مكتبة الإسلام الشاملة

52 - تفسير سورة الطور

1-16

تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . قَالَ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ :

سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطَّوْرِ ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا - أَوْ قِرَاءَةً - مِنْهُ .

أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ :

شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ : " طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ " ، فَطُفْتُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿وَالطُّورِ ( 1 ) ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ ( 2 ) ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ ( 3 ) ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ ( 4 ) ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ ( 5 ) ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ ( 6 ) ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ ( 7 ) ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ ( 8 ) ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ ( 9 ) ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ ( 10 ) ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ( 11 ) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ( 12 ) ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ( 13 ) ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ( 14 ) ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ ( 15 ) ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ( 16 ) ) يُقْسِمُ تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ : أَنَّ عَذَابَهُ وَاقِعٌ بِأَعْدَائِهِ ، وَأَنَّهُ لَا دَافِعَ لَهُ عَنْهُمْ . فَالطُّورُ هُوَ : الْجَبَلُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَشْجَارٌ ، مِثْلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى ، وَأُرْسِلَ مِنْهُ عِيسَى ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَجَرٌ لَا يُسَمَّى طُورًا ، إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ : جَبَلٌ . ( ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ ) قِيلَ : هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ . وَقِيلَ : الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ الْمَكْتُوبَةُ الَّتِي تُقْرَأُ عَلَى النَّاسِ جِهَارًا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ ) . ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ - بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ - : " ثُمَّ رُفِعَ بِي إِلَىالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ " يَعْنِي : يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ وَيَطُوفُونَ ، كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ الْأَرْضِ بِكَعْبَتِهِمْ كَذَلِكَ ذَاكَ الْبَيْتُ ، هُوَ كَعْبَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ; وَلِهَذَا وَجَدَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ; لِأَنَّهُ بَانِي الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ ، وَفِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ أَهْلُهَا ، وَيُصَلُّونَ إِلَيْهِ ، وَالَّذِي فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا يُقَالُ لَهُ : بَيْتُ الْعِزَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ : " الْمَعْمُورُ " ; بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ**، وَفِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَهْرٌ يُقَالُ لَهُ : " الْحَيَوَانُ**" يَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ كُلَّ يَوْمٍ ، فَيَنْغَمِسُ فِيهِ انْغِمَاسَةً ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَةً يَخِرُّ عَنْهُ سَبْعُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكَا يُؤْمَرُونَ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ ، فَيُصَلُّوا فِيهِ فَيَفْعَلُونَ ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَيُوَلِّي عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ ، يُؤْمَرُ أَنْ يَقِفَ بِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَوْقِفًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، تَفَرَّدَ بِهِ رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ هَذَا ، وَهُوَ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو سَعْدٍ الدِّمَشْقِيُّ ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمُ : الْجَوْزَجَانِيُّ ، وَالْعُقَيْلِيُّ ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . قَالَ الْحَاكِمُ : لَا أَصِلَ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا سَعِيدٍ ، وَلَا الزُّهْرِيِّ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْعُرَةَ ; أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَعَلِيٍّ :**مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ؟قَالَ : بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ : " الضُّرَاحُ " وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ فَوْقِهَا ، حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْبَيْتِ فِي الْأَرْضِ ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سِمَاكٍ وَعِنْدَهُمَا أَنَّ ابْنَ الْكُوَّاءِ هُوَ السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : سَأَلَ ابْنُ الْكُوَّاءِ عَلِيًّا عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، قَالَ : مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ : " الضُّرَاحُ " ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا . وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ عَلِيٍّ بِمِثْلِهِ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ بَيْتٌ حِذَاءَ الْعَرْشِ ، تُعَمِّرُهُ الْمَلَائِكَةُ ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ : " هَلْ تَدْرُونَ مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ لَوْ خَرَّ لَخَرَّ عَلَيْهَا يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ " . وَزَعَمَ الضَّحَّاكُ أَنَّهُ يُعَمِّرُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمْ : الْجِنُّ ، مِنْ قَبِيلَةِ إِبْلِيسَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ ) : قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ : ( ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ ) يَعْنِي : السَّمَاءَ ، قَالَ سُفْيَانُ : ثُمَّ تَلَا ( ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 32 ] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَ الْعَرْشُ يَعْنِي : أَنَّهُ سَقْفٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ ، وَهُوَ يُرَادُ مَعَ غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ ) : قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَالْمَاءُ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ ،**الَّذِي يُنْزِلُ [ اللَّهُ ] مِنْهُ الْمَطَرَ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الْأَجْسَادَ فِي قُبُورِهَا يَوْمَ مَعَادِهَا . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : هُوَ هَذَا الْبَحْرُ . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( ﴿الْمَسْجُورِ﴾ ) ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يُوقَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ ) [ التَّكْوِيرِ : 6 ] أَيْ : أُضْرِمَتْ فَتَصِيرُ نَارًا تَتَأَجَّجُ ، مُحِيطَةً بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ بَدْرٍ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَحْرَ الْمَسْجُورَ لِأَنَّهُ لَا يُشْرَبُ مِنْهُ مَاءٌ ، وَلَا يُسْقَى بِهِ زَرْعٌ ، وَكَذَلِكَ الْبِحَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . كَذَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ ) يَعْنِي : الْمُرْسَلَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿[ وَالْبَحْرِ ] الْمَسْجُورِ﴾ ) الْمَمْلُوءُ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُوقَدًا الْيَوْمَ فَهُوَ مَمْلُوءٌ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ الْفَارِغُ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ ذِي الرُّمَّةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ ) قَالَ : الْفَارِغُ ; خَرَجَتْ أُمَّةٌ تَسْتَسْقِي فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ : " إِنَّ الْحَوْضَ مَسْجُورٌ " ، تَعْنِي : فَارِغًا . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي مَسَانِيدِ الشُّعَرَاءِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ : الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ عَنِ الْأَرْضِ ; لِئَلَّا يَغْمُرَهَا فَيُغْرِقَ أَهْلَهَا . قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مُسْنَدِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ - عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مُرَابِطٌ قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً لِحَرَسِي لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ الْحَرَسِ غَيْرِي ، فَأَتَيْتُ الْمِينَاءَ فَصَعِدْتُ ، فَجَعَلَ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ الْبَحْرَ يُشْرِفُ يُحَاذِي رُءُوسَ الْجِبَالِ ، فُعِلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَأَنَا مُسْتَيْقِظٌ ، فَلَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ ) : هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ ، أَيِ : الْوَاقِعُ بِالْكَافِرِينَ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ : خَرَجَ عُمَرُ يَعِسُّ الْمَدِينَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَمَرَّ بِدَارِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَوَافَقَهُ قَائِمًا يُصَلِّي ، فَوَقَفَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ فَقَرَأَ : ( ﴿وَالطُّورِ﴾ ) حَتَّى بَلَغَ ( ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ ) قَالَ : قَسَمٌ - وَرَبِّ الْكَعْبَةِ - حَقٌّ . فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَاسْتَنَدَ إِلَى حَائِطٍ ، فَمَكَثَ مَلِيًّا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنْزِلِهِ ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودُهُ النَّاسُ لَا يَدْرُونَ مَا مَرَضُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " فَضَائِلِ الْقُرْآنِ " : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ : ( ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ ) ، فَرَبَا لَهَا رَبْوَةً عِيدَ مِنْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ ) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقَتَادَةُ : تَتَحَرَّكُ تَحْرِيكًا . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ تَشَقُّقُهَا ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَدُورُ دَوْرًا . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : اسْتِدَارَتُهَا وَتَحْرِيكُهَا لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَمَوْجُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ . وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ التَّحَرُّكُ فِي اسْتِدَارَةٍ . قَالَ : وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى بَيْتَ الْأَعْشَى :

كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ※ مَوْرُ السَّحَابَةِ لَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلُ ※

( ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ ) أَيْ : تَذْهَبُ فَتَصِيرُ هَبَاءً مُنْبَثًّا ، وَتُنْسَفُ نَسْفًا . ( ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) أَيْ : وَيْلٌ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَنَكَالِهِ بِهِمْ ، وَعِقَابِهِ لَهُمْ . ( ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ) أَيْ : هُمْ فِي الدُّنْيَا يَخُوضُونَ فِي الْبَاطِلِ ، وَيَتَّخِذُونَ دِينَهُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا . ( ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ ) أَيْ : يُدْفَعُونَ وَيُسَاقُونَ ، ( ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ) : وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ : يُدْفَعُونَ فِيهَا دَفْعًا . ( ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ) أَيْ : تَقُولُ لَهُمُ الزَّبَانِيَةُ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا . ( ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا﴾ ) أَيِ : ادْخُلُوهَا دُخُولَ مَنْ تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ ( ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ ) أَيْ : سَوَاءٌ صَبَرْتُمْ عَلَى عَذَابِهَا وَنَكَالِهَا أَمْ لَمْ تَصْبِرُوا ، لَا مَحِيدَ لَكُمْ عَنْهَا وَلَا خَلَاصَ لَكُمْ مِنْهَا ، ( ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) أَيْ : وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ أَحَدًا ، بَلْ يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ .

17-20

( ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾( 17 ) ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ( 18 ) ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ( 19 ) ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ ( 20 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ : ( ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ) ، وَذَلِكَ بِضِدِّ مَا أُولَئِكَ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ . ( ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ) أَيْ : يَتَفَكَّهُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّعِيمِ ، مِنْ أَصْنَافِ الْمَلَاذِّ ، مِنْ مَآكِلَ وَمَشَارِبَ وَمَلَابِسَ وَمَسَاكِنَ وَمَرَاكِبَ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، ( ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ) أَيْ : وَقَدْ نَجَّاهُمْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ ، وَتِلْكَ نِعْمَةٌ مُسْتَقِلِّةٌ بِذَاتِهَا عَلَى حِدَتِهَا مَعَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا مِنْ دُخُولِالْجَنَّةِ الَّتِي فِيهَا مِنَ السُّرُورِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 24 ] . أَيْ هَذَا بِذَاكَ ، تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ ) قَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ; أَنَّهُ سَمِعَ الْهَيْثَمَ بْنَ مَالِكٍ الطَّائِيَّ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "

إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَّكِئُ الْمُتَّكَأَ مِقْدَارَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ وَلَا يَمَلُّهُ ، يَأْتِيهِ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ وَلَذَّتْ عَيْنُهُ " . وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ الرَّجُلَ لَيَتَّكِئُ فِي الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً ، عِنْدَهُ مِنْ أَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ وَمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ ، فَإِذَا حَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ فَإِذَا أَزْوَاجٌ لَهُ لَمْ يَكُنْ رَآهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَيَقُلْنَ : قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ نَصِيبًا . وَمَعْنَى ) مَصْفُوفَةٌ ) أَيْ : وُجُوهُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ) [ الصَّافَّاتِ : 44 ] . ( ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ ) أَيْ : وَجَعَلْنَاهُمْ قَرِينَاتٍ صَالِحَاتٍ ، وَزَوْجَاتٍ حِسَانًا مِنَ الْحُورِ الْعِينِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ ) : أَنَكَحْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُهُنَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .

21-28

( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْوَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ( 21 ) ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ( 22 ) ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ ( 23 ) ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ( 24 ) ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ( 25 ) ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ ( 26 ) ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ ( 27 ) ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ( 28 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ ، وَامْتِنَانِهِ وَلُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَإِحْسَانِهِ : أَنَّالْمُؤْمِنِينَ إِذَا اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ فِي الْإِيمَانِ يُلْحِقُهُمْ بِآبَائِهِمْفِي الْمَنْزِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا عَمَلَهُمْ ، لِتَقَرَّ أَعْيُنُ الْآبَاءِ بِالْأَبْنَاءِ عِنْدَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ ، بِأَنْ يَرْفَعَ النَّاقِصَ الْعَمَلِ ، بِكَامِلِ الْعَمَلِ ، وَلَا يَنْقُصَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَنْزِلَتِهِ ، لِلتَّسَاوِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَاكَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) قَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ ، لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ ثُمَّ قَرَأَ : ( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ بَحْرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ الْوَرَّاقِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، فَذَكَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ الْبَيْرُوتِيُّ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي شَيْبَانُ ، أَخْبَرَنِي لَيْثٌ ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ) قَالَ : هُمْ ذُرِّيَّةُ الْمُؤْمِنِ ، يَمُوتُونَ عَلَى الْإِيمَانِ : فَإِنْ كَانَتْ مَنَازِلُ آبَائِهِمْ أَرْفَعَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ أُلْحِقُوا بِآبَائِهِمْ ، وَلَمْ يَنْقُصُوا مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوا شَيْئًا . وَقَالَ الْحَافِظُ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزْوَانَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَظُنُّهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "

إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْجَنَّةَ سَأَلَ عَنْ أَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ ، فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ . فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، قَدْ عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ . فَيُؤْمَرُ بِإِلْحَاقِهِمْ بِهِ ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ ) الْآيَةَ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : يَقُولُ : وَالَّذِينَ أَدْرَكَ ذُرِّيَّتَهُمُ الْإِيمَانُ فَعَمِلُوا بِطَاعَتِي ، أَلْحَقْتُهُمْ بِإِيمَانِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَأَوْلَادُهُمُ الصِّغَارُ تَلْحَقُ بِهِمْ . وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ ذَاكَ مُفَسَّرٌ أَصْرَحَ مِنْ هَذَا . وَهَكَذَا يَقُولُ الشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وقَتَادَةُ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ . وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَمَدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " هُمَا فِي النَّارِ " . فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ : " لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا " . قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَوَلَدِي مِنْكَ . قَالَ : " فِي الْجَنَّةِ " . قَالَ : ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ" . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ) [ الْآيَةَ ] . هَذَا فَضْلُهُ تَعَالَى عَلَى الْأَبْنَاءِ بِبَرَكَةِ عَمَلِ الْآبَاءِ ، وَأَمَّا فَضْلُهُ عَلَى الْآبَاءِ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ الْأَبْنَاءِ ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَنَّى لِي هَذِهِ ؟ فَيَقُولُ : بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ " . إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "

وَقَوْلُهُ : ( ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ) لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ مَقَامِ الْفَضْلِ ، وَهُوَ رَفْعُ دَرَجَةِ الذُّرِّيَّةِ إِلَى مَنْزِلَةِ الْآبَاءِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، أَخْبَرَ عَنْ مَقَامِ الْعَدْلِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ ، بَلْ ( ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ) أَيْ : مُرَّتُهُنَّ بِعَمَلِهِ ، لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ ، سَوَاءٌ كَانَ أَبَا أَوِ ابْنًا ، كَمَا قَالَ : ( ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 38 - 41 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ) أَيْ : وَأَلْحَقْنَاهُمْ بِفَوَاكِهَ وَلُحُومٍ مِنْ أَنْوَاعٍ شَتَّى ، مِمَّا يُسْتَطَابُ وَيُشْتَهَى . وَقَوْلُهُ ( ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ ) أَيْ : يَتَعَاطَوْنَ فِيهَا كَأْسًا ، أَيْ : مِنَ الْخَمْرِ . قَالَهُ الضَّحَّاكُ . ( ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ ) أَيْ : لَا يَتَكَلَّمُونَ عَنْهَا بِكَلَامٍ لَاغٍ أَيْ : هَذَيَانٍ ، وَلَا إِثْمٍ أَيْ : فُحْشٍ ، كَمَا تَتَكَلَّمُ بِهِ الشَّرَبَةُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّغْوُ : الْبَاطِلُ . وَالتَّأْثِيمُ : الْكَذِبُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَسْتَبُّونَ وَلَا يُؤَثَّمُونَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا مَعَ الشَّيْطَانِ . فَنَزَّهَ اللَّهُخَمْرَ الْآخِرَةِعَنْ قَاذُورَاتِ خَمْرِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا ، فَنَفَى عَنْهَا - كَمَا تَقَدَّمَ - صُدَاعَ الرَّأْسِ ، وَوَجَعَ الْبَطْنِ ، وَإِزَالَةَ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُهُمْ عَلَى الْكَلَامِ السَّيِّئِ الْفَارِغِ عَنِ الْفَائِدَةِ الْمُتَضَمِّنِ هَذَيَانًا وَفُحْشًا ، وَأَخْبَرَ بِحُسْنِ مَنْظَرِهَا ، وَطِيبِ طَعْمِهَا وَمَخْبَرِهَا فَقَالَ : ( ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزِفُونَ﴾ ) [ الصَّافَّاتِ : 46 ، 47 ] ، وَقَالَ ( ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ ) [ الْوَاقِعَةِ : 19 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ ) وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ) : إِخْبَارٌ عَنْ خَدَمِهِمْ وَحَشَمِهِمْ فِي الْجَنَّةِ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ ، الْمَكْنُونُ فِي حُسْنِهِمْ وَبَهَائِهِمْ وَنَظَافَتِهِمْ وَحُسْنِ مَلَابِسِهِمْ ، كَمَا قَالَ ( ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ) [ الْوَاقِعَةِ : 17 ، 18 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ) أَيْ : أَقْبَلُوا يَتَحَادَثُونَوَيَتَسَاءَلُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا كَمَا يَتَحَادَثُ أَهْلُ الشَّرَابِ عَلَى شَرَابِهِمْ إِذَا أَخَذَ فِيهِمُ الشَّرَابُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ . ( ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ ) أَيْ : قَدْ كُنَّا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا وَنَحْنُ بَيْنَ أَهْلِنَا خَائِفِينَ مِنْ رَبِّنَا مُشْفِقِينَ مِنْ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ ، ( ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ ) أَيْ : فَتَصَدَّقَ عَلَيْنَا وَأَجَارَنَا مِمَّا نَخَافُ . ( ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ ) أَيْ : نَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ فَاسْتَجَابَ [ اللَّهُ ] لَنَا وَأَعْطَانَا سُؤْلَنَا ، ( ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ) وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَدِيثٌ ، رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ دِينَارٍ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "

إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ اشْتَاقُوا إِلَى الْإِخْوَانِ ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذَا حَتَّى يُحَاذِيَ سَرِيرَ هَذَا ، فَيَتَحَدَّثَانِ ، فَيَتَّكِئُ هَذَا وَيَتَّكِئُ هَذَا ، فَيَتَحَدَّثَانِ بِمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : يَا فُلَانُ ، تَدْرِي أَيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنَا ؟ يَوْمَ كُنَّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، فَدَعَوْنَا اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - فَغَفَرَ لَنَا " . ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ . قُلْتُ : وَسَعِيدُ بْنُ دِينَارٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ مَجْهُولٌ ، وَشَيْخُهُ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةِ حِفْظِهِ ، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ; أَنَّهَا قَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ) فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ مُنَّ عَلَيْنَا وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ . قِيلَ لِلْأَعْمَشِ : فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .

29-34

( ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾( 29 ) ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ( 30 ) ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ ( 31 ) ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ( 32 ) ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ( 33 ) ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ( 34 ) ) يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، بِأَنْ يُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ إِلَى عِبَادِهِ ، وَأَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ . ثُمَّ نَفَى عَنْهُ مَا يَرْمِيهِ بِهِ أَهْلُ الْبُهْتَانِ وَالْفُجُورِ فَقَالَ : ( ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ ) أَيْ : لَسْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ بِكَاهِنٍ كَمَا تَقَوَّلَهُ الْجَهَلَةُ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ . وَالْكَاهِنُ : الَّذِي يَأْتِيهِ الرِّئِيُّ مِنَ الْجَانِّ بِالْكَلِمَةِ يَتَلَقَّاهَا مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ ، ( ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾ ) : وَهُوَ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ فِي الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ : ( ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ) أَيْ : قَوَارِعُ الدَّهْرِ . وَالْمَنُونُ : الْمَوْتُ : يَقُولُونَ : نُنْظِرُهُ وَنَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ وَمِنْ شَأْنِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ ) أَيِ : انْتَظِرُوا فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ مَعَكُمْ ، وَسَتَعْلَمُونَلِمَنْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : احْتَبِسُوهُ فِي وِثَاقٍ ، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ حَتَّى يَهْلَكَ ، كَمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ : زُهَيْرٌ وَالنَّابِغَةُ ، إِنَّمَا هُوَ كَأَحَدِهِمْ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ : ( ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ ) أَيْ : عُقُولُهُمْ تَأْمُرُهُمْ بِهَذَا الَّذِي يَقُولُونَهُ فِيكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَعْلَمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهَا كَذِبٌ وَزُورٌ ؟ ( ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ) أَيْ : وَلَكِنْ هُمْ قَوْمٌ ضُلَّالٌ مُعَانِدُونَ ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَى مَا قَالُوهُ فِيكَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ ) أَيِ : اخْتَلَقَهُ وَافْتَرَاهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ، يَعْنُونَ الْقُرْآنَ : قَالَ اللَّهُ : ( ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ) أَيْ : كُفْرُهُمْ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ . ( ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ) أَيْ : إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ : " تَقَوَّلَهُ وَافْتَرَاهُ " فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ [ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ] مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهُمْ لَوِ اجْتَمَعُوا هُمْ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، مَا جَاءُوا بِمِثْلِهِ ، وَلَا بِعَشْرِ سُوَرٍ [ مِنْ ] مِثْلِهِ ، وَلَا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ .

35-43

( ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ( 35 ) ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ ( 36 ) ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ ( 37 ) ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ( 38 ) ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ ( 39 ) ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ( 40 ) ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ( 41 ) ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ ( 42 ) ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ( 43 ) ) هَذَا الْمَقَامُ فِيإِثْبَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ) أَيْ : أَوُجِدُوا مِنْ غَيْرِ مُوجِدٍ ؟ أَمْ هُمْ أَوْجَدُوا أَنْفُسَهُمْ ؟ أَيْ : لَا هَذَا وَلَا هَذَا ، بَلِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَأَنْشَأَهُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ :

سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ ) كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ . وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ كَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا ، وَكَانَ سَمَاعُهُ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ جُمْلَةِ مَا حَمَلَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ ) أَيْ : أَهُمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ؟ وَهَذَاإِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ فِي شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْخَالِقُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَلَكِنَّ عَدَمَ إِيقَانِهِمْ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، ( ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ ) أَيْ : أَهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْمُلْكِ وَبِيَدِهِمْ مَفَاتِيحُ الْخَزَائِنِ ، ( ﴿أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ ) أَيُ : الْمُحَاسِبُونَ لِلْخَلَائِقِ ، لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، بَلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، هُوَ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ ) أَيْ : مَرْقَاةٌ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى ، ( ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ) أَيْ : فَلْيَأْتِ الَّذِي يَسْتَمِعُ لَهُمْ بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ . عَلَى صِحَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ ، أَيْ : وَلَيْسَ لَهُمْ سَبِيلٌ إِلَى ذَلِكَ ، فَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ ، وَلَا لَهُمْ دَلِيلٌ . ثُمَّ قَالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِيمَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الْبَنَاتِ ، وَجَعْلِهِمُ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا ، وَاخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ عَلَى الْإِنَاثِ ، بِحَيْثُ إِذَا ﴿بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ . هَذَا وَقَدْ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللَّهِ ، وَعَبَدُوهُمْ مَعَ اللَّهِ ، فَقَالَ : ( ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ ) وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ ، ( ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ ) أَيْ : أُجْرَةٌ عَلَى إِبْلَاغِكَ إِيَّاهُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ ؟ أَيْ : لَسْتَ تَسْأَلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا ، ( ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ) أَيْ : فَهُمْ مِنْ أَدْنَى شَيْءٍ يَتَبَرَّمُونَ مِنْهُ ، وَيُثْقِلُهُمْ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ ، ( ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ، ( ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ ) يَقُولُ تَعَالَى : أَمْ يُرِيدُ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِمْ هَذَا فِي الرَّسُولِ وَفِي الدِّينِ غُرُورَ النَّاسِ وَكَيْدَ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ ، فَكَيْدُهُمْ إِنَّمَا يَرْجِعُ وَبَالُهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ، ( ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ) . وَهَذَا إِنْكَارٌ شَدِيدٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ وَالْأَنْدَادَ مَعَ اللَّهِ . ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ عَمَّا يَقُولُونَ وَيَفْتَرُونَ وَيُشْرِكُونَ ، فَقَالَ : ( ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ )

44-49

( ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ( 44 ) ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ( 45 ) ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ( 46 ) ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ( 47 ) ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ( 48 ) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ ( 49 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ بِالْعِنَادِ وَالْمُكَابَرَةِ لِلْمَحْسُوسِ : ( ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا﴾ ) أَيْ : عَلَيْهِمْ يُعَذَّبُونَ بِهِ ، لَمَّا صَدَقُوا وَلَمَّا أَيْقَنُوا ، بَلْ يَقُولُونَ : هَذَا ( ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ ) أَيْ : مُتَرَاكِمٌ . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ ) [ الْحِجْرِ : 14 ، 15 ] . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَذَرْهُمْ ) أَيْ : دَعْهُمْ - يَا مُحَمَّدُ - ( ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ) ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ( ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ) أَيْ : لَا يَنْفَعُهُمْ كَيْدُهُمْ وَمَكْرُهُمُ الَّذِي اسْتَعْمَلُوهُ فِي الدُّنْيَا ، لَا يُجْدِي عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَيْئًا ، ( ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ ) أَيْ : قَبْلَ ذَلِكَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ) [ السَّجْدَةِ : 21 ] ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ) أَيْ : نُعَذِّبُهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَنَبْتَلِيهِمْ فِيهَا بِالْمَصَائِبِ ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَيُنِيبُونَ ، فَلَا يَفْهَمُونَ مَا يُرَادُ بِهِمْ ، بَلْ إِذَا جُلِّيَ عَنْهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ ، عَادُوا إِلَى أَسْوَأِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ : "

إِنَّالْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ وَعُوفِيَ مَثَلُهُ فِي ذَلِكَ كَمَثَلِ الْبَعِيرِلَا يَدْرِي فِيمَا عَقَلُوهُ وَلَا فِيمَا أَرْسَلُوهُ " . وَفِي الْأَثَرِ الْإِلَهِيِّ : كَمْ أَعْصِيكَ وَلَا تُعَاقِبُنِي ؟ قَالَ اللَّهُ : يَا عَبْدِي ، كَمْ أُعَافِيكَ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي ؟ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ) أَيِ : اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ وَلَا تُبَالِهِمْ ، فَإِنَّكَ بِمَرْأًى مِنَّا وَتَحْتَ كَلَاءَتِنَا ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ) قَالَ الضَّحَّاكُ : أَيْ إِلَى الصَّلَاةِ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ، وَتَعَالَى جَدُّكَ ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ . وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَغَيْرِهِمَا . وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ : ( ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ) أَيْ : مِنْ نَوْمِكَ مِنْ فِرَاشِكَ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ : وَيَتَأَيَّدُ هَذَا الْقَوْلُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ ، حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي - أَوْ قَالَ : ثُمَّ دَعَا - اسْتُجِيبَ لَهُ ، فَإِنْ عَزَمَ فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ صَلَّى تُقِبِّلَتْ صِلَاتُهُ " . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، بِهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ) قَالَ : مِنْ كُلِّ مَجْلِسٍ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ : ( ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ) قَالَ : إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ قَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَمْرِو الْحَضْرَمِيُّ ، عَنْ عَطَاءٍ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ; أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ) يَقُولُ : حِينَ تَقُومُ مِنْ كُلِّ مَجْلِسٍ ، إِنْ كُنْتَ أَحْسَنْتَ ازْدَدْتَ خَيْرًا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ هَذَا كَفَّارَةً لَهُ . وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي جَامِعِهِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْفَقِيرِ ; أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ أَنْ يَقُولَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ . قَالَ مَعْمَرٌ : وَسَمِعْتُ غَيْرَهُ يَقُولُ : هَذَا الْقَوْلُكَفَّارَةُ الْمَجَالِسِ وَهَذَا مُرْسَلٌ ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُسْنَدَةٌ مِنْ طُرُقٍ - يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا - بِذَلِكَ ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ - وَهَذَا لَفْظُهُ - وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ وَقَالَ : إِسْنَادٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ عَلَّلَهُ . قُلْتُ : عَلَّلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . وَنَسَبُوا الْوَهْمَ فِيهِ إِلَى ابْنِ جُرَيْجٍ . عَلَى أَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَدْ رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ ابْنِ جُرَيْجٍ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ هَاشِمٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بِأُخْرَةٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ : " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلًا مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى ؟ ! قَالَ : " كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ " . وَقَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ ، مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءً ، وَرُوِيَ مُرْسَلًا أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ; أَنَّهُ قَالَ : " كَلِمَاتُ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أَحَدٌ فِي مَجْلِسِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، إِلَّا كُفِّرَ بِهِنَّ عَنْهُ ، وَلَا يَقُولُهُنَّ فِي مَجْلِسِ خَيْرٍ وَمَجْلِسِ ذِكْرٍ إِلَّا خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ كَمَا يُخْتَمُ بِالْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيفَةِ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ " وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، وَصَحَّحَهُ ، وَمِنْ رِوَايَةِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِذَلِكَ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ بِذِكْرِ طُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ وَعِلَلِهِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ ) أَيِ : اذْكُرْهُ وَاعْبُدْهُ بِالتِّلَاوَةِ وَالصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 79 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَاالرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَإِنَّهُمَا مَشْرُوعَتَانِ عِنْدَ إِدْبَارِ النُّجُومِ ، أَيْ : عِنْدَ جُنُوحِهَا لِلْغَيْبُوبَةِ . وَقَدْ رُوِيَ [ فِي حَدِيثِ ] ابْنِ سِيلَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : " لَا تَدَعُوهُمَا ، وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ " . يَعْنِي : رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِمَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِحَدِيثِ : " خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " . قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : " لَا إِلَّا أَنَّ تَطَوَّعَ " وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّهَا قَالَتْ : لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : " رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ]