مكتبة الإسلام الشاملة

55 - تفسير سورة الرحمن

0

تَفْسِيرُسُورَةِ الرَّحْمَنِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ : كَيْفَ تَعْرِفُ هَذَا الْحَرْفَ : " مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ أَوْ آسِنٍ " ؟ فَقَالَ : كُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ قَرَأْتَ ؟ . قَالَ : إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ أَجْمَعَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ . فَقَالَ : أَهَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ ، لَا أَبَا لَكَ ؟ قَدْ عَلِمْتُ قَرَائِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي كَانَ يَقْرِنُ قَرِينَتَيْنِ قَرِينَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ ، وَكَانَ أَوَّلَ مُفَصَّلِ ابْنِ مَسْعُودِ : ( الرَّحْمَنُ ) . وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقِدٍ أَبُو مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ :

خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ**سُورَةَ " الرَّحْمَنِ "**مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا ، فَسَكَتُوا فَقَالَ : " لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) ، قَالُوا : لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ - رَبَّنَا - نُكَذِّبُ ، فَلَكَ الْحَمْدُ " . ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ . ثُمَّ حَكَى عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ يُنْكِرُ رِوَايَةَ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ هَذَا . وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَبَّوَيْهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى ، وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الْبَصْرِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ سُورَةَ " الرَّحْمَنِ " - أَوْ : قُرِئَتْ عِنْدَهُ - فَقَالَ : " مَا لِي أَسْمَعُ الْجِنَّ أَحْسَنَ جَوَابًا لِرَبِّهَا مِنْكُمْ ؟ " قَالُوا : وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " مَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) إِلَّا قَالَتِ الْجِنُّ : لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعْمَةِ رَبِّنَا نُكَذِّبُ " . وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَزَّارُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ .

1-13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿الرَّحْمَنُ ( 1 ) ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ( 2 ) ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ( 3 ) ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ( 4 ) ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ( 5 ) ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ ( 6 ) ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ ( 7 ) ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ ( 8 ) ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ( 9 ) ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ ( 10 ) ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ ( 11 ) ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ ( 12 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 13 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ : أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى عِبَادِهِ الْقُرْآنَ وَيَسَّرَ حِفْظَهُ وَفَهْمَهُ عَلَى مَنْ رَحِمَهُ ، فَقَالَ : ( ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ : يَعْنِي : النُّطْقَ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمَا : يَعْنِي الْخَيْرَ وَالشَّرَّ . وَقَوْلُ الْحَسَنِ هَاهُنَا أَحْسَنُ وَأَقْوَى ; لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي تَعْلِيمِهِ تَعَالَى الْقُرْآنَ ، وَهُوَ أَدَاءُ تِلَاوَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِتَيْسِيرِ النُّطْقِ عَلَى الْخَلْقِ وَتَسْهِيلِ خُرُوجِ الْحُرُوفِ مِنْ مَوَاضِعِهَا مِنَ الْحَلْقِ وَاللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ ، عَلَى اخْتِلَافِ مَخَارِجِهَا وَأَنْوَاعِهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ) أَيْ : يَجْرِيَانِ مُتَعَاقِبَيْنَ بِحِسَابٍ مُقَنَّنٍ لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَضْطَرِبُ ، ( ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ) [ يس : 40 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 96 ] . وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ جَعَلَ اللَّهُ نُورَ جَمِيعِ أَبْصَارِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ فِي عَيْنَيْ عَبْدٍ ، ثُمَّ كَشَفَ حِجَابًا وَاحِدًا مِنْ سَبْعِينَ حِجَابًا دُونَ الشَّمْسِ ، لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا . وَنُورُ الشَّمْسِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ ،وَنُورُ الْكُرْسِيِّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نُورِ الْعَرْشِ، وَنُورُ الْعَرْشِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نُورِ السِّتْرِ . فَانْظُرْ مَاذَا أَعْطَى اللَّهُ عَبْدَهُ مِنَ النُّورِ فِي عَيْنَيْهِ وَقْتَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ رَبِّهِ الْكَرِيمِ عِيَانًا . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( ﴿وَالنَّجْمُ﴾ ) بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ ، فَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : النَّجْمُ مَا انْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ - يَعْنِي مِنَ النَّبَاتِ . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . وَقَدِ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : النَّجْمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ . وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ) الْآيَةَ [ الْحَجِّ : 18 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ ) يَعْنِي : الْعَدْلَ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ) [ الْحَدِيدِ : 25 ] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ ) أَيْ : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ ، لِتَكُونَ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ) أَيْ : لَا تَبْخَسُوا الْوَزْنَ ، بَلْ زِنُوا بِالْحَقِّ وَالْقِسْطِ ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 182 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ ) أَيْ : كَمَا رَفَعَ السَّمَاءَ وَضَعَ الْأَرْضَ وَمَهَّدَهَا ، وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الشَّامِخَاتِ ، لِتَسْتَقِرَّ لِمَا عَلَى وَجْهِهَا مِنَ الْأَنَامِ ، وَهُمُ الْخَلَائِقُ الْمُخْتَلِفَةُ أَنْوَاعُهُمْ وَأَشْكَالُهُمْ وَأَلْوَانُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ ، فِي سَائِرِ أَقْطَارِهَا وَأَرْجَائِهَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ : الْأَنَامُ : الْخَلْقُ . ( ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ ) أَيْ : مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ ، ( ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ ) أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَنَفْعِهِ ، رَطْبًا وَيَابِسًا . وَالْأَكْمَامُ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هِيَ أَوْعِيَةُ الطَّلْعِ . وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَهُوَ الَّذِي يَطْلُعُ فِيهِ الْقِنْوُ ثُمَّ يَنْشَقُّ عَنِ الْعُنْقُودِ ، فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ رُطَبًا ، ثُمَّ يَنْضَجُ وَيَتَنَاهَى يَنْعُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ذُكِرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ : حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ الْحَارِثِ الطَّائِفِيُّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَتَبَ قَيْصَرُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أُخْبِرُكَ أَنَّ رُسُلِي أَتَتْنِي مِنْ قِبَلِكَ ، فَزَعَمَتْ أَنَّ قِبَلَكُمْ شَجَرَةً لَيْسَتْ بِخَلِيقَةٍ لِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ ، تَخْرُجُ مِثْلَ آذَانِ الْحَمِيرِ ، ثُمَّ تَشَقَّقُ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ ، ثُمَّ تَخْضَرُّ فَتَكُونُ مِثْلَ الزُّمُرُّدِ الْأَخْضَرِ ، ثُمَّ تَحْمَرُّ فَتَكُونُ كَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ ، ثُمَّ تَيْنَعُ وَتَنْضَجُ فَتَكُونُ كَأَطْيَبِ فَالَوْذَجَ أُكِلَ ، ثُمَّ تَيْبَسُ فَتَكُونُ عِصْمَةً لِلْمُقِيمِ وَزَادًا لِلْمُسَافِرِ ، فَإِنْ تَكُنْ رُسُلِي صَدَقَتْنِي فَلَا أَرَى هَذِهِ الشَّجَرَةَ إِلَّا مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : مِنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ ، إِنَّ رُسُلَكَ قَدْ صَدَقُوكَ ، هَذِهِ الشَّجَرَةُ عِنْدَنَا ، وَهِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أَنْبَتَهَا اللَّهُ عَلَى مَرْيَمَ حِينَ نُفِسَتْ بِعِيسَى ابْنِهَا ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَتَّخِذْ عِيسَى إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَإِنَّ ( ﴿مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 59 ، 60 ] . وَقِيلَ : الْأَكْمَامُ رُفَاتُهَا ، وَهُوَ : اللِّيفُ الَّذِي عَلَى عُنُقِ النَّخْلَةِ . وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ . ( ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ ) يَعْنِي : التِّبْنَ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿الْعَصْفُ﴾ ) وَرَقُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ الَّذِي قُطِعَ رَءُوسُهُ ، فَهُوَ يُسَمَّى الْعَصْفَ إِذَا يَبِسَ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَأَبُو مَالِكٍ : عَصْفُهُ : تِبْنُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : ( ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ ) يَعْنِي : الْوَرَقَ . وَقَالَ الْحَسَنُ : هُوَ رَيْحَانُكُمْ هَذَا . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ ) خَضِرُ الزَّرْعِ . وَمَعْنَى هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْحَبَّ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا لَهُ فِي حَالِ نَبَاتِهِ عَصْفٌ ، وَهُوَ : مَا عَلَى السُّنْبُلَةِ ، وَرَيْحَانٌ ، وَهُوَ : الْوَرَقُ الْمُلْتَفُّ عَلَى سَاقِهَا . وَقِيلَ : الْعَصْفُ : الْوَرَقُ أَوَّلَ مَا يُنْبِتُ الزَّرْعُ بَقْلًا . وَالرَّيْحَانُ : الْوَرَقُ ، يَعْنِي : إِذَا أَدْجَنَ وَانْعَقَدَ فِيهِ الْحَبُّ . كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ .

وَقُولَا لَهُ : مَنْ يُنْبِتُ الْحَبَّ فِي الثَّرَى ※ فَيُصْبِحُ مِنْهُ الْبَقْلُ يَهْتَزُّ رَابِيَا ؟ ※ وَيُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّهُ فِي رُءُوسِهِ ؟ ※ فَفِي ذَاكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا ※

وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) أَيْ : فَبِأَيِّ الْآلَاءِ - يَا مَعْشَرَ الثَّقَلَيْنِ ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ - تُكَذِّبَانِ ؟ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ بَعْدَهُ ، أَيِ : النِّعَمُ ظَاهِرَةٌ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مَغْمُورُونَ بِهَا ، لَا تَسْتَطِيعُونَ إِنْكَارَهَا وَلَا جُحُودَهَا ، فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجِنُّ الْمُؤْمِنُونَ : " اللَّهُمَّ ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ ، فَلَكَ الْحَمْدُ " . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : " لَا بِأَيِّهَا يَا رَبِّ " . أَيْ : لَا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ :

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقْرَأُ وَهُوَ يُصَلِّي نَحْوَ الرُّكْنِ قَبْلَ أَنْ يُصْدَعَ بِمَا يُؤْمَرُ ، وَالْمُشْرِكُونَ يَسْتَمِعُونَ ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) .

14-25

( ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ( 15 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 16 ) ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ ( 17 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 18 ) ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ ( 19 ) ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ ( 20 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 21 ) ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ( 22 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 23 ) ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ ( 24 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 25 ) ) . يَذْكُرُ تَعَالَى خَلْقَهُ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ، وَخَلْقَهُ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَهُوَ : طَرَفُ لَهَبِهَا . قَالَهُ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ) مِنْ لَهَبِ النَّارِ ، مِنْ أَحْسَنِهَا . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ) مِنْ خَالِصِ النَّارِ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "

خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ " . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ . ( ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ ) يَعْنِي مَشْرِقَيِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ ، وَمَغْرِبَيِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ . وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ ) [ الْمَعَارِجِ : 40 ] ، وَذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مَطَالِعِ الشَّمْسِ وَتَنَقُّلِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ ، وَبُرُوزِهَا مِنْهُ إِلَى النَّاسِ . وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ ) [ الْمُزَّمِّلِ : 9 ] . وَهَذَا الْمُرَادُ مِنْهُ جِنْسُ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ، وَلَمَّا كَانَ فِي اخْتِلَافِ هَذِهِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مَصَالِحُ لِلْخَلْقِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قَالَ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) ؟ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْ أَرْسَلَهُمَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ ) قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : أَيْ : مَنَعَهُمَا أَنْ يَلْتَقِيَا ، بِمَا جَعَلَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَرْزَخِ الْحَاجِزِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ ) الْمِلْحُ وَالْحُلْوُ ، فَالْحُلْوُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ بَيْنَ النَّاسِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ " الْفُرْقَانِ " عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 53 ] . وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْرَيْنِ : بَحْرَ السَّمَاءِ وَبَحْرَ الْأَرْضِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطِيَّةَ وَابْنِ أَبْزَى . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : لِأَنَّ اللُّؤْلُؤَ يَتَوَلَّدُ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ ، وَأَصْدَافِ بَحْرِ الْأَرْضِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ هَكَذَا ، لَيْسَ الْمُرَادُ [ بِذَلِكَ ] مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُسَاعِدُهُ اللَّفْظُ ; فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ : ( ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ ) أَيْ : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ، وَهُوَ الْحَاجِزُ مِنَ الْأَرْضِ ، لِئَلَّا يَبْغِيَ هَذَا عَلَى هَذَا ، وَهَذَا عَلَى هَذَا ، فَيُفْسِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، وَيُزِيلُهُ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ مِنْهُ . وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُسَمَّى بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ) أَيْ : مِنْ مَجْمُوعِهِمَا ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا كَفَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 130 ] وَالرُّسُلُ إِنَّمَا كَانُوا فِي الْإِنْسِ خَاصَّةً دُونَ الْجِنِّ ، وَقَدْ صَحَّ هَذَا الْإِطْلَاقُ . وَاللُّؤْلُؤُ مَعْرُوفٌ ، وَأَمَّا الْمَرْجَانُ فَقِيلَ : هُوَ صِغَارُ اللُّؤْلُؤِ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَأَبُو رَزِينٍ ، وَالضَّحَّاكُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ . وَقِيلَ : كِبَارُهُ وَجَيِّدُهُ . حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَحَكَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا ، وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ . وَقِيلَ : هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ أَحْمَرُ اللَّوْنِ . قَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : الْمَرْجَانُ : الْخَرَزُ الْأَحْمَرُ . قَالَ السُّدِّيُّ وَهُوَ الْبُسَّذُ بِالْفَارِسِيَّةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ ) [ فَاطِرٍ : 12 ] ، فَاللَّحْمُ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْأُجَاجِ وَالْعَذْبِ ، وَالْحَلِيَّةُ ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الْمِلْحِ دُونَ الْعَذْبِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا سَقَطَتْ قَطُّ قَطْرَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِي الْبَحْرِ ، فَوَقَعَتْ فِي صَدَفَةٍ إِلَّا صَارَ مِنْهَا لُؤْلُؤَةٌ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَزَادَ : فَإِذَا لَمْ تَقَعْ فِي صَدَفَةٍ نَبَتَتْ بِهَا عَنْبَرَةٌ . وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ ، فَتَحَتِ الْأَصْدَافُ فِي الْبَحْرِ أَفْوَاهَهَا ، فَمَا وَقَعَ فِيهَا - يَعْنِي : مِنْ قَطْرٍ - فَهُوَ اللُّؤْلُؤُ . إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَلَمَّا كَانَ اتِّخَاذُ هَذِهِ الْحِلْيَةِ نِعْمَةً عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، امْتَنَّ بِهَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( وَلَهُ الْجَوَارِ ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ ) يَعْنِي : السُّفُنَ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : مَا رَفَعَ قَلْعَهُ مِنَ السُّفُنِ فَهِيَ مُنْشَأَةٌ ، وَمَا لَمْ يَرْفَعْ قَلْعَهُ فَلَيْسَ بِمُنْشَأَةٍ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : ( الْمُنْشَآتُ ) يَعْنِي الْمَخْلُوقَاتِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُنْشِآتُ - بِكَسْرِ الشِّينِ - يَعْنِي الْبَادِئَاتِ . ( كَالْأَعْلَامِ ) أَيْ : كَالْجِبَالِ فِي كِبَرِهَا ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَتَاجِرِ وَالْمَكَاسِبِ الْمَنْقُولَةِ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ ، مِمَّا فِيهِ مِنْ صَلَاحٍ لِلنَّاسِ فِي جَلْبِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْبَضَائِعِ ; وَلِهَذَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا الْعَرَّارُ بْنُ سُوَيْدٍ ، عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ إِذْ أَقْبَلَتْ سَفِينَةٌ مَرْفُوعٌ شِرَاعُهَا ، فَبَسَطَ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ ) . وَالَّذِي أَنْشَأَهَا تَجْرِي فِي [ بَحْرٍ مِنْ ] بِحَوَرِهِ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ ، وَلَا مَالَأْتُ عَلَى قَتْلِهِ .

26-30

( ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( 26 ) ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ( 27 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 28 ) ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ( 29 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 30 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ سَيَذْهَبُونَ وَيَمُوتُونَ أَجْمَعُونَ ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ سِوَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ ; فَإِنَّ الرَّبَّ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ - لَا يَمُوتُ ، بَلْ هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا . قَالَ قَتَادَةُ : أَنْبَأَ بِمَا خَلَقَ ، ثُمَّ أَنْبَأَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ . وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ : يَا حَيُّ ، يَا قَيُّومُ ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، بِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ ، أَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إِذَا قَرَأْتَ ( ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ) ، فَلَا تَسْكُتْ حَتَّى تَقْرَأَ : ( ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ) . وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ) [ الْقِصَصِ : 88 ] ، وَقَدْ نَعَتَ تَعَالَى وَجْهَهُ الْكَرِيمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ ( ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ) أَيْ : هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فَلَا يُعْصَى ، وَأَنْ يُطَاعَ فَلَا يُخَالَفُ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ) [ الْكَهْفِ : 28 ] ، وَكَقَوْلِهِ إِخْبَارًا عَنِ الْمُتَصَدِّقِينَ : ( ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ ) [ الْإِنْسَانِ : 9 ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ) ذُو الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ . وَلَمَّا أَخْبَرَ عَنْ تَسَاوِي أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ فِي الْوَفَاةِ ، وَأَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ ، فَيَحْكُمُ فِيهِمْ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ قَالَ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ) وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ غِنَاهُ عَمَّا سِوَاهُ وَافْتِقَارِ الْخَلَائِقِ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْآنَاتِ ، وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ بِلِسَانِ حَالِهِمْ وَقَالِهِمْ ، وَأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ : ( ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ) ، قَالَ : مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُجِيبَ دَاعِيًا ، أَوْ يُعْطِيَ سَائِلًا أَوْ يَفُكَّ عَانِيًا ، أَوْ يَشْفِيَ سَقِيمًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ يُجِيبُ دَاعِيًا ، وَيَكْشِفُ كَرْبًا ، وَيُجِيبُ مُضْطَرًّا وَيَغْفِرُ ذَنْبًا . وَقَالَ قَتَادَةُ : لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يُحْيِي حَيًّا ، وَيُمِيتُ مَيِّتًا ، وَيُرَبِّي صَغِيرًا ، وَيَفُكُّ أَسِيرًا ، وَهُوَ مُنْتَهَى حَاجَاتِ الصَّالِحِينَ وَصَرِيخُهُمْ ، وَمُنْتَهَى شَكْوَاهُمْ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ جَبَلَةَ - هُوَ الْفَزَارِيُّ - قَالَ : إِنَّ رَبَّكُمْ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ، فَيُعْتِقُ رِقَابًا ، وَيُعْطِي رِغَابًا ، وَيُقْحِمُ عِقَابًا . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْغُزِّيُّ ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ السَّكْسَكِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدَةَ بْنِ رَبَاحٍ الْغَسَّانِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُنِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيبٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ :

تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ) ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا ذَاكَ الشَّأْنُ ؟ قَالَ : " أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا ، وَيَرْفَعَ قَوْمًا ، وَيَضَعَ آخَرِينَ " . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا الْوَزِيرُ بْنُ صَبِيحٍ الثَّقَفِيُّ أَبُو رَوْحٍ الدِّمَشْقِيُّ - وَالسِّيَاقُ لِهِشَامٍ - قَالَ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ) قَالَ : " مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا ، وَيَرْفَعَ قَوْمًا ، وَيَضَعَ آخَرِينَ " . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، بِهِ . ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هَمَّامٍ الْوَلِيدِ بْنِ شُجَاعٍ ، عَنِ الْوَزِيرِ بْنِ صَبِيحٍ قَالَ : وَدَلَّنَا عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ . قَالَ : وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . يَعْنِي إِسْنَادَهُ الْأَوَّلَ . قُلْتُ : وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا ، كَمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ، فَجَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ) ، قَالَ : " يَغْفِرُ ذَنْبًا ، وَيَكْشِفُ كَرْبًا " . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ ، قَلَمُهُ نُورٌ ، وَكِتَابُهُ نُورٌ ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً ، يَخْلُقُ فِي كُلِّ نَظْرَةٍ ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .

31-36

( ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ( 31 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 32 ) ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ( 33 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 34 ) ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ ( 35 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 36 ) ) . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ ) ، قَالَ : وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ ، وَلَيْسَ بِاللَّهِ شُغْلٌ وَهُوَ فَارِغٌ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ : هَذَا وَعِيدٌ . وَقَالَ قَتَادَةُ : قَدْ دَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغٌ لِخَلْقِهِ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : ( ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ) أَيْ : سَنَقْضِي لَكُمْ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : سَنُحَاسِبُكُمْ ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، يُقَالُ لِأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ " وَمَا بِهِ شُغْلٌ ، يَقُولُ : " لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتِكَ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ ) الثَّقَلَانِ : الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ : " يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ " وَفِي رِوَايَةٍ : " إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ " . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ : " الثَّقَلَانِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ " ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ) أَيْ : لَا تَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُمْ ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ حُكْمِهِ ، وَلَا النُّفُوذِ عَنْ حُكْمِهِ فِيكُمْ ، أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ أُحِيطَ بِكُمْ ، وَهَذَا فِي مَقَامِ الْمَحْشَرِ ، الْمَلَائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالْخَلَائِقِ ، سَبْعَ صُفُوفٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الذَّهَابِ ( ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ) أَيْ : إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ ، ( ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ ) [ الْقِيَامَةِ : 10 - 12 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ) [ يُونُسَ : 27 ] ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ ) . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الشُّوَاظُ : هُوَ لَهَبُ النَّارِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الشُّوَاظُ : الدُّخَانُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ : اللَّهِيبُ الْأَخْضَرُ الْمُنْقَطِعُ . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ الشُّوَاظُ هُوَ اللَّهِيبُ الَّذِي فَوْقَ النَّارِ وَدُونَ الدُّخَانِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ ) سَيْلٌ مِنْ نَارٍ . وَقَوْلُهُ : ( وَنُحَاسٌ ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَنُحَاسٌ ) دُخَّانُ النَّارِ . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي سِنَانٍ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الدُّخَّانَ نُحَاسًا - بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا - وَالْقُرَّاءُ مُجْمِعَةٌ عَلَى الضَّمِّ ، وَمِنَ النُّحَاسِ بِمَعْنَى الدُّخَانِ قَوْلُ نَابِغَةَ جَعْدَةَ : يُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِي ※ طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسًا ※

يَعْنِي : دُخَانًا ، هَكَذَا قَالَ . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ; أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الشُّوَاظِ فَقَالَ : هُوَ اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ مَعَهُ . فَسَأَلَهُ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ ، فَأَنْشَدَهُ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي حَسَّانَ :

أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عَنِّي ※ مُغَلْغَلَةً تَدِبُّ إِلَى عُكَاظِ ※ أَلَيْسَ أَبُوكَ فِينَا كَانَ قَيْنًا ※ لَدَى الْقَيْنَاتِ فَسْلًا فِي الْحَفَاظِ ※ يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيرًا ※ وَيَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ ※

قَالَ : صَدَقْتَ ، فَمَا النُّحَاسُ ؟ قَالَ : هُوَ الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ لَهُ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَمَا سَمِعْتَ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ يَقُولُ

يُضِيءُ كَضَوْءِ سَرِاجِ السَّلِيطِ ※ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا ※

وَقَالَ مُجَاهِدٌ : النُّحَاسُ : الصُّفَّرُ ، يُذَابُ فَيُصَبُّ عَلَى رءُوسِهِمْ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( وَنُحَاسٌ ) سَيْلٌ مِنْ نُحَاسٍ . وَالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ قَوْلٍ : لَوْ ذَهَبْتُمْ هَارِبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَدَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالزَّبَانِيَةُ بِإِرْسَالِ اللَّهَبِ مِنَ النَّارِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ عَلَيْكُمْ لِتَرْجِعُوا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ )

37-45

(﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾( 37 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 38 ) ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ ( 39 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 40 ) ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ ( 41 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 42 ) ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ ( 43 ) ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ( 44 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 45 ) ) . يَقُولُ [ تَعَالَى ] : ( ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 16 ] ، وَقَوْلِهِ : ( ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 25 ] ، وَقَوْلِهِ : ( ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ ) [ الِانْشِقَاقِ : 1 ، 2 ] . وَقَوْلِهِ : ( ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ) أَيْ : تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدُّرْدِيُّ وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا ، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "

يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِشُّ عَلَيْهِمْ " . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الطَّشُّ : الْمَطَرُ الضَّعِيفُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ) ، قَالَ : هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ . وَقَالَ أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ) : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : تَغَيَّرَ لَوْنُهَا . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : كَالْبِرْذَوْنِ الْوَرِدِ ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ : أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : تَكُونُ أَلْوَانًا . وَقَالَ السُّدِّيُّ . تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿كَالدِّهَانِ﴾ ) : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : كَلَوْنِ دُهْنِ الْوَرْدِ فِي الصُّفْرَةِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذِي أَلْوَانٍ . وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ : فِي صَفَاءِ الدُّهْنِ . وَقَالَ [ أَبُو صَالِحٍ ] ابْنُ جُرَيْجٍ : تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ ، وَذَلِكَ حِينَ يُصِيبُهَا حَرُّ جَهَنَّمَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ ) ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ : ( ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ) [ الْمُرْسَلَاتِ : 35 ، 36 ] ، فَهَذَا فِي حَالٍ ، وَثَمَّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ) [ الْحِجْرِ : 92 ، 93 ] ; وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ ) ، قَالَ : قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا يَسْأَلُهُمْ : هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَلَكِنْ يَقُولُ : لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ ، يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ . وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ . وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا وَيُلْقَوْنَ فِيهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ ) أَيْ : بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ : يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ . قُلْتُ : وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ) أَيْ : تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ . وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ ، وَيُفْتَلُ ظَهْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ - يَعْنِي جَدَّهُ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ ، فَقُلْتُ : حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : " نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً ، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي ؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي - أَوْ قَالَ : يُوحَى - وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ " فَقَالَتْ : وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ ؟ قَالَ : " يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ شَفْرَةِ السَّيْفِ ، وَيَسْتَحِرُّ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْجَمْرَةِ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ ، فَيَهْوِي فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا " . قُلْتُ : مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ ؟ قَالَتْ : ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [ جِدًّا ] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا ، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ) أَيْ : هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا ، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ) أَيْ : تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ) [ غَافِرٍ : 71 ، 72 ] . وَقَوْلُهُ : ( آنٍ ) أَيْ : حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) قَدِ انْتَهَى غَلْيُهُ ، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ . وَقَالَ قَتَادَةُ : قَدْ أَنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ : يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فَيُحَرَّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ ، حَتَّى يَذُوبَ اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ . وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ) . وَالْحَمِيمُ الْآنِي : يَعْنِي الْحَارَّ . وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى : ( ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ ) أَيْ : حَاضِرٌ . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا ، وَالْحَاضِرُ لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ) [ الْغَاشِيَةِ : 5 ] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ . وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ ) [ الْأَحْزَابِ : 53 ] يَعْنِي : اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ . فَقَوْلُهُ : ( ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ ) أَيْ : حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا . وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) .

46-53

( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ( 46 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 47 ) ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ( 48 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 49 ) ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ ( 50 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 51 ) ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ ( 52 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 53 ) ) . قَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) : نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ : أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ ، لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ ، قَالَ : تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا ، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ ، يَقُولُ تَعَالَى : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ( ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ) [ النَّازِعَاتِ : 40 ] ، وَلَمْ يَطْغَ ، وَلَا آثَرَ الدُّنْيَا ، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ ، وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "

جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ " . وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، بِهِ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِيهِ - قَالَ حَمَّادٌ : وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) ، وَفِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ) [ قَالَ ] : جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ ، وَجَنَّتَانِ مِنْ وَرِقٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ يَوْمًا هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) ، فَقُلْتُ : وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ ؟ فَقَالَ : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) ، فَقُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ فَقَالَ : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) . فَقُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : " وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ " . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ ، بِهِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مُؤَمَّلِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ مُوسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، بِهِ . وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لَمْ يَزْنِ وَلَمْ يَسْرِقْ . وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، فَهِيَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا ; وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ : ( ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ) أَيْ : أَغْصَانٍ نَضِرَةٍ حَسَنَةٍ ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ ، ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . هَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ : إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشَّجَرِ يَمَسُّ بَعْضُهَا بَعْضًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ : ( ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ) ، يَقُولُ : ظِلُّ الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشَّاعِرِ حَيْثُ يَقُولُ :

مَا هَاجَ شَوْقُكَ مِنْ هَدِيلِ حَمَامَةٍ ※ تَدْعُو عَلَى فَنَنِ الْغُصُونِ حَمَامًا ※ تَدْعُو أَبَا فَرْخَيْنِ صَادَفَ طَاوِيًا ※ ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطَامَا ※

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالْكَلْبِيِّ : أَنَّهُ الْغُصْنُ الْمُسْتَقِيمُ [ طِوَالًا ] . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ) : ذَوَاتَا أَلْوَانٍ . قَالَ : وَ [ قَدْ ] رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَخُصَيْفٍ ، وَالنَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، وَأَبِي سِنَانٍ مِثْلُ ذَلِكَ . وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِيهِمَا فُنُونًا مِنَ الْمَلَاذِّ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَالَ عَطَاءٌ : كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ) : وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ) يُنْبِئُ بِسِعَتِهَا وَفَضْلِهَا وَمَزِيَّتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ :

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى - فَقَالَ : " يَسِيرُ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ - أَوْ قَالَ : يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ - فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلَالُ " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، بِهِ . ( ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ ) أَيْ : تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ ، ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا : " تَسْنِيمٌ " ، وَالْأُخْرَى " السَّلْسَبِيلُ " . وَقَالَ عَطِيَّةُ : إِحْدَاهُمَا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ . وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا : ( ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ ) أَيْ : مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ مِمَّا يَعْلَمُونَ وَخَيْرٍ مِمَّا يَعْلَمُونَ ، وَمِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ ، يَعْنِي : أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَوْنًا عَظِيمًا ، وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ .

54-61

( ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ( 54 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 55 ) ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ( 56 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 57 ) ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ( 58 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 59 ) ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ ( 60 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 61 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى : ( مُتَّكِئِينَ ) يَعْنِي أَهْلَ الْجَنَّةِ . وَالْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ هَاهُنَا : الِاضْطِجَاعُ . وَيُقَالُ : الْجُلُوسُ عَلَى صِفَةِ التَّرَبُّعِ . ( ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ ) وَهُوَ : مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ . قَالَهُ عِكْرِمَةُ ، وَالضَّحَّاكُ وقَتَادَةُ . وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ : هُوَ الدِّيبَاجُ الْمُغَرَّى بِالذَّهَبِ . فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ . وَهَذَا مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمُ الظَّوَاهِرَ ؟ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ، وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - أَوْ شَرِيكٌ - : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ . وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ، وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ . وَقَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ : ذَكَرَ اللَّهُ الْبَطَائِنَ وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّوَاهِرَ ، وَعَلَى الظَّوَاهِرِ الْمَحَابِسُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْمَحَابِسِ إِلَّا اللَّهُ . ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . ( ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ) أَيْ : ثَمَرُهَا قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ ، مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا ، كَمَا قَالَ : ( ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 23 ] ، وَقَالَ : ( ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ) [ الْإِنْسَانِ : 14 ] أَيْ : لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا ، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا ، ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : ( فِيهِنَّ ) أَيْ : فِي الْفُرُشِ ( ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ) أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ ، فَلَا يَرَيْنَ شَيْئًا أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا : وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْكَ ، وَلَا فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ . ( ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ) أَيْ : بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ . وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الْجَنَّةَ . قَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ : سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ : هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَيَنْكِحُونَ ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ ، وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ . وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ : ( ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ) ، قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، [ وَالسُّدِّيُّ ] ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ : فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ هَاهُنَا اللُّؤْلُؤَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "

إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الْحَرِيرِ ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ) ، فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ وَأَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، بِهِ . وَرَوَاهُ مَوْقُوفًا ، ثُمَّ قَالَ : وَهُوَ أَصَحُّ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً ، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ" .

تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَكَّرُوا ، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَوَلَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

"إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَأِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَأَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ - أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ - يَعْنِي سَوْطَهُ - مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْنِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِإِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا ، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا ، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) أَيْ : مَا لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ إِلَّا الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ) [ يُونُسَ : 26 ] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشَّرِيحِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ فَنْجُوَيْهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَهْرَامَ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الْمُكْتَبُ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ ) ، قَالَ : " هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " يَقُولُ هَلْ جَزَاءُ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ " . وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) ، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الرَّهَاوِيِّ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ فَيْرُوزَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ خَافَ أَدْلَجَ ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ " . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ . وَرَوَى الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ - مَوْلَى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ; أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) . فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ [ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ] ( ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ) . فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : " وَإِنْ ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ " .

62-78

(﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾( 62 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 63 ) ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ( 64 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 65 ) ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ ( 66 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 67 ) ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ( 68 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 69 ) ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ( 70 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 71 ) ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ ( 72 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 73 ) ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ( 74 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 75 ) ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ ( 76 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ( 77 ) ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ( 78 ) ) . هَاتَانِ الْجَنَّتَانِ دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فِي الْمَرْتَبَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَنْزِلَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ : "

جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، فَالْأُولَيَانِ لِلْمُقَرَّبِينَ ، وَالْأُخْرَيَانِ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ " . وَقَالَ أَبُو مُوسَى : جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ) مِنْ دُونِهِمَا فِي الدَّرَجِ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : مِنْ دُونِهِمَا فِي الْفَضْلِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى شَرَفِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى الْأُخْرَيَيْنِ وُجُوهٌ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ نَعَتَ الْأُولَيَيْنِ قَبْلَ هَاتَيْنِ ، وَالتَّقْدِيمُ يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ) . وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي شَرَفِ التَّقَدُّمِ وَعُلُوِّهِ عَلَى الثَّانِي . وَقَالَ هُنَاكَ : ( ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ) : وَهِيَ الْأَغْصَانُ أَوِ الْفُنُونُ فِي الْمَلَاذِّ ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ) أَيْ سَوْدَاوَانِ مِنْ شِدَّةِ الرِّيِّ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ) قَدِ اسْوَدَّتَا مِنَ الْخُضْرَةِ ، مِنْ شِدَّةِ الرِّيِّ مِنَ الْمَاءِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ) : قَالَ : خَضْرَاوَانِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ - وَعَطَاءٍ ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ رَافِعٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، نَحْوُ ذَلِكَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : ( ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ) : مُمْتَلِئَتَانِ مِنَ الْخُضْرَةِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : خَضْرَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ نَاعِمَتَانِ . وَلَا شَكَّ فِي نَضَارَةِ الْأَغْصَانِ عَلَى الْأَشْجَارِ الْمُشَبَّكَةِ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ . وَقَالَ هُنَاكَ : ( ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ ) ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ ) ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَيْ فَيَّاضَتَانِ . وَالْجَرْيُ أَقْوَى مِنَ النَّضْخِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ ) أَيْ مُمْتَلِئَتَانِ لَا تَنْقَطِعَانِ . وَقَالَ هُنَاكَ : ( ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ ) ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ) ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُولَى أَعَمُّ وَأَكْثَرُ فِي الْأَفْرَادِ وَالتَّنْوِيعِ عَلَى فَاكِهَةٍ ، وَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ لَا تَعُمُّ ; وَلِهَذَا فُسِّرَ قَوْلُهُ : ( ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ) مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ، كَمَا قَرَّرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا . قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا مُخَارِقٌ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : جَاءَ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، أَفِي الْجَنَّةِ فَاكِهَةٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ " . قَالُوا : أَفَيَأْكَلُونَ كَمَا يَأْكُلُونَ فِي الدُّنْيَا ؟ قَالَ : " نَعَمْ وَأَضْعَافٌ " . قَالُوا : فَيَقْضُونَ الْحَوَائِجَ ؟ قَالَ : " لَا وَلَكِنَّهُمْ يَعْرَقُونَ وَيَرْشَحُونَ ، فَيُذْهِبُ اللَّهُ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ أَذًى " . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :نَخْلُ الْجَنَّةِ سَعَفُهَا كُسْوَةٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، مِنْهَا مُقَطَّعَاتُهُمْ ، وَمِنْهَا حُلَلُهُمْ ، وَكَرَبُهَا ذَهَبٌ أَحْمَرُ، وَجُذُوعُهَا زُمُرُّدٌ أَخْضَرُ ، وَثَمَرُهَا أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ ، وَلَيْسَ لَهُ عَجَمٌ . وَحَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ أَبِي هَارُونَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " نَظَرْتُ إِلَى الْجَنَّةِ فَإِذَا الرُّمَّانَةُ مِنْ رُمَّانِهَا كَمِثْلِ الْبَعِيرِ الْمُقَتَّبِ " . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ) قِيلَ : الْمُرَادُ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقِيلَ : خَيْرَاتٌ جَمْعُ خَيِّرَةٍ ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ الْحَسَنَةُ الْخُلُقِ الْحَسَنَةُ الْوَجْهِ ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ . وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي سَنُورِدُهُ فِي سُورَةِ " الْوَاقِعَةِ " : أَنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ : نَحْنُ الْخَيْرَاتُ الْحِسَانُ ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ . وَلِهَذَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ : " فِيهِنَّ خَيِّرَاتٌ " ، بِالتَّشْدِيدِ ( ﴿حِسَانٌ﴾ ﴿فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ ) ، وَهُنَاكَ قَالَ : ( ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ) ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّتِي قَدْ قَصَرَتْ طَرْفَهَا بِنَفْسِهَا أَفْضَلُ مِمَّنْ قُصِّرَتْ ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ مُخَدَّرَاتٍ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :إِنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ خَيِّرَةً ، وَلِكُلِّ خَيِّرَةٍ خَيْمَةٌ ، وَلِكُلِّ خَيْمَةٍ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ ، يَدْخُلُ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ تُحْفَةٌ وَكَرَامَةٌ وَهَدِيَّةٌ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، لَا مَرَّاحَاتٍ وَلَا طَمَّاحَاتٍ ، وَلَا بَخِرَاتٍ وَلَا ذَفِرَاتٍ ، حُورٌ عِينٌ ، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ ) ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ " . وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عِمْرَانَ ، بِهِ . وَقَالَ : " ثَلَاثُونَ مِيلًا " . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عِمْرَانَ ، بِهِ . وَلَفْظُهُ : " إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلٌ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ ، فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا " . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَخْبَرَنِي خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : الْخَيْمَةُ لُؤْلُؤَةٌ وَاحِدَةٌ ، فِيهَا سَبْعُونَ بَابًا مِنْ دُرٍّ . وَحَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ ) ، وَقَالَ : [ فِي ] خِيَامِ اللُّؤْلُؤِ ، وَفِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ ، أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ فِي أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ ، عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ مِصْرَاعٍ مِنَ الذَّهَبِ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةًالَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً ، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ ، كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ وَصَنْعَاءَ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ) : [ قَدْ ] تَقَدَّمَ مِثْلُهُ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي وَصْفِ الْأَوَائِلِ بِقَوْلِهِ : ( ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ ) : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الرَّفْرَفُ : الْمَحَابِسُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمَا : هِيَ الْمَحَابِسُ . وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ بَدْرٍ الرَّفْرَفُ عَلَى السَّرِيرِ كَهَيْئَةِ الْمَحَابِسِ الْمُتَدَلِّي . وَقَالَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ : ( ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ ) يَعْنِي : الْوَسَائِدَ . وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ ) قَالَ : الرَّفْرَفُ : رِيَاضُ الْجَنَّةِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ ) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ : الْعَبْقَرِيُّ : الزَّرَابِيُّ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : هِيَ عِتَاقُ الزَّرَابِيِّ ، يَعْنِي جِيَادَهَا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْعَبْقَرِيُّ : الدِّيبَاجُ . وَسُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ قَوْلِهِ : ( ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ ) فَقَالَ : هِيَ بُسُطُ أَهْلِ الْجَنَّةِ - لَا أَبَا لَكُمْ - فَاطْلُبُوهَا . وَعَنِ الْحَسَنِ [ الْبَصْرِيِّ ] رِوَايَةٌ : أَنَّهَا الْمَرَافِقُ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : الْعَبْقَرِيُّ : أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ وَأَخْضَرُ . وَسُئِلَ الْعَلَاءُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْعَبْقَرِيِّ ، فَقَالَ : الْبُسُطُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو حَزْرَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ : الْعَبْقَرِيُّ : مِنْ**ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ،**لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : الْعَبْقَرِيُّ : الطَّنَافِسُ الْمُخَمَّلَةُ ، إِلَى الرِّقَّةِ مَا هِيَ . وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ : كُلُّ ثَوْبٍ مُوَشًّى عِنْدَ الْعَرَبِ عَبْقَرِيٌّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَرْضٍ يُعْمَلُ بِهَا الْوَشْيُ . وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : كُلُّ شَيْءٍ يَسُرُّ مِنَ الرِّجَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يُسَمَّى عِنْدَ الْعَرَبِ عَبْقَرِيًّا . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمَرَ : " فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ " . وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَصِفَةُ مَرَافِقِ أَهْلِ الْجَنَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ أَرْفَعُ وَأَعْلَى مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ ; فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ هُنَاكَ : ( ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ ) ، فَنَعَتَ بَطَائِنَ فُرُشِهِمْ وَسَكَتَ عَنْ ظَهَائِرِهَا ، اكْتِفَاءً بِمَا مَدَحَ بِهِ الْبَطَائِنَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى . وَتَمَامُ الْخَاتِمَةِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ : ( ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ ) فَوَصَفَ أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَالنِّهَايَاتِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ لَمَّا سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ الْإِيمَانِ . فَهَذِهِ وُجُوهٌ عَدِيدَةٌ فِي تَفْضِيلِ الْجَنَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى هَاتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْوَهَّابَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الْأُولَيَيْنِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ) أَيْ : هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فَلَا يُعْصَى ، وَأَنْ يُكْرَمَ فَيُعْبَدَ ، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ) ذِي الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ ، عَنْ أَبِي الْعَذْرَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَجِدُّوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَكُمْ " . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ ، وَذِي السُّلْطَانِ ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ " . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ الْجِيزِيُّ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ ، عَنْ مُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ : غَلَطَ الْمُؤَمَّلُ فِيهِ ، وَهُوَ غَرِيبٌ وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ، وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ الْمَقْدِسِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " أَلِظُّوا بِذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، بِهِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : أَلَظَّ فُلَانٌ بِفُلَانٍ : إِذَا لَزِمَهُ . وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : " أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " أَيِ : الْزَمُوا . وَيُقَالُ : الْإِلْظَاظُ هُوَ الْإِلْحَاحُ . قُلْتُ : وَكِلَاهُمَا قَرِيبٌ مِنَ الْآخَرِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَهُوَ الْمُدَاوَمَةُ وَاللُّزُومُ وَالْإِلْحَاحُ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -إِذَا سَلَّمَ لَا يَقْعُدُ - يَعْنِي : بَعْدَ الصَّلَاةِ - إِلَّا قَدْرَ مَا يَقُولُ : " اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [ وَالْمِنَّةُ ] .