مكتبة الإسلام الشاملة

54 - تفسير سورة القمر

1-5

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْقَمَرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ :

أَنَّرَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ بِقَافٍ ، وَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ، فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا فِي الْمَحَافِلِ الْكِبَارِ ، لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى ذِكْرِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَبَدْءِ الْخَلْقِ وَإِعَادَتِهِ ، وَالتَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْعَظِيمَةِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ( 1 ) ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ( 2 ) ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ( 3 ) ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ( 4 ) ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ ( 5 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ وَفَرَاغِ الدُّنْيَا وَانْقِضَائِهَا . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [ سُبْحَانَهُ ]﴾ ) [ النَّحْلِ : 1 ] ، وَقَالَ : ( ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 1 ] وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ أَصْحَابَهُ ذَاتَ يَوْمٍ ، وَقَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا شِفٌّ يَسِيرٌ ، فَقَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ ، وَمَا نَرَى مِنَ الشَّمْسِ إِلَّا يَسِيرًا " . قُلْتُ : هَذَا حَدِيثٌ مَدَارُهُ عَلَى خَلَفِ بْنِ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الْعَمِّيِّ ، عَنْ أَبِيهِ . وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ : رُبَّمَا أَخْطَأَ . حَدِيثٌ آخَرُ يُعَضِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ وَيُفَسِّرُهُ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالشَّمْسُ عَلَى قُعَيْقِعَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَقَالَ : " مَا أَعْمَارُكُمْ فِي أَعْمَارِ مَنْ مَضَى إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا مَضَى " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ هَكَذَا" . وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ : السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى . أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ وَهْبٍ السِّوَائِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُهَا " وَجَمَعَ الْأَعْمَشُ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَدِمَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَسَأَلَهُ : مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ بِهِ السَّاعَةَ ؟ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " أَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِفِي أَسْمَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنٍ عُمَيْرٍ قَالَ : خَطَبَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ - قَالَ بَهْزٌ : وَقَالَ قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ - خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا ، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا ، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا مَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا ، وَاللَّهِ لَتَمْلَؤُنَّهُ ، أَفَعَجِبْتُمْ ! وَاللَّهِ لَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظُ الزِّحَامِ " وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ ، انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ : نَزَلْنَا الْمَدَائِنَ فَكُنَّا مِنْهَا عَلَى فَرْسَخٍ ، فَجَاءَتِ الْجُمُعَةُ ، فَحَضَرَ أَبِي وَحَضَرْتُ مَعَهُ فَخَطَبَنَا حُذَيْفَةُ فَقَالَ : أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ) ، أَلَا وَإِنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ ، أَلَا وَإِنَّ الْقَمَرَ قَدِ انْشَقَّ ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِفِرَاقٍ ، أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارُ ، وَغَدًا السِّبَاقُ ، فَقُلْتُ لِأَبِي : أَيَسْتَبِقُ النَّاسُ غَدًا ؟ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَجَاهِلٌ ، إِنَّمَا هُوَ السِّبَاقُ بِالْأَعْمَالِ . ثُمَّ جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْأُخْرَى فَحَضَرْنَا فَخَطَبَ حُذَيْفَةُ ، فَقَالَ : أَلَا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : ( ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِفِرَاقٍ ، أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارُ وَغَدًا السِّبَاقُ ، أَلَا وَإِنَّ الْغَايَةَ النَّارُ ، وَالسَّابِقُ مَنْ سَبَقَ إِلَى الْجَنَّةِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ) : قَدْ كَانَ هَذَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : " خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الرُّومُ ، وَالدُّخَانُ ، وَاللِّزَامُ ، وَالْبَطْشَةُ ، وَالْقَمَرُ " . وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَيِ**انْشِقَاقُ الْقَمَرِ قَدْ وَقَعَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -**وَأَنَّهُ كَانَ إِحْدَى الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ . ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ : رِوَايَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آيَةً ، فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ ، فَقَالَ : ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ; أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً ، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّيْنِ ، حَتَّى رَأَوْا حِرَاءَ بَيْنَهُمَا . وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَغَيْرِهِمَا ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، بِهِ . رِوَايَةُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ : فِرْقَةٌ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ ، وَفِرْقَةٌ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ ، فَقَالُوا : سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ . فَقَالُوا : إِنْ كَانَ سَحَرَنَا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ .

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ " مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، [ بِهِ ] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَغَيْرِهِ عَنْ حُصَيْنٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَهُشَيْمٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَهُ . رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

انْشَقَّ الْقَمَرُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عِرَاكِ [ بْنِ مَالِكٍ ] ، بِهِ مِثْلَهُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ مُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُوَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) قَالَ : قَدْ مَضَى ذَلِكَ ، كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، انْشَقَّ الْقَمَرُ حَتَّى رَأَوْا شِقَّيْهِ . وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ هَذَا . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُسِفَ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : سُحِرَ الْقَمَرُ . فَنَزَلَتْ : ( ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( مُسْتَمِرٌّ ) . رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي

قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ) قَالَ : وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْشَقَّ فِلْقَتَيْنِ : فِلْقَةٌ مِنْ دُونِ الْجَبَلِ ، وَفِلْقَةٌ مِنْ خَلْفِ الْجَبَلِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللَّهُمَّ اشْهَدْ " .

وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، بِهِ . قَالَ مُسْلِمٌ كَرِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ :

انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شِقَّيْنِ حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اشْهَدُوا " .

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، بِهِ . وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَخْبَرَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمِّي يَحْيَى بْنُ عِيسَى ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ :

كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنَى فَانْشَقَّ الْقَمَرُ ، فَأَخَذَتْ فِرْقَةٌ خَلْفَ الْجَبَلِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اشْهَدُوا ، اشْهَدُوا " . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَالَ أَبُو الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : بِمَكَّةَ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ . قَالَ : فَقَالُوا : انْظُرُوا مَا يَأْتِيكُمْ بِهِ السُّفَّارُ ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ . قَالَ : فَجَاءَ السُّفَّارُ فَقَالُوا : ذَلِكَ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ أَبيِ الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ ، فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَهْلُ مَكَّةَ : هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ ، انْظُرُوا السُّفَّارَ ، فَإِنْ كَانُوا رَأَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ فَهُوَ سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ . قَالَ : فَسُئِلَ السُّفَّارُ ، قَالَ : وَقَدِمُوا مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ ، فَقَالُوا : رَأَيْنَاهُ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ، بِهِ . وَزَادَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ - هُوَ ابْنُ سِيرِينَ - قَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَقُولُ : لَقَدِ انْشَقَّ الْقَمَرُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمَارَةَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ الْجَبَلَ مِنْ فَرْجِ الْقَمَرِ حِينَ انْشَقَّ . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُؤَمَّلٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى رَأَيْتُ الْجَبَلَ مِنْ بَيْنِ فُرْجَتَيِ الْقَمَرِ . وَقَالَ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ : انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ : " اشْهَدْ يَا أَبَا بَكْرٍ " . فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : سُحِرَ الْقَمَرُ حَتَّى انْشَقَّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ ) أَيْ : دَلِيلًا وَحُجَّةً وَبُرْهَانًا ) يُعْرِضُوا ) أَيْ : لَا يَنْقَادُونَ لَهُ ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ وَيَتْرُكُونَهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، ( ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ) أَيْ : وَيَقُولُونَ : هَذَا الَّذِي شَاهَدْنَاهُ مِنَ الْحُجَجِ سِحْرٌ سُحِرْنَا بِهِ . وَمَعْنَى ) مُسْتَمِرٌّ ) أَيْ : ذَاهِبٌ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمَا ، أَيْ : بَاطِلٌ مُضْمَحِلٌّ ، لَا دَوَامَ لَهُ . ( ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ) أَيْ : كَذَّبُوا بِالْحَقِّ إِذْ جَاءَهُمْ ، وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ آرَاؤُهُمْ وَأَهْوَاؤُهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ وَسَخَافَةِ عَقْلِهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ) قَالَ قَتَادَةُ : مَعْنَاهُ : أَنَّ الْخَيْرَ وَاقِعٌ بِأَهْلِ الْخَيْرِ ، وَالشَّرَّ وَاقِعٌ بِأَهْلِ الشَّرِّ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( مُسْتَقِرٌّ ) أَيْ : وَاقِعٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ ) أَيْ : مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعِقَابِ وَالنَّكَالِ وَالْعَذَابِ ، مِمَّا يُتْلَى عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْقُرْآنِ ، ( ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ) أَيْ : مَا فِيهِ وَاعِظٌ لَهُمْ عَنِ الشِّرْكِ وَالتَّمَادِي عَلَى التَّكْذِيبِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ ) أَيْ : فِي هِدَايَتِهِ تَعَالَى لِمَنْ هَدَاهُ وَإِضْلَالِهِ لِمَنْ أَضَلَّهُ ، ( ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ ) يَعْنِي : أَيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ عَمَّنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ ، وَخَتَمَ عَلَى قَلْبِهِ ؟ فَمَنِ الَّذِي يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ؟ وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 149 ] ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ) [ يُونُسَ : 101 ] .

6-8

( ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ( 6 ) ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ( 7 ) ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ ( 8 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى : فَتَوَلَّ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِذَا رَأَوْا آيَةً يَعْرِضُونَ وَيَقُولُونَ : هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ، أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْهُمْ ، ( ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ) أَيْ : إِلَى شَيْءٍ مُنْكَرٍ فَظِيعٍ ، وَهُوَمَوْقِفُ الْحِسَابِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، بَلْ وَالزَّلَازِلِ وَالْأَهْوَالِ ، ( ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ ) أَيْ : ذَلِيلَةٌ أَبْصَارُهُمْ ( ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ) وَهِيَ : الْقُبُورُ ، ( ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ) أَيْ : كَأَنَّهُمْ فِي انْتِشَارِهِمْ وَسُرْعَةِ سَيْرِهِمْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ إِجَابَةً لِلدَّاعِي ( ﴿جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ) فِي الْآفَاقِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( مُهْطِعِينَ ) أَيْ : مُسْرِعِينَ ( ﴿إِلَى الدَّاعِي﴾ ) ، لَا يُخَالِفُونَ وَلَا يَتَأَخَّرُونَ ، ( ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ ) أَيْ : يَوْمٌ شَدِيدُ الْهَوْلِ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ ( ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 9 ، 10 ] .

9-17

( ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ ( 9 ) ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ( 10 ) ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ( 11 ) ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ( 12 ) ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ ( 13 ) ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ ( 14 ) ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ( 15 ) ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ( 16 ) ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ( 17 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى : ( كَذَّبَتْ ) قَبْلَ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ ( ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ ) أَيْ : صَرَّحُوا لَهُ بِالتَّكْذِيبِ وَاتَّهَمُوهُ بِالْجُنُونِ ، ( ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَازْدُجِرَ ) أَيْ : اسْتُطِيرَ جُنُونًا . وَقِيلَ : ( وَازْدُجِرَ ) أَيِ : انْتَهَرُوهُ وَزَجَرُوهُ وَأَوْعَدُوهُ : ( ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 116 ] . قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ، وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ حَسَنٌ . ( ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ) أَيْ : إِنِّي ضَعِيفٌ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ ) فَانْتَصِرْ ) أَنْتَ لِدِينِكَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ) . قَالَ السُّدِّيُّ : هُوَ الْكَثِيرُ ( ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ) أَيْ : نَبَعَتْ جَمِيعُ أَرْجَاءِ الْأَرْضِ ، حَتَّى التَّنَانِيرُ الَّتِي هِيَ مَحَالُّ النِّيرَانِ نَبَعَتْ عُيُونًا ، ( ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ ) أَيْ : مِنَ السَّمَاءِ وَمِنَ الْأَرْضِ ( ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ) أَيْ : أَمْرٌ مُقَدَّرٌ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ) كَثِيرٍ ، لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا بَعْدَهُ ، وَلَا مِنَ السَّحَابِ ; فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ سَحَابٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَالْتَقَى الْمَاءَانِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ ابْنَ الْكُوَّاءِ سَأَلَ عَلِيًّا عَنِ الْمَجَرَّةِ فَقَالَ : هِيَ شَرَجُ السَّمَاءِ ، وَمِنْهَا فُتِحَتِ السَّمَاءُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . ( ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْقُرَظِيُّ ، وقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ : هِيَ الْمَسَامِيرُ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : وَوَاحِدُهَا دِسَارٌ ، وَيُقَالُ : دَسِيرٌ ، كَمَا يُقَالُ : حَبِيكٌ وَحِبَاكٌ ، وَالْجَمْعُ حُبُكٌ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الدُّسُرُ : أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ : هُوَ صَدْرُهَا الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَوْجُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : الدُّسُرُ : طَرَفُهَا وَأَصْلُهَا . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ كَلْكَلُهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ) أَيْ : بِأَمْرِنَا بِمَرْأًى مِنَّا وَتَحْتَ حِفْظِنَا وَكَلَاءَتِنَا ( ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ ) أَيْ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَانْتِصَارًا لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ ) قَالَ قَتَادَةُ : أَبْقَى اللَّهُ سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ جِنْسُ السُّفُنِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ ) [ يس : 41 ، 42 ] . وَقَالَ ( ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 11 ، 12 ] ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) أَيْ : فَهَلْ مَنْ يَتَذَكَّرُ وَيَتَّعِظُ ؟ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ :

أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) فَقَالَ رَجُلٌ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مُدَّكِرٌ أَوْ مُذَّكِرٌ ؟ قَالَ : أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مُدَّكِرٌ ) وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ ) فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ : ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) .

وَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ; أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ الْأَسْوَدَ : ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) أَوْ ) مُذَّكِرٍ ) ؟ قَالَ :

سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقْرَأُ : ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) . وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَؤُهَا : ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) دَالًا . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ) أَيْ : كَيْفَ كَانَ عَذَابِي لِمَنْ كَفَرَ بِي وَكَذَّبَ رُسُلِي وَلَمْ يَتَّعِظْ بِمَا جَاءَتْ بِهِ نُذُرِي ، وَكَيْفَ انْتَصَرْتُ لَهُمْ ، وَأَخَذْتُ لَهُمْ بِالثَّأْرِ . ( ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ ) أَيْ : سَهَّلْنَا لَفْظَهُ ، وَيَسَّرْنَا مَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَهُ ، لِيَتَذَكَّرَ النَّاسُ . كَمَا قَالَ : ( ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ) [ ص : 29 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ) [ مَرْيَمَ : 97 ] . قَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ ) يَعْنِي : هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : يَسَّرْنَا تِلَاوَتَهُ عَلَى الْأَلْسُنِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلَى لِسَانِ الْآدَمِيِّينَ ، مَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ . قُلْتُ : وَمِنْ تَيْسِيرِهِ تَعَالَى ، عَلَى النَّاسِ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ مَا تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ " . وَأَوْرَدْنَا الْحَدِيثَ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَقَوْلُهُ : ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) أَيْ : فَهَلْ مِنْ مُتَذَكِّرٍ بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي قَدْ يَسَّرَ اللَّهُ حِفْظَهُ وَمَعْنَاهُ ؟ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ : فَهَلْ مِنْ مُنْزَجَرٍ عَنِ الْمَعَاصِي ؟ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ ، عَنْ مَطَرٍ - هُوَ الْوَرَّاقُ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ) هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانُ عَلَيْهِ ؟ وَكَذَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ وَ [ كَذَا ] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ .

18-22

( ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 18 ) ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ( 19 ) ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ( 20 ) ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ( 21 ) ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ( 22 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَادٍ قَوْمِ هُودٍ : إِنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ أَيْضًا ، كَمَا صَنَعَ قَوْمُ نُوحٍ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ ( ﴿عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ ) ، وَهِيَ الْبَارِدَةُ الشَّدِيدَةُ الْبَرْدِ ، ( ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ ) أَيْ : عَلَيْهِمْ . قَالَهُ الضَّحَّاكُ ، وقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ . ) مُسْتَمِرٍّ ) عَلَيْهِمْ نَحْسُهُ وَدَمَارُهُ ; لِأَنَّهُ يَوْمٌ اتَّصَلَ فِيهِ عَذَابُهُمُ الدُّنْيَوِيُّ بِالْأُخْرَوِيِّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ) وَذَلِكَ أَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ تَأْتِي أَحَدَهُمْ فَتَرْفَعُهُ حَتَّى تَغَيِّبَهُ عَنِ الْأَبْصَارِ ، ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ ، فَيَسْقُطُ إِلَى الْأَرْضِ ، فَتَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَبْقَى جُثَّةً بِلَا رَأْسٍ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ) .

23-32

( ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ( 24 ) ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ ( 25 ) ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ ( 26 ) ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ ( 27 ) ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ( 28 ) ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ ( 29 ) ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ( 30 ) ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ ( 31 ) ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ( 32 ) ) . وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ ثَمُودَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ صَالِحًا ، ( ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ) ، يَقُولُونَ : لَقَدْ خِبْنَا وَخَسِرْنَا إِنْ سَلَّمْنَا كُلُّنَا قِيَادَنَا لِوَاحِدٍ مِنَّا ! ثُمَّ تَعَجَّبُوا مِنْ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ خَاصَّةً مِنْ دُونِهِمْ ، ثُمَّ رَمَوْهُ بِالْكَذِبِ فَقَالُوا : ( ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ ) أَيْ : مُتَجَاوِزٌ فِي حَدِّ الْكَذِبِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ ) وَهَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ ) أَيِ : اخْتِبَارًا لَهُمْ ; أَخْرَجَ اللَّهُ لَهُمْ نَاقَةً عَظِيمَةً عُشَرَاءَ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ طِبْقَ مَا سَأَلُوا ، لِتَكُونَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي تَصْدِيقِ صَالِحٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ . ثُمَّ قَالَ آمِرًا لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَالِحٍ : ( ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ ) أَيِ : انْتَظِرْ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ ، وَاصْبِرْ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَالنَّصْرَ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، ( ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ ) أَيْ : يَوْمٌ لَهُمْ وَيَوْمٌ لِلنَّاقَةِ ; كَقَوْلِهِ : ( ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 155 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : إِذَا غَابَتْ حَضَرُوا الْمَاءَ ، وَإِذَا جَاءَتْ حَضَرُوا اللَّبَنَ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ ) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هُوَ عَاقِرُ النَّاقَةِ ، وَاسْمُهُ قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ ، وَكَانَ أَشْقَى قَوْمِهِ . كَقَوْلِهِ : ( ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ ) [ الشَّمْسِ : 12 ] . ) فَتَعَاطَى ) أَيْ : فَجَسَرَ ( ﴿فَعَقَرَ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ) أَيْ : فَعَاقَبْتُهُمْ ، فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِي [ لَهُمْ ] عَلَى كُفْرِهِمْ بِي وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولِي ؟ ( ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ ) أَيْ : فَبَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ ، وَخَمَدُوا وَهَمَدُوا كَمَا يَهْمُدُ يَبِيسُ الزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ . قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ . وَالْمُحْتَظِرُ - قَالَ السُّدِّيُّ - : هُوَ الْمَرْعَى بِالصَّحْرَاءِ حِينَ يَبِسَ وَتَحَرَّقَ وَنَسَفَتْهُ الرِّيحُ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَتِ الْعَرَبُ يَجْعَلُونَ حِظَارًا عَلَى الْإِبِلِ وَالْمَوَاشِي مَنْ يَبِيسِ الشَّوْكِ ، فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ : ( ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ ) . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ ) : هُوَ التُّرَابُ الْمُتَنَاثِرُ مِنَ الْحَائِطِ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

33-40

( ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ( 33 ) ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ ( 34 ) ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ ( 35 ) ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ( 36 ) ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ( 37 ) ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ( 38 ) ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ( 39 ) ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ( 40 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ لُوطٍ كَيْفَ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ وَخَالَفُوهُ ، وَارْتَكَبُوا الْمَكْرُوهُ مِنْ إِتْيَانِ الذُّكُورِ ، وَهِيَ الْفَاحِشَةُ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ ; وَلِهَذَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ هَلَاكًا لَمْ يُهْلِكْهُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَحَمَلَ مَدَائِنَهُمْ حَتَّى وَصَلَ بِهَا إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ وَأَرْسَلَهَا ، وَأُتْبِعَتْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا . ( ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ) وَهِيَ : الْحِجَارَةُ ، ( ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ ) أَيْ : خَرَجُوا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَنَجَوْا مِمَّا أَصَابَ قَوْمَهُمْ ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِلُوطٍ مِنْ قَوْمِهِ أَحَدٌ وَلَا رَجُلٌ وَاحِدٌ حَتَّى وَلَا امْرَأَتُهُ ، أَصَابَهَا مَا أَصَابَ قَوْمَهَا ، وَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ وَبَنَاتٌ لَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ سَالِمًا لَمْ يَمْسَسْهُ سُوءٌ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ ) أَيْ : وَلَقَدْ كَانَ قَبْلَ حُلُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ قَدْ أَنْذَرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ وَعَذَابَهُ ، فَمَا الْتَفَتُوا إِلَى ذَلِكَ ، وَلَا أَصْغَوْا إِلَيْهِ ، بَلْ شَكُّوا فِيهِ وَتَمَارَوْا بِهِ ، ( ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ ) وَذَلِكَ لَيْلَةَ وَرَدَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ : جِبْرِيلُ ، وَمِيكَائِيلُ ، وَإِسْرَافِيلُ فِي صُورَةِ شَبَابٍ مُرْدٍ حِسَانٍ مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ ، فَأَضَافَهُمْ لُوطٌ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] وَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ الْعَجُوزُ السُّوءُ إِلَى قَوْمِهَا ، فَأَعْلَمَتْهُمْ بِأَضْيَافِ لُوطٍ ، فَأَقْبَلُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ، فَأَغْلَقَ لُوطٌ دُونَهُمُ الْبَابَ ، فَجَعَلُوا يُحَاوِلُونَ كَسْرَ الْبَابِ ، وَذَلِكَ عَشِيَّةً ، وَلُوطٌ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، يُدَافِعُهُمْ وَيُمَانِعُهُمْ دُونَ أَضْيَافِهِ ، وَيَقُولُ لَهُمْ : ( ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ ) يَعْنِي : نِسَاءَهُمْ ، ( ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ) [ الْحِجْرِ : 71 ] ( ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ لَنَا فِيهِنَّ أَرَبٌ ، ( ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ ) [ هُودٍ : 79 ] فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحَالُ وَأَبَوْا إِلَّا الدُّخُولَ ، خَرَجَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَضَرَبَ أَعْيُنَهُمْ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ ، فَانْطَمَسَتْ أَعْيُنُهُمْ . يُقَالُ : إِنَّهَا غَارَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ . وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهُمْ عُيُونٌ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَرَجَعُوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ يَتَحَسَّسُونَ بِالْحِيطَانِ ، وَيَتَوَعَّدُونَ لُوطًا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِلَى الصَّبَاحِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ) أَيْ : لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ ، وَلَا انْفِكَاكَ لَهُمْ مِنْهُ ، ( ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ) .

41-46

( ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 ) ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ( 42 ) ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ ( 43 ) ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ( 44 ) ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ( 45 ) ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ( 46 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُوسَى وَأَخُوهُ هَارُونُ بِالْبِشَارَةِ إِنْ آمَنُوا ، وَالنِّذَارَةِ إِنْ كَفَرُوا ، وَأَيَّدَهُمَا بِمُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةٍ وَآيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، فَكَذَّبُوا بِهَا كُلِّهَا ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ، أَيْ : فَأَبَادَهُمُ اللَّهُ وَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ مُخْبِرًا وَلَا عَيْنًا وَلَا أَثَرًا . ثُمَّ قَالَ : ( أَكُفَّارُكُمْ ) أَيْ : أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ ( ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ ) يَعْنِي : مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِمَّنْ أُهْلِكُوا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ ، وَكُفْرِهِمْ بِالْكُتُبِ : أَأَنْتُمْ خَيْرٌ أَمْ أُولَئِكَ ؟ ( ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ ) أَيْ : أَمْ مَعَكُمْ مِنَ اللَّهِ بَرَاءَةٌ أَلَّا يَنَالَكَمْ عَذَابٌ وَلَا نَكَالٌ ؟ . ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ : ( ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ) أَيْ : يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مُنَاصِرُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَأَنَّ جَمْعَهُمْ يُغْنِي عَنْهُمْ مَنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ) أَيْ : سَيَتَفَرَّقُ شَمْلُهُمْ وَيُغْلَبُونَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ خَالِدٍ - وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ - :

" أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا " . فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِهِ وَقَالَ : حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ . فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يَقُولُ : ( ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ - وَهُوَ ابْنُ مِهْرَانَ الْحَذَّاءُ - بِهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ) [ قَالَ ] قَالَ عُمَرُ : أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ ؟ أَيُّ جَمْعٍ يُغْلَبُ ؟ قَالَ عُمَرُ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَثِبُ فِي الدِّرْعِ ، وَهُوَ يَقُولُ : ( ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ) فَعَرَفْتُ تَأْوِيلَهَا يَوْمَئِذٍ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ; أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ : أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنَ مَاهَكَ قَالَ : إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَتْ : نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ - وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ - ( ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ) هَكَذَا رَوَاهُ هَاهُنَا مُخْتَصَرًا . وَرَوَاهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مُطَوَّلًا ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ مُسْلِمٌ .

47-55

( ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ( 47 ) ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ( 48 ) ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ( 49 ) ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ( 50 ) ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ( 51 ) ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ( 52 ) ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ( 53 ) ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ ( 54 ) ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ( 55 ) ) يُخْبِرُنَا تَعَالَى عَنِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ فِي ضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ ، وَسُعُرٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشُّكُوكِ وَالِاضْطِرَابِ فِي الْآرَاءِ ، وَهَذَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ مِنْ كَافِرٍ وَمُبْتَدِعٍ مِنْ سَائِرِ الْفِرَقِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) أَيْ : كَمَا كَانُوا فِي سُعُرٍ وَشَكٍّ وَتَرَدُّدٍ أَوْرَثَهُمْ ذَلِكَ النَّارَ ، وَكَمَا كَانُوا ضُلَّالًا سُحِبُوا فِيهَا عَلَى وُجُوهِهِمْ ، لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَذْهَبُونَ ، وَيُقَالُ لَهُمْ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا : ( ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ) ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 2 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ) [ الْأَعْلَى : 1 - 3 ] أَيْ : قَدَّرَ قَدَرًا ، وَهَدَى الْخَلَائِقَ إِلَيْهِ ; وَلِهَذَا يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ قَدَرِ اللَّهِ السَّابِقِ لِخَلْقِهِ ، وَهُوَ عِلْمُهُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا وَكِتَابَتُهُ لَهَا قَبْلَ بُرْئِهَا ، وَرَدُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَبِمَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ ، وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَاتِ عَلَى الْفِرْقَةِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ نَبَغُوا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ . وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْمَقَامِ مُفَصَّلًا وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي شَرْحِ " كِتَابِ الْإِيمَانِ " مِنْ " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَلْنَذْكُرْ هَاهُنَا الْأَحَادِيثَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَاصِمُونَهُ فِي الْقَدَرِ ، فَنَزَلَتْ : ( ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ) . وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، بِهِ . وَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ : ( ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ) ، إِلَّا فِي أَهْلِ الْقَدَرِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ صَالِحٍ الْأَنْطَاكِيُّ ، حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ كِنَانَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَعْدَةَ ، عَنِ ابْنِ زُرَارَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ) ، قَالَ : " نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أُمَّتِي يَكُونُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللَّهِ " .

وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، قَالَ :

أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَنْزِعُ مِنْ زَمْزَمَ ، وَقَدِ ابْتَلَّتْ أَسَافِلُ ثِيَابِهِ ، فَقُلْتُ لَهُ : قَدْ تُكُلِّمَ فِي الْقَدَرِ . فَقَالَ : أَوَ [ قَدْ ] فَعَلُوهَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِيهِمْ : ( ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) ، أُولَئِكَ شِرَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَلَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ وَلَا تُصَلُّوا عَلَى مَوْتَاهُمْ ، إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ فَقَأْتُ عَيْنَيْهِ بِأُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ .

وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَفِيهِ مَرْفُوعٌ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ بَعْضِ إِخْوَتِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قِيلَ لَهُ : إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَيْنَا يُكَذِّبُ بِالْقَدَرِ فَقَالَ : دُلُّونِي عَلَيْهِ - وَهُوَ أَعْمَى - قَالُوا : وَمَا تَصْنَعُ بِهِ يَا أَبَا عَبَّاسٍ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ لَأَعُضَّنَّ أَنْفَهُ حَتَّى أَقْطَعَهُ ، وَلَئِنْ وَقَعَتْ رَقَبَتُهُ فِي يَدِي لَأَدُقَّنَّهَا ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : "

كَأَنِّي بِنِسَاءِ بَنِي فِهْرٍ يَطُفْنَ بِالْخَزْرَجِ ، تَصْطَفِقُ أَلَيَاتُهُنَّ مُشْرِكَاتٍ ، هَذَا أَوَّلُ شِرْكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْتَهِيَنَّ بِهِمْ سُوءُ رَأْيِهِمْ حَتَّى يُخْرِجُوا اللَّهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ خَيْرًا ، كَمَا أَخْرَجُوهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ شَرًّا " . ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . لَمْ يُخَرِّجُوهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ لِابْنِ عُمَرَ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُكَاتِبُهُ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، بِهِ . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ ، وَمَجُوسُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ : لَا قَدَرَ . إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ " .

لَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : "

سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَسْخٌ ، أَلَا وَذَاكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ وَالزِّنْدِيقِيَّةِ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الطَّبَّاعِ ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كُلُّ شَيْءٍ بَقَدَرٍ ، حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ " . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : " اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ ، فَإِنْ أَصَابَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، وَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ " . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : " وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ لَكَ ، لَمْ يَنْفَعُوكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، لَمْ يَضُرُّوكَ . جَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ زِيَادٍ ، حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عُبَادَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَتَخَايَلَ فِيهِ الْمَوْتَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَتَاهُ ، أَوْصِنِي وَاجْتَهِدْ لِي . فَقَالَ : أَجْلِسُونِي . فَلَمَّا أَجْلَسُوهُ قَالَ : يَا بُنَيَّ ، إِنَّكَ لَمَّا تَطْعَمْ طَعْمَ الْإِيمَانِ ، وَلَمْ تَبْلُغْ حَقَّ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ ، حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ . قُلْتُ : يَا أَبَتَاهُ ، وَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ مَا خَيْرُ الْقَدَرِ وَشَرُّهُ ؟ قَالَ : تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ . يَا بُنَيَّ ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : اكْتُبْ . فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " يَا بُنَيَّ ، إِنْ مُتَّ وَلَسْتَ عَلَى ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى الْبَلْخِيِّ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ . وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ : يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، بَعَثَنِي بِالْحَقِّ ، وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ ، وَيُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " .

وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، فَذَكَرَهُ وَقَالَ : " هَذَا عِنْدِي أَصَحُّ " . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، بِهِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

" إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " زَادَ ابْنُ وَهْبٍ : ( ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ) [ هُودٍ : 7 ] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) . وَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ فِي خَلْقِهِ كَمَا أَخْبَرَ بِنُفُوذِ قَدَرِهِ فِيهِمْ ، فَقَالَ : ( ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا نَأْمُرُ بِالشَّيْءِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، لَا نَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ بِثَانِيَةٍ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي نَأْمُرُ بِهِ حَاصِلًا مَوْجُودًا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ، لَا يَتَأَخَّرُ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ :

إِذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَإِنَّمَا ※ يَقُولُ لَهُ : كُنْ ، قَوْلَةً فَيَكُونُ ※

وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ ) يَعْنِي : أَمْثَالَكُمْ وَسَلَفَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ ، ( ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ) أَيْ : فَهَلْ مِنْ مُتَّعِظٍ بِمَا أَخْزَى اللَّهُ أُولَئِكَ ، وَقَدَّرَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ ) [ سَبَأٍ : 54 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ) أَيْ : مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، ( ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ ) أَيْ : مِنْ أَعْمَالِهِمْ ( ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ ) أَيْ : مَجْمُوعٌ عَلَيْهِمْ ، وَمُسَطَّرٌ فِي صَحَائِفِهِمْ ، لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ : سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ - وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا - عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ :

" يَا عَائِشَةُ ، إِيَّاكِ وَمُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا " . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ الْمَدَنِيِّ . وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، ثُمَّ قَالَ سَعِيدٌ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَامِرَ بْنَ هِشَامٍ فَقَالَ لِي : وَيْحَكَ يَا سَعِيدُ بْنَ مُسْلِمٍ ! لَقَدْ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ عَمِلَ ذَنْبًا فَاسْتَصْغَرَهُ ، فَأَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لَهُ : يَا سُلَيْمَانُ :

لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرًا ※ إِنَّ الصَّغِيرَ غَدًا يَعُودُ كَبِيرَا ※ إِنَّ الصَّغِيرَ وَلَوْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ※ عِنْدَ الْإِلَهِ مُسَطَّرٌ تَسْطِيرَا ※ فَازْجُرْ هَوَاكَ عَنِ الْبَطَالَةِ لَا تَكُنْ ※ صَعْبَ الْقِيَادِ وَشَمِّرَنْ تَشْمِيرَا ※ إِنَّ الْمُحِبَّ إِذَا أَحَبَّ إِلَهَهُ ※ طَارَ الْفُؤَادُ وَأُلْهِمَ التَّفْكِيرَا ※ فَاسْأَلْ هِدَايَتَكَ الْإِلَهَ بِنِيَّةٍ ※ فَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرَا ※

وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ) أَيْ : بِعَكْسِ مَا الْأَشْقِيَاءُ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ وَالسُّعْرِ وَالسَّحْبِ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، مَعَ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ وَالتَّهْدِيدِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ ) أَيْ : فِي دَارِ كَرَامَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَفَضْلِهِ ، وَامْتِنَانِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ ، ( ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ) أَيْ : عِنْدَ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ الْخَالِقِ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَمُقَدِّرِهَا ، وَهُوَ مُقْتَدِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ مِمَّا يَطْلُبُونَ وَيُرِيدُونَ ; وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "

الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ : الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا " . انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " اقْتَرَبَتْ " ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ