مكتبة الإسلام الشاملة

109 - تفسير سورة الكافرون

1-6

تَفْسِيرُسُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. ثَبْتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ :

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بِهَذِهِ السُّورَةِ ، وَبِ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " فِي رَكْعَتِي الطَّوَافِ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً - أَوْ : بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً - " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " وَ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾" . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : رَمَقْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ - أَوْ : خَمْسًا وَعِشْرِينَ - مَرَّةً ، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِ " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " وَ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ - ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : رَمَقْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِ " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " وَ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ ،وَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ فَرْوَةَ ابْنِ نَوْفَلٍ - هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : " هَلْ لَكَ فِي رَبِيبَةٍ لَنَا تَكْفُلُهَا ؟ " قَالَ : أَرَاهَا زَيْنَبَ . قَالَ : ثُمَّ جَاءَ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا ، قَالَ : " مَا فَعَلَتِ الْجَارِيَةُ ؟ " قَالَ : تَرَكْتُهَا عِنْدَ أُمِّهَا . قَالَ : " فَمَجِيءُ مَا جَاءَ بِكَ ؟ " قَالَ : جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي . قَالَ : "اقْرَأْ : " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا ، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ" . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .

وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْقَطْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ - وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

" إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ : " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " حَتَّى تَمُرَّ بِآخِرِهَا ، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشَّرَكِ " [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلِمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي . قَالَ : "إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ مِنَ اللَّيْلِ فَاقْرَأْ : " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ" . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ مَعْقِلٍ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنْ [ عَبَّادٍ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنْ خَبَّابٍ ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَرَأَ : " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " حَتَّى يَخْتِمَهَا . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾( 1 ) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ( 2 ) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ( 3 ) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ ( 4 ) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ( 5 ) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ( 6 ) ) هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْمُشْرِكُونَ ، وَهِيَ آمِرَةٌ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ ، فَقَوْلُهُ : ( ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ) شَمِلَ كُلَّ كَافِرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَلَكِنَّ الْمُوَاجَهِينَ بِهَذَا الْخِطَابِ هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عِبَادَةِ أَوْثَانِهِمْ سَنَةً ، وَيَعْبُدُونَ مَعْبُودَهُ سَنَةً ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ ، وَأَمَرَ رَسُولَهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَقَالَ : ( ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ) يَعْنِي : مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ( ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ) وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . فَ " مَا " هَاهُنَا بِمَعْنَى " مَنْ " . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ) أَيْ : وَلَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمْ ، أَيْ : لَا أَسْلُكُهَا وَلَا أَقْتَدِي بِهَا ، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ) أَيْ : لَا تَقْتَدُونَ بِأَوَامِرَ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي عِبَادَتِهِ ، بَلْ قَدِ اخْتَرَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ) [ النَّجْمِ : 23 ] فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا هُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ الْعَابِدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْبُودٍ يَعْبُدُهُ ، وَعِبَادَةٍ يَسْلُكُهَا إِلَيْهِ ، فَالرَّسُولُ وَأَتْبَاعُهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِمَا شَرَعَهُ ; وَلِهَذَا كَانَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " أَيْ : لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ عِبَادَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ ; وَلِهَذَا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ) [ يُونُسَ : 41 ] وَقَالَ : ( ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ ) [ الْقَصَصِ : 55 ] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : يُقَالُ : ( ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ) الْكَفْرُ ( ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ ) الْإِسْلَامُ . وَلَمْ يَقُلْ : " دِينِي " لِأَنَّ الْآيَاتِ بِالنُّونِ ، فَحُذِفَ الْيَاءُ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 78 ] وَ ( ﴿يَشْفِينِ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 80 ] وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْآنَ ، وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ : ( ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ ) [ الْمَائِدَةِ : 64 ] . انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ . وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ) [ الشَّرْحِ : 5 ، 6 ] وَكَقَوْلِهِ : ( ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ ) التَّكَاثُرِ : 6 ، 7 ] وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ - كَابْنِ الْجَوْزِيِّ ، وَغَيْرِهِ - عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَوَّلُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا . الثَّانِي : مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ : ( ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ) فِي الْمَاضِي ( ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ) فِي الْمُسْتَقْبَلِ . الثَّالِثُ : أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ مَحْضٌ . وَثَمَّ قَوْلٌ رَابِعٌ ، نَصَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَةَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ) نَفْيُ الْفِعْلِ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ ( ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ ) نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّ النَّفْيَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ ، وَكَوْنُهُ قَابِلًا لِذَلِكَ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْوُقُوعِ وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا . وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ) عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ تُورِثُهُ الْيَهُودُ مِنَ النَّصَارَى ، وَبِالْعَكْسِ ; إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ سَبَبٌ يُتَوَارَثُ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَدْيَانَ - مَا عَدَا الْإِسْلَامِ - كُلَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي الْبُطْلَانِ . وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى عَدَمِتَوْرِيثِ النَّصَارَى مِنَ الْيَهُودِ وَبِالْعَكْسِ; لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى " . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .