مكتبة الإسلام الشاملة

53 - تفسير سورة النجم

1-4

تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّجْمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :

أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ : ( ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ) ، قَالَ : فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ ، إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا ، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، بِهِ . وَقَوْلُهُ فِي الْمُمْتَنِعِ : إِنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُشْكِلٌ ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ( 1 ) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ( 2 ) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ( 3 ) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ( 4 ) ) . قَالَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ :الْخَالِقُ يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ ، وَالْمَخْلُوقُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقْسِمَ إِلَّا بِالْخَالِقِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ) فَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَعْنِي بِالنَّجْمِ : الثُّرَيَّا إِذَا سَقَطَتْ مَعَ الْفَجْرِ . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَزَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهَا الزُّهْرَةُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ) إِذَا رُمِيَ بِهِ الشَّيَاطِينُ . وَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ اتِّجَاهٌ . وَرَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ) يَعْنِي : الْقُرْآنُ إِذَا نَزَلَ . وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) [ الْوَاقِعَةِ : 75 - 80 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ) هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ ، وَهُوَالشَّهَادَةُ لِلرَّسُولِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّلَيْسَ بِضَالٍّ ، وَهُوَ الْجَاهِلُ الَّذِي يَسْلُكُ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَالْغَاوِي : هُوَ الْعَالِمُ بِالْحَقِّ الْعَادِلُ عَنْهُ قَصْدًا إِلَى غَيْرِهِ ، فَنَزَّهَ اللَّهُ [ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ] رَسُولَهُ وَشَرْعَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ أَهْلِ الضَّلَالِ كَالنَّصَارَى وَطَرَائِقِ الْيَهُودِ ، وَعَنْ عِلْمِ الشَّيْءِ وَكِتْمَانِهِ وَالْعَمَلِ بِخِلَافِهِ ، بَلْ هُوَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، وَمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ الْعَظِيمِ فِي غَايَةِ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْتِدَالِ وَالسَّدَادِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ) أَيْ : مَا يَقُولُ قَوْلًا عَنْ هَوًى وَغَرَضٍ ، ( ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا يَقُولُ مَا أُمِرَ بِهِ ، يُبَلِّغُهُ إِلَى النَّاسِ كَامِلًا مُوَفَّرًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ; أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مِثْلُ الْحَيَّيْنِ - أَوْ : مِثْلُ أَحَدِ الْحَيَّيْنِ - : رَبِيعَةَ وَمُضَرَ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَمَا رَبِيعَةُ مِنْ مُضَرَ ؟ قَالَ : " إِنَّمَا أَقُولُ مَا أَقُولُ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيدُ حِفْظَهُ ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ فَقَالُوا : إِنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشَرٌ ، يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ . فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " اكْتُبْ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا حَقٌّ " .

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّدٍ وَأَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، بِهِ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "

مَا أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ الَّذِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَهُوَ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ " . ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا " . قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : فَإِنَّكَ تُدَاعِبُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا " .

5-18

( ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ( 5 ) ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ ( 6 ) ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ ( 7 ) ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ ( 8 ) ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ( 9 ) ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ( 10 ) ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ( 11 ) ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ( 12 ) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ( 13 ) ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ( 14 ) ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ ( 15 ) ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ( 16 ) ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ( 17 ) ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ( 18 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ عَلَّمَهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى النَّاسِ ( ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ) ، وَهُوَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ) [ التَّكْوِيرِ : 19 - 21 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ ) أَيْ : ذُو قُوَّةٍ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ذُو خَلْقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ . وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ; فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ ، وَقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "

لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَاسْتَوَى﴾ ) يَعْنِي جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . ( ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ ) يَعْنِي جِبْرِيلَ ، اسْتَوَى فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى . قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ . قَالَ عِكْرِمَةُ : وَالْأُفُقُ الْأَعْلَى : الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ الصُّبْحُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هُوَ الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ النَّهَارُ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْيَامِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ الْوَلِيدِ - هُوَ ابْنُ قَيْسٍ - عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْكَهْتَلَةِ أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّرَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ، أَمَّا وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ فَسَدَّ الْأُفُقَ . وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ حَيْثُ صَعِدَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ ) . وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا قَوْلًا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَا حَكَاهُ هُوَ عَنْ أَحَدٍ وَحَاصِلُهُ : أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى : ( ﴿فَاسْتَوَى﴾ ) أَيْ : هَذَا الشَّدِيدُ الْقُوَى ذُو الْمِرَّةِ هُوَ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ ( ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ ) أَيِ : اسْتَوَيَا جَمِيعًا بِالْأُفُقِ ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَذَا قَالَ ، وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ . ثُمَّ شَرَعَ يُوَجِّهُ مَا قَالَ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ ، فَقَالَ : وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ ) [ النَّمْلِ : 67 ] ، فَعَطَفَ بِالْآبَاءِ عَلَى الْمُكَنَّى فِي ) كُنَّا ) مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ " نَحْنُ " ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ﴿فَاسْتَوَى وَهُوَ﴾ ) قَالَ : وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ أَنْشَدَهُ :

أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ※ وَلَا يَسْتَوِي وَالْخَرْوَعُ الْمُتَقَصِّفُ ※

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ مُتَّجِهٌ ، وَلَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ لَمْ تَكُنْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، بَلْ قَبْلَهَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَرْضِ ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتَدَلَّى إِلَيْهِ ، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، يَعْنِي لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الْأُولَى فِي أَوَائِلِ الْبَعْثَةِ بَعْدَ مَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ صَدْرَ سُورَةِ " اقْرَأْ " ، ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً ذَهَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا مِرَارًا لِيَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ ، فَكُلَّمَا هَمَّ بِذَلِكَ نَادَاهُ جِبْرِيلُ مِنَ الْهَوَاءِ : " يَا مُحَمَّدُ ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا ، وَأَنَا جِبْرِيلُ " . فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ ، وَتَقَرُّ عَيْنُهُ ، وَكُلَّمَا طَالَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ عَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَبْطَحِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ عِظَمُ خَلْقِهِ الْأُفُقَ ، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُ بِهِ ، فَعَرَفَ عِنْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ الْمَلَكِ الَّذِي جَاءَهُ بِالرِّسَالَةِ ، وَجَلَالَةَ قَدْرِهِ ، وَعُلُوَّ مَكَانَتِهِ عِنْدَ خَالِقِهِ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَيْهِ . فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "

بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي ، فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا كَوَكْرَيِ الطَّيْرِ ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدْتُ فِي الْآخَرِ . فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ كَأَنَّهُ حِلْسٌ لَاطٍ ، فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ عَلَيَّ . وَفُتِحَ لِي بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ ، وَإِذَا دُونَ الْحِجَابِ رَفْرَفَةُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ . وَأُوحِيَ إِلَيَّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ " . ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا يَرْوِيهِ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَكَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ . قُلْتُ : الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ هَذَا هُوَ أَبُو قُدَامَةَ الْإِيَادِيُّ ، أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ ضَعَّفَهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ هُوَ بِشَيْءٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : كُتِبَ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَثُرَ وَهْمُهُ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ . فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَرَائِبِ رِوَايَاتِهِ ، فَإِنَّ فِيهِ نَكَارَةً وَغَرَابَةَ أَلْفَاظٍ وَسِيَاقًا عَجِيبًا ، وَلَعَلَّهُ مَنَامٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ ، يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ . انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ ، فَقَالَ : ادْعُ رَبَّكَ . فَدَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ سَوَادٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، فَجَعَلَ يَرْتَفِعُ وَيَنْتَشِرُ ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُعِقَ ، فَأَتَاهُ فَنَعَشَهُ وَمَسَحَ الْبُزَاقَ عَنْ شِدْقِهِ . انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ " عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ " ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : كَانَ أَبُو لَهَبٍ وَابْنُهُ عُتْبَةُ قَدْ تَجَهَّزَا إِلَى الشَّامِ ، فَتَجَهَّزْتُ مَعَهُمَا ، فَقَالَ ابْنُهُ عُتْبَةُ : وَاللَّهِ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَأُوذِيَنَّهُ فِي رَبِّهِ سُبْحَانَهُ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هُوَ يَكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللَّهُمَّ ابْعَثْ إِلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ " . ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ، مَا قُلْتَ لَهُ ؟ فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ لَهُ ، قَالَ : فَمَا قَالَ لَكَ ؟ قَالَ : قَالَ : " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ " قَالَ : يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا آمَنُ عَلَيْكَ دُعَاءَهُ . فَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا الشُّرَاةَ ، وَهِيَ مَأْسَدَةٌ ، وَنَزَلْنَا إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ ، فَقَالَ الرَّاهِبُ : يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ ، مَا أَنْزَلَكُمْ هَذِهِ الْبِلَادَ فَإِنَّهَا تَسْرَحُ الْأُسْدُ فِيهَا كَمَا تَسْرَحُ الْغَنَمُ ؟ فَقَالَ لَنَا أَبُو لَهَبٍ : إِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ كِبَرَ سِنِّي وَحَقِّي ، وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ دَعَا عَلَى ابْنِي دَعْوَةً - وَاللَّهِ - مَا آمَنُهَا عَلَيْهِ ، فَاجْمَعُوا مَتَاعَكُمْ إِلَى هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ ، وَافْرِشُوا لِابْنِي عَلَيْهَا ، ثُمَّ افْرِشُوا حَوْلَهَا . فَفَعَلْنَا ، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَشَمَّ وُجُوهَنَا ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُ مَا يُرِيدُ تَقَبَّضَ ، فَوَثَبَ ، فَإِذَا هُوَ فَوْقَ الْمَتَاعِ ، فَشَمَّ وَجْهَهُ ثُمَّ هَزَمَهُ هَزْمَةً فَفَضَخَ رَأْسَهُ . فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَنْفَلِتُ عَنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ) أَيْ : فَاقْتَرَبَ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ لَمَّا هَبَطَ عَلَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَابُ قَوْسَيْنِ أَيْ : بِقَدْرِهِمَا إِذَا مُدَّا . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ بُعْدُ مَا بَيْنَ وَتَرِ الْقَوْسِ إِلَى كَبِدِهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي اللُّغَةِ لِإِثْبَاتِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَنَفْيِ مَا زَادَ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 74 ] ، أَيْ : مَا هِيَ بِأَلْيَنَ مِنَ الْحِجَارَةِ ، بَلْ هِيَ مِثْلُهَا أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا فِي الشِّدَّةِ وَالْقَسْوَةِ . وَكَذَا قَوْلُهُ : ( ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ) [ النِّسَاءِ : 77 ] ، وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ) [ الصَّافَّاتِ : 147 ] ، أَيْ : لَيْسُوا أَقَلَّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِائَةُ أَلْفٍ حَقِيقَةً ، أَوْ يَزِيدُونَ عَلَيْهَا . فَهَذَا تَحْقِيقٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ لَا شَكَّ وَلَا تَرَدُّدَ ، فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ هَاهُنَا ، وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ) . وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمُقْتَرِبَ الدَّانِيَ الَّذِي صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، هُوَ قَوْلُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، كَمَا سَنُورِدُ أَحَادِيثَهُمْ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : " رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ " . فَجَعَلَ هَذِهِ إِحْدَاهُمَا . وَجَاءَ فِي حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ : " ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى " وَلِهَذَا تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي مَتْنِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فِيهَا مِنَ الْغَرَابَةِ ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتٍ آخَرَ وَقِصَّةٍ أُخْرَى ، لَا أَنَّهَا تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ ; فَإِنَّ هَذِهِ كَانَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَرْضِ لَا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ : ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ) ، فَهَذِهِ هِيَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْأُولَى كَانَتْ فِي الْأَرْضِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ، حَدَّثَنَا زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ " . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ أَوَّلُ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ جِبْرِيلَ بِأَجْيَادٍ ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَصَرَخَ بِهِ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ . فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا - ثَلَاثًا - ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ فَإِذَا هُوَ ثَانٍ إِحْدَى رِجْلَيْهِ مَعَ الْأُخْرَى عَلَى أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، جِبْرِيلُ ، جِبْرِيلُ - يُسَكِّنُهُ - فَهَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلَ فِي النَّاسِ ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ النَّاسِ ، ثُمَّ نَظَرَ فَرَآهُ ، فَدَخَلَ فِي النَّاسِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَنَظَرَ فَرَآهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ]﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ ) يَعْنِي جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ ، ( ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ) : وَيَقُولُونَ : الْقَابُ نِصْفُ الْأُصْبُعِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذِرَاعَيْنِ كَانَ بَيْنَهُمَا . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ . وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ شَاهِدٌ لِهَذَا . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ زِرًّا عَنْ قَوْلِهِ : ( ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ) قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ بَزِيعٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : ( ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ) قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ عَلَيْهِ حُلَّتَا رَفْرَفٍ ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَكُونُ قَوْلُهُ : ( ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ) مَعْنَاهُ : فَأَوْحَى جِبْرِيلُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ مَا أَوْحَى . أَوْ : فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ مَا أَوْحَى بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ) ، قَالَ : أَوْحَى إِلَيْهِ : " أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا " ( ﴿، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ) [ الشَّرْحِ : 4 ] . وَقَالَ غَيْرُهُ : أَوْحَى [ اللَّهُ ] إِلَيْهِ أَنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا ، وَعَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتُكَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ) قَالَ مُسْلِمٌ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ) ، ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ) قَالَ : رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ . وَكَذَا رَوَاهُ سِمَاكٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ . وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا : إِنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ [ أَوْ مَرَّةً ] ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الرُّؤْيَةَ ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْفُؤَادِ . وَمَنْ رَوَى عَنْهُ بِالْبَصَرِ فَقَدْ أَغْرَبَ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَقَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ : وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَنَسٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ . فِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ ، عَنْ سَلْمِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ . قُلْتُ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 103 ] قَالَ : وَيْحَكَ ! ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ . ثُمَّ قَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ فَقَالَ كَعْبٌ : إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى ، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ . وَقَالَ مَسْرُوقٌ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ : هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ ؟ فَقَالَتْ : لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ قَفَّ لَهُ شَعْرِي . فَقُلْتُ : رُوَيْدًا ، ثُمَّ قَرَأْتُ : ( ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ) فَقَالَتْ : أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ ؟ إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ ، مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ أَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ ، أَوْ يَعْلَمُ الْخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ ) [ لُقْمَانَ : 34 ] ، فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ، لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَمَرَّةً فِي جِيَادٍ ، وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْحُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى ، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ؟ ! . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ : " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " رَأَيْتُ نُورًا " . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " رَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ " ثُمَّ قَرَأَ : ( ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ) .

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مِهْرَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ :

قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " لَمْ أَرَهُ بِعَيْنِي ، وَرَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ " ثُمَّ تَلَا ( ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ ) .

ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ : ( ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ) ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ : تُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ أَنَّهُ قَدْ رَآهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : قَدْ رَآهُ ، ثُمَّ قَدْ رَآهُ . قَالَ : فَسَأَلْتُ عَنْهُ الْحَسَنَ فَقَالَ : رَأَى جَلَالَهُ وَعَظَمَتَهُ وَرِدَاءَهُ . وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُجَاهِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَلَدَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ :

سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " رَأَيْتُ نَهْرًا ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَ النَّهْرِ حِجَابًا ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَ الْحِجَابِ نُورًا لَمْ أَرَ غَيْرَ " . وَذَلِكَ غَرِيبٌ جِدًّا ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ " . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَنَامِ كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَتَانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ - أَحْسَبُهُ يَعْنِي فِي النَّوْمِ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : لَا . فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ - أَوْ قَالَ : نَحْرِي - فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : نَعَمْ ، يَخْتَصِمُونَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ " . قَالَ : " وَمَا الْكَفَّارَاتُ وَالدَّرَجَاتُ ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ ، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ . وَقَالَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْخَيِّرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً أَنْ تَقْبِضَنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ " . قَالَ : " وَالدَّرَجَاتُ بَذْلُ الطَّعَامِ ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسِ نِيَامٌ " . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ سُورَةِ " ص " ، عَنْ مُعَاذٍ نَحْوُهُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ سِيَاقٌ آخَرُ وَزِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى التَّمِيمِيُّ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَيَّارٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَرْبِيٍّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ فَقُلْتُ : لَا يَا رَبِّ . فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ، فِي الدَّرَجَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ ، وَنَقْلِ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ . فَقُلْتُ : يَا رَبِّ إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ ، فَقَالَ : أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ أَلَمْ أَضَعْ عَنْكَ وِزْرَكَ ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ بِكَ ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ : " فَأَفْضَى إِلَيَّ بِأَشْيَاءَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهَا " قَالَ : " فَذَاكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ : ( ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ) ، فَجَعَلَ نُورَ بَصَرِي فِي فُؤَادِي ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِفُؤَادِي " . إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ لَمَّا خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ : اعْلَمُوا أَنِّي كَافِرٌ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى . فَبَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِهِ " . قَالَ هَبَّارٌ : فَكُنْتُ مَعَهُمْ ، فَنَزَلْنَا بِأَرْضٍ كَثِيرَةٍ الْأُسْدِ ، قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْأَسَدَ جَاءَ فَجَعَلَ يَشُمُّ رُءُوسَ الْقَوْمِ وَاحِدًا وَاحِدًا ، حَتَّى تَخَطَّى إِلَى عُتْبَةَ فَاقْتَطَعَ رَأْسَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي السِّيرَةِ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَرْضِ الزَّرْقَاءِ ، وَقِيلَ : بِالسَّرَاةِ ، وَأَنَّهُ خَافَ لَيْلَتَئِذٍ ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ وَنَامُوا مِنْ حَوْلِهِ ، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَجَعَلَ يَزْأَرُ ، ثُمَّ تَخَطَّاهُمْ إِلَيْهِ فَضَغَمَ رَأْسَهُ ، لَعَنَهُ اللَّهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ ) ، هَذِهِ هِيَالْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِالَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْإِسْرَاءِ بِطُرُقِهَا وَأَلْفَاظِهَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ " سُبْحَانَ " بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، كَانَ يُثْبِتُ الرُّؤْيَةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَيَسْتَشْهِدُ بِهَذِهِ الْآيَةِ . وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، يَنْتَثِرُ مِنْ رِيشِهِ التَّهَاوِيلُ : الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ : يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ " . إِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَيْضًا . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ قَالَ : سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ " سَأَلْتُ عَاصِمًا عَنِ الْأَجْنِحَةِ فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَنِي . قَالَ : فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْجَنَاحَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي خَضِرٍ مُعَلَّقٍ بِهِ الدُّرُّ " . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ أَيْضًا . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ قَالَ : أَتَى مَسْرُوقٌ عَائِشَةَ فَقَالَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي لِمَا قُلْتَ ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : ( ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 103 ] ، ( ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ) [ الشُّورَى : 51 ] ، وَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : ( ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ) الْآيَةَ [ لُقْمَانَ : 34 ] ، وَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ كَتَمَ ، فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : ( ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ) [ الْمَائِدَةِ : 67 ] ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ) [ التَّكْوِيرِ : 23 ] ، ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ) فَقَالَتْ : أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا ، فَقَالَ : " إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ " . لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، رَآهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ بِهِ . رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَأَلْتُهُ . قَالَ : وَمَا كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ : إِنِّي قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ : " قَدْ رَأَيْتُهُ ، نُورًا أَنَّى أَرَاهُ " . هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ بِلَفْظَيْنِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ : " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " . وَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَأَلْتُهُ . فَقَالَ : عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَدْ سَأَلْتُ فَقَالَ : " رَأَيْتُ نُورًا " . وَقَدْ حَكَى الْخَلَّالُ فِي " عِلَلِهِ " أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : مَا زِلْتُ مُنْكِرًا لَهُ ، وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : رَآهُ بِقَلْبِهِ ، وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ . وَحَاوَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَنْ يَدَّعِيَ انْقِطَاعَهُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ وَبَيْنَ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَمَّا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَتَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ لَعَلَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْإِسْرَاءِ ، فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ ، وَلَوْ سَأَلَهُ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ لَأَجَابَهُ بِالْإِثْبَاتِ . وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ، فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَدْ سَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ ، وَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا الرُّؤْيَةَ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ خَاطَبَهَا عَلَى قَدْرِ عَقْلِهَا ، أَوْ حَاوَلَ تَخْطِئَتَهَا فِيمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ - كَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ - فَإِنَّهُ هُوَ الْمُخْطِئُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ بِقَلْبِهِ ، وَلَمْ يَرَهُ بِبَصَرِهِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ) ، قَالَ : رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ) قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ) : قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ غَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ ، وَغَشِيَهَا نُورُ الرَّبِّ ، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ مَا أَدْرِي مَا هِيَ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتُهِيَ بِهِ إِلَى**سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ،**إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا ، ( ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ) قَالَ : فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ، قَالَ : وَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا : أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ أُمَّتِهِ الْمُقْحَمَاتُ . انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ - قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ انْتَهَى إِلَى السِّدْرَةِ ، فَقِيلَ لَهُ : هَذِهِ السِّدْرَةُ [ قَالَ ] : فَغَشِيَهَا نُورُ الْخَلَّاقِ ، وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلَى الشَّجَرِ ، قَالَ : فَكَلَّمَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ : سَلْ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ) قَالَ : كَانَ أَغْصَانُ السِّدْرَةِ لُؤْلُؤًا وَيَاقُوتًا وَزَبَرْجَدًا ، فَرَآهَا مُحَمَّدٌ ، وَرَأَى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ شَيْءٍ رَأَيْتَ يَغْشَى تِلْكَ السِّدْرَةَ ؟ قَالَ : " رَأَيْتُ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ، وَرَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِهَا مَلَكًا قَائِمًا يُسَبِّحُ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا ذَهَبَ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا ( ﴿وَمَا طَغَى﴾ ) مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ . وَهَذِهِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الثَّبَاتِ وَالطَّاعَةِ ، فَإِنَّهُ مَا فَعَلَ إِلَّا مَا أُمِرَ بِهِ ، وَلَا سَأَلَ فَوْقَ مَا أُعْطِيَ . وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ النَّاظِمُ :

رَأَى جَنَّةَ الْمَأْوَى وَمَا فَوْقَهَا ، وَلَوْ ※ رَأَى غَيْرُهُ مَا قَدْ رَآهُ لَتَاهَا ※

وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ) ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ) [ طه : 23 ] أَيِ : الدَّالَةُ عَلَى قُدْرَتِنَا وَعَظَمَتِنَا . وَبِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَقَعْ ; لِأَنَّهُ قَالَ : ( ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ) ، وَلَوْ كَانَ رَأَى رَبَّهُ لَأَخْبَرَ بِذَلِكَ وَلَقَالَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " سُبْحَانَ " وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْكَهْتَلَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ : أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، أَمَّا مَرَّةٌ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ فِي صُورَتِهِ ، فَأَرَاهُ صُورَتَهُ فَسَدَّ الْأُفُقَ . وَأَمَّا الْأُخْرَى فَإِنَّهُ صَعِدَ مَعَهُ حِينَ صَعِدَ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ) قَالَ : فَلَمَّا أَحَسَّ جِبْرِيلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، عَادَ فِي صُورَتِهِ وَسَجَدَ . فَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ) قَالَ : خَلْقَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَهُوَ غَرِيبٌ .

19-26

( ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ( 19 ) ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ( 20 ) ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ( 21 ) ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ( 22 ) ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ( 23 ) ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ ( 24 ) ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ ( 25 ) ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ( 26 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُقَرِّعًا لِلْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ وَالْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ ، وَاتِّخَاذِهِمْ لَهَا الْبُيُوتَ مُضَاهَاةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بَنَاهَا خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ، عَلَيْهِ [ الصَّلَاةُ وُ ] السَّلَامُ : ( ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ ) ؟ وَكَانَتِ " اللَّاتُ " صَخْرَةً بَيْضَاءَ مَنْقُوشَةً ، وَعَلَيْهَا بَيْتٌ بِالطَّائِفِ لَهُ أَسْتَارٌ وَسَدَنَةٌ ، وَحَوْلَهُ فِنَاءٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَ أَهْلِ الطَّائِفِ ، وَهُمْ ثَقِيفٌ وَمَنْ تَابَعَهَا ، يَفْتَخِرُونَ بِهَا عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بَعْدَ قُرَيْشٌ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَكَانُوا قَدِ اشْتَقُّوا اسْمَهَا مِنَ اسْمِ اللَّهِ [ تَعَالَى ] ، فَقَالُوا : اللَّاتُ ، يَعْنُونَ مُؤَنَّثَةً مِنْهُ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : أَنَّهُمْ قَرَءُوا " اللَّاتَّ " بِتَشْدِيدِ التَّاءِ ، وَفَسَّرُوهُ بِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يَلُتُّ لِلْحَجِيجِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ السَّوِيقَ ، فَلَمَّا مَاتَ عَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ - هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ - حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ) قَالَ : كَانَ اللَّاتُّ رَجُلًا يَلُتُّ السَّوِيقَ ، سَوِيقَ الْحَاجِّ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَكَذَا الْعُزَّى مِنَ الْعَزِيزِ . وَكَانَتْ شَجَرَةً عَلَيْهَا بِنَاءٌ وَأَسْتَارٌ بِنَخْلَةَ ، وَهِيَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ، كَانَتْ قُرَيْشٌ يُعَظِّمُونَهَا ، كَمَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ : لَنَا الْعُزَّى وَلَا عَزَّى لَكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "

قُولُوا : اللَّهُ مَوْلَانَا ، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ " . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ : وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ : تَعَالَ أُقَامِرْكَ ، فَلْيَتَصَدَّقْ " . وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ فِي ذَلِكَ ، كَمَا كَانَتْ أَلْسِنَتُهُمْ قَدِ اعْتَادَتْهُ فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ ، كَمَا قَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارٍ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ أَبِيهِ ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى ، فَقَالَ لِي أَصْحَابِي : بِئْسَ مَا قُلْتَ ! قُلْتَ هُجْرًا ! فَأَتَيْتُ رَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : " قُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَانْفُثْ عَنْ شِمَالِكَ ثَلَاثًا ، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، ثُمَّ لَا تَعُدْ " . وَأَمَّا " مَنَاةُ " فَكَانَتْ بِالْمُشَلَّلِ - عِنْدَ قُدَيْدٍ ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ - وَكَانَتْ خُزَاعَةُ وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا يُعَظِّمُونَهَا ، وَيُهِلُّونَ مِنْهَا لِلْحَجِّ إِلَى الْكَعْبَةِ . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ . وَقَدْ كَانَتْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا طَوَاغِيتُ أُخَرُ تُعَظِّمُهَا الْعَرَبُ كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ هَذِهِ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهَا أَشْهَرُ مِنْ غَيْرِهَا . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ : وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ اتَّخَذَتْ مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ ، وَهِيَ بُيُوتٌ تُعَظِّمُهَا كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ ، بِهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ ، وَتُهْدِي لَهَا كَمَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ ، وَتَطُوفُ بِهَا كَطَوْفَاتِهَا بِهَا ، وَتَنْحَرُ عِنْدَهَا ، وَهِيَ تَعْرِفُ فَضْلَ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا بَيْتُ إِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَسْجِدُهُ . فَكَانَتْ لِقُرَيْشٍ وَبَنِي كِنَانَةَ الْعُزَّى بِنَخْلَةَ ، وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا بَنِي شَيْبَانَ مِنْ سُلَيْمٍ حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمٍ . قُلْتُ :بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَهَدَمَهَا، وَجَعَلَ يَقُولُ :

يَا عُزَّ ، كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ ※ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ ※

وَقَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ :

لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى نَخْلَةَ ، وَكَانَتْ بِهَا الْعُزَّى ، فَأَتَاهَا خَالِدٌ وَكَانَتْ عَلَى ثَلَاثِ سَمُرَاتٍ ، فَقَطَعَ السَّمُرَاتِ ، وَهَدَمَ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا . ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : " ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا " . فَرَجَعَ خَالِدٌ ، فَلَمَّا أَبْصَرَتْهُ السَّدَنَةُ - وَهُمْ حَجَبَتُهَا - أَمْعَنُوا فِي الْحِيَلِ وَهُمْ يَقُولُونَ : " يَا عُزَّى ، يَا عُزَّى " . فَأَتَاهَا خَالِدٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا تَحْفِنُ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا ، فَغَمَسَهَا بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : " تِلْكَ الْعُزَّى " .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَتِ اللَّاتُ لِثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ ، وَكَانَ سَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا بَنَى مُعَتَّبٍ . قُلْتُ : وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَأَبَا سُفْيَانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ ، فَهَدَمَاهَا وَجَعَلَا مَكَانَهَا مَسْجِدَ الطَّائِفِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَتْ مَنَاةُ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشَلَّلِ بِقُدَيْدٍ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ إِلَيْهَا ] أَبَا سُفْيَانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ ، فَهَدَمَهَا . وَيُقَالُ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . قَالَ : وَكَانَتْ ذُو الْخَلَصَةِ لِدَوْسٍ وَخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ ، وَمَنْ كَانَ بِبِلَادِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ بِتَبَالَةَ . قُلْتُ : وَكَانَ يُقَالُ لَهَا : الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ ، وَلِلْكَعْبَةِ الَّتِي بِمَكَّةَ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ . فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ فَهَدَمَهُ . قَالَ : وَكَانَتْ فَلْسُ لِطَيِّئَ وَلِمَنْ يَلِيهَا بِجَبَلَيْ طَيِّئَ مِنْ سَلْمَى وَأَجَا . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَهَدَمَهُ ، وَاصْطَفَى مِنْهُ سَيْفَيْنِ : الرَّسُوبُ وَالْمُخْذَمُ ، فَنَفَّلَهُ أَيَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُمَا سَيْفَا عَلِيٍّ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَ لِحِمْيَرَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ بَيْتٌ بِصَنْعَاءَ يُقَالُ لَهُ : رِيَامٌ . وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ بِهِ كَلْبٌ أَسْوَدُ ، وَأَنَّ الْحَبْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَهَبَا مَعَ تُبَّعٍ اسْتَخْرَجَاهُ وَقَتَلَاهُ ، وَهَدَمَا الْبَيْتَ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَتْ " رُضَاءُ " بَيْتًا لِبَنِي رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ ، وَلَهَا يَقُولُ الْمُسْتَوْغِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ حِينَ هَدَمَهَا فِي الْإِسْلَامِ :

وَلَقَدْ شَدَدْتُ عَلَى رُضَاءَ شَدَّةً ※ فَتَرَكْتُهَا قَفْرًا بِقَاعٍ أَسْحَمَا ※

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : إِنَّهُ عَاشَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَهُوَ الْقَائِلُ :

وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا ※ وَعُمِّرْتُ مِنْ عَدَدِ السِّنِينَ مِئِينَا ※ مِائَةً حَدَّتْهَا بَعْدَهَا مِائَتَانِ لِي ※ وَازْدَدْتُ مِنْ عَدَدِ الشُّهُورِ سِنِينَا ※ هَلْ مَا بَقِي إِلَّا كَمَا قَدْ فَاتَنَا ※ يَوْمٌ يَمُرُّ وَلَيْلَةٌ تَحْدُونَا ※

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَ ذُو الْكَعَبَاتِ لِبَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ ، وَإِيَادٍ بِسَنْدَادَ وَلَهُ يَقُولُ أَعْشَى بْنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ :

بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ ※ وَالْبَيْتِ ذِي الْكَعَبَاتِ مِنْ سَنْدَادِ ※

وَلِهَذَا قَالَ [ تَعَالَى ] : ( ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ) ؟ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ) ؟ أَيْ : أَتَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا ، وَتَجْعَلُونَ وَلَدَهُ أُنْثَى ، وَتَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِكُمُ الذُّكُورَ ، فَلَوِ اقْتَسَمْتُمْ أَنْتُمْ وَمَخْلُوقٌ مِثْلُكُمْ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَكَانَتْ ( ﴿قِسْمَةً ضِيزَى﴾ ) أَيْ : جَوْرًا بَاطِلَةً ، فَكَيْفَ تُقَاسِمُونَ رَبَّكُمْ هَذِهِ الْقِسْمَةَ الَّتِي لَوْ كَانَتْ بَيْنَ مَخْلُوقِينَ كَانَتْ جَوْرًا وَسَفَهًا . ثُمَّ قَالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ وَأَحْدَثُوهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْكُفْرِ ، مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَتَسْمِيَتِهَا آلِهَةً : ( ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ) أَيْ : مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ ( ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ) أَيْ : مِنْ حُجَّةٍ ، ( ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ إِلَّا حُسْنَ ظَنِّهِمْ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ سَلَكُوا هَذَا الْمَسْلَكَ الْبَاطِلَ قَبْلَهُمْ ، وَإِلَّا حَظَّ نُفُوسِهِمْ فِي رِيَاسَتِهِمْ وَتَعْظِيمِ آبَائِهِمُ الْأَقْدَمِينَ ، ( ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ) أَيْ : وَلَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ بِالْحَقِّ الْمُنِيرِ وَالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ ، وَمَعَ هَذَا مَا اتَّبَعُوا مَا جَاءُوهُمْ بِهِ ، وَلَا انْقَادُوا لَهُ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ ) أَيْ : لَيْسَ كُلُّ مَنْ تَمَنَّى خَيْرًا حَصَلَ لَهُ ، ( ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ) [ النِّسَاءِ : 123 ] ، مَا كُلُّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُهْتَدٍ يَكُونُ كَمَا قَالَ ، وَلَا كُلُّ مَنْ وَدَّ شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "

إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنْظُرْ مَا يَتَمَنَّى ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنِيَتِهِ " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى ) أَيْ : إِنَّمَا الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، مَالِكِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْمُتَصَرِّفِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَهُوَ الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ) ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] ، ( ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ) [ سَبَأٍ : 23 ] ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ، فَكَيْفَ تَرْجُونَ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ شَفَاعَةَ هَذِهِ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُوَ لَمْ يُشَرِّعْ عِبَادَتَهَا وَلَا أَذِنَ فِيهَا ، بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهَا عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ ، وَأَنْزَلَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ جَمِيعَ كُتُبِهِ ؟ .

27-30

( ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى ( 27 ) ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ( 28 ) ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ( 29 ) ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ ( 30 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي تَسْمِيَتِهِمُ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى ، وَجَعْلِهِمْ لَهَا أَنَّهَا بَنَاتُ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ ) [ الزُّخْرُفِ : 19 ] ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ صَحِيحٌ يُصَدِّقُ مَا قَالُوهُ ، بَلْ هُوَ كَذِبٌ وَزُورٌ وَافْتِرَاءٌ ، وَكُفْرٌ شَنِيعٌ . ( ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ) أَيْ : لَا يُجْدِي شَيْئًا ، وَلَا يَقُومُ أَبَدًا مَقَامَ الْحَقِّ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "

إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ ) أَيْ : أَعْرِضْ عَنِ الَّذِي أَعْرَضَ عَنِ الْحَقِّ وَاهْجُرْهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) أَيْ : وَإِنَّمَا أَكْثَرُ هَمِّهِ وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ الدُّنْيَا ، فَذَاكَ هُوَ غَايَةُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ . وَلِذَلِكَ قَالَ : ( ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ) أَيْ : طَلَبُ الدُّنْيَا وَالسَّعْيُ لَهَا هُوَ غَايَةُ مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ] قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ " وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ : " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا ، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا " .

وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ) أَيْ : هُوَ الْخَالِقُ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَالْعَالَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ ، وَهُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ ، وَهُوَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ أَبَدًا ، لَا فِي شَرْعِهِ وَلَا فِي قَدَرِهِ .

31-32

( ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ( 31 ) ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ( 32 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَأَنَّهُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ ، الْحَاكِمُ فِي خَلْقِهِ بِالْعَدْلِ ، وَخَلَقَ الْخَلْقَ بِالْحَقِّ ، (**﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ )**أَيْ : يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ . ثُمَّ فَسَّرَ الْمُحْسِنِينَ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ، أَيْ : لَا يَتَعَاطَوْنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْكَبَائِرَ ، وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُمْ بَعْضُ الصَّغَائِرِ فَإِنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ وَيَسْتُرُ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 31 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) . وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ اللَّمَمَ مِنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ وَمُحَقَّرَاتِ الْأَعْمَالِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا ، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ " . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، بِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ ثَوْرٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ; أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : " زِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ ، وَزِنَا الشَّفَتَيْنِ التَّقْبِيلُ ، وَزِنَا الْيَدَيْنِ الْبَطْشُ ، وَزِنَا الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ ، فَإِنْ تَقَدَّمَ بِفَرْجِهِ كَانَ زَانِيًا ، وَإِلَّا فَهُوَ اللَّمَمُ " . وَكَذَا قَالَ مَسْرُوقٌ ، وَالشَّعْبِيُّ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَافِعٍ - الَّذِي يُقَالُ لَهُ : ابْنُ لُبَابَةَ الطَّائِفِيُّ - قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) قَالَ : الْقُبْلَةُ ، وَالْغَمْزَةُ ، وَالنَّظْرَةُ ، وَالْمُبَاشَرَةُ ، فَإِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ، وَهُوَ الزِّنَا . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) إِلَّا مَا سَلَفَ . وَكَذَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) قَالَ : الَّذِي يُلِمُّ بِالذَّنْبِ ثُمَّ يَدَعُهُ ، قَالَ الشَّاعِرُ :

إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ※ وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ مَا أَلَمَّا ؟ ! ※

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) قَالَ : الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالذَّنْبِ ثُمَّ يَنْزِعُ عَنْهُ ، قَالَ : وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَهُمْ يَقُولُونَ :

إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ※ وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ مَا أَلَمَّا ؟ ! ※

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ) قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالْفَاحِشَةِ ثُمَّ يَتُوبُ وَقَالَ :

[ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ※ وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ مَا أَلَمَّا ؟ ! ※

](/tirmidhi/47#336) وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ أَبِي عُثْمَانِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ . ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ . وَكَذَا قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى مُتَّصِلًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَسَاقَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ " تَنْزِيلُ " وَفِي صِحَّتِهِ مَرْفُوعًا نَظَرٌ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَرَاهُ رَفَعَهُ - :

( ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) قَالَ : " اللَّمَّةُ مِنَ الزِّنَا ثُمَّ يَتُوبُ وَلَا يَعُودُ ، وَاللَّمَّةُ مِنَ السَّرِقَةِ ثُمَّ يَتُوبُ وَلَا يَعُودُ ، وَاللَّمَّةُ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ ثُمَّ يَتُوبُ وَلَا يَعُودُ " ، قَالَ : " ذَلِكَ الْإِلْمَامُ " . وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) قَالَ : اللَّمَمُ مِنَ الزِّنَا أَوِ السَّرِقَةِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ . وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ اللَّمَّةَ مِنَ الزِّنَا ، وَاللَّمَّةَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ ، فَيَجْتَنِبُهَا وَيَتُوبُ مِنْهَا . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) يُلِمُّ بِهَا فِي الْحِينِ . قُلْتُ : الزِّنَا ؟ قَالَ : الزِّنَا ثُمَّ يَتُوبُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( ﴿اللَّمَمَ﴾ ) الَّذِي يُلِمُّ الْمَرَّةَ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : قَالَ أَبُو صَالِحٍ : سُئِلْتُ عَنْ ( ﴿اللَّمَمَ﴾ ) فَقُلْتُ : هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ . وَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهَا مَلَكٌ كَرِيمٌ . حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ; أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ : ( ﴿اللَّمَمَ﴾ ) : مَا دُونَ الشِّرْكِ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ : ( ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) قَالَ : مَا بَيْنَ الْحَدَّيْنِ : حَدِّ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ . وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ سَوَاءً . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ) كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ : حَدِّ الدُّنْيَا وَحَدِّ الْآخِرَةِ ،تُكَفِّرُهُ الصَّلَوَاتُ ، وَهُوَ اللَّمَمُ، وَهُوَ دُونَ كُلِّ مُوجَبٍ ، فَأَمَّا حَدُّ الدُّنْيَا فَكُلُّ حَدٍّ فَرَضَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَأَمَّا حَدُّ الْآخِرَةِ فَكُلُّ شَيْءٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِالنَّارِ ، وَأَخَّرَ عُقُوبَتَهُ إِلَى الْآخِرَةِ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) أَيْ : رَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، وَمَغْفِرَتُهُ تَسَعُ الذُّنُوبَ كُلَّهَا لِمَنْ تَابَ مِنْهَا ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ) [ الزُّمَرِ : 53 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ) أَيْ : هُوَ بَصِيرٌ بِكُمْ ، عَلِيمٌ بِأَحْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ وَأَقْوَالِكُمُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْكُمْ وَتَقَعُ مِنْكُمْ ، حِينَ أَنْشَأَ أَبَاكُمْ آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَاسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ أَمْثَالَ الذَّرِّ ، ثُمَّ قَسَمَهُمْ فَرِيقَيْنِ : فَرِيقًا لِلْجَنَّةِ وَفَرِيقًا لِلسَّعِيرِ . وَكَذَا قَوْلُهُ : ( ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ) قَدْ كَتَبَ الْمَلَكُ الَّذِي يُوَكَّلُ بِهِ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ . قَالَ مَكْحُولٌ : كُنَّا أَجِنَّةً فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِنَا ، فَسَقَطَ مِنَّا مَنْ سَقَطَ ، وَكُنَّا فِيمَنْ بَقِيَ ، ثُمَّ كُنَّا مَرَاضِعَ فَهَلَكَ مِنَّا مَنْ هَلَكَ . وَكُنَّا فِيمَنْ بَقِيَ ثُمَّ صِرْنَا يَفَعَةً ، فَهَلَكَ مِنَّا مَنْ هَلَكَ . وَكُنَّا فِيمَنْ بَقِيَ ثُمَّ صِرْنَا شَبَابًا فَهَلَكَ مِنَّا مَنْ هَلَكَ . وَكُنَّا فِيمَنْ بَقِيَ ثُمَّ صِرْنَا شُيُوخًا - لَا أَبَا لَكَ - فَمَاذَا بَعْدَ هَذَا نَنْتَظِرُ ؟ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) أَيْ : تَمْدَحُوهَا وَتَشْكُرُوهَا وَتُمَنُّوا بِأَعْمَالِكُمْ ، ( ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ) ، كَمَا قَالَ : ( ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 49 ] . وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ : سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ " . فَقَالُوا : بِمَ نُسَمِّيهَا ؟ قَالَ : " سَمُّوهَا زَيْنَبَ " . وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَيْلَكَ ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - مِرَارًا - إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا صَاحِبَهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ : أَحْسَبُ فُلَانًا - وَاللَّهُ حَسِيبُهُ ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا - أَحْسَبُهُ كَذَا وَكَذَا ، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ " . ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، بِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُثْمَانَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ ، قَالَ : فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ التُّرَابَ وَيَقُولُ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا لَقِينَا الْمَدَّاحِينَ أَنْ نَحْثُوَ فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، بِهِ .

33-41

( ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ ( 33 ) ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ ( 34 ) ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ ( 35 ) ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ ( 36 ) ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ( 37 ) ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ( 38 ) ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ( 39 ) ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ( 40 ) ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ( 41 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ تَوَلَّى عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ : ( ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ) [ الْقِيَامَةِ : 31 ، 32 ] ، ( ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَطَاعَ قَلِيلًا ثُمَّ قَطَعَهُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . قَالَ عِكْرِمَةُ وَسَعِيدٌ : كَمَثَلِ الْقَوْمِ إِذَا كَانُوا يَحْفِرُونَ بِئْرًا ، فَيَجِدُونَ فِي أَثْنَاءِ الْحَفْرِ صَخْرَةً تَمْنَعُهُمْ مِنْ تَمَامِ الْعَمَلِ ، فَيَقُولُونَ : " أَكْدَيْنَا " ، وَيَتْرُكُونَ الْعَمَلَ . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ )**أَيْ : أَعِنْدَ هَذَا الَّذِي قَدْ أَمْسَكَ يَدَهُ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ ، وَقَطَعَ مَعْرُوفَهُ ، أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ أَنَّهُ سَيَنْفَدُ مَا فِي يَدِهِ ، حَتَّى قَدْ أَمْسَكَ عَنْ مَعْرُوفِهِ ، فَهُوَ يَرَى ذَلِكَ عِيَانًا ؟ ! أَيْ : لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْبَرِّ وَالصِّلَةِ بُخْلًا وَشُحًّا وَهَلَعًا ; وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : "

أَنْفِقْ بِلَالُ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا " ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ) [ سَبَأٍ : 39 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ )قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ أَيْ بَلَّغَ جَمِيعَ مَا أُمِرَ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( وَفَّى ) لِلَّهِ بِالْبَلَاغِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( وَفَّى ) مَا أُمِرَ بِهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( وَفَّى ) طَاعَةَ اللَّهِ ، وَأَدَّى رِسَالَتَهُ إِلَى خَلْقِهِ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَهُوَ يَشْمَلُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 124 ] فَقَامَ بِجَمِيعِ الْأَوَامِرِ ، وَتَرَكَ جَمِيعَ النَّوَاهِي ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ ، فَاسْتَحَقَّ بِهَذَا أَنْ يَكُونَ لِلنَّاسِ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ) [ النَّحْلِ : 123 ] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) قَالَ : " أَتَدْرِي مَا وَفَّى ؟ " قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ " . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَنَّهُ قَالَ : " ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، أَكْفِكَ آخِرَهُ " . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا زَبَّانُ بْنُ قَائِدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وَفَّى ؟ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى : ( ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ) [ الرُّومِ : 17 ] حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَبَّانَ ، بِهِ . ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى يُبَيِّنُ مَا كَانَ أَوْحَاهُ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى فَقَالَ : ( ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ) أَيْ : كُلُّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ نَفْسَهَا بِكُفْرٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا عَلَيْهَا وِزْرُهَا ، لَا يَحْمِلُهُ عَنْهَا أَحَدٌ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ) [ فَاطِرٍ : 18 ] ، ( ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ) أَيْ : كَمَا لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وِزْرُ غَيْرِهِ ، كَذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ مِنَ الْأَجْرِ إِلَّا مَا كَسَبَ هُوَ لِنَفْسِهِ . وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اسْتَنْبَطَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ أَنَّالْقِرَاءَةَ لَا يَصِلُ إِهْدَاءُ ثَوَابِهَا إِلَى الْمَوْتَى ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِمْ وَلَا كَسْبِهِمْ; وَلِهَذَا لَمْ يَنْدُبْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّتَهُ وَلَا حَثَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ بِنَصٍّ وَلَا إِيمَاءٍ ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ ، وَبَابُ الْقُرُبَاتِ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى النُّصُوصِ ، وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَنْوَاعِ الْأَقْيِسَةِ وَالْآرَاءِ ،فَأَمَّا الدُّعَاءُ وَالصَّدَقَةُ فَذَاكَ مُجْمَعٌ عَلَى وُصُولِهِمَا، وَمَنْصُوصٌ مِنَ الشَّارِعِ عَلَيْهِمَا . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : مِنْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ مِنْ بَعْدِهِ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ " ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ مِنْ سَعْيِهِ وَكَدِّهِ وَعَمَلِهِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ " . وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ كَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ هِيَ مِنْ آثَارِ عَمَلِهِ وَوَقْفِهِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ ) الْآيَةَ [ يس : 12 ] . وَالْعِلْمُ الَّذِي نَشَرَهُ فِي النَّاسِ فَاقْتَدَى بِهِ النَّاسُ بَعْدَهُ هُوَ أَيْضًا مِنْ سَعْيِهِ وَعَمَلِهِ ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : " مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 105 ] أَيْ : فَيُخْبِرُكُمْ بِهِ ، وَيَجْزِيكُمْ عَلَيْهِ أَتَمَّ الْجَزَاءِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ . وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ) أَيِ : الْأَوْفَرَ .

42-55

( ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ( 42 ) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ( 43 ) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ( 44 ) ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ( 45 ) ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ ( 46 ) ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ ( 47 ) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ ( 48 ) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ( 49 ) ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ ( 50 ) ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ ( 51 ) ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ ( 52 ) ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ ( 53 ) ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ( 54 ) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ ( 55 ) ) يَقُولُ تَعَالَى [ مُخْبِرًا ] ( ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ) أَيِ : الْمَعَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ : قَامَ فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالَ : يَا بَنِي أَوْدٍ ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ، تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَعَادَ إِلَى اللَّهِ ، إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ . وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ،

عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ) ، قَالَ : لَا فِكْرَةَ فِي الرَّبِّ . قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَهَذَا مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : " تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلَا تُفَكِّرُوا فِي الْخَالِقِ ، فَإِنَّهُ لَا تُحِيطُ بِهِ الْفِكْرَةُ " .

كَذَا أَوْرَدَهُ ، وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الصَّحِيحِ : "

يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ : مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ حَتَّى يَقُولَ : مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ ؟ فَإِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ " . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي فِي السُّنَنِ : " تَفَكَّرُوا فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ ، وَلَا تُفَكِّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَلَكًا مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ " أَوْ كَمَا قَالَ . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ )**أَيْ : خَلَقَ فِي عِبَادِهِ الضَّحِكَ ، وَالْبُكَاءَ وَسَبَّبَهُمَا وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ . ( ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ) ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ) [ الْمُلْكِ : 2 ] ، ( ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ ) ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ) [ الْقِيَامَةِ : 36 - 40 ] . . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ )**أَيْ : كَمَا خَلَقَ الْبَدَاءَةَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ ، وَهِيَ النَّشْأَةُ الْآخِرَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ ) أَيْ : مَلَّكَ عِبَادَهُ الْمَالَ ، وَجَعَلَهُ لَهُمْ قُنْيَةً مُقِيمًا عِنْدَهُمْ ، لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى بَيْعِهِ ، فَهَذَا تَمَامُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ . وَعَلَى هَذَا يَدُورُ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، مِنْهُمْ أَبُو صَالِحٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَغَيْرُهُمَا . وَعَنْ مُجَاهِدٍ : ( أَغْنَى ) : مَوَّلَ ، ( وَأَقْنَى ) : أَخْدَمَ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا : ( أَغْنَى ) : أَعْطَى ، ( وَأَقْنَى ) : رَضَّى . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَغْنَى نَفْسَهُ وَأَفْقَرَ الْخَلَائِقَ إِلَيْهِ ، قَالَهُ الْحَضْرَمِيُّ بْنُ لَاحِقٍ . وَقِيلَ : ( أَغْنَى ) مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ وَ ) وَأَقْنَى ) : أَفْقَرَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ . حَكَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ وَهُمَا بَعِيدَانِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ : هُوَ هَذَا النَّجْمُ الْوَقَّادُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : " مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ " كَانَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ يَعْبُدُونَهُ . ( ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ) وَهُمْ : قَوْمُ هُودٍ . وَيُقَالُ لَهُمْ : عَادُ بْنُ إِرَمَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ) [ الْفَجْرِ : 6 - 8 ] ، فَكَانُوا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ وَأَقْوَاهُمْ وَأَعْتَاهُمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ ( ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 6 ، 7 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ ) ، أَيْ : دَمَّرَهُمْ فَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ، ( ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ ) أَيْ : مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ ، ( ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ ) أَيْ : أَشَدُّ تَمَرُّدًا مِنَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ، ( ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ ) يَعْنِي مَدَائِنَ لُوطٍ ، قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا ، وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ) يَعْنِي : مِنَ الْحِجَارَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا عَلَيْهِمْ ( ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 173 ] . قَالَ قَتَادَةُ : كَانَ فِي مَدَائِنِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفِ إِنْسَانٍ ، فَانْضَرَمَ عَلَيْهِمُ الْوَادِي شَيْئًا مِنْ نَارٍ وَنِفْطٍ وَقَطِرَانٍ كَفَمِ الْأَتُونِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ خُلَيْدٍ ، عَنْهُ بِهِ . وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا . ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ ) أَيْ : فَفِي أَيِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ تَمْتَرِي ؟ قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : ( ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ ) يَا مُحَمَّدُ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ .

56-62

( ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ ( 56 ) ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ ( 57 ) ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ( 58 ) ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ( 59 ) ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ ( 60 ) ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ ( 61 ) ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ ( 62 ) ) ( ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ ) يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ ) أَيْ : مِنْ جِنْسِهِمْ ، أُرْسِلَ كَمَا أُرْسِلُوا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ) [ الْأَحْقَافِ : 9 ] . ( ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ ) أَيِ : اقْتَرَبَتِ الْقَرِيبَةُ ، وَهِيَ الْقِيَامَةُ ، ( ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ) أَيْ : لَا يَدْفَعُهَا إِذًا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَحَدٌ ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى عِلْمِهَا سِوَاهُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي اسْتِمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَتَلَهِّيهِمْ : ( تَعْجَبُونَ ) مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ، ( ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ ) مِنْهُ اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً ، ( ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ ) أَيْ : كَمَا يَفْعَلُ الْمُوقِنُونَ بِهِ ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ : ( ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 109 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ ) قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْغِنَاءُ ، هِيَ يَمَانِيَّةٌ ، اسْمِدْ لَنَا : غَنِّ لَنَا . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿سَامِدُونَ﴾ ) : مُعْرِضُونَ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ . وَقَالَ الْحَسَنُ : غَافِلُونَ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : تَسْتَكْبِرُونَ . وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ . ثُمَّ قَالَ آمِرًا لِعِبَادِهِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَالْعِبَادَةِ الْمُتَابِعَةِ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ : ( ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ ) أَيْ : فَاخْضَعُوا لَهُ وَأَخْلِصُوا وَوَحِّدُوا . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

سَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّجْمِ ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ . انْفَرَدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا رَبَاحٌ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ عِنْدَهُ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَأَبَيْتُ أَنْ أَسْجُدَ ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ الْمُطَّلِبُ ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَسْمَعُ أَحَدًا يَقْرَؤُهَا إِلَّا سَجَدَ مَعَهُ .

وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، بِهِ . ذِكْرُ حَدِيثٍ لَهُ مُنَاسِبَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ ) ، فَإِنَّ النَّذِيرَ هُوَ : الْحَذَرُ لِمَا يُعَايِنُ مِنَ الشَّرِّ ، الَّذِي يُخْشَى وُقُوعُهُ فِيمَنْ أَنْذَرَهُمْ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ) [ سَبَأٍ : 46 ] . وَفِي الْحَدِيثِ : "

أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ " أَيِ : الَّذِي أَعْجَلَهُ شِدَّةُ مَا عَايَنَ مِنَ الشَّرِّ عَنْ أَنْ يَلْبَسَ عَلَيْهِ شَيْئًا ، بَلْ بَادَرَ إِلَى إِنْذَارِ قَوْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَجَاءَهُمْ عُرْيَانًا مُسْرِعًا . مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ : ( ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ ) أَيِ : اقْتَرَبَتِ الْقَرِيبَةُ ، يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : ( ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ) [ الْقَمَرِ : 1 ] ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ - لَا أَعْلَمُ إِلَّا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ " . وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَبُو ضَمْرَةَ : لَا أَعْلَمُ إِلَّا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - قَالَ : " مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ " وَفَرَّقَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ ، ثُمَّ قَالَ : " مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَمَثَلِ فَرَسَيْ رِهَانٍ " ، ثُمَّ قَالَ : " مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ طَلِيعَةً ، فَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يُسْبَقَ أَلَاحَ بِثَوْبِهِ : أُتِيتُمْ أُتِيتُمْ " . ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَنَا ذَلِكَ " . وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ مِنْ صِحَاحٍ وَحِسَانٍ . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَالْعِصْمَةُ . آخِرُ [ تَفْسِيرِ ] سُورَةِ النَّجْمِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .