مكتبة الإسلام الشاملة

110 - تفسير سورة النصر

1-3

تَفْسِيرُسُورَةِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ ، وَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ ( ح ) وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : يَا ابْنَ عُتْبَةَ ،**أَتَعْلَمُ آخِرَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ ؟**قُلْتُ : نَعَمْ ، " ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ " قَالَ : صَدَقْتَ وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبْذِيِّ ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ : " ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ " عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَعَرَفَ أَنَّهُ الْوَدَاعُ ، فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَرَحَلَتْ ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَذَكَرَ خُطْبَتَهُ الْمَشْهُورَةَ وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَارُ ، حَدَّثَنَا الْأَسْفَاطِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

لَمَّا نَزَلَتْ : " ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ " دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ وَقَالَ : " إِنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي " ، فَبَكَتْ ثُمَّ ضَحِكَتْ ، وَقَالَتْ : أَخْبَرَنِي أَنَّهُ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَبَكَيْتُ ، ثُمَّ قَالَ : " اصْبِرِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لِحَاقًا بِي " فَضَحِكْتُ

وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ - كَمَا سَيَأْتِي - بِدُونِ ذِكْرِ فَاطِمَةَ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾( 1 ) ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ ( 2 ) ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ( 3 ) ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ،عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ : لِمَ يُدْخِلْ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ ، فَمَا رُؤِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَمَرَنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نَصَرَنَا وَفَتَحَ عَلَيْنَا . وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، فَقَالَ لِي : أَكَذَلِكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ فَقُلْتُ : لَا . فَقَالَ : مَا تَقُولُ ؟ فَقُلْتُ : هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ ، قَالَ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) فَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ( ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ . تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مِهْرَانَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، أَوْ نَحْوَهَا . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي " . . بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ . وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : إِنَّهَا أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعِيَ إِلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْحَنَفِيُّ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ إِذْ قَالَ : " اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ! جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ " . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَاأَهْلُ الْيَمَنِ ؟ قَالَ : " قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ، لَيِّنَةٌ طِبَاعُهُمْ ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ "

ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنِ ابْنِ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ، قَالَ : نُعِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسُهُ حِينَ نَزَلَتْ ، قَالَ : فَأَخَذَ بِأَشَدِّ مَا كَانَ قَطُّ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ :

" جَاءَ الْفَتْحُ وَنَصْرُ اللَّهِ ، وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ ؟ قَالَ : " قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ ، لَيِّنَةٌ قُلُوبُهُمْ ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ " .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ، فَقِيلَ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) السُّورَةُ كُلُّهَا . حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ : أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ نُعِيَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسُهُ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ جَمِيعًا : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى خَتَمَهَا ، فَقَالَ : " النَّاسُ حَيِّزٌ ، وَأَنَا وَأَصْحَابِي حَيِّزٌّ " . وَقَالَ : " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ " . فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ : كَذَبْتَ - وَعِنْدَهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، قَاعِدَانِ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ - فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : لَوْ شَاءَ هَذَانِ لَحَدَّثَاكَ ، وَلَكِنَّ هَذَا يَخَافُ أَنْ تَنْزِعَهُ عَنْ عِرَافَةِ قَوْمِهِ ، وَهَذَا يَخْشَى أَنْ تَنْزِعَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ . فَرَفَعَ مَرْوَانُ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ لِيَضْرِبَهُ ، فَلَمَّا رَأَيَا ذَلِكَ قَالَا : صَدَقَ . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ ، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ مَرْوَانُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ ، فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ : "لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَلَكِنْ إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا . فَالَّذِي فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَنَا إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا الْمَدَائِنَ وَالْحُصُونَ أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَشْكُرَهُ وَنُسَبِّحَهُ ، يَعْنِي نُصَلِّي وَنَسْتَغْفِرَهُ - مَعْنَى مَلِيحٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَقْتَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، فَقَالَ قَائِلُونَ : هِيَصَلَاةُ الضُّحَى. وَأُجِيبُوا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا ، فَكَيْفَ صَلَّاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَقَدْ كَانَ مُسَافِرًا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ ؟ وَلِهَذَا أَقَامَ فِيهَا إِلَى آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَرِيبًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُقْصِرُ الصَّلَاةَ وَيُفْطِرُ هُوَ وَجَمِيعُ الْجَيْشِ ، وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ . قَالَ هَؤُلَاءِ : وَإِنَّمَا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَتْحِ ، قَالُوا : فَيُسْتَحَبُّ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ إِذَا فَتَحَ بَلَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُهُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ . وَهَكَذَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ فَتَحَ الْمَدَائِنَ ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ : يُصَلِّيهَا كُلَّهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، كَمَا وَرَدَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ . وَأَمَّا مَا فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، مِنْ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نُعِيَ فِيهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسُهُ الْكَرِيمَةُ ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا فَتَحْتَ مَكَّةَ - وَهِيَ قَرْيَتُكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ - وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَقَدْ فَرَغَ شُغْلُنَا بِكَ فِي الدُّنْيَا ، فَتَهَيَّأْ لِلْقُدُومِ عَلَيْنَا وَالْوُفُودِ إِلَيْنَا ، فَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ) . قَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، قَالَ : نُعِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسُهُ حِينَ أُنْزِلَتْ ، فَأَخَذَ فِي أَشَدِّ مَا كَانَ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ : " جَاءَ الْفَتْحُ ، وَجَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ، وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ ؟ قَالَ : " قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ ، لَيِّنَةٌ قُلُوبُهُمُ ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ " . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْيَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ : " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ . وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ بِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ مِنْ قَوْلِ : " سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ " . وَقَالَ : " إِنَّ رَبِّي كَانَ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي ، وَأَمَرَنِي إِذَا رَأَيْتُهَا أَنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِرَهُ ، إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ، فَقَدْ رَأَيْتُهَا : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ) وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ - بِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ لَا يَقُومُ وَلَا يَقْعُدُ ، وَلَا يَذْهَبُ وَلَا يَجِيءُ ، إِلَّا قَالَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ" . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تُكْثِرُ مِنْ سُبْحَانِ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، لَا تَذْهَبُ وَلَا تَجِيءُ ، وَلَا تَقُومُ وَلَا تَقْعُدُ إِلَّا قُلْتَ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ؟ قَالَ : " إِنِّي أُمِرْتُ بِهَا " ، فَقَالَ : ) ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ . غَرِيبٌ ، وَقَدْ كَتَبْنَا حَدِيثَ كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ ، فَيُكْتَبُ هَاهُنَا . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ) كَانَ يُكْثِرُ إِذَا قَرَأَهَا - وَرَكَعَ - أَنْ يَقُولَ : " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " ثَلَاثًا . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهِ . وَالْمُرَادُ بِالْفَتْحِ هَاهُنَا فَتْحُ مَكَّةَ قَوْلًا وَاحِدًا ، فَإِنَّ أَحْيَاءَ الْعَرَبِ كَانَتْ تَتَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهَا فَتْحَ مَكَّةَ يَقُولُونَ : إِنْ ظَهَرَ عَلَى قَوْمِهِ فَهُوَ نَبِيٌّ . فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَلَمْ تَمْضِ سَنَتَانِ حَتَّى اسْتَوْسَقَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ إِيمَانًا ، وَلَمْ يَبْقَ فِي سَائِرِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ إِلَّا مُظْهِرٌ لِلْإِسْلَامِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : لَمَّا كَانَ الْفَتْحُ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتِ الْأَحْيَاءُ تَتَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهَا فَتْحَ مَكَّةِ يَقُولُونَ : دَعُوهُ وَقَوْمَهُ ، فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ . الْحَدِيثُ وَقَدْ حَرَّرْنَا غَزْوَةَ الْفَتْحِ فِي كِتَابِنَا : السِّيرَةِ ، فَمَنْ أَرَادَ فَلْيُرَاجِعْهُ هُنَاكَ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ ، حَدَّثَنِي جَارٌ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ فَجَاءَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ، فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ عَنِ افْتِرَاقِ النَّاسِ وَمَا أَحْدَثُوا ، فَجَعَلَ جَابِرٌ يَبْكِي ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ النَّاسَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، وَسَيَخْرُجُونَ مِنْهُ أَفْوَاجًا " . [ آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ] .