مكتبة الإسلام الشاملة

111 - تفسير سورة المسد

1-5

تَفْسِيرُسُورَةِ تَبَّتْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾( 1 ) ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ( 2 ) ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ( 3 ) ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ( 4 ) ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ( 5 ) ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ ، فَصَعِدَ الْجَبَلَ فَنَادَى : " يَا صَبَاحَاهَ " . فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ : " أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ ، أَكَنْتُمْ تُصَدِّقُونِي ؟ " . قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ " .**فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا ؟ تَبًّا لَكَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ )**إِلَى آخِرِهَا . وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَامَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ . أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ) . الْأَوَّلُ دُعَاءٌ عَلَيْهِ ، وَالثَّانِي خَبَرٌ عَنْهُ . فَأَبُو لَهَبٍ هَذَا هُوَ أَحَدُ أَعْمَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُهُ : عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عُتْبَةَ . وَإِنَّمَا سُمِّيَ " أَبَا لَهَبٍ " لِإِشْرَاقِ وَجْهِهِ ، وَكَانَ كَثِيرَ الْأَذِيَّةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبُغْضَةِ لَهُ ، وَالِازْدِرَاءِ بِهِ ، وَالتَّنَقُّصِ لَهُ وَلِدِينِهِ . . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ - يُقَالُ لَهُ : رَبِيعَةُ بْنُ عَبَّادٍ ، مِنْ بَنِي الدِّيلِ ، وَكَانَ جَاهِلِيًّا فَأَسْلَمَ - قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَهُوَ يَقُولُ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، قُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا " وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ أَحْوَلُ ذُو غَدِيرَتَيْنِ ، يَقُولُ : إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ . يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا : هَذَا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ . ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ سُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَهُ - قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : قُلْتُ لِرَبِيعَةَ : كُنْتُ يَوْمَئِذٍ صَغِيرًا ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، إِنِّي يَوْمَئِذٍ لَأَعْقِلُ أَنِّي أَزَفْرُ الْقِرْبَةَ . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ عَبَّادٍ الدِّيلِيَّ يَقُولُ : إِنِّي لَمَعَ أَبِي رَجُلٌ شَابٌّ ، أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْبَعُ الْقَبَائِلَ - وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ ، ذُو جُمَّةٍ - يَقِفُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَبِيلَةِ فَيَقُولُ : " يَا بَنِي فُلَانٍ ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ، آمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ تُصَدِّقُونِي وَتَمْنَعُونِي حَتَّى أُنَفِّذَ عَنِ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ " . وَإِذَا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قَالَ الْآخَرُ مِنْ خَلْفِهِ : يَا بَنِي فُلَانٍ ، هَذَا يُرِيدُ مِنْكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى ، وَحُلَفَاءَكُمْ مِنَ الْجِنِّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ ، إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ ، فَلَا تَسْمَعُوا لَهُ وَلَا تَتَّبِعُوهُ . فَقُلْتُ لِأَبِي : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ . رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ . فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ) أَيْ : خَسِرَتْ وَخَابَتْ ، وَضَلَّ عَمَلُهُ وَسَعْيُهُ ( ﴿وَتَبَّ﴾ ) أَيْ : وَقَدْ تَبَّ تَحَقُّقُ خَسَارَتِهِ وَهَلَاكِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : ( ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ ) يَعْنِي : وَلَدَهُ . وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحُسْنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، مِثْلَهُ . وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِيمَانِ ،قَالَ أَبُو لَهَبٍ : إِذَا كَانَ مَا يَقُولُ ابْنُ أَخِي حَقًّا ، فَإِنِّي أَفْتَدِي نَفْسِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ بِمَالِي وَوَلَدِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ) أَيْ : ذَاتَ شَرَرٍ وَلَهِيبٍ وَإِحْرَاقٍ شَدِيدٍ . ( ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ) وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ سَادَاتِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ ، وَهِيَ : أُمُّ جَمِيلٍ ، وَاسْمُهَا أَرْوَى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ . وَكَانَتْ عَوْنًا لِزَوْجِهَا عَلَى كُفْرِهِ وَجُحُودِهِ وَعِنَادِهِ ; فَلِهَذَا تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَوْنًا عَلَيْهِ فِي عَذَابِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ . وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ) يَعْنِي : تَحْمِلُ الْحَطَبَ فَتُلْقِي عَلَى زَوْجِهَا ، لِيَزْدَادَ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ ، وَهِيَ مُهَيَّأَةٌ لِذَلِكَ مُسْتَعِدَّةٌ لَهُ . ( ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَعُرْوَةُ : مِنْ مَسَدِّ النَّارِ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْحُسْنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالسُّدِّيِّ : ( ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ) كَانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ، [ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ] . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطِيَّةَ الْجَدَلِيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَابْنِ زَيْدٍ : كَانَتْ تَضَعُ الشَّوْكَ فِي طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقِيلَ : كَانَتْ تُعَيِّرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَقْرِ ، وَكَانَتْ تَحْتَطِبُ ، فَعُيِّرَتْ بِذَلِكَ . كَذَا حَكَاهُ ، وَلَمْ يَعْزُهُ إِلَى أَحَدٍ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : كَانَتْ لَهَا قِلَادَةٌ فَاخِرَةٌ فَقَالَتْ : لَأُنْفِقَنَّهَا فِي عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ يَعْنِي : فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ بِهَا حَبْلًا فِي جِيدِهَا مِنْ مَسَدِ النَّارِ .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُلَيْمٍ مَوْلَى الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : الْمَسَدُّ : اللِّيفُ . وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : الْمَسَدُّ : سِلْسِلَةٌ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ : هُوَ قِلَادَةٌ مِنْ نَارٍ ، طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمَسَدُ : اللِّيفُ . وَالْمَسَدُ أَيْضًا : حَبْلٌ مِنْ لِيفٍ أَوْ خُوصٍ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ جُلُودِ الْإِبِلِ أَوْ أَوْبَارِهَا ، وَمَسَدْتُ الْحَبْلَ أُمْسِدُهُ مَسْدًا : إِذَا أَجَدْتُ فَتْلَهُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ) أَيْ : طَوْقٌ مِنْ حَدِيدٍ ، أَلَّا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ يُسَمَّوْنَ الْبَكْرَةَ مَسَدًا ؟ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو زُرْعَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ :

لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ) أَقْبَلَتِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ ، وَلَهَا وَلْوَلَةٌ ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ ، وَهِيَ تَقُولُ :

مُذَمَّمًا أَبَيْنَا ※ وَدِينَهُ قَلَيْنَا ※ وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا ※

وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَنَا أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَرَاكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي " . وَقَرَأَ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 45 ] . فَأَقْبَلَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، إِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي ؟ قَالَ : لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ . فَوَلَّتْ وَهِيَ تَقُولُ : قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي ابْنَةُ سَيِّدِهَا . قَالَ : وَقَالَ الْوَلِيدُ فِي حَدِيثِهِ أَوْ غَيْرِهِ : فَعَثَرَتْ أُمُّ جَمِيلٍ فِي مِرْطِهَا وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَقَالَتْ : تَعِسَ مُذَمَّمٌ . فَقَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : إِنِّي لَحِصَانُ فَمَا أُكَلَّمُ ، وَثَقَافُ فَمَا أُعَلَّمُ ، وَكُلُّنَا مِنْ بَنِي الْعَمِّ ، وَقُرَيْشٌ بَعْدُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ) جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ . فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : لَوْ تَنَحَّيْتَ لَا تُؤْذِيكَ بِشَيْءٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّهُ سَيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنِهَا " . فَأَقْبَلَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، هَجَانَا صَاحِبُكَ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا وَرَبِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ مَا نَطَقَ بِالشِّعْرِ وَلَا يَتَفَوَّهُ بِهِ . فَقَالَتْ : إِنَّكَ لَمُصَدِّقٌ ، فَلَمَّا وَلَّتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا رَأَتْكَ ؟ قَالَ : " لَا ، مَا زَالَ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي حَتَّى وَلَّتْ " .

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ) أَيْ : فِي عُنُقِهَا حَبْلٌ فِي نَارِ [ جَهَنَّمَ ] تُرْفَعُ بِهِ إِلَى شَفِيرِهَا ، ثُمَّ يُرْمَى بِهَا إِلَى أَسْفَلِهَا ، ثُمَّ كَذَلِكَ دَائِمًا . قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ فِي كِتَابِهِ التَّنْوِيرِ - وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ - وَعَبَّرَ بِالْمَسَدِ عَنْ حَبْلِ الدَّلْوِ ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدَّيْنُورِيُّ فِي كِتَابِ " النَّبَاتِ " : كُلُّ مَسَدٍ : رِشَاءٌ ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ :

وَبَكْرَةً وَمِحْوَرًا صِرَارًا ※ وَمَسَدًا مِنْ أَبَقٍ مُغَارًا ※

قَالَ : وَالْأَبَقُ : الْقُنَّبُ . وَقَالَ الْآخَرُ :

يَا مَسَدَ الْخُوصِ تَعَوَّذْ مِنِّي ※ إِنْ تَكُ لَدْنًا لَيِّنَا فَإِنِّي ※ مَا شِئْتَ مِنْ أَشْمَطَ مُقْسَئِنَّ ※

قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ وَدَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى النُّبُوَّةِ ، فَإِنَّهُ مُنْذُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ) فَأَخْبَرَ عَنْهُمَا بِالشَّقَاءِ وَعَدَمِ الْإِيمَانِ ، لَمْ يُقَيِّضْ لَهُمَا أَنْ يُؤْمِنَا ، وَلَا وَاحِدَ مِنْهُمَا لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا ، لَا مُسِرًّا وَلَا مُعْلِنًا ، فَكَانَ هَذَا مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ الْبَاهِرَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ الظَّاهِرَةِ . [ آخِرُ تَفْسِيرِ " تَبَّتْ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ]