مكتبة الإسلام الشاملة

108 - تفسير سورة الكوثر

1-3

تَفْسِيرُسُورَةِ الْكَوْثَرِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ ، وَقِيلَ : مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾( 1 ) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ( 2 ) ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ( 3 ) ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :

أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِغْفَاءَةً ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا ، إِمَّا قَالَ لَهُمْ وَإِمَّا قَالُوا لَهُ : لِمَ ضَحِكْتَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّهُ أُنْزِلَتْ عَلِيَّ آنِفًا سُورَةٌ " . فَقَرَأَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ) حَتَّى خَتَمَهَا ، قَالَ : "هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ ؟" ، قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " هُوَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَنَّةِ ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ ، تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، آنِيَتُهُ عَدَدَ الْكَوَاكِبِ ، يُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ، إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي . فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ " . هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الثُّلَاثِيِّ ، وَهَذَا السِّيَاقِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ السَّمَاءِ عَنْ نَهْرِ الْكَوْثَرِ ، وَأَنَّ عَلَيْهِ آنِيَةً عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَعَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ ، عَنْ أَنَسٍ . وَلَفَظُ مُسْلِمٍ قَالَ : " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ ، إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا ، قُلْنَا : مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " أُنْزِلَتْ عَلِيَّ آنِفًا سُورَةٌ " ، فَقَرَأَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : " أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ ؟ " قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ ، فَأَقُولُ : رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي . فَيَقُولُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ " . وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ السُّورَةِ ، وَأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مَعَهَا . فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ) فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ( ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ ، فَإِذَا هُوَ نَهَرٌ يَجْرِي ، وَلَمْ يُشَقَّ شَقًّا ، وَإِذَا حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي فِي تُرْبَتِهِ ، فَإِذَا مِسْكُهُ ذَفَرَةٌ ، وَإِذَا حَصَاهُ اللُّؤْلُؤُ "

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

"دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ ، حَافَّتَاهُ خِيَامُ اللُّؤْلُؤِ ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى مَا يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ ، فَإِذَا مِسْكٌ أَذْفَرُ. قُلْتُ : مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ : " أَتَيْتُ عَلَى نَهْرٍ حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ فَقُلْتُ : مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا الْكَوْثَرُ " . وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُنَا قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَضَى بِهِ جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِذَا هُوَ بِنَهْرٍ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ ، فَذَهَبَ يَشُمُّ تُرَابَهُ ، فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ . قَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَا هَذَا النَّهْرُ ؟ قَالَ : هُوَ الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَّأَ لَكَ رَبُّكَ " . وَقَدْ تَقَدَّمَ [ فِي ] حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فِي سُورَةِ " سُبْحَانَ " ، مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَنَسٍ [ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَقَالَ سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذْ عَرَضَ لِي نَهْرٌ ، حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفٌ ، فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعَهُ : أَتَدْرِي مَا هَذَا ؟ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ . وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى أَرْضِهِ ، فَأَخْرَجَ مِنْ طِينِهِ الْمِسْكَ " وَكَذَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ طِرْخَانَ وَمَعْمَرٌ وَهَمَامٌ وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ الْعَبَّاسِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْكَوْثَرِ ، فَقَالَ : " هُوَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ ، تُرَابُهُ مِسْكٌ ، [ مَاؤُهُ ] أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، تَرِدُهُ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا مِثْلُ أَعْنَاقِ الْجُزُرِ " . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا لِنَاعِمَةٌ ؟ قَالَ : " أَكْلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا " . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْكَوْثَرُ ؟ قَالَ : " نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ أَعْطَانِيهِ رَبِّي ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ " . قَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ ؟ قَالَ : " أَكْلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا يَا عُمَرُ " . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْكَوْثَرِ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ : سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ) قَالَتْ : نَهْرٌ [ عَظِيمٌ ] أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ : رَوَاهُ زَكَرِيَّا وَأَبُو الْأَحْوَصِ وَمُطَرِّفٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُطَرَّفٍ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ وَإِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ : الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ ، شَاطِئَاهُ دُرٌّ مُجَوَّفٌ . وَقَالَ إِسْرَائِيلُ : نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهِ مِنَ الْآنِيَةِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ شَقِيقٍ - أَوْ مَسْرُوقٍ - قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، حَدِّثِينِي عَنِ الْكَوْثَرِ . قَالَتْ : نَهْرٌ فِي بُطْنَانِ الْجَنَّةِ . قُلْتُ : وَمَا بُطْنَانُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَتْ : وَسَطُهَا ، حَافَّتَاهُ قُصُورُ اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ ، تُرَابُهُ الْمِسْكُ ، وَحَصَاؤُهُ اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ . وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ خَرِيرَ الْكَوْثَرِ ، فَلْيَجْعَلْ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ وَعَائِشَةَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : " عَنْ رَجُلٍ ، عَنْهَا " . وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يَسْمَعُ نَظِيرَ ذَلِكَ ، لَا أَنَّهُ يَسْمَعُهُ نَفْسَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا ، مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَوْثَرِ : هُوَ الْخَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ . قَالَ أَبُو بِشْرٍ : قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : النَّهْرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ . وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْكَوْثَرُ : الْخَيْرُ الْكَثِيرُ . [ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْكَوْثَرُ : الْخَيْرُ الْكَثِيرُ ] . وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَعُمُّ النَّهْرَ وَغَيْرَهُ ; لِأَنَّ الْكَوْثَرَ مِنَ الْكَثْرَةِ ، وَهُوَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ ، وَمِنْ ذَلِكَ النَّهْرُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ، وَالْحُسْنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ . حَتَّى قَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : هُوَ النُّبُوَّةُ وَالْقُرْآنُ ، وَثَوَابُ الْآخِرَةِ . وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالنَّهْرِ أَيْضًا ، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْكَوْثَرُ : نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ ، حَافَّتَاهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ، يَجْرِي عَلَى الْيَاقُوتِ وَالدُّرِّ ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ . وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ ، حَافَّتَاهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ، يَجْرِي عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ بِهِ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ قَالَ . . . وَقَالَ عَطَاءُ [ بْنُ السَّائِبِ ] ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ ، وَالْمَاءُ يَجْرِي عَلَى اللُّؤْلُؤِ ، وَمَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ بِهِ مَرْفُوعًا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ : قَالَ لِي مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ : مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي الْكَوْثَرِ ؟ قُلْتُ : حَدَّثَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ . فَقَالَ : صَدَقَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لِلْخَيْرُ الْكَثِيرُ . وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ ، حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ ، يَجْرِي عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ " . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنِي حَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَوْمًا فَلَمْ يَجِدْهُ ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ - وَكَانَتْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ - فَقَالَتْ : خَرَجَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ آنِفًا عَامِدًا نَحْوَكَ ، فَأَظُنُّهُ أَخْطَأَكَ فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ بَنِي النَّجَّارِ ، أَوَلَا تَدْخُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَدَخَلَ ، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ حَيْسًا ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَنِيئًا لَكَ وَمَرِيئًا ، لَقَدْ جِئْتَ وَأَنَا أُرِيدَ أَنْ آتِيَكَ فَأُهَنِّيَكَ وَأَمْرِيَكَ ; أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَارَةَ أَنَّكَ أُعْطِيتَ نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ يُدْعَى الْكَوْثَرَ . فَقَالَ : " أَجَلْ ، وَعَرَضُهُ - يَعْنِي أَرْضَهُ - يَاقُوتٌ وَمَرْجَانٌ ، وَزَبَرْجَدٌ وَلُؤْلُؤٌ " . حَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ ضَعِيفٌ . وَلَكِنَّ هَذَا سِيَاقٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ صَحَّ أَصْلُ هَذَا ، بَلْ قَدْ تَوَاتَرَ مِنْ طَرِيقٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ الْحَوْضِ [ وَلْنَذْكُرْهَا هَاهُنَا ] . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ الْكَوْثَرَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ . وَقَالَ عَطَاءٌ : هُوَ حَوْضٌ فِي الْجَنَّةِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ) أَيْ : كَمَا أَعْطَيْنَاكَ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمِنْ ذَلِكَ النَّهْرُ الَّذِي تَقَدَّمَ صِفَتُهُ - فَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ صَلَاتَكَ الْمَكْتُوبَةَ وَالنَّافِلَةَ وَنَحْرَكَ ، فَاعْبُدْهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَانْحَرْ عَلَى اسْمِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 162 ، 163 ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ : يَعْنِي بِذَلِكَ نَحْرَ الْبُدْنِ وَنَحْوِهَا . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَ الْحَكَمُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ . وَهَذَا بِخِلَافِ مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ مِنَ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَالذَّبْحِ عَلَى غَيْرِ اسْمِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ) الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 121 ] . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿وَانْحَرْ﴾ ) وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى تَحْتَ النَّحْرِ . يُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَلَا يَصِحُّ . وَعَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ . وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ : ( ﴿وَانْحَرْ﴾ ) يَعْنِي : ارْفَعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ . وَقِيلَ : ( ﴿وَانْحَرْ﴾ ) أَيْ : اسْتَقْبِلْ بِنَحْرِكَ الْقِبْلَةَ . ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا مُنْكَرًا جِدًّا ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَامِيُّ - سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ - حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ حَاتِمٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نَبَاتَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَا هَذِهِ النَّحِيرَةُ الَّتِي أَمَرَنِي بِهَا رَبِّي ؟ " فَقَالَ : لَيْسَتْ بِنَحِيرَةٍ ، وَلَكِنَّهُ يَأْمُرُكَ إِذَا تَحَرَّمْتَ لِلصَّلَاةِ ، ارْفَعْ يَدَيْكَ إِذَا كَبَّرْتَ وَإِذَا رَكَعْتَ ، وَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ ، وَإِذَا سَجَدْتَ ، فَإِنَّهَا صَلَاتُنَا وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ ، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةً ، وَزِينَةُ الصَّلَاةِ رَفَعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ بْنِ حَاتِمٍ بِهِ . وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : ( ﴿وَانْحَرْ﴾ ) أَيْ : ارْفَعْ صُلْبَكَ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَاعْتَدِلْ ، وَأَبْرِزْ نَحْرَكَ ، يَعْنِي بِهِ الِاعْتِدَالَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . [ كُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ غَرِيبَةٌ جِدًّا ] وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّحْرِ ذَبْحُ الْمَنَاسِكِ ; وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَيُصَلِّي الْعِيدَ ثُمَّ يَنْحَرُ نُسُكَهُوَيَقُولُ : " مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا ، وَنَسَكَ نُسُكَنَا ، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ . وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا نُسُكَ لَهُ " . فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نَيَّارٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ . قَالَ : " شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ " . قَالَ : فَإِنَّ عِنْدِي عِنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ ، أَفَتُجْزِئُ عَنِّي ؟ قَالَ : " تُجْزِئُكَ ، وَلَا تُجَزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ " . قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : وَالصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَاجْعَلْ صَلَاتَكَ كُلَّهَا لِرَبِّكَ خَالِصًا دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ ، وَكَذَلِكَ نَحْرَكَ اجْعَلْهُ لَهُ دُونَ الْأَوْثَانِ ; شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ ، الَّذِي لَا كِفَاءَ لَهُ ، وَخَصَّكَ بِهِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى : مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَعَطَاءٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ) أَيْ : إِنَّ مُبْغِضَكَ - يَا مُحَمَّدُ - وَمُبْغِضَ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ وَالْبُرْهَانِ السَّاطِعِ وَالنُّورِ الْمُبِينِ ، هُوَ الْأَبْتَرُ الْأَقَلُّ الْأَذَلُّ الْمُنْقَطِعُ ذِكْرُهُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةُ : نَزَلَتْ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ : كَانَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ إِذَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : دَعُوهُ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَبْتَرُ لَا عَقِبَ لَهُ ، فَإِذَا هَلَكَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ . وَقَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ : نَزَلَتْ فِي عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعْيطٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعِكْرِمَةُ : نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ . وَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ مَكَّةَ فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ : أَنْتَ سَيِّدُهُمْ ، أَلَّا تَرَى إِلَى هَذَا الْمُصَنْبَرِ الْمُنْبَتِرِ مِنْ قَوْمِهِ ، يَزْعُمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَّا ، وَنَحْنُ أَهْلُ الْحَجِيجِ ، وَأَهْلُ السَّدَانَةِ وَأَهْلُ السِّقَايَةِ ؟ فَقَالَ : أَنْتُمْ خَيْرٌ مِنْهُ . قَالَ : فَنَزَلَتْ : ( ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ) هَكَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ ، وَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . وَعَنْ عَطَاءٍ : نَزَلَتْ فِي أَبِي لَهَبٍ ، وَذَلِكَ حِينَ مَاتَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ أَبُو لَهَبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ : بُتِرَ مُحَمَّدٌ اللَّيْلَةَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : ( ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ . وَعَنْهُ : ( ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ ) يَعْنِي : عَدُّوَّكَ . وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ مِمَّنْ ذُكِرَ ، وَغَيْرِهِمْ .

وَقَالَ عِكْرِمَةُ : الْأَبْتَرُ : الْفَرْدُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانُوا إِذَا مَاتَ ذُكُورُ الرَّجُلِ قَالُوا : بُتِرَ . فَلَمَّا مَاتَ أَبْنَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : بُتِرَ مُحَمَّدٌ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ) وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْأَبْتَرَ الَّذِي إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ ، فَتَوَهَّمُوا لِجَهْلِهِمْ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ بَنُوهُ يَنْقَطِعُ ذِكْرُهُ ، وَحَاشَا وَكَلَّا ، بَلْ قَدْ أَبْقَى اللَّهُ ذِكْرَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ ، وَأَوْجَبَ شَرْعَهُ عَلَى رِقَابِ الْعِبَادِ ، مُسْتَمِرًّا عَلَى دَوَامِ الْآبَادِ ، إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ وَالْمَعَادِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ التَّنَادِّ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْكَوْثَرِ " ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .