِذَلِكَ ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ لِخَرَابِ الْعَالَمِ - كَمَا قَالَ السُّدِّيُّ : لَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ تُحْرَسُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ نَبِيٌّ أَوْ دِينٌ لِلَّهِ ظَاهِرٌ ، فَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اتَّخَذَتِ الْمَقَاعِدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، يَسْتَمِعُونَ مَا يَحْدُثُ فِي السَّمَاءِ مِنْ أَمْرٍ ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا نَبِيًّا ، رُجِمُوا لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي ، فَفَزِعَ لِذَلِكَ أَهْلُ الطَّائِفِ ، فَقَالُوا : هَلَكَ أَهْلُ السَّمَاءِ ، لَمَّا رَأَوْا مِنْ شِدَّةِ النَّارِ فِي السَّمَاءِ وَاخْتِلَافِ الشُّهُبِ ، فَجَعَلُوا يُعْتِقُونَ أَرِقَّاءَهُمْ وَيُسَيِّبُونَ مَوَاشِيَهُمْ ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ يَالَيْلَ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ : وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الطَّائِفِ . أَمْسِكُوا عَنْ أَمْوَالِكُمْ ، وَانْظُرُوا إِلَى مَعَالِمِ النُّجُومِ فَإِنْ رَأَيْتُمُوهَا مُسْتَقِرَّةً فِي أَمْكِنَتِهَا فَلَمْ يَهْلِكْ أَهْلُ السَّمَاءِ ، إِنَّمَا هَذَا مِنْ أَجْلِ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ - يَعْنِي : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَرَوْهَا فَقَدْ هَلَكَ أَهْلُ السَّمَاءِ ، فَنَظَرُوا فَرَأَوْهَا ، فَكَفُّوا عَنْ أَمْوَالِهِمْ . وَفَزِعَتِ الشَّيَاطِينُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، فَأَتَوْا إِبْلِيسَ فَحَدَّثُوهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ ، فَقَالَ : ائْتُونِي مِنْ كُلِّ أَرْضٍ بِقَبْضَةٍ مِنْ تُرَابٍ أَشُمُّهَا ، فَأَتَوْهُ فَشَمَّ فَقَالَ : صَاحِبُكُمْ بِمَكَّةَ ، فَبَعَثَ سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنْ جِنِّ نُصَيْبِينَ ، فَقَدِمُوا مَكَّةَ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، فَدَنَوْا مِنْهُ حِرْصًا عَلَى الْقُرْآنِ حَتَّى كَادَتْ كَلَاكِلُهُمْ تُصِيبُهُ ، ثُمَّ أَسْلَمُوا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَهُمْ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْفَصْلَ مُسْتَقْصًى فِي أَوَّلِ الْبَعْثِ مِنْ ( كِتَابِ السِّيرَةِ ) الْمُطَوَّلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
( ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ ( 11 ) ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ( 12 ) ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ ( 13 ) ) ( ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ( 14 ) ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ( 15 ) ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ ( 16 ) ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ ( 17 ) ) يَقُولُ مُخْبِرًا عَنِ الْجِنِّ : أَنَّهُمْ قَالُوا مُخْبِرِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ : ( ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ) أَيْ : غَيْرُ ذَلِكَ ، ( كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ) أَيْ : طَرَائِقَ مُتَعَدِّدَةً مُخْتَلِفَةً وَآرَاءَ مُتَفَرِّقَةً .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : ( كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ) أَيْ : مِنَّا الْمُؤْمِنُ وَمِنَّا الْكَافِرُ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّجَادُ فِي أَمَالِيهِ ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ بْنُ سَهْلٍ بَحْشَلُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ - هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْحَضْرَمِيُّ ، شَيْخُ مُسْلِمٍ - حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ : تَرَوَّحَ إِلَيْنَا جِنِّيٌّ ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْكُمْ ؟ فَقَالَ الْأُرْزَ . قَالَ : فَأَتَيْنَاهُمْ بِهِ ، فَجَعَلْتُ أَرَى اللُّقَمَ تُرْفَعُ وَلَا أَرَى أَحَدًا ، فَقُلْتُ : فِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ الَّتِي فِينَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : فَمَا الرَّافِضَةُ فِيكُمْ ؟ قَالَ شَرُّنَا . عَرَضْتُ هَذَا الْإِسْنَادَ عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ فَقَالَ : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى الْأَعْمَشِ . وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَحْمَدَ الدِّمَشْقِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ بَعْضَ الْجَنِّ وَأَنَا فِي مَنَزَلٍ لِي بِاللَّيْلِ يُنْشِدُ :
قُلُوبٌ بَرَاهَا الْحُبُّ حَتَّى تَعَلَّقَتْ ※ مَذَاهِبُهَا فِي كُلِّ غَرْبٍ وَشَارِقِ ※ تَهِيمُ بِحُبِّ اللَّهِ وَاللَّهُ رَبُّهَا ※ مُعَلَّقَةٌ بِاللَّهِ دُونَ الْخَلَائِقِ ※
وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ) أَيْ : نَعْلَمُ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ حَاكِمَةٌ عَلَيْنَا وَأَنَّا لَا نُعْجِزُهُ فِي الْأَرْضِ ، وَلَوْ أَمْعَنَّا فِي الْهَرَبِ ، فَإِنَّهُ عَلَيْنَا قَادِرٌ لَا يُعْجِزُهُ أَحَدٌ مِنَّا . ( ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ ) يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ مَفْخَرٌ لَهُمْ ، وَشَرَفٌ رَفِيعٌ وَصِفَةٌ حَسَنَةٌ . وَقَوْلُهُمْ : ( ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا : فَلَا يَخَافُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ غَيْرَ سَيِّئَاتِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ ) [ طَهَ : 112 ] ( ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ ) أَيْ : مِنَّا الْمُسْلِمُ وَمِنَّا الْقَاسِطُ ، وَهُوَ : الْجَائِرُ عَنِ الْحَقِّ النَّاكِبُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْمُقْسِطِ فَإِنَّهُ الْعَادِلُ ، ( ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ) أَيْ : طَلَبُوا لِأَنْفُسِهِمُ النَّجَاةَ ، ( ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ) أَيْ : وَقُودًا تُسَعَّرُ بِهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامَ الْقَاسِطُونَ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَعَدَلُوا إِلَيْهَا وَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهَا ، ( ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ ) أَيْ : كَثِيرًا . وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ سِعَةُ الرِّزْقِ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ) [ الْمَائِدَةِ : 66 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 96 ] وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أَيْ : لِنَخْتَبِرَهُمْ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( لِنَفْتِنَهُمْ ) لِنَبْتَلِيَهُمْ ، مَنْ يَسْتَمِرُّ عَلَى الْهِدَايَةِ مِمَّنْ يَرْتَدُّ إِلَى الْغَوَايَةِ ؟ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ : قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ ) يَعْنِي بِالِاسْتِقَامَةِ : الطَّاعَةَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ ) قَالَ : الْإِسْلَامُ . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ ) يَقُولُ : لَوْ آمَنُوا كُلُّهُمْ لَأَوْسَعْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ ) أَيْ : طَرِيقَةِ الْحَقِّ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِالْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ : ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أَيْ لِنَبْتَلِيَهُمْ بِهِ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : فَنَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ حِينَ مُنِعُوا الْمَطَرَ سَبْعَ سِنِينَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : ( ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ ) الضَّلَالَةِ ( ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ ) أَيْ : لَأَوْسَعْنَا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ اسْتِدْرَاجًا ، كَمَا قَالَ : ( ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 44 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 55 ، 56 ] وَهَذَا قَوْلُ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ ; فَإِنَّهُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ ) أَيْ : طَرِيقَةِ الضَّلَالَةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْكَلْبِيِّ وَابْنِ كَيْسَانَ . وَلَهُ اتِّجَاهٌ ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ : ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ ) أَيْ :عَذَابًا شَاقًّا شَدِيدًا مُوجِعًا مُؤْلِمًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ : ( عَذَابًا صَعَدًا ) أَيْ : مَشَقَّةً لَا رَاحَةَ مَعَهَا . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : بِئْرٌ فِيهَا .
( ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ( 18 ) ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ( 19 ) ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ ( 20 ) ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ ( 21 ) ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ( 22 ) ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ( 23 ) ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ ( 24 ) ) يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ أَنْ يُوَحِّدُوهُ فِي مَجَالِ عِبَادَتِهِ ، وَلَا يُدْعَى مَعَهُ أَحَدٌ وَلَا يُشْرَكُ بِهِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ) قَالَ :كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِذَا دَخَلُوا كَنَائِسَهُمْ وَبِيَعَهُمْ ، أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَحْدَهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ بِنْتِ السُّدِّيِّ ، أَخْبَرَنَا رَجُلٌ سَمَّاهُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ - أَوْ أَبِي صَالِحٍ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ) قَالَ : لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَرْضِ مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ إِيلِيَّا : بَيْتَ الْمَقْدِسِ . وَقَالَ الْأَعْمَشُ :
قَالَتِ الْجِنُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لَنَا نَشْهَدْ مَعَكَ الصَّلَوَاتِ فِي مَسْجِدِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ) يَقُولُ : صَلُّوا ، لَا تُخَالِطُوا النَّاسَ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ مَحْمُودٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ) قَالَ : قَالَتِ الْجِنُّ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَ الْمَسْجِدَ وَنَحْنُ نَاءُونَ [ عَنْكَ ] ؟ ، وَكَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَنَحْنُ نَاءُونَ عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتْ : ( ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ )
وَقَالَ سُفْيَانُ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : نَزَلَتْ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . نَزَلَتْ فِي أَعْضَاءِ السُّجُودِ ، أَيْ : هِيَ لِلَّهِ فَلَا تَسْجُدُوا بِهَا لِغَيْرِهِ . وَذَكَرُوا عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَمَّا سَمِعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو الْقُرْآنَ كَادُوا يَرْكَبُونَهُ مِنَ الْحِرْصِ لَمَّا سَمِعُوهُ يَتْلُو الْقُرْآنَ ، وَدَنَوْا مِنْهُ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتَّى أَتَاهُ الرَّسُولُ فَجَعَلَ يُقْرِئُهُ : ( ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ ) يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ . هَذَا قَوْلٌ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ الْجِنُّ لِقَوْمِهِمْ : ( ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ) قَالَ : لَمَّا رَأَوْهُ يُصَلِّي وَأَصْحَابُهُ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ ، قَالُوا : عَجِبُوا مِنْ طَوَاعِيَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ ، قَالَ : فَقَالُوا لِقَوْمِهِمْ : ( ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ )
وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا . وَقَالَ الْحَسَنُ : لَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى رَبِّهِمْ ، كَادَتِ الْعَرَبُ تَلْبُدُ عَلَيْهِ جَمِيعًا . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ) قَالَ : تَلَبَّدَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ لِيُطْفِئُوهُ ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُمْضِيَهُ وَيُظْهِرَهُ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ . هَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَاخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ : ( ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ ) أَيْ : قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - لَمَّا آذَوْهُ وَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ وَتَظَاهَرُوا عَلَيْهِ ، لِيُبْطِلُوا مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَاجْتَمَعُوا عَلَى عَدَاوَتِهِ : ( ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا أَعْبُدُ رَبِّي وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَسْتَجِيرُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، ( ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ ) وَقَوْلُهُ : ( ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ، وَعَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ فِي هِدَايَتِكُمْ وَلَا غَوَايَتِكُمْ ، بَلِ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُجِيرُهُ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ، أَيْ : لَوْ عَصَيْتُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إِنْقَاذِي مِنْ عَذَابِهِ ، ( ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ : لَا مَلْجَأَ . وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا : ( ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ) أَيْ : لَا نَصِيرَ وَلَا مَلْجَأَ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَا وَلِيَّ وَلَا مَوْئِلَ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ ) قَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ : ( ﴿لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ ) ( ﴿إِلَّا بَلَاغًا﴾ ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ : ( ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ ) أَيْ : لَا يُجِيرُنِي مِنْهُ وَيُخَلِّصُنِي إِلَّا إِبْلَاغِي الرِّسَالَةَ الَّتِي أَوْجَبَ أَدَاءَهَا عَلَيَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ) [ الْمَائِدَةِ : 67 ] وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ) أَيْ : أَنَمَا أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ ، فَمَنْ يَعْصِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ جَزَاءٌ عَلَى ذَلِكَ نَارُ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ، أَيْ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا ، وَلَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ ) أَيْ : حَتَّى إِذَا رَأَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَا يُوعِدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَسَيَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ، هُمْ أَمِ الْمُؤْمِنُونَ الْمُوَحِّدُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَيْ : بَلِ الْمُشْرِكِينَ لَا نَاصِرَ لَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ جُنُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
( ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ ( 25 ) ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ ( 26 ) ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ( 27 ) ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ( 28 ) ) يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ : إِنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِوَقْتِ السَّاعَةِ ، وَلَا يَدْرِي أَقَرِيبٌ وَقْتُهَا أَمْ بَعِيدٌ ؟ ( ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ ) ؟ أَيْ : مُدَّةً طَوِيلَةً . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي يَتَدَاوَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَا يُؤَلِّفُ تَحْتَ الْأَرْضِ ، كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَمْ نَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ . وَقَدْكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ فَلَا يُجِيبُ عَنْهَا،
وَلَمَّا نَادَاهُ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : " وَيْحَكَ . إِنَّهَا كَائِنَةٌ ، فَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ " . قَالَ : أَمَا إِنِّي لَمْ أُعِدَّ لَهَا كَثِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ ، وَلَكِنِّي أَحَبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . قَالَ : " فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ " . قَالَ أَنَسٌ : فَمَا فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا بَنِي آدَمَ ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْمَوْتَى ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّمَا تُوعَدُونَ لِآتٍ "
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِ " كِتَابِ الْمَلَاحِمِ " : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سُهَيْلٍ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" لَنْ يُعْجِزَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ "
انْفَرَدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ . حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنِّي لَأَرْجُوَ أَلَّا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ " . قِيلَ لِسَعْدٍ : وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ ؟ قَالَ : خَمْسُمِائَةِ عَامٍ . انْفَرَدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَقَوْلُهُ : ( ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ) هَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : إِنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَالشَّهَادَةَ ، وَإِنَّهُ لَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا مِمَّا أَطْلَعَهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ) وَهَذَا يَعُمُّ الرَّسُولَ الْمَلَكِيَّ وَالْبَشَرِيَّ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ) أَيْ : يَخْتَصُّهُ بِمَزِيدِ مُعَقِّبَاتٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، وَيُسَاوِقُونَهُ عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ وَحْيِ اللَّهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ) وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ : ( لِيَعْلَمَ ) إِلَى مَنْ يَعُودُ ؟ فَقِيلَ : إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ) قَالَ : أَرْبَعَةُ حَفَظَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ جِبْرِيلَ ، ) لِيَعْلَمَ ) مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ) وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ بِهِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ) قَالَ : لِيَعْلَمَ نَبِيُّ اللَّهِ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ عَنِ اللَّهِ ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ حَفِظَتْهَا وَدَفَعَتْ عَنْهَا . وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، كَمَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ) قَالَ : هِيَ مُعَقِّبَاتٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفَظُونَ النَّبِيَّ مِنَ الشَّيْطَانِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ ، لِيَعْلَمَ أَهْلُ الشِّرْكِ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ) قَالَ : لِيَعْلَمَ مَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ . وَفِي هَذَا نَظَرٌ .
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : قَرَأَ يَعْقُوبُ : " لِيُعْلَمَ " بِالضَّمِّ ، أَيْ : لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الرُّسُلَ بَلَّغُوا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ قَوْلٌ حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " زَادِ الْمَسِيرِ " وَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ : أَنَّهُ يَحْفَظُ رُسُلَهُ بِمَلَائِكَتِهِ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ أَدَاءِ رِسَالَاتِهِ ، وَيَحْفَظُ مَا بَيَّنَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْوَحْيِ ; لِيَعْلَمَ أَنَّ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 143 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 11 ] إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا قَطْعًا لَا مَحَالَةَ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا : ( ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ) .