مكتبة الإسلام الشاملة

3 - تفسير سورة آل عمران

1-4

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ هِيَ مَدَنِيَّةٌ ، لِأَنَّ صَدْرَهَا إِلَى ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْمُبَاهَلَةِ مِنْهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا مَعَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ [ سُورَةِ ] الْبَقَرَةِ . ( ﴿الم﴾ ( 1 ) ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( 2 ) ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ( 3 ) ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ( 4 ) ) وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَنَّاسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : ( ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ) وَ ( ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ) عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿الم﴾ ) فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : ( ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ) فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى ( ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ) يَعْنِي : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يَا مُحَمَّدُ ) بِالْحَقِّ ) أَيْ : لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا رَيْبَ ، بَلْ هُوَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] أَنْزَلَهُ بِعَلَمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ) أَيْ : مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَهِيَ تُصَدِّقُهُ بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ وَبَشَّرَتْ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ ، وَهُوَ يُصَدِّقُهَا ، لِأَنَّهُ طَابَقَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ وَبَشَّرَتْ ، مِنَ الْوَعْدِ مِنَ اللَّهِ بِإِرْسَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ ) أَيْ : عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ) وَالْإِنْجِيلَ ) أَيْ : عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . ( ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ ) أَيْ : مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ . ) هُدًى لِلنَّاسِ ) أَيْ : فِي زَمَانِهِمَا ( ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ) وَهُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ ، بِمَا يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ ، وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ ، وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَاتِ ، وَيُبَيِّنُهُ وَيُوَضِّحُهُ وَيُفَسِّرُهُ وَيُقَرِّرُهُ ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : الْفُرْقَانُ هَاهُنَا الْقُرْآنُ . وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ مَصْدَرٌ هَاهُنَا ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ) وَهُوَ الْقُرْآنُ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا بِالْفُرْقَانِ : التَّوْرَاةُ فَضَعِيفٌ أَيْضًا ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ) أَيْ : جَحَدُوا بِهَا وَأَنْكَرُوهَا ، وَرَدُّوهَا بِالْبَاطِلِ ( ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) وَاللَّهُ عَزِيزٌ ) أَيْ : مَنِيعُ الْجَنَابِ عَظِيمُ السُّلْطَانِ ) ذُو انْتِقَامٍ ) أَيْ : مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ وَخَالَفَ رُسُلَهُ الْكِرَامَ ، وَأَنْبِيَاءَهُ الْعِظَامَ .

5-6

( ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ( 5 ) ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ( 6 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، [ وَ ] لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . ( ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ) أَيْ : يَخْلُقُكُمْ كَمَا يَشَاءُ فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ، [ وَ ] حَسَنٍ وَقَبِيحٍ ، وَشَقِيٍّ وَسَعِيدٍ ( ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ) أَيْ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ ، وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْإِلَهِيَّةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَلَهُ الْعِزَّةُ الَّتِي لَا تُرَامُ ، وَالْحِكْمَةُ وَالْأَحْكَامُ . وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَعْرِيضٌ بَلْتَصْرِيحٌ بِأَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ، كَمَا خَلَقَ اللَّهُ سَائِرَ الْبَشَرِ ، لِأَنَّ اللَّهَ [ تَعَالَى ] صَوَّرَهُ فِي الرَّحِمِ وَخَلَقَهُ كَمَا يَشَاءُ ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا كَمَا زَعَمَتْهُ النَّصَارَى - عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ - وَقَدْ تَقَلَّبَ فِي الْأَحْشَاءِ ، وَتَنَقَّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ) [ الزُّمَرِ : 6 ]

7-9

( ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ( 7 ) ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ( 8 ) ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ( 9 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ، أَيْ : بَيِّنَاتٌ وَاضِحَاتُ الدَّلَالَةِ ، لَا الْتِبَاسَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، وَمِنْهُ آيَاتٌ أُخَرُ فِيهَا اشْتِبَاهٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَوْ بَعْضِهِمْ ، فَمَنْ رَدَّ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى الْوَاضِحِ مِنْهُ ، وَحَكَّمَ مُحْكَمَهُ عَلَى مُتَشَابِهِهِ عِنْدَهُ ، فَقَدِ اهْتَدَى . وَمَنْ عَكَسَ انْعَكَسَ ، وَلِهَذَاقَالَ تَعَالَى : ( ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ )أَيْ : أَصْلُهُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ ( ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ) أَيْ : تَحْتَمِلُ دَلَالَتُهَا مُوَافَقَةَ الْمُحْكَمِ ، وَقَدْ تَحْتَمِلُ شَيْئًا آخَرَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَالتَّرْكِيبِ ، لَا مِنْ حَيْثُ الْمُرَادِ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ ، فَرُوِيَ عَنِ السَّلَفِ عِبَارَاتٌ كَثِيرَةٌ ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ أَنَّهُ قَالَ ] الْمُحْكَمَاتُ نَاسِخُهُ ، وَحَلَالُهُ وَحَرَامُهُ ، وَحُدُودُهُ وَفَرَائِضُهُ ، وَمَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِهِ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْمُحْكَمُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : الْمُحْكَمَاتُ [ فِي ] قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 151 ] وَالْآيَتَانِ بَعْدَهَا ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 23 ] إِلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ بَعْدَهَا . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَحَكَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ [ ثُمَّ ] قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثْنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ وَأَبَا فَاخِتَةَ تَرَاجَعَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ) فَقَالَ أَبُو فَاخِتَةَ : فَوَاتِحُ السُّوَرِ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ : الْفَرَائِضُ ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ ، وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ) يَقُولُ : أَصْلُ الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُنَّ أُمَّ الْكِتَابِ ، لِأَنَّهُنَّ مَكْتُوبَاتٌ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ . وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ أَهْلِ دِينٍ إِلَّا يَرْضَى بِهِنَّ . وَقِيلَ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ : إِنَّهُنَّ الْمَنْسُوخَةُ ، وَالْمُقَدَّمُ مِنْهُ وَالْمُؤَخَّرُ ، وَالْأَمْثَالُ فِيهِ وَالْأَقْسَامُ ، وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ . رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقِيلَ : هِيَ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ ، قَالَهُ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ : الْمُتَشَابِهَاتُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا . وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : ( ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ ) [ الزُّمَرِ : 23 ] هُنَاكَ ذَكَرُوا : أَنَّالْمُتَشَابِهَ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يَكُونُ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَالْمَثَانِي هُوَ الْكَلَامُ فِي شَيْئَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ كَصِفَةِ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ النَّارِ ، وَذِكْرِ حَالِ الْأَبْرَارِ ثُمَّ حَالِ الْفُجَّارِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمُتَشَابِهُ هُوَ الَّذِي يُقَابِلُ الْمُحْكَمَ . وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، حَيْثُ قَالَ : ( ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ) فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ ، لَيْسَ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَالْمُتَشَابِهَاتُ فِي الصِّدْقِ ، لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ ، ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ ، كَمَا ابْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَلَّا يَصْرِفْنَ إِلَى الْبَاطِلِ ، وَلَا يُحَرِّفْنَ عَنِ الْحَقِّ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ) أَيْ : ضَلَالٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ( ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ بِالْمُتَشَابِهِ الَّذِي يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُحَرِّفُوهُ إِلَى مَقَاصِدِهِمُ الْفَاسِدَةِ ، وَيُنْزِلُوهُ عَلَيْهَا ، لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لِمَا يَصْرِفُونَهُ ، فَأَمَّا الْمُحْكَمُ فَلَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّهُ دَامِغٌ لَهُمْ وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ ) أَيِ : الْإِضْلَالِ لِأَتْبَاعِهِمْ ، إِيهَامًا لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِالْقُرْآنِ ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ ، كَمَا لَوِ احْتَجَّ النَّصَارَى بِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَطَقَ بِأَنَّ عِيسَى هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِهِ [ تَعَالَى ] ( ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ ) [ الزُّخْرُفِ : 59 ] وَبِقَوْلِهِ : ( ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 59 ] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ خَلْقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ ، وَعَبْدٌ وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ) أَيْ : تَحْرِيفِهِ عَلَى مَا يُرِيدُونَ ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ : يَبْتَغُونَ أَنْ يَعْلَمُوا مَا يَكُونُ وَمَا عَوَاقِبُ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْقُرْآنِ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ،

[ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ]﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( أُولُو الْأَلْبَابِ ) فَقَالَ : " فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ . ](/bukhari#4273)

هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْهَا . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَبْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ . وَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَيُّوبَ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ ، بِهِ . وَتَابَعَ أَيُّوبَ أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ ، فَذَكَرَهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ يَحْيَى الْأَبَحِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ وَنَافِعِ بْنِ عُمَرَ الْجُمَحِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، بِهِ . وَقَالَ نَافِعٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ، فَذَكَرَهُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ صَحِيحِهِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ سُنَنِهِ ، ثَلَاثَتُهُمْ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ،

[ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ]﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ) قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ " ](/bukhari#4273) لَفْظُ الْبُخَارِيِّ . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا ، عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيِّ ، بِهِ . وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَذَكَرَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيَّ تَفَرَّدَ بِذِكْرِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقَاسِمَ . كَذَا قَالَ . وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ السَّدُوسِيِّ - وَلَقَبُهُ عَارِمٌ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، بِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ ، فَاحْذَرُوهُمْ " . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : نَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَدْ حَذَّرَكُمُ اللَّهُ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاعْرِفُوهُمْ " . وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ بِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يُحَدِّثُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ) قَالَ : " هُمُ الْخَوَارِجُ " ، وَفِي قَوْلِهِ : ( ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ) . [ آلِ عِمْرَانَ : 106 ] قَالَ : " هُمُ الْخَوَارِجُ " . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا ، فَذَكَرَهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَقَلُّ أَقْسَامِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ ، وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ ، فَإِنَّأَوَّلَ بِدْعَةٍ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِفِتْنَةُ الْخَوَارِجِ ، وَكَانَ مَبْدَؤُهُمْ بِسَبَبِ الدُّنْيَا حِينَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ ، فَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا فِي عُقُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ أَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ فِي الْقِسْمَةِ ، فَفَاجَئُوهُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ - وَهُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - بَقَرَ اللَّهُ خَاصِرَتَهُ - اعْدِلْ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ ، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي " . فَلَمَّا قَفَا الرَّجُلُ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - وَفِي رِوَايَةٍ : خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - [ وَلَا بُعْدَ فِي الْجَمْعِ ] - رَسُولَ اللَّهِ فِي قَتْلِهِ ، فَقَالَ : " دَعْهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا - أَيْ : مِنْ جِنْسِهِ - قَوْمٌ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ ، وَصِيَامَهِ مَعَ صِيَامِهِمْ ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ . ثُمَّ كَانَ ظُهُورُهُمْ أَيَّامَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَتْلُهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ ، ثُمَّ تَشَعَّبَتْ مِنْهُمْ شُعُوبٌ وَقَبَائِلُ وَآرَاءٌ وَأَهْوَاءٌ وَمَقَالَاتٌ وَنِحَلٌ كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ ، ثُمَّ نَبَعَتِ الْقَدَرِيَّةُ ، ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةُ ، ثُمَّ الْجَهْمِيَّةُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِي قَوْلِهِ : " وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً " قَالُوا : [ مَنْ ] هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي " أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ ، عَنْ حُذَيْفَةَ - أَوْ سَمِعَهُ مِنْهُ - يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ : " إِنَّ فِي أُمَّتِي قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَنْثُرُونَهُ نَثْرَ الدَّقَلِ ، يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ " . [ لَمْ ] يُخَرِّجُوهُ . [ وَقَوْلُهُ ] ( ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ) اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي الْوَقْفِ هَاهُنَا ، فَقِيلَ : عَلَى الْجَلَالَةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ :التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي فَهْمِهِ ، وَتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَاتِهَا ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعُرْوَةَ ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ ، وَأَبِي نَهِيكٍ ، وَغَيْرِهِمْ . وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَرْثَدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي إِلَّا ثَلَاثَ خِلَالٍ : أَنْ يَكْثُرَ لَهُمُ الْمَالُ فَيَتَحَاسَدُوا فَيَقْتَتِلُوا ، وَأَنْ يُفْتَحَ لَهُمُ الْكِتَابُ فَيَأْخُذَهُ الْمُؤْمِنُ يَبْتَغِي تَأْوِيلَهُ ، ( ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ]﴾ ) الْآيَةَ ، وَأَنْ يَزْدَادَ عِلْمُهُمْ فَيُضَيِّعُوهُ وَلَا يُبَالُونَ عَلَيْهِ " غَرِيبٌ جِدًّا . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ الْعَاصِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِيُكَذِّبَ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ ، وَمَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَآمِنُوا بِهِ " .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ : " وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ، وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ : آمَنَّا بِهِ " وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ : أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَلَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ . وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : " إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ " . وَكَذَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ : ( ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ) وَتَبِعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلِ الْأُصُولِ ، وَقَالُوا : الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ . وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : ( ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ ) الَّذِي أَرَادَ مَا أَرَادَ ( ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ) ثُمَّ رَدُّوا تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحْكَمَةِ الَّتِي لَا تَأْوِيلَ لِأَحَدٍ فِيهَا إِلَّا تَأْوِيلٌ وَاحِدٌ ، فَاتَّسَقَ بِقَوْلِهِمُ الْكِتَابُ ، وَصَدَّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَنَفَذَتِ الْحُجَّةُ ، وَظَهَرَ بِهِ الْعُذْرُ ، وَزَاحَ بِهِ الْبَاطِلُ ، وَدُفِعَ بِهِ الْكُفْرُ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ :

" اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ " .

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَصَّلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، فَقَالَ :التَّأْوِيلُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ مَعْنَيَانِ، أَحَدُهُمَا : التَّأْوِيلُ بِمَعْنَى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ ، وَمَا يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ ) [ يُوسُفَ : 100 ] وَقَوْلُهُ ( ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 53 ] أَيْ : حَقِيقَةُ مَا أُخْبَرُوا بِهِ مِنَ أَمْرِ الْمَعَادِ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ هَذَا ، فَالْوَقْفُ عَلَى الْجَلَالَةِ ، لِأَنَّ حَقَائِقَ الْأُمُورِ وَكُنْهَهَا لَا يَعْلَمُهُ عَلَى الْجَلِيَّةِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ) مُبْتَدَأً وَ ( ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ) خَبَرَهُ . وَأَمَّا إِنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ الْمَعْنَى الْآخَرُ وَهُوَ التَّفْسِيرُ وَالتَّعْبِيرُ وَالْبَيَانُ عَنِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ) [ يُوسُفَ : 36 ] أَيْ : بِتَفْسِيرِهِ ، فَإِنَّ أُرِيدَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى ، فَالْوَقْفُ عَلَى : ( ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ) لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ وَيَفْهَمُونَ مَا خُوطِبُوا بِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَإِنْ لَمْ يُحِيطُوا عِلْمًا بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ عَلَى كُنْهِ مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ) حَالًا مِنْهُمْ ، وَسَاغَ هَذَا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَعْطُوفِ دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿[ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ] يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا [ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ]﴾ ) الْآيَةَ [ الْحَشْرِ : 8 - 10 ] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ) [ الْفَجْرِ : 22 ] أَيْ : وَجَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ صُفُوفًا صُفُوفًا . وَقَوْلُهُ إِخْبَارًا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ ( ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ) أَيْ : بِالْمُتَشَابِهِ ( ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ) أَيْ : الْجَمِيعُ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ حَقٌّ وَصِدْقٌ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُصَدِّقُ الْآخَرَ وَيَشْهَدُ لَهُ ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِمُخْتَلِفٍ وَلَا مُتَضَادٍّ لِقَوْلِهِ : ( ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 82 ] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا يَفْهَمُ وَيَعْقِلُ وَيَتَدَبَّرُ الْمَعَانِيَ عَلَى وَجْهِهَا أُولُو الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَالْفُهُومِ الْمُسْتَقِيمَةِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا فَيَّاضٌ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ - وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَسًا ، وَأَبَا أُمَامَةَ ، وَأَبَا الدَّرْدَاءِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، فَقَالَ :

" مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ ، وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ ، وَمَنْ أَعَفَّ بَطْنَهُ وَفَرْجَهُ ، فَذَلِكَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا يَتَدَارَءُونَ فَقَالَ : " إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ، ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ كِتَابُ اللَّهِ لِيُصَدِّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا ، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ " . وَ [ قَدْ ] تَقَدَّمَ رِوَايَةُ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، بِهِ . وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَالْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ - ثَلَاثًا - مَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَلَكِنْ فِيهِ عِلَّةٌ بِسَبَبِ قَوْلِ الرَّاوِي : " لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : يُقَالُ :الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِالْمُتَوَاضِعُونَ لِلَّهِ ، الْمُتَذَلِّلُونَ لِلَّهِ فِي مَرْضَاتِهِ ، لَا يَتَعَاطَوْنَ مَنْ فَوْقَهُمْ ، وَلَا يُحَقِّرُونَ مَنْ دُونَهُمْ . [ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا يَفْهَمُ وَيَعْقِلُ وَيَتَدَبَّرُ الْمَعَانِيَ عَلَى وَجْهِهَا أُولُو الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ أَوِ الْفُهُومِ الْمُسْتَقِيمَةِ ] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ مُخْبِرًا أَنَّهُمْ دَعَوْا رَبَّهُمْ قَائِلِينَ : ( ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ) أَيْ : لَا تُمِلْهَا عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ أَقَمْتَهَا عَلَيْهِ وَلَا تَجْعَلْنَا كَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَكِنْ ثَبِّتْنَا عَلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ ، وَدِينِكَ الْقَوِيمِ ( ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِكَ ) رَحْمَةً ) تُثَبِّتُ بِهَا قُلُوبَنَا ، وَتَجْمَعُ بِهَا شَمْلَنَا ، وَتَزِيدُنَا بِهَا إِيمَانًا وَإِيقَانًا ( ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ - وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ - قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " ثُمَّ قَرَأَ : ( ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ) رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ ، سَمِعَهَا تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ : " اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنَّ الْقَلْبَ لَيَتَقَلَّبُ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ بَشَرٍ إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ " . فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَلَّا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً ، إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ ، بِهِ مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ الْمُثَنَّى ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ ، بِهِ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : " قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تُعَلِّمُنِي دَعْوَةً أَدْعُو بِهَا لِنَفْسِي ؟ قَالَ : " بَلَى قُولِي : اللَّهُمَّ رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي ، وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ " . ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ بِكَارٍ الدِّمَشْقِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْخَلَّالُ ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مَا يَدْعُو : " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَكْثَرَ مَا تَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ . فَقَالَ : " لَيْسَ مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنُ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ، إِذَا شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ ، وَإِذَا شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ ، أَمَا تَسْمَعِينَ قَوْلَهُ : ( ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ) . غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَكِنَّ أَصْلَهُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِدُونِ زِيَادَةِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ - زَادَ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ : وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ التُّجِيبِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ : " لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي ، وَأَسْأَلُكُ رَحْمَةً ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا ، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي ، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ " لَفْظُ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ - مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ عِبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ قَيْسَ بْنَ الْحَارِثِ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُنَابِحِيُّ ، أَنَّهُ صَلَّى وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْمَغْرِبَ ، فَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ ، وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ ، قَالَ : فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ تَمَسُّ ثِيَابَهُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَهَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتِنَا [ وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ]﴾ ) . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَأَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ : أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ ، فَقَالَ عُمَرُ لِقَيْسٍ : كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ فَأَخْبَرَهُ بِمَا سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ثَانِيًا . قَالَ عُمَرُ : فَمَا تَرَكْنَاهَا مُنْذُ سَمِعْنَاهَا مِنْهُ ، وَإِنْ كُنْتُ قَبْلَ ذَلِكَ لَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَقْرَأُ ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ) [ الْإِخْلَاصِ : 1 ] وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ : أَنَّهُ صَلَّى خَلَفَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ قَصِيرَةٍ ، يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ ، فَلَمَّا قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ ابْتَدَأَ الْقِرَاءَةَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَمَسُّ ثِيَابَهُ ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا [ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتِنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ]﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ) أَيْ : يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ : إِنَّكَ - يَا رَبَّنَا - سَتَجْمَعُ بَيْنَ خَلْقِكَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ ، وَتَفْصِلُ بَيْنَهُمْ وَتَحْكُمُ فِيهِمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَتَجْزِي كُلًّا بِعَمَلِهِ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ .

10-11

( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 ) ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ( 11 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ وَقُودُ النَّارِ ، ( ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ) [ غَافِرٍ : 52 ] وَلَيْسَ مَا أُوتُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ بِنَافِعٍ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَلَا بِمُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ ، بَلْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 85 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 196 : 197 ] كَمَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ) أَيْ : بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ ، وَخَالَفُوا كِتَابَهُ ، وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِوَحْيِهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ ( ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ ) أَيْ : حَطَبُهَا الَّذِي تُسْجَرُ بِهِ وَتُوقَدُ بِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ]﴾ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 98 ] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ هِنْدَ بِنْتِ الْحَارِثِ ،

عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ أَمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ : بَيْنَمَا نَحْنُ بِمَكَّةَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ هَلْ بَلَّغْتُ ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ . . . " ثَلَاثًا ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ : نَعَمْ . ثُمَّ أَصْبَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيَظْهَرَنَّ الْإِسْلَامُ حَتَّى يَرُدَّ الْكُفْرَ إِلَى مَوَاطِنِهِ ، وَلَتَخُوضُنَّ الْبِحَارَ بِالْإِسْلَامِ ، وَلِيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيَقْرَءُونَهُ ، ثُمَّ يَقُولُونَ : قَدْ قَرَأْنَا وَعَلِمْنَا ، فَمَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنَّا ، فَهَلْ فِي أُولَئِكَ مِنْ خَيْرٍ ؟ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَنْ أُولَئِكَ ؟ قَالَ : " أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ " . وَكَذَا رَأَيْتُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ هِنْدَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقَالَ : " هَلْ بَلَّغْتَ " يَقُولُهَا ثَلَاثًا ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - وَكَانَ أَوَّاهًا - فَقَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، وَحَرَصْتَ وَجَهِدْتَ وَنَصَحْتَ فَاصْبِرْ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيَظْهَرَنَّ الْإِيمَانُ حَتَّى يَرُدَّ الْكُفْرَ إِلَى مَوَاطِنِهِ ، وَلِيَخُوضُنَّ رِجَالٌ الْبِحَارَ بِالْإِسْلَامِ وَلِيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ، فَيَقْرَءُونَهُ وَيَعْلَمُونَهُ ، فَيَقُولُونَ : قَدْ قَرَأْنَا ، وَقَدْ عَلِمْنَا ، فَمَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنَّا ؟ فَمَا فِي أُولَئِكَ مِنْ خَيْرٍ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَنْ أُولَئِكَ ؟ قَالَ : " أُولَئِكَ مِنْكُمْ ، وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ " ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ بِنْتِ الْهَادِ ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبَدِ الْمَطْلَبِ بِنَحْوِهِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) قَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَصَنِيعِ آلِ فِرْعَوْنَ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : كَسُنَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَكَفِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ وَكَشَبَهِ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَالْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ . وَالدَّأْبُ - بِالتَّسْكِينِ ، وَالتَّحْرِيكِ أَيْضًا كَنَهْرٍ وَنَهَرٍ - : هُوَ الصُّنْعُ وَالشَّأْنُ وَالْحَالُ وَالْأَمْرُ وَالْعَادَةُ ، كَمَا يُقَالُ : لَا يَزَالُ هَذَا دَأْبِي وَدَأْبُكَ ، وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ :

وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ ※ يَقُولُونَ : لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ ※ كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا ※ وَجَارَتِهَا أَمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ ※

وَالْمَعْنَى : كَعَادَتِكَ فِي أُمِّ الْحُوَيْرِثِ حِينَ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ فِي حُبِّهَا وَبَكَيْتَ دَارَهَا وَرَسْمَهَا . وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ : أَنَّ الْكَافِرِينَ لَا تُغْنِي عَنْهُمُ الْأَوْلَادُ وَلَا الْأَمْوَالُ ، بَلْ يَهْلَكُونَ وَيُعَذَّبُونَ ، كَمَا جَرَى لِآلِ فِرْعَوْنَ وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ . ( ﴿[ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ] وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ) أَيْ : شَدِيدُ الْأَخْذِ أَلِيمُ الْعَذَابِ ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ أَحَدٌ ، وَلَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ بَلْ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ، الَّذِي [ قَدْ ] غَلَبَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ، لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ .

12-13

( ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ( 12 ) ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ( 13 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْكَافِرِينَ : ( ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا ، ( ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ) . وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ،

عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَصَابَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ مَا أَصَابَ وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، جَمَعَ الْيَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَقَالَ : " يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا " . فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَارًا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ ، إِنَّكَ وَاللَّهِ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ : ( ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ) . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ ) أَيْ : قَدْ كَانَ لَكُمْ - أَيُّهَا الْيَهُودُ الْقَائِلُونَ مَا قُلْتُمْ - ( آيَةٌ ) أَيْ : دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مُعِزٌّ دِينَهُ ، وَنَاصِرٌ رَسُولَهُ ، وَمُظْهِرٌ كَلِمَتَهُ ، وَمُعْلٍ أَمْرَهُ ( ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ ) أَيْ : طَائِفَتَيْنِ ( ﴿الْتَقَتَا﴾ ) أَيْ : لِلْقِتَالِ ( ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) وَهْمُ الْمُسْلِمُونَ ، ( ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ ) وَهْمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ : يَرَى الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَيْهِمْ فِي الْعَدَدِ رَأْيَ أَعْيُنِهِمْ ، أَيْ : جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيمَا رَأَوْهُ سَبَبًا لِنُصْرَةِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ . وَهَذَا لَا إِشْكَالَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَعَثُوا عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ الْقِتَالِ يَحْزِرُ لَهُمُ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ ، يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ قَلِيلًا . وَهَكَذَا كَانَ الْأَمْرُ ، كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ثُمَّ لَمَّا وَقْعَ الْقِتَالُ أَمَدَّهُمُ اللَّهُ بِأَلْفٍ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَسَادَاتِهِمْ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : " أَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : ( ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ) أَيْ : تَرَى الْفِئَةُ الْمُسْلِمَةُ الْفِئَةَ الْكَافِرَةَ مِثْلَيْهِمْ ، أَيْ : ضِعْفَيْهِمْ فِي الْعَدَدِ ، وَمَعَ هَذَا نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَالْمُشْرِكِينَ كَانُوا سِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا . وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَأْخُوذٌ مِنْ ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ التَّوَارِيخِ وَالسِّيَرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ ، وَخِلَافُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَأَلَ ذَلِكَ الْعَبْدَ الْأَسْوَدَ لِبَنِي الْحَجَّاجِ عَنْ عِدَّةِ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ : كَثِيرٌ ، قَالَ : " كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ ؟ " قَالَ : يَوْمًا تِسْعًا وَيَوْمًا عَشْرًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقَوْمُ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ " . وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، عَنْ حَارِثَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : كَانُوا أَلْفًا ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ . وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ كَانُوا مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَدْ كَانُوا ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَى هَذَا فَيُشْكَلُ هَذَا الْقَوْلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . لَكِنْ وَجَّهَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا ، وَجَعْلَهُ صَحِيحًا كَمَا تَقُولُ : عِنْدِي أَلْفٌ وَأَنَا مُحْتَاجٌ إِلَى مِثْلَيْهَا ، وَتَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، كَذَا قَالَ . وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ . لَكِنْ بَقِيَ سُؤَالٌ آخَرُ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : مَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَدْرٍ : ( ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ ) ؟ [ الْأَنْفَالِ : 44 ] وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا كَانَ فِي حَالٍ ، وَالْآخَرُ كَانَ فِي حَالٍ أُخْرَى ، كَمَا قَالَ السُّدِّيُّ ، عَنِ الطَّيِّبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا [ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ]﴾ ) الْآيَةَ ، قَالَ : هَذَا يَوْمُ بَدْرٍ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : وَقَدْ نَظَرْنَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَرَأَيْنَاهُمْ يُضْعَفُونَ عَلَيْنَا ، ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَيْهِمْ فَمَا رَأَيْنَاهُمْ يَزِيدُونَ عَلَيْنَا رَجُلًا وَاحِدًا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ ) . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : لَقَدْ قُلِّلُوا فِي أَعْيُنِنَا حَتَّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَانِبِي تَرَاهُمْ سَبْعِينَ ؟ قَالَ : أَرَاهُمْ مِائَةً . قَالَ : فَأَسَرْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ فَقُلْنَا : كَمْ كُنْتُمْ ؟ قَالَ : أَلْفَا . فَعِنْدَمَا عَايَنَ كُلُّ الْفَرِيقَيْنِ الْآخَرَ رَأَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْهِمْ ، أَيْ : أَكْثَرُ مِنْهُمْ بِالضِّعْفِ ، لِيَتَوَكَّلُوا وَيَتَوَجَّهُوا وَيَطْلُبُوا الْإِعَانَةَ مِنْ رَبِّهِمْ ، عَزَّ وَجَلَّ . وَرَأَى الْمُشْرِكُونَ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ الرُّعْبُ وَالْخَوْفُ وَالْجَزَعُ وَالْهَلَعُ ، ثُمَّ لَمَّا حَصَلَ التَّصَافُّ وَالْتَقَى الْفَرِيقَانِ قَلَّلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ فِي أَعْيُنِ هَؤُلَاءِ ، وَهَؤُلَاءِ فِي أَعْيُنِ هَؤُلَاءِ ، لِيُقْدِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ . ( ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ ) أَيْ : لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، فَيُظْهِرَ كَلِمَةَ الْإِيمَانِ عَلَى الْكُفْرِ ، وَيُعِزَّ الْمُؤْمِنِينَ وَيُذِلَّ الْكَافِرِينَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 123 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ) أَيْ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَمُعْتَبَرًا لِمَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ وَفَهْمٌ يَهْتَدِي بِهِ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَقَدَرِهِ الْجَارِي بِنَصْرِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ .

14-15

( ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ( 15 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا زُيِّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَلَاذِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينِ ، فَبَدَأَ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ بِهِنَّ أَشَدُّ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ

مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ " . فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِهِنَّ الْإِعْفَافَ وَكَثْرَةَ الْأَوْلَادِ ، فَهَذَا مَطْلُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، كَمَا وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِالتَّرْغِيبِ فِي التَّزْوِيجِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ ، " وَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ أَكْثَرَهَا نِسَاءً " وَقَوْلُهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ، إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ " وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ "

وَقَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا الْخَيْلُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : مِنَ الْخَيْلِ إِلَّا النِّسَاءُ . وَحُبُّ الْبَنِينَ تَارَةً يَكُونُ لِلتَّفَاخُرِ وَالزِّينَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا ، وَتَارَةً يَكُونُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ ، وَتَكْثِيرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فَهَذَا مَحْمُودٌ مَمْدُوحٌ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ : " تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَحُبُّ الْمَالِ - كَذَلِكَ - تَارَةً يَكُونُ لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَى الضُّعَفَاءِ ، وَالتَّجَبُّرِ عَلَى الْفُقَرَاءِ ، فَهَذَا مَذْمُومٌ ، وَتَارَةً يَكُونُ لِلنَّفَقَةِ فِي الْقُرُبَاتِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتِ وَوُجُوهِ الْبِرِّ وَالطَّاعَاتِ ، فَهَذَا مَمْدُوحٌ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ شَرْعًا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيمِقْدَارِ الْقِنْطَارِعَلَى أَقْوَالٍ ، وَحَاصِلُهَا : أَنَّهُ الْمَالُ الْجَزِيلُ ، كَمَا قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ ، وَقِيلَ : أَلْفُ دِينَارٍ . وَقِيلَ : أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ . وَقِيلَ : اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا . وَقِيلَ : أَرْبَعُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ : سِتُّونَ أَلْفًا وَقِيلَ : سَبْعُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ : ثَمَانُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ ، كُلُّ أُوقِيَّةٍ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " .

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، بِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَاصِمٍ - هُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا ، وَهَذَا أَصَحُّ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَابْنِ عُمَرَ . وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" الْقِنْطَارُ أَلْفُ أُوقِيَّةٍ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ " . وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ أَيْضًا ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، كَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَبَذِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يُحَنَّشَ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ ، وَمَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ إِلَى أَلْفٍ أَصْبَحَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنْ أَجْرٍ عِنْدَ اللَّهِ ، الْقِنْطَارُ مِنْهُ مِثْلُ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ " . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، بِمَعْنَاهُ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ اللَّخْمِيُّ بِتَنِّيسَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، وَرَجُلٌ آخَرُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ ) قَالَ : " الْقِنْطَارُ أَلْفَا أُوقِيَّةٍ " . صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، هَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظٍ آخَرَ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ وَرَجُلٌ آخَرُ قَدْ سَمَّاهُ - يَعْنِي يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ - عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : قِنْطَارٌ ، يَعْنِي أَلْفَ دِينَارٍ " . وَهَكَذَا [ رَوَاهُ ] ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا عَنْهُ وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ : الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ . وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ : الْقِنْطَارُ أَلْفُ دِينَارٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : [ الْقِنْطَارُ ] مِلْءُ مَسْكِ الثَّوْرِ ذَهَبًا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، مَرْفُوعًا . وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ . وَحُبُّ الْخَيْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، تَارَةً يَكُونُ رَبْطَهَا أَصْحَابُهَا مُعَدَّةً لِسَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، مَتَى احْتَاجُوا إِلَيْهَا غَزَوْا عَلَيْهَا ، فَهَؤُلَاءِ يُثَابُونَ . وَتَارَةً تُرْبَطُ فَخْرًا وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، فَهَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا وِزْرٌ . وَتَارَةً لِلتَّعَفُّفِ وَاقْتِنَاءِ نَسْلِهَا . وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا ، فَهَذِهِ لِصَاحِبِهَا سِتْرٌ ، كَمَا سَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِذَلِكَ [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ]﴾ ) [ الْأَنْفَالِ : 60 ] . وَأَمَّا ( ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ ) فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الْمُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَةُ ، وَالْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبْزَى ، وَالسُّدِّيِّ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَأَبِي سِنَانٍ وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ مَكْحُولٌ : الْمُسَوَّمَةُ : الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ " لَيْسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ إِلَّا يُؤْذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ فَجْرٍ يَدْعُو بِدَعْوَتَيْنِ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَنِي مِنْ ] بَنِي آدَمَ ، فَاجْعَلْنِي مِنْ أَحَبِّ مَالِهِ وَأَهْلِهِ إِلَيْهِ ، أَوْ أَحَبِّ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيْهِ " ](/nasai/28#19) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ ) يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ ( ﴿وَالْحَرْثِ﴾ ) يَعْنِي الْأَرْضَ الْمُتَّخَذَةَ لِلْغِرَاسِ وَالزِّرَاعَةِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ بُدَيْلٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ زُهَيْرٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " خَيْرُ مَالِ امْرِئٍ لَهُ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ ، أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ " الْمَأْمُورَةُ : الْكَثِيرَةُ النَّسْلِ ، وَالسِّكَّةُ : النَّخْلُ الْمُصْطَفُّ ، وَالْمَأْبُورَةُ : الْمُلَقَّحَةُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا هَذَا زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا الْفَانِيَةُ الزَّائِلَةُ ( ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ) أَيْ : حُسْنُ الْمَرْجِعِ وَالثَّوَابِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَمَّا أُنْزِلَتْ : ( ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ) قُلْتُ : الْآنَ يَا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَهَا لَنَا فَنَزَلَتْ : ( ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ]﴾ ) . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ ) أَيْ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ : أَأُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا زُيِّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ زَهْرَتِهَا وَنَعِيمِهَا ، الَّذِي هُوَ زَائِلٌ لَا مَحَالَةَ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ( ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ) أَيْ : تَنْخَرِقُ بَيْنَ جَوَانِبِهَا وَأَرْجَائِهَا الْأَنْهَارُ ، مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ ، مِنَ الْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ . ( ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدَ الْآبَادِ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا . ( ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَّهَّرَةٌ﴾ ) أَيْ : مِنَ الدَّنَسِ ، وَالْخَبَثِ ، وَالْأَذَى ، وَالْحَيْضِ ، وَالنِّفَاسِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَرِي نِسَاءَ الدُّنْيَا . ( ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : يَحِلُّ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُهُ ، فَلَا يَسْخَطُ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِي ( بَرَاءَةٌ ) : ( ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 72 ] أَيْ : أَعْظَمُ مِمَّا أَعْطَاهُمْ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، ثُمَّ قَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ) أَيْ : يُعْطِي كُلًّا بِحَسْبِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعَطَاءِ .

16-17

( ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( 16 ) ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ ( 17 ) ) يَصِفُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ وَعَدَهُمُ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ ) أَيْ : بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرَسُولِكَ ( ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ) أَيْ بِإِيمَانِنَا بِكَ وَبِمَا شَرَعْتَهُ لَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَتَقْصِيرَنَا مِنْ أَمْرِنَا بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ ( ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿الصَّابِرِينَ﴾ ) أَيْ : فِي قِيَامِهِمْ بِالطَّاعَاتِ وَتَرْكِهِمُ الْمُحَرَّمَاتِ ( ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ ) فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ إِيمَانِهِمْ بِمَا يَلْتَزِمُونَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ ( ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ ) وَالْقُنُوتُ : الطَّاعَةُ وَالْخُضُوعُ ( ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ ) أَيْ : مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي جَمِيعِ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْقُرُبَاتِ ، وَسَدِّ الْخَلَّاتِ ، وَمُوَاسَاةِ ذَوِي الْحَاجَاتِ ( ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ ) دَلَّ عَلَى فَضِيلَةِ الِاسْتِغْفَارِ وَقْتَ الْأَسْحَارِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ يَعْقُوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا قَالَ لِبَنِيهِ : ( ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ ) [ يُوسُفَ : 98 ] أَنَّهُ أَخَّرَهُمْ إِلَى وَقْتِ السَّحَرِ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

"يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ " الْحَدِيثَ ، وَقَدْ أَفْرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ فَرَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا نَافِعُ ، هَلْ جَاءَ السَّحَرُ ؟ فَإِذَا قَالَ : نَعَمْ ، أَقْبَلَ عَلَى الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ حَتَّى يُصْبِحَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ أَبِي مَطَرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا فِي السَّحَرِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ : رَبِّ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُكَ ، وَهَذَا سَحَرٌ ، فَاغْفِرْ لِي . فَنَظَرْتُ فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كُنَّا نُؤْمَرُ إِذَا صَلَّيْنَا مِنَ اللَّيْلِ أَنْ نَسْتَغْفِرَ فِي آخِرِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً .

18-20

( ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ( 19 ) ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ( 20 ) ) شَهِدَ تَعَالَى - وَكَفَى بِهِ شَهِيدًا ، وَهُوَ أَصْدَقُ الشَّاهِدِينَ وَأَعْدَلُهُمْ ، وَأَصْدَقُ الْقَائِلِينَ - ( ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ) أَيْ : الْمُتَفَرِّدُ بِالْإِلَهِيَّةِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ عَبِيدُهُ وَخَلْقُهُ ، وَالْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ) الْآيَةَ [ النِّسَاءِ : 166 ] . ثُمَّ قَرَنَ شَهَادَةَ مَلَائِكَتِهِ وَأُولِي الْعِلْمِ بِشَهَادَتِهِ فَقَالَ : ( ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ ) وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ . ( ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ ، وَهُوَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَذَلِكَ . ( ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ) تَأْكِيدٌ لِمَا سَبَقَ ( ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ) الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ عَظَمَةً وَكِبْرِيَاءً ، الْحَكِيمُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ،

عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ) " وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يَا رَبِّ " .

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ ثَابِتٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ،

عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ ) قَالَ : " وَأَنَا أَشْهَدُ أَيْ رَبِّ " .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ : حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ وَعَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْمُخْتَارِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ قَالَ : أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ ، فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الْأَعْمَشِ ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَدِرَ ، قَامَ فَتَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ ، فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ) ثُمَّ قَالَ الْأَعْمَشُ : وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ ، وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ : ( ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ) قَالَهَا مِرَارًا . قُلْتُ : لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا ، فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ فَوَدَّعْتُهُ ، ثُمَّ قُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، إِنِّي سَمِعْتُكَ تُرَدِّدُ هَذِهِ الْآيَةَ . قَالَ : أَوَمَا بَلَغَكَ مَا فِيهَا ؟ قُلْتُ : أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ شَهْرٍ لَمْ تُحَدِّثْنِي . قَالَ : وَاللَّهِ لَا أُحَدِّثُكَ بِهَا إِلَى سَنَةٍ . فَأَقَمْتُ سَنَةً فَكُنْتُ عَلَى بَابِهِ ، فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، قَدْ مَضَتِ السَّنَةُ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : عَبْدِي عَهِدَ إِلَيَّ ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِالْعَهْدِ ، أَدْخِلُوا عَبْدِيَ الْجَنَّةَ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ) إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا دِينَ عِنْدَهُ يَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَى الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ ، حَتَّى خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّذِي سَدَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِينٍ عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ ، فَلَيْسَ بِمُتَقَبَّلٍ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ]﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 85 ] وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخْبِرًا بِانْحِصَارِ الدِّينِ الْمُتَقَبَّلِ عِنْدَهُ فِي الْإِسْلَامِ : ( ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ) وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ : ( ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ) بِكَسْرِ " إِنَّهُ " وَفَتْحِ ( ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ) أَيْ : شَهِدَ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ وَأُولُو الْعِلْمِ مِنَ الْبَشَرِ بِأَنَّالدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. وَالْجُمْهُورُ قَرَءُوهَا بِالْكَسْرِ عَلَى الْخَبَرِ ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ . وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الْأَوَّلَ إِنَّمَا اخْتَلَفُوا بَعْدَ مَا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : ( ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ ) أَيْ : بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَاخْتَلَفُوا فِي الْحَقِّ لِتَحَاسُدِهِمْ وَتَبَاغُضُهِمْ وَتَدَابُرِهِمْ ، فَحَمَلَ بَعْضَهُمْ بُغْضُ الْبَعْضِ الْآخَرِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا ، ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ) أَيْ : مَنْ جَحَدَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُجَازِيهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَيُحَاسِبُهُ عَلَى تَكْذِيبِهِ ، وَيُعَاقِبُهُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ كِتَابَهُ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ ) أَيْ : جَادَلُوكَ فِي التَّوْحِيدِ ( ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ) أَيْ : فَقُلْ أَخْلَصْتُ عِبَادَتِي لِلَّهِ وَحْدَهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نِدَّ [ لَهُ ] وَلَا وَلَدَ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ ( ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ) عَلَى دِينِي ، يَقُولُ كَمَقَالَتِي ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ]﴾ ) [ يُوسُفَ : 108 ] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى آمِرًا لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى طَرِيقَتِهِ وَدِينِهِ ، وَالدُّخُولِ فِي شَرْعِهِ وَمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ الْكِتَابِيِّينَ مِنَ الْمِلَّتَيْنِ وَالْأُمِّيِّينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : ( ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ ) أَيْ : وَاللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابُهُمْ وَإِلَيْهِ مَرْجِعُهُمْ وَمَآبُهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ ، وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ) أَيْ : هُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الضَّلَالَةَ ، وَهُوَ الَّذِي ( ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 33 ] وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ . وَهَذِهِ الْآيَةُ وَأَمْثَالُهَا مَنْ أَصْرَحِ الدَّلَالَاتِ عَلَى عُمُومِ بِعْثَتِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِهِ ضَرُورَةً ، وَكَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ وَحَدِيثٍ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 158 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 1 ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، مِمَّا ثَبَتَ تَوَاتُرُهُ بِالْوَقَائِعِ الْمُتَعَدِّدَةِ ، أَنَّهُ بَعَثَ كُتُبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ مُلُوكَ الْآفَاقِ ، وَطَوَائِفَ بَنِي آدَمَ مِنْ عَرَبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ ، كِتَابِيِّهِمْ وَأُمِّيِّهِمْ ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ، وَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ " وَقَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَضَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءَهُ وَيُنَاوِلُهُ نَعْلَيْهِ ، فَمَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَأَبُوهُ قَاعِدٌ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا فُلَانُ ، قُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ ، فَسَكَتَ أَبُوهُ ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ ، فَقَالَ أَبُوهُ : أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ، فَقَالَ الْغُلَامُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَخَرَجَ النَّبَيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِي مِنَ النَّارِ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ .

21-22

( ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ( 22 ) ) هَذَا ذَمٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، الَّتِي بَلَّغَتْهُمْ إِيَّاهَا الرُّسُلُ ، اسْتِكْبَارًا عَلَيْهِمْ وَعِنَادًا لَهُمْ ، وَتَعَاظُمًا عَلَى الْحَقِّ وَاسْتِنْكَافًا عَنِ اتِّبَاعِهِ ، وَمَعَ هَذَا قَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنَ النَّبِيِّينَ حِينَ بَلَّغُوهُمْ عَنِ اللَّهِ شَرْعَهُ ، بِغَيْرِ سَبَبٍ وَلَا جَرِيمَةٍ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ ، إِلَّا لِكَوْنِهِمْ دَعَوْهُمْ إِلَى الْحَقِّ ( ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ ) وَهَذَا هُوَ غَايَةُ الْكِبْرِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ " . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، نَزِيلُ مَكَّةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ - يَعْنِي ابْنَ ثَابِتِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ مَوْلًى لِبَنِي أَسَدٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْخُزَاعِيِّ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَلَتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : " رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ " . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( [﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ]﴾ ) الْآيَةَ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ، قَتَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا ، مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَقَامَ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأَمَرُوا مَنْ قَتَلَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِنْ آخِرِ النَّهَارِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " .

وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْوَصَّابِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، بِهِ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَتَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَمِائَةِ نَبِيٍّ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَأَقَامُوا سُوقَ بَقْلِهِمْ مِنْ آخِرِهِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَلِهَذَا لَمَّا أَنْ تَكَبَّرُوا عَنِ الْحَقِّ وَاسْتَكْبَرُوا عَلَى الْخَلْقِ ، قَابَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِالذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ الْمُهِينِ فِي الْآخِرَةِ ، فَقَالَ : ( ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ) أَيْ : مُوجِعٍ مُهِينٍ . ( ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ )

23-25

( ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ( 24 ) ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ( 25 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الْمُتَمَسِّكِينَ فِيمَا يَزْعُمُونَ بِكِتَابَيْهِمُ اللَّذَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ ، وَهُمَا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى التَّحَاكُمِ إِلَى مَا فِيهِمَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِيهِمَا ، مِنَ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهُمَا ، وَهَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنْ ذَمِّهِمْ ، وَالتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِمْ بِالْمُخَالَفَةِ وَالْعِنَادِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا حَمَلَهُمْ وَجَرَّأَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْحَقِّ افْتِرَاؤُهُمْ عَلَى اللَّهِ فِيمَا ادَّعَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، عَنْ كُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ فِي الدُّنْيَا يَوْمًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ) [ أَيْ غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ] أَيْ : ثَبَّتَهُمْ عَلَى دِينِهِمُ الْبَاطِلِ مَا خَدَعُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ مِنْ زَعْمِهِمْ أَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّهُمْ بِذُنُوبِهِمْ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ، وَهُمُ الَّذِينَ افْتَرَوْا هَذَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ وَافْتَعَلُوهُ ، وَلَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لَهُمْ وَمُتَوَعِّدًا : ( ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ) أَيْ : كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ وَقَدِ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُ وَالْعُلَمَاءَ مِنْ قَوْمِهِمْ ، الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَمُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ ، وَمُجَازِيهِمْ بِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ) لَا شَكَّ فِي وُقُوعِهِ وَكَوْنِهِ ( ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ )

26-27

( ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ( 27 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ ، مُعَظِّمًا لِرَبِّكَ وَمُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ ، وَشَاكِرًا لَهُ وَمُفَوِّضًا إِلَيْهِ : ( ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ) أَيْ : لَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ ( ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ ) أَيْ : أَنْتَ الْمُعْطِي ، وَأَنْتَ الْمَانِعُ ، وَأَنْتَ الَّذِي مَا شِئْتَ كَانَ وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ إِلَىشُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوَهَذِهِ الْأُمَّةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ حَوَّلَ النُّبُوَّةَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْقُرَشِيِّ الْمَكِّيِّ الْأُمِّيِّ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَرَسُولِ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مَحَاسِنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ ، وَخَصَّهُ بِخَصَائِصَ لَمْ يُعْطِهَا نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ ، فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَشَرِيعَتِهِ وَإِطْلَاعِهِ عَلَى الْغُيُوبِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ ، وَكَشْفِهِ عَنْ حَقَائِقِ الْآخِرَةِ وَنَشْرِ أُمَّتِهِ فِي الْآفَاقِ ، فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا ، وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَشَرْعِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ]﴾ ) أَيْ : أَنْتَ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِكَ ، الْفَعَّالُ لِمَا تُرِيدُ ، كَمَا رَدَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مَنْ يَتَحَكَّمُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ ، حَيْثُ قَالَ : ( ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٌ﴾ ) [ الزُّخْرُفِ : 31 ] . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ : ( ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ]﴾ ) الْآيَةَ [ الزُّخْرُفِ : 32 ] أَيْ : نَحْنُ نَتَصَرَّفُ فِي خَلْقِنَا كَمَا نُرِيدُ ، بِلَا مُمَانِعٍ وَلَا مُدَافِعٍ ، وَلَنَا الْحِكْمَةُ وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ ، وَهَكَذَا نُعْطِي النُّبُوَّةَ لِمَنْ نُرِيدُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 124 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ]﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 21 ] وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ " إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَدَ " مِنْ تَارِيخِهِ عَنِ الْمَأْمُونِ الْخَلِيفَةِ : أَنَّهُ رَأَى فِي قَصْرٍ بِبِلَادِ الرُّومِ مَكْتُوبًا بِالْحِمْيَرِيَّةِ ، فَعُرِّبَ لَهُ ، فَإِذَا هُوَ : بِاسْمِ اللَّهِ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَلَا ※ دَارَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ فِي الْفَلَكِ ※ إِلَّا بِنَقْلِ النَّعِيمِ عَنْ مَلِكٍ ※ قَدْ زَالَ سُلْطَانُهُ إِلَى مَلِكٍ ※ وَمُلْكُ ذِي الْعَرْشِ دَائِمٌ أَبَدًا ※ لَيْسَ بِفَانٍ وَلَا بِمُشْتَرِكٍ ※ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ ) أَيْ : تَأْخُذُ مِنْ طُولِ هَذَا فَتَزِيدُهُ فِي قِصَرِ هَذَا فَيَعْتَدِلَانِ ، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا فَيَتَفَاوَتَانِ ، ثُمَّ يَعْتَدِلَانِ . وَهَكَذَا فِي فُصُولِ السَّنَةِ : رَبِيعًا وَصَيْفًا وَخَرِيفًا وَشِتَاءً . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ) أَيْ : تُخْرِجُ الْحَبَّةَ مِنَ الزَّرْعِ وَالزَّرْعَ مِنَ الْحَبَّةِ ، وَالنَّخْلَةَ مِنَ النَّوَاةِ وَالنَّوَاةَ مِنَ النَّخْلَةِ ، وَالْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ ، وَالدَّجَاجَةَ مِنَ الْبَيْضَةِ وَالْبَيْضَةَ مِنَ الدَّجَاجَةِ ، وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ( ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ) أَيْ : تُعْطِي مَنْ شِئْتَ مِنَ الْمَالِ مَا لَا يَعُدُّهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِحْصَائِهِ ، وَتَقْتُرُ عَلَى آخَرِينَ ، لِمَا لَكَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ وَالْعَدْلِ . قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَّابِيُّ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ جِسْرِ بْنِ فَرْقَدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

" اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ : ( ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ]﴾ ) .

28

( ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 ) ) نَهَى اللَّهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُوَالُوا الْكَافِرِينَ ، وَأَنْ يَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ يُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : ( ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ) أَيْ : مَنْ يَرْتَكِبُ نَهْيَ اللَّهِ فِي هَذَا فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ كَمَا قَالَ : ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 144 ] وَقَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ]﴾ ) [ الْمَائِدَةِ : 51 ] . [ وَقَالَ تَعَالَى ] ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ ) إِلَى أَنْ قَالَ : ( ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ) [ الْمُمْتَحِنَةِ : 1 ] وَقَالَ تَعَالَى - بَعْدَ ذِكْرِ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالْأَعْرَابِ - : ( ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ) [ الْأَنْفَالِ : 73 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ) أَيْ : إِلَّا مَنْ خَافَ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ أَوِ الْأَوْقَاتِ مِنْ شَرِّهِمْ ، فَلَهُ أَنْ يَتَّقِيَهُمْ بِظَاهِرِهِ لَا بِبَاطِنِهِ وَنِيَّتِهِ ، كَمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ " . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : لَيْسَ التَّقِيَّةُ بِالْعَمَلِ إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَالضَّحَّاكُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَيُؤَيِّدُ مَا قَالُوهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ( ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ]﴾ ) [ النَّحْلِ : 106 ] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ الْحَسَنُ : التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ) أَيْ : يُحَذِّرُكُمْ نِقْمَتَهُ ، أَيْ مُخَالَفَتَهُ وَسَطْوَتَهُ فِي عَذَابِهِ لِمَنْ وَالَى أَعْدَاءَهُ وَعَادَى أَوْلِيَاءَهُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ) أَيْ : إِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمُنْقَلَبُ ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ [ بْنِ مِهْرَانَ ] قَالَ : قَامَ فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالَ : يَا بَنِي أَوْدٍ ، إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ، تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَعَادَ [ إِلَى اللَّهِ ] إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ .

29-30

( ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِوَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ( 29 ) ) ( ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ( 30 ) ) يُخْبِرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالضَّمَائِرَ وَالظَّوَاهِرَ ، وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ ، بَلْ عَلِمُهُ مُحِيطٌ بِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَالْآنَاتِ وَاللَّحَظَاتِ وَجَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ، وَبِجَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَالْبِحَارِ وَالْجِبَالِ ، وَهُوَ ( ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ) أَيْ : قُدْرَتُهُ نَافِذَةٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ . وَهَذَا تَنْبِيهٌ مِنْهُ لِعِبَادِهِ عَلَى خَوْفِهِ وَخَشْيَتِهِ ، وَأَلَّا يَرْتَكِبُوا مَا نَهَى عَنْهُ وَمَا يَبْغَضُهُ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِمْ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مُعَاجَلَتِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ ، وَإِنْ أَنْظَرَ مَنْ أَنْظَرَ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُ يُمْهِلُ ثُمَّ يَأْخُذُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا : ( ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [ وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ]﴾ ) الْآيَةَ ، يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْضُرُ لِلْعَبْدِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ) [ الْقِيَامَةِ : 13 ] فَمَا رَأَى مِنْ أَعْمَالِهِ حَسَنًا سَرَّهُ ذَلِكَ وَأَفْرَحَهُ ، وَمَا رَأَى مِنْ قَبِيحٍ سَاءَهُ وَغَاظَهُ ، وَوَدَّ لَوْ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَمَدٌ بَعِيدٌ ، كَمَا يَقُولُ لِشَيْطَانِهِ الَّذِي كَانَ مُقْتَرِنًا بِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ الَّذِي جَرَّأَهُ عَلَى فِعْلِ السُّوءِ : ( ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ ) [ الزُّخْرُفِ : 38 ] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُؤَكِّدًا وَمُهَدِّدًا وَمُتَوَعِّدًا : ( ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ) أَيْ : يُخَوِّفُكُمْ عِقَابَهُ ، ثُمَّ قَالَ مُرْجِيًا لِعِبَادِهِ لِئَلَّا يَيْأَسُوا مَنْ رَحْمَتِهِ وَيَقْنَطُوا مَنْ لُطْفِهِ : ( ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ حَذَّرَهُمْ نَفْسَهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : أَيْ رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ ، يُحِبُّ لَهُمْ أَنْ يَسْتَقِيمُوا عَلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ وَدِينِهِ الْقَوِيمِ ، وَأَنْ يَتَّبِعُوا رَسُولَهُ الْكَرِيمَ .

31-32

( ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ( 32 ) ) هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، حَتَّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ الْمُحَمَّدِيَّ وَالدِّينَ النَّبَوِيَّ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : "

مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ) أَيْ : يَحْصُلُ لَكُمْ فَوْقَ مَا طَلَبْتُمْ مِنْ مَحَبَّتِكُمْ إِيَّاهُ ، وَهُوَ مَحَبَّتُهُ إِيَّاكُمْ ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْأَوَّلِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْعُلَمَاءِ : لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُحِبَّ ، إِنَّمَا الشَّأْنُ أَنْ تُحَبَّ ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ : زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ : ( ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ) . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ) قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : عَبْدُ الْأَعْلَى هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ) أَيْ : بِاتِّبَاعِكُمْ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْصُلُ لَكُمْ هَذَا كُلُّهُ بِبَرَكَةِ سِفَارَتِهِ . ثُمَّ قَالَ آمِرًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَاصٍّ وَعَامٍّ : ( ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ) أَيْ : خَالَفُوا عَنْ أَمْرِهِ ( ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَتَهُ فِي الطَّرِيقَةِ كُفْرٌ ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ ، وَإِنِ ادَّعَى وَزَعَمَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ لِلَّهِ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ ، حَتَّى يُتَابِعَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ خَاتَمَ الرُّسُلِ ، وَرَسُولَ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الَّذِي لَوْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ - بَلِ الْمُرْسَلُونَ ، بَلْ أُولُو الْعَزْمِ مِنْهُمْ - فِي زَمَانِهِ لَمَا وَسِعَهُمْ إِلَّا اتِّبَاعُهُ ، وَالدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ ، وَاتِّبَاعُ شَرِيعَتِهِ ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ ) الْآيَةَ [ آلِ عِمْرَانَ : 31 ] [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] .

33-34

( ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 33 ) ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ( 34 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اخْتَارَ هَذِهِ الْبُيُوتَ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَاصْطَفَى آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، خَلَقَهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَهْبَطَهُ مِنْهَا ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ . وَاصْطَفَى نُوحًا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَجَعَلَهُ أَوَّلُ رَسُولٍ [ بَعَثَهُ ] إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، لَمَّا عَبَدَ النَّاسُ الْأَوْثَانَ ، وَأَشْرَكُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانَا ، وَانْتَقَمَ لَهُ لَمَّا طَالَتْ مُدَّتُهُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، سِرًّا وَجِهَارًا ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ ، فَأَغْرَقَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ . وَاصْطَفَى آلَ إِبْرَاهِيمَ ، وَمِنْهُمْ : سَيِّدُ الْبَشَرِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَآلَ عِمْرَانَ ، وَالْمُرَادُ بِعِمْرَانَ هَذَا : هُوَ وَالِدُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ ، أُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَاشَمَ بْنِ أَمُونَ بْنِ مَيْشَا بْنِ حِزْقِيَا بْنِ أَحْزِيقَ بْنِ يَوْثَمَ بْنِ عَزَارِيَّا بْنِ أَمْصِيَا بْنِ يَاوشَ بْنِ أجريهو بْنِ يَازِمَ بْنِ يَهْفَاشَاطَ بْنِ إِنْشَا بْنِ أَبِيَّانَ بْنِ رُخَيْعَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . فَعِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ .

35-36

( ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 35 ) ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ( 36 ) ) امْرَأَةُ عِمْرَانَ هَذِهِ أَمُّ مَرْيَمَ [ بِنْتِ عِمْرَانَ ] عَلَيْهَا السَّلَامُ وَهِيَ حَنَّةُ بِنْتُ فَاقُوذَ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَتِ امْرَأَةً لَا تَحْمِلُ ، فَرَأَتْ يَوْمًا طَائِرًا يَزُقُّ فَرْخَهُ ، فَاشْتَهَتِ الْوَلَدَ ، فَدَعَتِ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أَنْ يَهَبَهَا وَلَدًا ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهَا ، فَوَاقَعَهَا زَوْجُهَا ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، فَلِمَا تَحَقَّقَتِ الْحَمْلَ نَذَرَتْهُ أَنْ يَكُونَ ( ﴿مُحَرَّرًا﴾ ) أَيْ : خَالِصًا مُفَرَّغًا لِلْعِبَادَةِ ، وَلِخِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَقَالَتْ : ( ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ) أَيْ : السَّمِيعُ لِدُعَائِي ، الْعَلِيمُ بِنِيَّتِي ، وَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مَا فِي بَطْنِهَا أَذَكَرًا أَمْ أُنْثَى ؟ ( ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ ) قُرِئَ بِرَفْعِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهَا تَاءُ الْمُتَكَلِّمِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ قَوْلِهَا ، وَقُرِئَ بِتَسْكِينِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ) أَيْ : فِي الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ فِي الْعِبَادَةِ وَخِدْمَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ( ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَىجَوَازِ التَّسْمِيَةِ يَوْمَ الْوِلَادَةِكَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ ، لِأَنَّهُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ، وَقَدْ حُكِيَ مُقَرَّرًا ، وَبِذَلِكَ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ :

" وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ " . أَخْرَجَاهُ وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِيهِمَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ذَهَبَ بِأَخِيهِ ، حِينَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وُلِدَ لِي وَلَدٌ ، فَمَا أُسَمِّيهِ ؟ قَالَ : " اسْمُ وَلَدِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ " وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا : أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهُ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ لِيُحَنِّكَهُ ، فَذَهَلَ عَنْهُ ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُوهُ فَرَدَّهُ إِلَى مَنْزِلِهِمْ ، فَلَمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ سَمَّاهُ الْمُنْذِرَ . فَأَمَّا حَدِيثُ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ ، يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ ، وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ " فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَيَرْوِي : " وَيُدَمَّى " ، وَهُوَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَذَا مَا رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ سَابِعِهِ وَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ . فَإِسْنَادُهُ لَا يَثْبُتُ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحِ وَلَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَشْهَرَ اسْمَهُ بِذَلِكَ يَوْمَئِذٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ إِخْبَارًا عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ أَنَّهَا قَالَتْ : ( ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ) أَيْ : عَوَّذَتْهَا بِاللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ ، وَعَوَّذَتْ ذُرِّيَّتَهَا ، وَهُوَ وَلَدُهَا عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهَا ذَلِكَ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزَّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا مَسَّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّهِ إِيَّاهُ ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا " . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ) أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ ، عَنْ بَقِيَّةَ ، [ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ ] عَنِ الزَّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِنَحْوِهِ . وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ قَيْسٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيْطَانُ عَصْرَةً أَوْ عَصْرَتَيْنِ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَمَرْيَمَ " . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ) . وَمِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي يُونُسَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ وَهْبٌ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عَجْلَانَ مَوْلَى الْمُشْمَعِلِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، الْأَعْرَجِ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ تَلِدُهُ أُمُّهُ ، إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ " .

37

( ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 37 ) ) يُخْبِرُ رَبُّنَا أَنَّهُ تَقَبَّلَهَا مِنْ أُمِّهَا نَذِيرَةً ، وَأَنَّهُ ( ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ ) أَيْ : جَعَلَهَا شَكْلًا مَلِيحًا وَمَنْظَرًا بَهِيجًا ، وَيَسَّرَ لَهَا أَسْبَابَ الْقَبُولِ ، وَقَرَنَهَا بِالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ تَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ الْخَيْرَ وَالْعِلْمَ وَالدِّينَ . وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ) وَفِي قِرَاءَةٍ : ( ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَنَصْبِ زَكَرِيَّا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، أَيْ جَعْلَهُ كَافِلًا لَهَا . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ يَتِيمَةً . وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَصَابَتْهُمْ سَنَةُ جَدْبٍ ، فَكَفَلَ زَكَرِيَّا مَرْيَمَ لِذَلِكَ . وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنَّمَا قَدَّرَ اللَّهُ كَوْنَ زَكَرِيَّا كَافِلَهَا لِسَعَادَتِهَا ، لِتَقْتَبِسَ مِنْهُ عِلْمًا جَمًّا نَافِعًا وَعَمَلًا صَالِحًا ، وَلِأَنَّهُ كَانَ زَوْجَ خَالَتِهَا ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ جَرِيرٍ [ وَغَيْرُهُمَا ] وَقِيلَ : زَوْجُ أُخْتِهَا ، كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ : " فَإِذَا بِيَحْيَى وَعِيسَى ، وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ " ، وَقَدْ يُطْلِقُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ذَلِكَ أَيْضًا تَوَسُّعًا ، فَعَلَى هَذَا كَانَتْ فِي حَضَانَةِ خَالَتِهَا . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي عِمَارَةَ بِنْتِ حَمْزَةَ أَنْ تَكُونَ فِي حَضَانَةِ خَالَتِهَا امْرَأَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ :

" الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ " . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ سِيَادَتِهَا وَجَلَالَتِهَا فِي مَحَلِّ عِبَادَتِهَا ، فَقَالَ : ( ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ [ وَالشَّعْبِيُّ ] يَعْنِي وَجَدَ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ ( ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ ) أَيْ : عِلْمًا ، أَوْ قَالَ : صُحُفًا فِيهَا عِلْمٌ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ . وَفِي السُّنَّةِ لِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ . فَإِذَا رَأَى زَكَرِيَّا هَذَا عِنْدَهَا ( ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ ) أَيْ : يَقُولُ مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا ؟ ( ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ) . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ زَنْجَلَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ أَيَّامًا لَمْ يَطْعَمْ طَعَامًا ، حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَطَافَ فِي مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْئًا ، فَأَتَى فَاطِمَةَ فَقَالَ : " يَا بُنَيَّةُ ، هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ آكُلُهُ ، فَإِنِّي جَائِعٌ ؟ " فَقَالَتْ : لَا وَاللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي . فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بَعَثَتْ إِلَيْهَا جَارَةٌ لَهَا بِرَغِيفَيْنِ وَقِطْعَةِ لَحْمٍ ، فَأَخَذَتْهُ مِنْهَا فَوَضَعَتْهُ فِي جَفْنَةٍ لَهَا ، وَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَأُوثِرَنَّ بِهَذَا رَسُولَ اللَّهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] عَلَى نَفْسِي وَمَنْ عِنْدِي . وَكَانُوا جَمِيعًا مُحْتَاجِينَ إِلَى شِبْعَةِ طَعَامٍ ، فَبَعَثَتْ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ : بِأَبِي وَأُمِّي قَدْ أَتَى اللَّهُ بِشَيْءٍ فَخَبَّأْتُهُ لَكَ . قَالَ : " هَلُمِّي يَا بُنِّيَّةُ " قَالَتْ : فَأَتَيْتُهُ بِالْجَفْنَةِ . فَكَشَفَتْ عَنِ الْجَفْنَةِ فَإِذَا هِيَ مَمْلُوءَةٌ خُبْزًا وَلَحْمًا ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهَا بُهِتَتْ وَعَرَفَتْ أَنَّهَا بَرَكَةٌ مِنَ اللَّهِ ، فَحَمِدَتِ اللَّهَ وَصَلَّتْ عَلَى نَبِيِّهِ ، وَقَدَّمَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا رَآهُ حَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ : " مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا بُنَيَّةُ ؟ " فَقَالَتْ يَا أَبَتِ ، ( ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ) فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ - يَا بُنَيَّةُ - شَبِيهَةً بِسَيِّدَةِ نِسَاءِ بَنْيِ إِسْرَائِيلَ ، فَإِنَّهَا كَانَتْ إِذَا رَزَقَهَا اللَّهُ شَيْئًا فَسُئِلَتْ عَنْهُ قَالَتْ : ( ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ) فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَلِيٍّ ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَلَ عَلِيٌّ ، وَفَاطِمَةُ ، وَحَسَنٌ ، وَحُسَيْنٌ ، وَجَمِيعُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ جَمِيعًا حَتَّى شَبِعُوا . قَالَتْ : وَبَقِيَتِ الْجَفْنَةُ كَمَا هِيَ ، فَأَوْسَعَتْ بِبَقِيَّتِهَا عَلَى جَمِيعِ الْجِيرَانِ ، وَجَعَلَ اللَّهُ فِيهَا بَرَكَةً وَخَيْرًا كَثِيرًا .

38-41

( ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ( 38 ) ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ( 39 ) ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ( 40 ) ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ ( 41 ) ) لَمَّا رَأَى زَكَرِيَّا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُ مَرْيَمَ ، عَلَيْهَا السَّلَامُ ، فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، طَمِعَ حِينَئِذٍ فِي الْوَلَدِ ، وَ [ إِنْ ] كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ [ ضَعُفَ وَ ] وَهَنَ مِنْهُ الْعَظْمُ ، وَاشْتَعَلَ رَأْسُهُ شَيْبًا ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ مَعَ ذَلِكَ كَبِيرَةً وَعَاقِرًا ، لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ سَأَلَ رَبَّهُ وَنَادَاهُ نِدَاءً خَفِيًّا ، وَقَالَ : ( ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِكَ ( ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ ) أَيْ : وَلَدًا صَالِحًا ( ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ ) أَيْ : خَاطَبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ شِفَاهًا خِطَابًا أَسْمَعَتْهُ ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِحْرَابِ عِبَادَتِهِ ، وَمَحَلِّ خَلْوَتِهِ ، وَمَجْلِسِ مُنَاجَاتِهِ وَصَلَاتِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَمَّا بَشَّرَتْهُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ : ( ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ ) أَيْ : بِوَلَدٍ يُوجَدُ لَكَ مِنْ صُلْبِكَ اسْمُهُ يَحْيَى . قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا سُمِّيَ يَحْيَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ) رَوَى الْعَوْفِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : وَعَلَى سُنَنِهِ وَمِنْهَاجِهِ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ) قَالَ : كَانَ يَحْيَى وَعِيسَى ابْنَيْ خَالَةٍ ، وَكَانَتْ أَمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ : إِنِّي أَجِدُ الَّذِي فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي فِي بَطْنِكِ فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسَى : تَصْدِيقُهُ لَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ عِيسَى ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ عِيسَى ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ أَيْضًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَسَيِّدًا﴾ ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ : الْحَكِيمُ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : سَيِّدًا فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ : السَّيِّدُ الْحَكِيمُ الْمُتَّقِي ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : هُوَ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ . وَقَالَ عَطِيَّةُ : السَّيِّدُ فِي خُلُقِهِ وَدِينِهِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : هُوَ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هُوَ الشَّرِيفُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ هُوَ الْكَرِيمُ عَلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَحَصُورًا﴾ ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا : هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ . وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : هُوَ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : هُوَ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا مَاءَ لَهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَصُورِ : الَّذِي لَا يُنْزِلُ الْمَاءَ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي هَذَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْعَوَّامِ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ ابْنِ الْعَاصِ - لَا يَدْرِي عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَمْرٌو -

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ) قَالَ : ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ : " كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذَا " . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَا يَلْقَاهُ بِذَنْبٍ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ، ثُمَّ قَرَأَ سَعِيدٌ : ( ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ) ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ الْحَصُورُ مَا كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ ذِي وَأَشَارَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ بِطَرَفِ إِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ . فَهَذَا مَوْقُوفٌ وَهُوَ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنَ الْمَرْفُوعِ ، بَلْ وَفِي صِحَّةِ الْمَرْفُوعِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ الشِّفَاءِ : اعْلَمْ أَنَّثَنَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى يَحْيَىأَنَّهُ كَانَ ) حَصُورًا ) لَيْسَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ كَانَ هَيُّوبًا ، أَوْ لَا ذَكَرَ لَهُ ، بَلْ قَدْ أَنْكَرَ هَذَا حُذَّاقُ الْمُفَسِّرِينَ وَنُقَّادُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالُوا : هَذِهِ نَقِيصَةٌ وَعَيْبٌ وَلَا تَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الذُّنُوبِ ، أَيْ لَا يَأْتِيهَا كَأَنَّهُ حُصِرَ عَنْهَا ، وَقِيلَ : مَانِعًا نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ . وَقِيلَ : لَيْسَتْ لَهُ شَهْوَةٌ فِي النِّسَاءِ . وَقَدْ بَانَ لَكَ مِنْ هَذَا أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى النِّكَاحِ نَقْصٌ ، وَإِنَّمَا الْفَضْلُ فِي كَوْنِهَا مَوْجُودَةً ثُمَّ قَمَعَهَا : إِمَّا بِمُجَاهَدَةٍ كَعِيسَى أَوْ بِكِفَايَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَيَحْيَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ هِيَ حَقٌّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْهَا وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِيهَا وَلَمْ تَشْغَلْهُ عَنْ رَبِّهِ دَرَجَةً عَلْيَاءَ ، وَهِيَ دَرَجَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَمْ يَشْغَلْهُ كَثْرَتُهُنَّ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ ، بَلْ زَادَهُ ذَلِكَ عِبَادَةً ، بِتَحْصِينِهِنَّ وَقِيَامِهِ عَلَيْهِنَّ ، وَاكْتِسَابِهِ لَهُنَّ ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُنَّ . بَلْ قَدْ صَرَّحَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حُظُوظِ دُنْيَاهُ هُوَ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُظُوظِ دُنْيَا غَيْرِهِ ، فَقَالَ : " حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ " . هَذَا لَفْظُهُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ مَدَحَ يَحْيَى بِأَنَّهُ حَصُورٌ لَيْسَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ ، بَلْ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ : أَنَّهُ مَعْصُومٌ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْقَاذُورَاتِ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ تَزْوِيجِهِ بِالنِّسَاءِ الْحَلَالِ وَغَشَيَانِهِنَّ وَإِيلَادِهِنَّ ، بَلْ قَدْ يُفْهَمُ وُجُودُ النَّسْلِ لَهُ مِنْ دُعَاءِ زَكَرِيَّا الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ : ( ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ ) كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَدًا لَهُ ذُرِّيَّةٌ وَنَسْلٌ وَعَقِبٌ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ . [ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ الْقَمَرِيِّ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَلْقَى اللَّهَ بِذَنْبٍ قَدْ أَذَنَبَهُ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ ، إِنْ شَاءَ أَوْ يَرْحَمُهُ ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ، فَإِنَّهُ كَانَ سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ " ، ثُمَّ أَهْوَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَذَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَأَخَذَهَا وَقَالَ : " كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذِهِ الْقَذَاةِ " ] . قَوْلُهُ : ( ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ) هَذِهِ بِشَارَةٌ ثَانِيَةٌ بِنُبُوَّةِ يَحْيَى بَعْدَ الْبِشَارَةِ بِوِلَادَتِهِ ، وَهِيَ أَعْلَى مِنَ الْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِأُمِّ مُوسَى : ( ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ) [ الْقَصَصِ : 7 ] فَلَمَّا تَحَقَّقَ زَكَرِيَّا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، هَذِهِ الْبِشَارَةَ أَخَذَ يَتَعَجَّبُ مِنْ وُجُودِ الْوَلَدِ مِنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ ( ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ﴾ ) أَيِ الْمَلَكُ : ( ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ) أَيْ : هَكَذَا أَمْرُ اللَّهِ عَظِيمٌ ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَعَاظَمُهُ أَمْرٌ . ( ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ ) أَيْ : عَلَامَةً أَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى وُجُودِ الْوَلَدِ مِنِّي ( ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ ) أَيْ : إِشَارَةً لَا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ ، مَعَ أَنَّكَ سَوِيٌّ صَحِيحٌ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ ) [ مَرْيَمَ : 10 ] ثُمَّ أُمِرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَالشُّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَقَالَ : ( ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ ) وَسَيَأْتِي طَرَفٌ آخَرُ فِي بَسْطِ هَذَا الْمَقَامِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ مَرْيَمَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

42-44

( ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ( 42 ) ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ( 43 ) ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ( 44 ) ) هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا خَاطَبَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ مَرْيَمَ ، عَلَيْهَا السَّلَامُ ، عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُمْ بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ قَدِ اصْطَفَاهَا ، أَيِ : اخْتَارَهَا لِكَثْرَةِ عِبَادَتِهَا وَزَهَادَتِهَا وَشَرَفِهَا وَطُهْرِهَا مِنَ الْأَكْدَارِ وَالْوَسْوَاسِ وَاصْطَفَاهَا ثَانِيًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِجَلَالَتِهَا عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ ) قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ، وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ " . لَمْ يُخَرِّجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، سِوَى مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ " . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ ، بِهِ مِثْلَهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ . " تَفَرَّدَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ ، مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا ثَلَاثٌ : مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ " . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، سَمِعْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ بِحَدِيثٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ " . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ : " كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ " . وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَلْفَاظَهُ فِي قِصَّةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، فِي كِتَابِنَا " الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ : أَنَّهُمْ أَمَرُوهَا بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ وَالدُّءُوبِ فِي الْعَمَلِ لَهَا ، لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] بِهَا مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ ، مِمَّا فِيهِ مِحْنَةٌ لَهَا وَرِفْعَةٌ فِي الدَّارَيْنِ ، بِمَا أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ ، حَيْثُ خَلَقَ مِنْهَا وَلَدًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ) أَمَّا الْقُنُوتُ فَهُوَ الطَّاعَةُ فِي خُشُوعٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 116 ] . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ : أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلُّ حَرْفٍ فِي الْقُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهِ الْقُنُوتُ فَهُوَ الطَّاعَةُ " . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، بِهِ ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَتْ مَرْيَمُ ، عَلَيْهَا السَّلَامُ ، تَقُومُ حَتَّى تَتَوَرَّمَ كَعْبَاهَا ، وَالْقُنُوتُ هُوَ : طُولُ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ ، يَعْنِي امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ ) بَلْ قَالَ الْحَسَنُ : يَعْنِي اعْبُدِي لِرَبِّكِ ( ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ) أَيْ : كُونِي مِنْهُمْ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : رَكَدَتْ فِي مِحْرَابِهَا رَاكِعَةً وَسَاجِدَةً وَقَائِمَةً ، حَتَّى نَزَلَ الْمَاءُ الْأَصْفَرُ فِي قَدَمَيْهَا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَتِهَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْكُدَيْمِيِّ - وَفِيهِ مَقَالٌ - : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بَرِّيٍّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ ) قَالَ : سَجَدَتْ حَتَّى نَزَلَ الْمَاءُ الْأَصْفَرُ فِي عَيْنَيْهَا . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ : كَانَتْ مَرْيَمُ ، عَلَيْهَا السَّلَامُ ، تَغْتَسِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ [ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَالسَّلَامِ ] بَعْدَمَا أَطْلَعَهُ عَلَى جَلِيَّةِ الْأَمْرِ : ( ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ) أَيْ : نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ( ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ) أَيْ : مَا كُنْتَ عِنْدَهُمْ يَا مُحَمَّدُ فَتُخْبِرَهُمْ عَنْهُمْ مُعَايِنَةً عَمَّا جَرَى ، بَلْ أَطْلَعَكَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ كَأَنَّكَ كُنْتَ حَاضِرًا وَشَاهِدًا لِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ حِينَ اقْتَرَعُوا فِي شَأْنِ مَرْيَمَ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا ، وَذَلِكَ لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْأَجْرِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ - قَالَ : ثُمَّ خَرَجَتْ بِهَا - يَعْنِي أُمَّ مَرْيَمَ بِمَرْيَمَ - تَحْمِلُهَا فِي خِرَقِهَا إِلَى بَنِي الْكَاهِنِ بْنِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - قَالَ : وَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَلُونَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي الْحَجَبَةُ مِنَ الْكَعْبَةِ - فَقَالَتْ لَهُمْ : دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةُ فَإِنِّي حَرَّرْتُهَا وَهِيَ ابْنَتِي ، وَلَا تَدْخُلُ الْكَنِيسَةَ حَائِضٌ ، وَأَنَا لَا أَرُدُّهَا إِلَى بَيْتِي ؟ فَقَالُوا هَذِهِ ابْنَةُ إِمَامِنَا - وَكَانَ عِمْرَانُ يَؤُمُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ - وَصَاحِبُ قُرْبَانِنَا ، فَقَالَ زَكَرِيَّا : ادْفَعُوهَا إِلَيَّ : فَإِنَّ خَالَتَهَا تَحْتِي . فَقَالُوا : لَا تَطِيبُ أَنْفُسُنَا ، هِيَ ابْنَةُ إِمَامِنَا فَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ عَلَيْهَا الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ ، فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا ، فَكَفَلَهَا وَقَدْ ذَكَرَ عِكْرِمَةُ أَيْضًا ، وَالسُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ - دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ - أَنَّهُمْ دَخَلُوا إِلَى نَهْرِ الْأُرْدُنِّ وَاقْتَرَعُوا هُنَالِكَ عَلَى أَنْ يُلْقُوا أَقْلَامَهُمْ [ فِيهِ ] فَأَيُّهُمْ ثَبَتَ فِي جَرْيَةِ الْمَاءِ فَهُوَ كَافِلُهَا ، فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فَاحْتَمَلَهَا الْمَاءُ إِلَّا قَلَمَ زَكَرِيَّا ثَبَتَ . وَيُقَالُ : إِنَّهُ ذَهَبَ صُعُدًا يَشُقُّ جَرْيَةَ الْمَاءِ ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ كَبِيرُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ ، وَعَالِمُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَنَبِيُّهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ سَائِرُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ .

45-47

( ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَوَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ( 45 ) ) ( ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ( 46 ) ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ( 47 ) ) هَذِهِ بِشَارَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِمَرْيَمَ ، عَلَيْهَا السَّلَامُ ، بِأَنْ سَيُوجَدُ مِنْهَا وَلَدٌ عَظِيمٌ ، لَهُ شَأْنٌ كَبِيرٌ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ ) أَيْ : بِوَلَدٍ يَكُونُ وُجُودُهُ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ، أَيْ : بِقَوْلِهِ لَهُ : " كُنْ " فَيَكُونُ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : ( ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 39 ] كَمَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ ( ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ) أَيْ يَكُونُ مَشْهُورًا بِهَذَا فِي الدُّنْيَا ، يَعْرِفُهُ الْمُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ . وَسُمِّيَ الْمَسِيحُ ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : لِكَثْرَةِ سِيَاحَتِهِ . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ : [ أَيْ ] لَا أَخْمَصَ لَهُمَا . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ [ كَانَ ] إِذَا مَسَحَ أَحَدًا مِنْ ذَوِي الْعَاهَاتِ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ : ( عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) نِسْبَةً لَهُ إِلَى أُمِّهِ ، حَيْثُ لَا أَبَ لَهُ ( ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ) أَيْ : لَهُ وَجَاهَةٌ وَمَكَانَةٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا ، بِمَا يُوحِيهِ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ ، وَيُنَزِّلُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا مَنَحَهُ بِهِ ، وَفِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ فِيمَنْ يَأْذَنُ لَهُ فِيهِ ، فَيَقْبَلُ مِنْهُ ، أُسْوَةً بِإِخْوَانِهِ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ ) أَيْ : يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فِي حَالِ صِغَرِهِ ، مُعْجِزَةً وَآيَةً ، وَ [ فِي ] حَالِ كُهُولِيَّتِهِ حِينَ يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ( ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ) أَيْ : فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ ، لَهُ عِلْمٌ صَحِيحٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" مَا تَكَلَّمَ مَوْلُودٌ فِي صِغَرِهِ إِلَّا عِيسَى وَصَاحِبَ جُرَيْجٍ " . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو الصَّقْرِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَزْعَةَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ - يَعْنِي الْمَرْوَزِيَّ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ - عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ ، عِيسَى ، وَصَبِيٌّ كَانَ فِي زَمَنِ جُرَيْجٍ ، وَصَبِيٌّ آخَرُ " . فَلَمَّا سَمِعَتْ بِشَارَةَ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِذَلِكَ ، عَنِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَتْ فِي مُنَاجَاتِهَا : ( ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ) تَقُولُ : كَيْفَ يُوجَدُ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي وَأَنَا لَسْتُ بِذَاتِ زَوْجٍ وَلَا مِنْ عَزْمِي أَنْ أَتَزَوَّجَ ، وَلَسْتُ بَغِيًّا ؟ حَاشَا لِلَّهِ . فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ - عَنِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ - : ( ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ) أَيْ : هَكَذَا أَمْرُ اللَّهِ عَظِيمٌ ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ . وَصَرَّحَ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ : ( يَخْلُقُ ) وَلَمْ يَقُلْ : " يَفْعَلُ " كَمَا فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا ، بَلْ نَصَّ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ يَخْلُقُ ، لِئَلَّا يَبْقَى شُبْهَةً ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ) أَيْ : فَلَا يَتَأَخَّرُ شَيْئًا ، بَلْ يُوجَدُ عَقِيبَ الْأَمْرِ بِلَا مُهْلَةٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ) [ الْقَمَرِ : 50 ] أَيْ : إِنَّمَا نَأْمُرُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ سَرِيعًا كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ .

48-51

( ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 48 ) ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ( 49 ) ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ( 50 ) ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ( 51 ) ) يَقُولُ تَعَالَى - مُخْبِرًا عَنْ تَمَامِ بِشَارَةِ الْمَلَائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِابْنِهَا عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُهُ ( ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ هَاهُنَا الْكِتَابَةُ . وَالْحِكْمَةُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ . ( ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ) فَالتَّوْرَاةُ : هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ . وَالْإِنْجِيلُ : الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، وَقَدْ كَانَ [ عِيسَى ] عَلَيْهِ السَّلَامُ ، يَحْفَظُ هَذَا وَهَذَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ) أَيْ : [ وَ ] يَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَائِلًا لَهُمْ : ( ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ) وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ : يُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ شَكْلَ طَيْرٍ ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ ، فَيَطِيرُ عِيَانًا بِإِذْنِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، الَّذِي جَعَلَ هَذَا مُعْجِزَةً يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ . ( ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ ) قِيلَ : هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ نَهَارًا وَلَا يُبْصِرُ لَيْلًا . وَقِيلَ بِالْعَكْسِ . وَقِيلَ : هُوَ الْأَعْشَى . وَقِيلَ : الْأَعْمَشُ . وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى . وَهُوَ أَشْبَهُ ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ وَأَقْوَى فِي التَّحَدِّي ) وَالْأَبْرَصُ ) مَعْرُوفٌ . ( ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ) قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ :بَعَثَ اللَّهُ كُلَّ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِمُعْجِزَةٍ تُنَاسِبُ أَهْلَ زَمَانِهِ، فَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى زَمَانِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، السِّحْرُ وَتَعْظِيمُ السَّحَرَةِ . فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِمُعْجِزَةٍ بَهَرَتِ الْأَبْصَارَ وَحَيَّرَتْ كُلَّ سَحَّارٍ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَنُوا أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ الْعَظِيمِ الْجَبَّارِ انْقَادُوا لِلْإِسْلَامِ ، وَصَارُوا مِنَ الْأَبْرَارِ . وَأَمَّا عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَبُعِثَ فِي زَمَنِ الْأَطِبَّاءِ وَأَصْحَابِ عِلْمِ الطَّبِيعَةِ ، فَجَاءَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ بِمَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَيَّدًا مِنَ الَّذِي شَرَعَ الشَّرِيعَةَ . فَمِنْ أَيْنَ لِلطَّبِيبِ قُدْرَةٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْجَمَادِ ، أَوْ عَلَى مُدَاوَاةِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ ، وَبَعْثِ مَنْ هُوَ فِي قَبْرِهِ رَهِينٌ إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ ؟ وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ [ اللَّهُ ] فِي زَمَنِ الْفُصَحَاءِ وَالْبُلَغَاءِ وَنَحَارِيرِ الشُّعَرَاءِ ، فَأَتَاهُمْ بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، لَوِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ، أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنْ مِثْلِهِ ، أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَبَدًا ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ لَا يُشْبِهُهُ كَلَامَ الْخَلْقِ أَبَدًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ) أَيْ : أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَكَلَ أَحَدُكُمُ الْآنَ ، وَمَا هُوَ مُدَّخِرٌ [ لَهُ ] فِي بَيْتِهِ لِغَدِهِ ( ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ) أَيْ : فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ( ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ ) أَيْ : عَلَى صِدْقِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ . ( ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) ( ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ) أَيْ : مُقَرِّرٌ لَهُمْ وَمُثَبِّتٌ ( ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، نَسَخَ بَعْضَ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ : لَمْ يَنْسَخْ مِنْهَا شَيْئًا ، وَإِنَّمَا أَحَلَّ لَهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ فَأَخْطَئُوا ، فَكَشَفَ لَهُمْ عَنِ الْمُغَطَّى فِي ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ) [ الزُّخْرُفِ : 63 ] وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ) أَيْ : بِحُجَّةٍ وَدَلَالَةٍ عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَقُولُهُ لَكُمْ . ( ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ ) أَيْ : أَنَا وَأَنْتُمْ سَوَاءٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَالْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ إِلَيْهِ ) هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ )

52-54

( ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) ) ) ( ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ( 53 ) ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ( 54 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ ) أَيِ : اسْتَشْعَرَ مِنْهُمُ التَّصْمِيمَ عَلَى الْكُفْرِ وَالِاسْتِمْرَارَ عَلَى الضَّلَالِ قَالَ : ( ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ مَنْ يَتْبَعُنِي إِلَى اللَّهِ ؟ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ : مَنْ أَنْصَارِي مَعَ اللَّهِ ؟ وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ أَقْرَبُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ أَنْصَارِي فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ ؟ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ، قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ :

" مَنْ رَجُلٌ يُؤْوِينِي عَلَى [ أَنْ ] أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي " حَتَّى وَجَدَ الْأَنْصَارَ فَآوَوْهُ وَنَصَرُوهُ ، وَهَاجَرَ إِلَيْهِمْ فَآسَوْهُ وَمَنَعُوهُ مِنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ . وَهَكَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، انْتَدَبَ لَهُ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَآمَنُوا بِهِ وَآزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ : ( ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ) الْحَوَارِيُّونَ ، قِيلَ : كَانُوا قَصَّارِينَ وَقِيلَ : سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ ، وَقِيلَ : صَيَّادِينَ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَوَارِيَّ النَّاصِرُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَدَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ [ ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ] فَقَالَ : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ " . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ) قَالَ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ [ مَلَأِ ] بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا هَمُّوا بِهِ مِنَ الْفَتْكِ بِعِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَإِرَادَتِهِ بِالسُّوءِ وَالصَّلْبِ ، حِينَ تَمَالَئُوا عَلَيْهِ وَوَشَوْا بِهِ إِلَى مَلِكِ ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَكَانَ كَافِرًا ، فَأَنْهَوْا إِلَيْهِ أَنَّ هَاهُنَا رَجُلًا يُضِلُّ النَّاسَ وَيَصُدُّهُمْ عَنْ طَاعَةِ الْمَلِكِ ، وَيُفَنِّدُ الرَّعَايَا ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَلَّدُوهُ فِي رِقَابِهِمْ وَرَمَوْهُ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ ، وَأَنَّهُ وَلَدُ زَانِيَةٍ حَتَّى اسْتَثَارُوا غَضَبَ الْمَلِكِ ، فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِ مَنْ يَأْخُذُهُ وَيَصْلُبُهُ وَيُنَكِّلُ بِهِ ، فَلَمَّا أَحَاطُوا بَمَنْزِلِهِ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ظَفِرُوا بِهِ ، نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمْ ، وَرَفَعَهُ مِنْ رَوْزَنَةِ ذَلِكَ الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ ، وَأَلْقَى اللَّهُ شَبَهَهُ عَلَى رَجُلٍ [ مِمَّنْ ] كَانَ عِنْدَهُ فِي الْمَنْزِلِ ، فَلَمَّا دَخَلَ أُولَئِكَ اعْتَقَدُوهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَخَذُوهُ وَأَهَانُوهُ وَصَلَبُوهُ ، وَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ الشَّوْكَ . وَكَانَ هَذَا مِنْ مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ ، فَإِنَّهُ نَجَّى نَبِيَّهُ وَرَفَعَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، وَتَرَكَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ يَعْمَهُونَ ، يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ قَدْ ظَفِرُوا بِطَلَبَتِهِمْ ، وَأَسْكَنَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ قَسْوَةً وَعِنَادًا لِلْحَقِّ مُلَازِمًا لَهُمْ ، وَأَوْرَثَهُمْ ذِلَّةً لَا تُفَارِقُهُمْ إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ) .

55-63

( ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ( 55 ) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ( 56 ) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ( 57 ) ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ ( 58 ) ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ) فَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ : هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ ، تَقْدِيرُهُ : إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُتَوَفِّيكَ ، يَعْنِي بَعْدَ ذَلِكَ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ) أَيْ : مُمِيتُكَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَمَّنْ لَا يَتَّهِمُ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ حِينَ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَالنَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَوَفَّاهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ ثُمَّ أَحْيَاهُ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ إِدْرِيسَ ، عَنْ وَهْبٍ : أَمَاتَهُ اللَّهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ بَعَثَهُ ، ثُمَّ رَفَعَهُ . وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ : مُتَوَفِّيكَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَيْسَ بِوَفَاةِ مَوْتٍ وَكَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : تَوَفِّيهِ هُوَ رَفْعُهُ . وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : الْمُرَادُ بِالْوَفَاةِ هَاهُنَا : النَّوْمُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ]﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 60 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( [﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ]﴾](/quran/39#42) ) [ الزُّمَرِ : 42 ] وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ**يَقُولُ - إِذَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ - :

" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 156 - 159 ] وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ) عَائِدٌ عَلَى عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَيْ : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا يُؤْمِنُ بِعِيسَى قُبَلَ مَوْتِ عِيسَى ، وَذَلِكَ حِينَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، فَحِينَئِذٍ يُؤْمِنُ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ كُلُّهُمْ ، لِأَنَّهُ يَضَعُ الْجِزْيَةَ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ) يَعْنِي وَفَاةَ الْمَنَامِ ، رَفَعَهُ اللَّهُ فِي مَنَامِهِ . قَالَ الْحَسَنُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ : " إِنَّ عِيسَى لَمْ يَمُتْ ، وَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَيْكُمْ قَبْلَ يَوْمِ الْقَيَّامَةِ " . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أَيْ : بِرَفْعِي إِيَّاكَ إِلَى السَّمَاءِ ( ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) وَهَكَذَا وَقَعَ ، فَإِنَّالْمَسِيحَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ تَفَرَّقَتْ أَصْحَابُهُ شِيَعًا بَعْدَهُ**، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أُمَتِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا فِيهِ فَجَعَلَهُ ابْنَ اللَّهِ ، وَآخَرُونَ قَالُوا : هُوَ اللَّهُ . وَآخَرُونَ قَالُوا : هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . وَقَدْ حَكَى اللَّهُ مَقَالَاتِهِمْ فِي الْقُرْآنِ ، وَرَدَّ عَلَى كُلِّ فَرِيقٍ ، فَاسْتَمَرُّوا كَذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ ، ثُمَّ نَبَعَ لَهُمْ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْيُونَانِ ، يُقَالُ لَهُ : قُسْطَنْطِينُ ، فَدَخَلَ فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ ، قِيلَ : حِيلَةٌ لِيُفْسِدَهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ فَيْلَسُوفًا ، وَقِيلَ : جَهْلَا مِنْهُ ، إِلَّا أَنَّهُ بَدَّلَ لَهُمْ دِينَ الْمَسِيحِ وَحَرَّفَهُ ، وَزَادَ فِيهِ وَنَقَصَ مِنْهُ ، وَوُضِعَتْ لَهُ الْقَوَانِينُ وَالْأَمَانَةُ الْكَبِيرَةُ - الَّتِي هِيَ الْخِيَانَةُ الْحَقِيرَةُ - وَأُحِلَّ فِي زَمَانِهِ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ ، وَصَلَّوْا لَهُ إِلَى الْمَشْرِقِ وَصَوَّرُوا لَهُ الْكَنَائِسَ ، وَزَادُوا فِي صِيَامِهِمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَجْلِ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ ، فِيمَا يَزْعُمُونَ . وَصَارَ دِينُ الْمَسِيحِ دِينَ قُسْطَنْطِينَ إِلَّا أَنَّهُ بَنَى لَهُمْ مِنَ الْكَنَائِسِ وَالْمَعَابِدِ وَالصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ مَا يَزِيدُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مَعْبَدٍ ، وَبَنَى الْمَدِينَةَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَيْهِ ، وَاتَّبَعَهُ الطَّائِفَةُ الْمَلْكِيَّةُ مِنْهُمْ . وَهُمْ فِي هَذَا كُلُّهُ قَاهِرُونَ لِلْيَهُودِ ، أَيَّدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِنْهُمْ ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ كُفَّارًا ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ . فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ مَنْ آمَنَ بِهِ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِّ - كَانُوا هُمْ أَتْبَاعَ كُلِّ نَبِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ - إِذْ قَدْ صَدَّقُوا الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ، خَاتَمَ الرُّسُلِ ، وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ ، الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى التَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ الْحَقِّ ، فَكَانُوا أَوْلَى بِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أُمَّتِهِ ، الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى مِلَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ ، مَعَ مَا قَدْ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا . ثُمَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ قَدْ نَسَخَ اللَّهُ بِشَرِيعَتِهِ شَرِيعَةَ جَمِيعِ الرُّسُلِ بِمَا بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدِّينِ الْحَقِّ ، الَّذِي لَا يُغَيَّرُ وَلَا يُبَدَّلُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَلَا يَزَالُ قَائِمًا مَنْصُورًا ظَاهِرًا عَلَى كُلِّ دِينٍ . فَلِهَذَا فَتَحَ اللَّهُ لِأَصْحَابِهِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ، وَاحْتَازُوا جَمِيعَ الْمَمَالِكِ ، وَدَانَتْ لَهُمْ جَمِيعُ الدُّوَلِ ، وَكَسَرُوا كِسْرَى ، وَقَصَرُوا قَيْصَرَ ، وَسَلَبُوهُمَا كُنُوزَهُمَا ، وَأُنْفِقَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، كَمَا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ نَبِيُّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ) الْآيَةَ [ النُّورِ : 65 ] وَلِهَذَا لَمَّا كَانُوا هُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَسِيحِ حَقًّا سَلَبُوا النَّصَارَى بِلَادَ الشَّامِ وَأَجْلَوْهُمْ إِلَى الرُّومِ ، فَلَجَئُوا إِلَى مَدِينَتِهِمُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ، وَلَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ وَأَهْلُهُ فَوْقَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أُمَّتَهُ بِأَنَّ آخِرَهُمْ سَيَفْتَحُونَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ ، وَيَسْتَفِيئُونَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَيَقْتُلُونَ الرُّومَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا ، لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا وَلَا يَرَوْنَ بَعْدَهَا نَظِيرَهَا ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِي هَذَا جُزْءًا مُفْرَدًا . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ) وَكَذَلِكَ فَعَلَ تَعَالَى بِمَنْ كَفَرَ بِالْمَسِيحِ مِنَ الْيَهُودِ ، أَوْ غَلَا فِيهِ وَأَطْرَاهُ مِنَ النَّصَارَى ، عَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَإِزَالَةِ الْأَيْدِي عَنِ الْمَمَالِكِ ، وَفِي الدَّارِ الْآخِرَةِ عَذَابُهُمْ أَشَدُّ وَأَشَقُّ ( ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ) [ الرَّعْدِ : 34 ] . ( ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فِي الدُّنْيَا بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْجَنَّاتِ الْعَالِيَاتِ ( ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ) أَيْ : هَذَا الَّذِي قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ فِي أَمْرِ عِيسَى وَمَبْدَأِ مِيلَادِهِ وَكَيْفِيَّةِ أَمْرِهِ ، هُوَ مِمَّا قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَوْحَاهُ إِلَيْكَ وَنَزَّلَهُ عَلَيْكَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، فَلَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ : ( ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ . مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ) [ مَرْيَمَ : 34 - 35 ] وَهَاهُنَا قَالَ تَعَالَى . ( ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ( 60 ) ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ( 61 ) ) ( ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ( 62 ) ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ( 63 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ ) فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ ( ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ ) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ ، بَلْ ( ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) وَالَّذِي خَلَقَ آدَمَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ عِيسَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، وَإِنْ جَازَ ادِّعَاءُ الْبُنُوَّةِ فِي عِيسَى بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ ، فَجَوَازُ ذَلِكَ فِي آدَمَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى ، وَمَعْلُومٌ بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ ، فَدَعْوَاهَا فِي عِيسَى أَشَدُّ بُطْلَانًا وَأَظْهَرُ فَسَادًا . وَلَكِنَّ الرَّبَّ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ ، حِينَ خَلَقَ آدَمَ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى ، وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى ، وَخَلَقَ عِيسَى مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ كَمَا خَلَقَ بَقِيَّةَ الْبَرِيَّةَ مَنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ : ( ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ ) [ مَرْيَمَ : 21 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ) أَيْ : هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ فِي عِيسَى ، الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَلَا صَحِيحَ سِوَاهُ ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى - آمِرًا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ فِي أَمْرِ عِيسَى بَعْدَ ظُهُورِ الْبَيَانِ : ( ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ ) أَيْ : نَحْضُرُهُمْ فِي حَالِ الْمُبَاهَلَةِ ( ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) أَيْ : نَلْتَعِنْ ( ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ) أَيْ : مِنَّا أَوْ مِنْكُمْ . وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْمُبَاهَلَةِ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا فِي وَفْدِ نَجْرَانَ ، أَنَّ النَّصَارَى حِينَ قَدِمُوا فَجَعَلُوا يُحَاجُّونَ فِي عِيسَى ، وَيَزْعُمُونَ فِيهِ مَا يَزْعُمُونَ مِنَ الْبُنُوَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ ، كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سِيرَتِهِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرُهُ : وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ ، سِتُّونَ رَاكِبًا ، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ يَئُولُ إِلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ ، وَهُمْ : الْعَاقِبُ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ ، وَالسَّيِّدُ ، وَهُوَ الْأَيْهَمُ ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، وَأَوْسُ بْنُ الْحَارِثِ وَزَيْدٌ ، وَقَيْسٌ ، وَيَزِيدُ ، وَنَبِيهٌ ، وَخُوَيْلِدٌ ، وَعَمْرٌو ، وَخَالِدٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَيُحَنَّسُ . وَأَمْرُ هَؤُلَاءِ يَئُولُ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ ، وَهُمُ : الْعَاقِبُ وَكَانَ أَمِيرَ الْقَوْمِ وَذَا رَأْيِهِمْ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ ، وَالَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ ، وَالسَّيِّدُ وَكَانَ عَالِمَهُمْ وَصَاحِبَ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ وَكَانَ أُسْقُفَهُمْ وَحَبْرَهُمْ وَإِمَامَهُمْ وَصَاحِبَ مَدَارِسِهِمْ ، وَكَانَ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، وَلَكِنَّهُ تَنَصَّرَ ، فَعَظَّمَتْهُ الرُّومُ وَمُلُوكُهَا وَشَرَّفُوهُ ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ ، لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي دِينِهِمْ . وَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَأْنَهُ وَصِفَتَهُ بِمَا عَلِمَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ جَيِّدًا ، وَلَكِنِ احْتَمَلَهُ جَهْلُهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ لِمَا يَرَى [ مِنْ ] تَعْظِيمِهِ فِيهَا وَوَجَاهَتِهِ عِنْدَ أَهْلِهَا . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ : جُبَبٌ وَأَرْدِيَةٌ ، فِي جَمَالِ رِجَالِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ . قَالَ : يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا رَأَيْنَا بَعْدَهَمْ وَفْدًا مِثْلَهُمْ . وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهُمْ فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ . قَالَ : فَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ ، أَوِ السَّيِّدُ الْأَيْهَمُ ، وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ ، مَعَ اخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ ، يَقُولُونَ : هُوَ اللَّهُ ، وَيَقُولُونَ : هُوَ وَلَدُ اللَّهِ ، وَيَقُولُونَ : هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . تَعَالَى اللَّهُ [ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ] وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ ، فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ : " هُوَ اللَّهُ " بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى ، وَيُبْرِئُ الْأَسْقَامَ ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا وَذَلِكَ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَلِيَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ . وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ ، يَقُولُونَ : لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعْلَمُ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ بِشَيْءٍ لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ قَبْلَهُ . وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَعَلْنَا ، وَأَمَرْنَا ، وَخَلَقْنَا ، وَقَضَيْنَا ، فَيَقُولُونَ : لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إِلَّا فَعَلْتُ وَقَضَيْتُ وَأَمَرْتُ وَخَلَقْتُ ، وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمَرْيَمُ وَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ .

فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَسْلِمَا " قَالَا قَدْ أَسْلَمْنَا . قَالَ : " إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فَأَسْلِمَا " قَالَا بَلَى ، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ . قَالَ : " كَذَبْتُمَا ، يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ دُعَاؤُكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا ، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ " . قَالَا فَمَنْ أَبَوْهُ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا فَلَمْ يُجِبْهُمَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ ، وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ ، صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا . ثُمَّ تَكَلَّمَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَلَى التَّفْسِيرِ إِلَى أَنْ قَالَ : فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ ، وَالْفَصْلُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، وَأُمِرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ إِنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا ، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتَنَا إِلَيْهِ ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ ، وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ ، فَقَالُوا : يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ ، مَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ ، وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ ، وَإِنَّهُ لَلِاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ، فَإِنْ كُنْتُمْ [ قَدْ ] أَبَيْتُمْ إِلَّا إِلْفَ دِينِكُمْ وَالْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ ، فَوَادِعُوا الرَّجُلَ وَانْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِكُمْ . فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، قَدْ رَأَيْنَا أَلَّا نُلَاعِنَكَ ، وَنَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ ، وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا ، وَلَكِنِ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا ، يَحْكُمُ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا ، فَإِنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًا . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثُ مَعَكُمُ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ " ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ : مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ قَطُّ حُبِّي إِيَّاهَا يَوْمَئِذٍ ، رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَهَا ، فَرُحْتُ إِلَى الظُّهْرِ مُهَجِّرًا ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ سَلَّمَ ، ثُمَّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ ، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ لَهُ لِيَرَانِي ، فَلَمْ يَزَلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتَّى رَأَى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، فَدَعَاهُ : " اخْرُجْ مَعَهُمْ ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ " . قَالَ عُمَرُ : فَذَهَبَ بِهَاأَبُو عُبَيْدَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَنَّ وَفْدَ أَهْلِ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَشْرَافِ : كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ . وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ ، وَزِيَادَاتٍ أُخَرَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبًا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ ، قَالَ : فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : لَا تَفْعَلْ ، فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّاهُ لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا . قَالَا إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا ، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا ، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا . فَقَالَ : " لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ " ، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ " فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ " . [ وَ ] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ صِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، بِنَحْوِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِنَحْوِهِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَزِيدَ الرَّقِّيُّ أَبُو يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا فُرَاتٌ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ " عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : إِنْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَآتِيَنَّهُ حَتَّى أَطَأَ عَلَى عُنُقِهِ . قَالَ : فَقَالَ : " لَوْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عِيَانًا ، وَلَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ ، وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ مَالًا وَلَا أَهْلًا " . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : [ حَدِيثٌ ] حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِقِصَّةَ وَفْدِ نَجْرَانَمُطَوِّلَةً جِدًّا ، وَلْنَذْكُرْهُ فَإِنَّ فِيهِ فَوَائِدَ كَثِيرَةً ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ لِهَذَا الْمَقَامِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ ، قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَسُوعَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ يُونُسُ - وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ - : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ طس سُلَيْمَانَ : " بِاسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَسْقُفِ نَجْرَانَ وَأَهْلِ نَجْرَانَ سِلْمٌ أَنْتُمْ ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمْ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى وِلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِبَادِ ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ آذَنْتُكُمْ بِحَرْبٍ وَالسَّلَامُ " . فَلَمَّا أَتَى الْأُسْقُفَ الْكِتَابُ فَقَرَأَهُ فَظِعَ بِهِ ، وَذَعَرَهُ ذُعْرًا شَدِيدًا ، وَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ : شُرَحْبِيلُ بْنُ وَدَاعَةَ - وَكَانَ مِنْ هَمْدَانَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُدْعَى إِذَا نَزَلَتْ مُعْضِلَةٌ قَبْلَهُ ، لَا الْأَيْهَمُ وَلَا السَّيِّدُ وَلَا الْعَاقِبُ - فَدَفَعَ الْأَسْقُفُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شُرَحْبِيلَ ، فَقَرَأَهُ ، فَقَالَ الْأَسْقُفُ : يَا أَبَا مَرْيَمَ ، مَا رَأْيُكَ ؟ فَقَالَ شُرَحْبِيلُ : قَدْ عَلِمْتَ مَا وَعَدَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ ، فَمَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ ذَاكَ الرَّجُلُ ، لَيْسَ لِي فِي النُّبُوَّةِ رَأْيٌ ، وَلَوْ كَانَ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لَأَشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ بِرَأْيِي ، وَجَهِدْتُ لَكَ ، فَقَالَ لَهُ الْأَسْقُفُ : تَنَحَّ فَاجْلِسْ . فَتَنَحَّى شُرَحْبِيلُ فَجَلَسَ نَاحِيَةً ، فَبَعَثَ الْأَسْقُفُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ ، يُقَالُ لَهُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَحْبِيلَ ، وَهُوَ مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حِمْيَرَ ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ ، وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ ، فَقَالَ لَهُ الْأَسْقُفَ : فَاجْلِسْ ، فَتَنَحَّى فَجَلَسَ نَاحِيَةً . وَبَعَثَ الْأَسْقُفُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ ، يُقَالُ لَهُ : جَبَّارُ بْنُ فَيْضٍ ، مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ ، أَحَدُ بَنِي الْحَمَاسِ ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ ، وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ ؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ وَعَبْدِ اللَّهِ ، فَأَمْرَهُ الْأَسْقُفَ فَتَنَحَّى فَجَلَسَ نَاحِيَةً . فَلَمَّا اجْتَمَعَ الرَّأْيُ مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ جَمِيعًا ، أَمَرَ الْأَسْقُفُ بِالنَّاقُوسِ فَضُرِبَ بِهِ ، وَرُفِعَتِ النِّيرَانُ وَالْمُسُوحُ فِي الصَّوَامِعِ ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا فَزِعُوا بِالنَّهَارِ ، وَإِذَا كَانَ فَزَعُهُمْ لَيْلًا ضَرَبُوا بِالنَّاقُوسِ ، وَرَفُعِتِ النِّيرَانُ فِي الصَّوَامِعِ ، فَاجْتَمَعُوا حِينَ ضُرِبَ بِالنَّاقُوسِ وَرُفِعَتِ الْمُسُوحُ أَهْلَ الْوَادِي أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ - وَطُولُ الْوَادِي مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلرَّاكِبِ السَّرِيعِ ، وَفِيهِ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ قَرْيَةً ، وَعِشْرُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ . فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَأَلَهُمْ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ بْنَ وَدَاعَةَ الْهَمْدَانِيَّ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ الْأَصْبَحِيَّ ، وَجَبَّارَ بْنَ فَيْضٍ الْحَارِثِيَّ ، فَيَأْتُونَهُمْ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَانْطَلَقَ الْوَفْدُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَضَعُوا ثِيَابَ السَّفَرِ عَنْهُمْ ، وَلَبِسُوا حُلَلًا لَهُمْ يَجُرُّونَهَا مِنْ حِبَرَةٍ ، وَخَوَاتِيمَ الذَّهَبِ ، ثُمَّ انْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ وَتَصَدَّوْا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ وَعَلَيْهِمْ تِلْكَ الْحُلَلُ وَخَوَاتِيمُ الذَّهَبِ . فَانْطَلَقُوا يَتَّبِعُونَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، وَكَانَا مَعْرِفَةً لَهُمْ ، فَوَجَدُوهُمَا فِي نَاسٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي مَجْلِسٍ ، فَقَالُوا : يَا عُثْمَانُ وَيَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، إِنْ نَبِيَّكُمْ كَتَبَ إِلَيْنَا بِكِتَابٍ ، فَأَقْبَلْنَا مُجِيبِينَ لَهُ ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ سَلَامَنَا ، وَتَصَدَّيْنَا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا فَأَعْيَانَا أَنْ يُكَلِّمَنَا ، فَمَا الرَّأْيُ مِنْكُمَا ، أَتَرَوْنَ أَنْ نَرْجِعَ ؟ فَقَالَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَهُوَ فِي الْقَوْمِ - : مَا تَرَى يَا أَبَا الْحَسَنِ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَرَى أَنْ يَضَعُوا حُلَلَهُمْ هَذِهِ وَخَوَاتِيمَهُمْ ، وَيَلْبَسُوا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ ثُمَّ يَعُودَا إِلَيْهِ . فَفَعَلُوا فَسَلَّمُوا ، فَرَدَّ سَلَامَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : " وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَقَدْ أَتَوْنِي الْمَرَّةَ الْأُولَى ، وَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمَعَهُمْ " ثُمَّ سَاءَلَهُمْ وَسَاءَلُوهُ ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى قَالُوا : مَا تَقُولُ فِي عِيسَى ، فَإِنَّا نَرْجِعُ إِلَى قَوْمِنَا وَنَحْنُ نَصَارَى ، يَسُرُّنَا إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا أَنْ نَسْمَعَ مَا تَقُولُ فِيهِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هَذَا ، فَأَقِيمُوا حَتَّى أُخْبِرَكُمْ بِمَا يَقُولُ لِي رَبِّي فِي عِيسَى " . فَأَصْبَحَ الْغَدُ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى ] الْكَاذِبِينَ﴾ ) فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ ، أَقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فِي خَمِيلٍ لَهُ وَفَاطِمَةُ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ لِلْمُلَاعَنَةِ ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ لِصَاحِبَيْهِ : قَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ الْوَادِيَ إِذَا اجْتَمَعَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ لَمْ يَرِدُوا وَلَمْ يَصْدُرُوا إِلَّا عَنْ رَأْيِي وَإِنِّي وَاللَّهِ أَرَى أَمْرًا ثَقِيلًا وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَلِكًا مَبْعُوثًا ، فَكُنَّا أَوَّلَ الْعَرَبِ طَعَنَ فِي عَيْنَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، لَا يَذْهَبُ لَنَا مِنْ صَدْرِهِ وَلَا مِنْ صُدُورِ أَصْحَابِهِ حَتَّى يُصِيبُونَا بِجَائِحَةٍ ، وَإِنَّا لَأَدْنَى الْعَرَبِ مِنْهُمْ جِوَارًا ، وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلَاعَنَّاهُ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَّا شَعْرٌ وَلَا ظُفُرٌ إِلَّا هَلَكَ . فَقَالَ لَهُ صَاحِبَاهُ : يَا أَبَا مَرْيَمَ ، فَمَا الرَّأْيُ ؟ فَقَالَ : أَرَى أَنْ أُحَكِّمَهُ ، فَإِنِّي أَرَى رَجُلًا لَا يَحْكُمُ شَطَطًا أَبَدًا . فَقَالَا لَهُ : أَنْتَ وَذَاكَ . قَالَ : فَلَقِيَ شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ : إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْ مُلَاعَنَتِكَ . فَقَالَ : " وَمَا هُوَ ؟ " فَقَالَ : حُكْمُكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَيْلَتُكَ إِلَى الصَّبَاحِ ، فَمَهْمَا حَكَّمْتَ فِينَا فَهُوَ جَائِزٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَعَلَّ وَرَاءَكَ أَحَدًا يَثْرِبُ عَلَيْكَ ؟ " فَقَالَ شُرَحْبِيلُ : سَلْ صَاحِبَيَّ . فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا مَا يَرِدُ الْوَادِي وَلَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِ شُرَحْبِيلَ : فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُلَاعِنْهُمْ ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَوْهُ فَكَتَبَ لَهُمْ هَذَا الْكِتَابَ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ رَسُولُ اللَّهِ لِنَجْرَانَ - إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ - فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ وَكُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ وَرَقِيقٍ فَاضِلٍ عَلَيْهِمْ ، وَتَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُمْ ، عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ ، فِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ ، وَفِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ " وَذَكَرَ تَمَامَ الشُّرُوطِ وَبَقِيَّةَ السِّيَاقِ . وَالْغَرَضُ أَنَّ وُفُودَهُمْ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ : كَانَ أَهْلُ نَجْرَانَ أَوَّلَ مَنْ أَدَّى الْجِزْيَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَآيَةُ الْجِزْيَةِ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ]﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 29 ] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مِهْرَانَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَاقِبُ وَالطَّيِّبُ ، فَدَعَاهُمَا إِلَى الْمُلَاعَنَةِ فَوَاعَدَاهُ عَلَى أَنْ يُلَاعِنَاهُ الْغَدَاةَ . قَالَ : فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَأَبَيَا أَنْ يَجِيئَا وَأَقَرَّا بِالْخَرَاجِ ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَوْ قَالَا لَا لَأَمْطَرَ عَلَيْهِمُ الْوَادِي نَارًا " قَالَ جَابِرٌ : فِيهِمْ نَزَلَتْ ( ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ ) قَالَ جَابِرٌ : ( ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ ) رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ) وَأَبْنَاءَنَا ) : الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ( ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ ) فَاطِمَةَ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ الْأَزْهَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، بِهِ بِمَعْنَاهُ . ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . هَكَذَا قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا وَهَذَا أَصَحُّ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءِ نَحْوُ ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ) أَيْ : هَذَا الَّذِي قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ فِي شَأْنِ عِيسَى هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَعْدِلَ عَنْهُ وَلَا مَحِيدَ ( ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ) أَيْ : عَنْ هَذَا إِلَى غَيْرِهِ . ( ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ) أَيْ : مَنْ عَدَلَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ فَهُوَ الْمُفْسِدُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِهِ ، وَسَيَجْزِيهِ عَلَى ذَلِكَ شَرَّ الْجَزَاءِ ، وَهُوَ الْقَادِرُ ، الَّذِي لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ [ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ حُلُولِ نِقَمَهِ ] .

64

( ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًاوَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ( 64 ) ) هَذَا الْخِطَابُ يَعُمُّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ ( ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ ) وَالْكَلِمَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُفِيدَةِ كَمَا قَالَ هَاهُنَا . ثُمَّ وَصَفَهَا بِقَوْلِهِ : ( ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ) أَيْ : عَدْلٌ وَنَصَفٌ ، نَسْتَوِي نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا . ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ :**( ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ )**لَا وَثَنًا ، وَلَا صَنَمًا ، وَلَا صَلِيبًا وَلَا طَاغُوتًا ، وَلَا نَارًا ، وَلَا شَيْئًا بَلْ نُفْرِدُ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَهَذِهِ دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ) [ الْأَنْبَيَاءِ : 25 ] . [ وَقَالَ تَعَالَى ] ( ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ) [ النَّحْلِ : 36 ] . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ) وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يَعْنِي : يُطِيعُ بَعْضُنَا بَعْضًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : يَعْنِي : يَسْجُدُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ . ( ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) أَيْ : فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنْ هَذَا النَّصَفِ وَهَذِهِ الدَّعْوَةِ فَأَشْهِدُوهُمْ أَنْتُمْ عَلَى اسْتِمْرَارِكُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ، عِنْدَ رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، فِي قِصَّتِهِ حِينَ دَخَلَ عَلَى قَيْصَرَ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ صِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ ، فَأَخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى الْجَلِيَّةِ ، مَعَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا لَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَبْلَ الْفَتْحِ ، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ هَلْ يَغْدِرُ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : لَا ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا . قَالَ : وَلَمْ يُمْكِنِّي كَلِمَةً أَزِيدُ فِيهَا شَيْئًا سِوَى هَذِهِ : وَالْغَرَضُ أَنَّهُ قَالَ : ثُمَّ جِيءَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهُ ، فَإِذَا فِيهِ :

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى . أَمَّا بَعْدُ ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ ، وَ ( ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ) . وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : هُمْ أَوَّلُ مَنْ بَذَلَ الْجِزْيَةَ . وَلَا خِلَافَ أَنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ ، فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ كِتَابَةِ هَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ إِلَى هِرَقْلَ فِي جُمْلَةِ الْكِتَابِ ، وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالزُّهْرِيُّ ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَمَرَّةً بَعْدَ الْفَتْحِ . الثَّانِي : يُحْتَمَلُ أَنْ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ إِلَى عِنْدِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ : " إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً " لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ، لِدَلَالَةِ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ . الثَّالِثُ : يُحْتَمَلُ أَنَّ قُدُومَ وَفْدِ نَجْرَانَ كَانَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَأَنَّ الَّذِي بَذَلُوهُ مُصَالَحَةً عَنِ الْمُبَاهَلَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْجِزْيَةِ ، بَلْ يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُهَادَنَةِ وَالْمُصَالَحَةِ ، وَوَافَقَ نُزُولَ آيَةِ الْجِزْيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ كَمَا جَاءَ فَرْضُ الْخُمُسِ وَالْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَفْقَ مَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فِي تِلْكَ السَّرِيَّةِ قَبْلَ بَدْرٍ ، ثُمَّ نَزَلَتْ فَرِيضَةُ الْقَسَمِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ . الرَّابِعُ : يُحْتَمَلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُمِرَ بِكَتْبِ هَذَا [ الْكَلَامِ ] فِي كِتَابِهِ إِلَى هِرَقْلَ لَمْ يَكُنْ أُنْزِلَ بَعْدُ ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ مُوَافَقَةً لَهُ كَمَا نَزَلَ بِمُوَافَقَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحِجَابِ وَفِي الْأُسَارَى ، وَفِي عَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، وَفِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 125 ] وَفِي قَوْلِهِ : ( ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ) الْآيَةَ [ التَّحْرِيمِ : 5 ] .

65-68

( ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( 65 ) ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ( 66 ) ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 67 ) ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ( 68 ) ) يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي مُحَاجَّتِهِمْ فِي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ، وَدَعْوَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اجْتَمَعَتْ نَصَارَى نَجْرَانَ وَأَحْبَارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَهُ ، فَقَالَتِ الْأَحْبَارُ : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا يَهُودِيًّا . وَقَالَتِ النَّصَارَى مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا نَصْرَانِيًّا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ [ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ]﴾ ) أَيْ : كَيْفَ تَدَّعُونَ ، أَيُّهَا الْيَهُودُ ، أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا ، وَقَدْ كَانَ زَمَنُهُ قَبْلَ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، وَكَيْفَ تَدَّعُونَ ، أَيُّهَا النَّصَارَى ، أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا ، وَإِنَّمَا حَدَثَتِ النَّصْرَانِيَّةُ بَعْدَ زَمَنِهِ بِدَهْرٍ . وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ) هَذَا إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يُحَاجُّ فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى تَحَاجُّوا فِي إِبْرَاهِيمَ بِلَا عِلْمٍ ، وَلَوْ تَحَاجُّوا فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْهُ عِلْمٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَدْيَانِهِمُ الَّتِي شُرِعَتْ لَهُمْ إِلَى حِينِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ، فَأَنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ، وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الَّذِي يَعْلَمُ الْأُمُورَ عَلَى حَقَائِقِهَا وَجَلِيَّاتِهَا ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ ) أَيْ : مُتَحَنِّفًا عَنِ الشِّرْكِ قَصْدًا إِلَى الْإِيمَانِ ( ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 135 ] وَهَذِهِ الْآيَةُ كَالَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : ( ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ]﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 135 ] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ) يَقُولُ تَعَالَى : أَحَقُّ النَّاسِ بِمُتَابَعَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى دِينِهِ ، وَهَذَا النَّبِيُّ - يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

[ " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةً مِنَ النَّبِيِّينَ ، وَإِنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ " . ثُمَّ قَرَأَ : ( ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ]﴾ ) ](/tirmidhi/47#47) . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : وَرَوَاهُ غَيْرُ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا أَصَحُّ لَكِنْ رَوَاهُ وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . . فَذَكَرَهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ) أَيْ : وَلِيُّ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ بِرُسُلِهِ .

69-74

( ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( 69 ) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ( 70 ) ) ( ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ( 71 ) ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ( 72 ) ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ( 73 ) ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ( 74 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَسَدِ الْيَهُودِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَغْيِهِمْ إِيَّاهُمُ الْإِضْلَالَ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ وَبَالَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ مَمْكُورٌ بِهِمْ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ : ( ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ) أَيْ : تَعْلَمُونَ صِدْقَهَا وَتَتَحَقَّقُونَ حَقَّهَا ( ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ) أَيْ : تَكْتُمُونَ مَا فِي كُتُبِكُمْ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَتَتَحَقَّقُونَهُ . ( ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ[ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ]﴾ ) هَذِهِ مَكِيدَةٌ أَرَادُوهَا لِيَلْبِسُوا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنَ النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ ، وَهُوَ أَنَّهُمُ اشْتَوَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا الْإِيمَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيُصَلُّوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ صَلَاةَ الصُّبْحِ ، فَإِذَا جَاءَ آخِرُ النَّهَارِ ارْتَدُّوا إِلَى دِينِهِمْ لِيَقُولَ الْجَهَلَةُ مِنَ النَّاسِ : إِنَّمَا رَدَّهُمْ إِلَى دِينِهِمُ اطِّلَاعُهُمْ عَلَى نَقِيصَةٍ وَعَيْبٍ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلِهَذَا قَالُوا : ( ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ) . قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْيَهُودِ بِهَذِهِ الْآيَةِ : يَعْنِي يَهُودَ صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَكَفَرُوا آخِرَ النَّهَارِ ، مَكْرًا مِنْهُمْ ، لِيُرُوا النَّاسَ أَنَّ قَدْ بَدَتْ لَهُمْ مِنْهُ الضَّلَالَةُ ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا اتَّبِعُوهُ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ : إِذَا لَقِيتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَوَّلَ النَّهَارِ فَآمِنُوا ، وَإِذَا كَانَ آخِرُهُ فَصَلُّوا صَلَاتَكُمْ ، لَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ : هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ وَهُمْ أَعْلَمُ مِنَّا . [ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي مَالِكٍ ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ) أَيْ : لَا تَطْمَئِنُّوا وَتُظْهِرُوا سِرَّكُمْ وَمَا عِنْدَكُمْ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَلَا تُظْهِرُوا مَا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَيُؤْمِنُوا بِهِ وَيَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْكُمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ ) أَيْ هُوَ الَّذِي يَهْدِي قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَتَمِّ الْإِيمَانِ ، بِمَا يُنَزِّلُهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ ، وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ ، وَالْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ ، وَإِنْ كَتَمْتُمْ - أَيُّهَا الْيَهُودُ - مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِكُمُ الَّتِي نَقَلْتُمُوهَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ . وَقَوْلُهُ ( ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ) يَقُولُونَ : لَا تُظْهِرُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَيَتَعَلَّمُوهُ مِنْكُمْ ، وَيُسَاوُوكُمْ فِيهِ ، وَيَمْتَازُوا بِهِ عَلَيْكُمْ لِشِدَّةِ الْإِيمَانِ بِهِ ، أَوْ يُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ ، أَيْ : يَتَّخِذُوهُ حُجَّةً عَلَيْكُمْ مِمَّا بِأَيْدِيكُمْ ، فَتَقُومُ بِهِ عَلَيْكُمُ الدَّلَالَةُ وَتَتَرَكَّبُ الْحُجَّةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ) أَيِ الْأُمُورَ كُلَّهَا تَحْتَ تَصْرِيفِهِ ، وَهُوَ الْمُعْطِي الْمَانِعُ ، يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِالْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالتَّصَوُّرِ التَّامِّ ، وَيَضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُعْمِي بَصَرَهُ وَبَصِيرَتَهُ ، وَيَخْتِمُ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ، وَيَجْعَلُ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ، وَلَهُ الْحُجَّةُ وَالْحِكْمَةُ . ( ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ) أَيِ : اخْتَصَّكُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - مِنَ الْفَضْلِ بِمَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ ، بِمَا شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَهَدَاكُمْ بِهِ لِأَحْمَدِ الشَّرَائِعِ .

75-76

( ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَإِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( 75 ) ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ( 76 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ بِأَنَّ فِيهِمُ الْخَوَنَةَ ، وَيُحَذِّرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهِمْ ، فَإِنَّ مِنْهُمْ ( ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ ) أَيْ : مِنَ الْمَالِ ( ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ) أَيْ : وَمَا دُونَهُ بِطَرِيقِ الْأُولَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِلَيْكَ ( ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ ) أَيْ : بِالْمُطَالَبَةِ وَالْمُلَازَمَةِ وَالْإِلْحَاحِ فِي اسْتِخْلَاصِ حَقِّكَ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا صَنِيعُهُ فِي الدِّينَارِ فَمَا فَوْقَهُ أُولَى أَلَّا يُؤَدِّيَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْقِنْطَارِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ ، وَأَمَّا الدِّينَارُ فَمَعْرُوفٌ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْهَيْثَمِ ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ الدِّينَارُ لِأَنَّهُ دِينٌ وَنَارٌ . وَقَالَ : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَهُوَ دِينُهُ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَلَهُ النَّارُ . وَمُنَاسِبٌ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا الْحَدِيثَ الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ صَحِيحِهِ ، وَمِنْ أَحْسَنِهَا سِيَاقُهُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ حَيْثُ قَالَ : وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ،

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ [ بَعْضَ ] بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَقَالَ : ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ . فَقَالَ : كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا . قَالَ : ائْتِنِي بِالْكَفِيلِ . قَالَ : كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا . قَالَ : صَدَقْتَ . فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكِبًا ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَسْلَفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلًا فَقُلْتُ : كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا ، فَرَضِيَ بِكَ . وَسَأَلَنِي شَهِيدًا ، فَقُلْتُ : كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ، فَرَضِيَ بِكَ ، وَإِنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ ، وَإِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَهَا . فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا يَجِيئُهُ بِمَالِهِ ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا ، فَلَمَّا كَسَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ ، فَأَتَاهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ . قَالَ : هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ هَذَا ؟ قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ ، فَانْصَرِفْ بِأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا . هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعِهِ مُعَلَّقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ، وَأَسْنَدَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنَ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْهُ . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ هَكَذَا مُطَوَّلًا عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ ، عَنِ اللَّيْثِ بِهِ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ ، ثُمَّ قَالَ : لَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . كَذَا قَالَ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، لِمَا تَقَدَّمَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى جُحُودِ الْحَقِّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي دِينِنَا حَرَجٌ فِي أَكْلِ أَمْوَالِ الْأُمِّيِّينَ ، وَهُمُ الْعَرَبُ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّهَا لَنَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :**( ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ )**أَيْ : وَقَدِ اخْتَلَقُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ ، وَائْتَفَكُوا بِهَذِهِ الضَّلَالَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْلَ الْأَمْوَالِ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَإِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ [ أَبِي ] صَعْصَعَةَ بْنِ يَزِيدَ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّا نُصِيبُ فِي الْغَزْوِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الدَّجَاجَةَ وَالشَّاةَ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَتَقُولُونَ مَاذَا ؟ قَالَ : نَقُولُ لَيْسَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ بَأْسٌ . قَالَ : هَذَا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ : ( ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ) إِنَّهُمْ إِذَا أَدَّوُا الْجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكُمْ أَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ . وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِنَحْوِهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : لَمَّا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ : ( ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ) قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] كَذَبَ أَعْدَاءُ اللَّهِ ، مَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا وَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا الْأَمَانَةَ ، فَإِنَّهَا مُؤَدَّاةٌ إِلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ " ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ ) أَيْ : لَكِنْ مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْكُمْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِي عَاهَدَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بُعِثَ ، كَمَا أَخَذَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمَهُمْ بِذَلِكَ ، وَاتَّقَى مَحَارِمَ اللَّهِ تَعَالَى وَاتَّبَعَ طَاعَتَهُ وَشَرِيعَتَهُ الَّتِي بَعَثَ بِهَا خَاتَمَ رُسُلِهِ وَسَيِّدَ الْبَشَرِ " ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ "

77

( ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُوَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ( 77 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يَعْتَاضُونَ عَمَّا عَهِدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، مِنَ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذِكْرِ صِفَتِهِ النَّاسَ ، وَبَيَانِ أَمْرِهِ ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمُ الْكَاذِبَةِ الْفَاجِرَةِ الْآثِمَةِ بِالْأَثْمَانِ الْقَلِيلَةِ الزَّهِيدَةِ ، وَهِيَ عُرُوضُ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الزَّائِلَةِ ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أَيْ : لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهَا ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ مِنْهَا " ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ " أَيْ : بِرَحْمَةٍ مِنْهُ لَهُمْ ، بِمَعْنَى : لَا يُكَلِّمُهُمْ كَلَامَ لُطْفٍ بِهِمْ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ " وَلَا يُزَكِّيهِمْ " أَيْ : مِنَ الذُّنُوبِ وَالْأَدْنَاسِ ، بَلْ يَأْمُرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ " وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلْنَذْكُرْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ أَخْبَرَنِي قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "

ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هُمْ ؟ خَابُوا وَخَسِرُوا . قَالَ : وَأَعَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ : " الْمُسْبِلُ ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ، وَالْمَنَّانُ " . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنِ الْحُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَبِي الْأَحْمَسِ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ ، فَقُلْتُ لَهُ : بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَا تَخَالُنِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ ، فَمَا الَّذِي بَلَغَكَ عَنِّي ؟ قُلْتُ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ : ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ ، وَثَلَاثَةٌ يَشْنَؤُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : قُلْتُهُ وَسَمِعْتُهُ . قُلْتُ : فَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ ؟ قَالَ : الرَّجُلُ يَلْقَى الْعَدُوَّ فِي فِئَةٍ فَيَنْصِبُ لَهُمْ نَحْرَهُ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لِأَصْحَابِهِ . وَالْقَوْمُ يُسَافِرُونَ فَيَطُولُ سِرَاهُمْ حَتَّى يَحِنُّوا أَنْ يُمْسُوا الْأَرْضَ فَيَنْزِلُونَ ، فَيَتَنَحَّى أَحَدُهُمْ فَيُصَلِّي حَتَّى يُوقِظَهُمْ لِرَحِيلِهِمْ . وَالرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْجَارُ يُؤْذِيهِ فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ ظَعْنٌ . قُلْتُ : وَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَشْنَأُ اللَّهُ ؟ قَالَ : التَّاجِرُ الْحَلَّافُ - أَوِ الْبَائِعُ الْحَلَّافُ - وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ ، وَالْبَخِيلُ الْمَنَّانُ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ ، أَخْبَرَنِي رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ وَالْعُرْسُ بْنُ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَدِيٍّ - هَوَ ابْنُ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيُّ - قَالَ : خَاصَمَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ : امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ رَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْضٍ ، فَقَضَى عَلَى الْحَضْرَمِيِّ بِالْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَقَضَى عَلَى امْرِئِ الْقَيْسِ بِالْيَمِينِ . فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : إِنْ أَمْكَنْتُهُ مِنَ الْيَمِينِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَتْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَرْضِي . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ أَحَدٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ " قَالَ رَجَاءٌ : وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ) فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : مَاذَا لِمَنْ تَرَكَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : الْجَنَّةُ " قَالَ : فَاشْهَدْ أَنِّي قَدْ تَرَكْتُهَا لَهُ كُلَّهَا . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ ، بِهِ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ " . فَقَالَ الْأَشْعَثُ : فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي ، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ " قُلْتُ : لَا ، فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ : " احْلِفْ " فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذًا يَحْلِفُ فَيَذْهَبُ مَالِي . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ) [ إِلَى آخِرِ ] الْآيَةِ : أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ " مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ " قَالَ : فَجَاءَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ : مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ فَحَدَّثْنَاهُ ، فَقَالَ : فِيَّ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ ، خَاصَمْتُ ابْنَ عَمٍّ لِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِئْرٍ لِي كَانَتْ فِي يَدِهِ ، فَجَحَدَنِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَيِّنَتُكَ أَنَّهَا بِئْرُكَ وَإِلَّا فَيَمِينُهُ " قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لِي بَيِّنَةٌ ، وَإِنْ تَجْعَلْهَا بِيَمِينِهِ تَذْهَبُ بِئْرِي ، إِنَّ خَصْمِي امْرُؤٌ فَاجِرٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ " قَالَ : وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [ أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ]﴾ ) ](/bukhari/97#71) . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا رِشْدِينٌ عَنْ زَبَّانَ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِبَادًا لَا يُكَلِّمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ " قِيلَ : وَمَنْ أُولَئِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " مُتَبَرِّئٌ مِنْ وَالِدَيْهِ رَاغِبٌ عَنْهُمَا ، وَمُتَبَرِّئٌ مِنْ وَلَدِهِ ، وَرَجُلٌ أَنْعَمَ عَلِيْهِ قَوْمٌ فَكَفَرَ نِعْمَتَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ " . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَنْبَأَنَا الْعَوَّامُ - يَعْنِي ابْنَ حَوْشَبٍ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي السَّكْسَكِيَّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى : أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً لَهُ فِي السُّوقِ ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَهُ ، لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنِ الْعَوَّامِ . الْحَدِيثُ السَّادِسُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : رَجُلٌ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ فَضْلَ مَاءٍ عِنْدَهُ ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ - يَعْنِي كَاذِبًا - وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا ، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَفَى لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ " . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .

78

( ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِوَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( 78 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ ، أَنَّ مِنْهُمْ فَرِيقًا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُبَدِّلُونَ كَلَامَ اللَّهِ ، وَيُزِيلُونَهُ عَنِ الْمُرَادِ بِهِ ، لِيُوهِمُوا الْجَهَلَةَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَذَلِكَ ، وَيَنْسُبُونَهُ إِلَى اللَّهِ ، وَهُوَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا وَافْتَرَوْا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ) وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ ) يُحَرِّفُونَهُ . وَهَكَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ وَيَزِيدُونَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ ، لَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ : يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ . وَقَالَ وَهَبْ بْنُ مُنَبِّهٍ : إِنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَمَا أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ لَمْ يُغَيَّرْ مِنْهُمَا حَرْفٌ ، وَلَكِنَّهُمْ يُضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ ، وَكُتُبٍ كَانُوا يَكْتُبُونَهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ، ( ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ) فَأَمَّا كُتُبُ اللَّهِ فَإِنَّهَا مَحْفُوظَةٌ وَلَا تُحَوَّلُ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، فَإِنْ عَنَى وَهْبٌ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَهَا التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ وَالزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ ، وَأَمَّا تَعْرِيبُ ذَلِكَ الْمُشَاهَدِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَفِيهِ خَطَأٌ كَبِيرٌ ، وَزِيَادَاتٌ كَثِيرَةٌ وَنُقْصَانٌ ، وَوَهْمٌ فَاحِشٌ . وَهُوَ مِنْ بَابِ تَفْسِيرِ الْمُعَبَّرِ الْمُعْرَبِ ، وَفَهْمُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ بَلْ جَمِيعُهُمْ فَاسِدٌ . وَأَمَّا إِنْ عَنَى كُتُبَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ كُتُبُهُ مِنْ عِنْدِهِ ، فَتِلْكَ كَمَا قَالَ مَحْفُوظَةٌ لَمْ يَدْخُلْهَا شَيْءٌ .

79-80

( ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِوَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ( 79 ) ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ( 80 ) ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ أَبُو رَافِعٍ الْقُرَظِيُّ ، حِينَ اجْتَمَعَتِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ : أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ نَعْبُدَكَ كَمَا تَعْبُدُ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ نَصْرَانِيٌّ يُقَالُ لَهُ الرَّئِيسُ : أَوَذَاكَ تُرِيدُ مِنَّا يَا مُحَمَّدُ ، وَإِلَيْهِ تَدْعُونَنَا ؟ أَوْ كَمَا قَالَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ ، أَوْ أَنْ نَأْمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ ، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي ، وَلَا بِذَلِكَ أَمَرَنِي " . أَوْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا : ( ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ) [ الْآيَةَ ] إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ) . فَقَوْلُهُ ( ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : مَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ : اعْبُدُونِي مِنْ دُونِ اللَّهِ . أَيْ : مَعَ اللَّهِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَا يَصْلُحُ لِنَبِيٍّ وَلَا لِمُرْسَلٍ ، فَلِأَنْ لَا يَصْلُحَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرَهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : لَا يَنْبَغِي هَذَا لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ . قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانَ يَعْبُدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا - يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ - كَانُوا يَتَعَبَّدُونَ لِأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ]﴾ ) [ التَّوْبَةَ : 31 ] وَفِي الْمُسْنَدِ ، وَالتِّرْمِذِيِّ - كَمَا سَيَأْتِي - أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا عَبَدُوهُمْ . قَالَ : " بَلَى ، إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ ، فَاتَّبَعُوهُمْ ، فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ " . فَالْجَهَلَةُ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ وَمَشَايِخِ الضَّلَالِ يَدْخُلُونَ فِي هَذَا الذَّمِّ وَالتَّوْبِيخِ ، بِخِلَافِ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ ، فَإِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَبَلَّغَتْهُمْ إِيَّاهُ رُسُلُهُ الْكِرَامُ . إِنَّمَا يَنْهَوْنَهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ وَبَلَّغَتْهُمْ إِيَّاهُ رُسُلُهُ الْكِرَامُ . فَالرُّسُلُ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، هُمُ السُّفَرَاءُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي أَدَاءِ مَا حَمَلُوهُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَإِبْلَاغِ الْأَمَانَةِ ، فَقَامُوا بِذَلِكَ أَتَمَّ قِيَامٍ ، وَنَصَحُوا الْخَلْقَ ، وَبَلَّغُوهُمُ الْحَقَّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ) أَيْ : وَلَكِنْ يَقُولُ الرَّسُولُ لِلنَّاسِ : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو رَزِينٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، أَيْ : حُكَمَاءَ عُلَمَاءَ حُلَمَاءَ . وَقَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : فُقَهَاءَ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ . وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا : يَعْنِي أَهْلَ عِبَادَةٍ وَأَهْلَ تَقْوَى . وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ) حَقٌّ عَلَى مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا : " تُعَلِّمُونَ " أَيْ : تُفَهِّمُونَ مَعْنَاهُ . وَقُرِئَ ( ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْلِيمِ ( ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ) تَحْفَظُونَ أَلْفَاظَهُ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ ) أَيْ : وَلَا يَأْمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ ، لَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَلَا مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ( ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ) أَيْ : لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ مَنْ دَعَا إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ دَعَا إِلَى الْكَفْرِ ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِالْإِيمَانِ ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 25 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ) الْآيَةَ ، [ النَّحْلِ : 36 ] وَقَالَ تَعَالَى ( ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ) [ الزُّخْرُفِ : 45 ] وَقَالَ [ تَعَالَى ] إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ : ( ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 29 ] .

81-82

( ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ( 81 ) ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ( 82 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقَ كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِلَى عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَهْمَا آتَى اللَّهُ أَحَدَهُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ، وَبَلَغَ أَيَّ مَبْلَغٍ ، ثُمَّ جَاءَهُ رَسُولٌ مِنْ بَعْدِهِ ، لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ ، وَلَا يَمْنَعْهُ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ مِنَ اتِّبَاعِ مَنْ بُعِثَ بَعْدَهُ وَنُصْرَتِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ : ( ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ ) أَيْ : لَمَهْمَا أَعْطَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ( ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالرَّبِيعُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : يَعْنِي عَهْدِي . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : ( ﴿إِصْرِي﴾ ) أَيْ : ثَقُلَ مَا حَمَلْتُمْ مِنْ عَهْدِي ، أَيْ مِيثَاقِي الشَّدِيدِ الْمُؤَكَّدِ . ( ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ) أَيْ : عَنْ هَذَا الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ ، ( ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أُخِذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقُ ، لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَّتِهِ : لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ . وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ : أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ أَنْ يَصْدُقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . وَهَذَا لَا يُضَادُّ مَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَلَا يَنْفِيهِ ، بَلْ يَسْتَلْزِمُهُ وَيَقْتَضِيهِ . وَلِهَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ :

جَاءَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي مَرَرْتُ بِأَخٍ لِي مِنْ قُرَيْظَةَ ، فَكَتَبَ لِي جَوَامِعَ مِنَ التَّوْرَاةِ ، أَلَا أَعْرِضُهَا عَلَيْكَ ؟ قَالَ : فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ : قُلْتُ لَهُ : أَلَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : رَضِينَا بِاللَّهِ رِبَّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا - قَالَ : فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ ، إِنَّكُمْ حَظِّي مِنَ الْأُمَمِ ، وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا ، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ وَإِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ ، وَإِنَّهُ - وَاللَّهِ - لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي " . وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ [ لَهُ ] : " لَوْ كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّيْنِ لَمَا وَسِعَهُمَا إِلَّا اتِّبَاعِي " .

فَالرَّسُولُ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ الَّذِي لَوْ وُجِدَ فِي أَيِّ عَصْرٍ وَجِدَ لَكَانَ هُوَ الْوَاجِبُ الطَّاعَةِ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ ، وَلِهَذَا كَانَ إِمَامَهُمْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لَمَّا اجْتَمَعُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ الشَّفِيعُ فِي يَوْمِ الْحَشْرِ فِي إِتْيَانِ الرَّبِّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي لَا يَلِيقُ إِلَّا لَهُ ، وَالَّذِي يَحِيدُ عَنْهُ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ، حَتَّى تَنْتَهِيَ النَّوْبَةُ إِلَيْهِ ، فَيَكُونَ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِهِ .

83-85

( ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) ) ( ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ( 84 ) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ( 85 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ أَرَادَ دِينًا سِوَى دِينِ اللَّهِ ، الَّذِي أَنْزَلَ بِهِ كُتَبَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ ، وَهُوَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، الَّذِي ( ﴿لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ) أَيِ : اسْتَسْلَمَ لَهُ مِنْ فِيهِمَا طَوْعًا وَكَرْهًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ) [ الرَّعْدِ : 15 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ . وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ) [ النَّحْلِ : 48 - 50 ] . فَالْمُؤْمِنُ مُسْتَسْلِمٌ بِقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ لِلَّهِ ، وَالْكَافِرُ مُسْتَسْلِمٌ لِلَّهِ كَرْهَا ، فَإِنَّهُ تَحْتَ التَّسْخِيرِ وَالْقَهْرِ وَالسُّلْطَانِ الْعَظِيمِ ، الَّذِي لَا يُخَالِفُ وَلَا يُمَانِعُ . وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى مَعْنًى آخَرَ فِيهِ غَرَابَةٌ ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ النُّفَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعُكَّاشِيُّ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (

﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ) أَمَّا مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ فَالْمَلَائِكَةُ ، وَأَمَّا مَنْ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا كَرْهًا فَمَنْ أُتِيَ بِهِ مِنْ سَبَايَا الْأُمَمِ فِي السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ ، يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَهُمْ كَارِهُونَ " . وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ : " عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ " وَسَيَأْتِي لَهُ شَاهِدٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ لِلْآيَةِ أَقْوَى . وَقَدْ قَالَ وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ) قَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ) [ لُقْمَانَ : 25 ] . وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ) قَالَ : حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ . ( ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْمَعَادِ ، فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ ) يَعْنِي : الْقُرْآنَ ( ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ) أَيْ : مِنَ الصُّحُفِ وَالْوَحْيِ : ( ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ ) وَهُمْ بُطُونُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمُتَشَعِّبَةُ مِنْ أَوْلَادِ إِسْرَائِيلَ - هُوَ يَعْقُوبُ - الِاثْنَيْ عَشَرَ . ( ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ) يَعْنِي : بِذَلِكَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ( ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ) وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ جُمْلَةً ( ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ) يَعْنِي : بَلْ نُؤْمِنُ بِجَمِيعِهِمْ ( ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ) فَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ ، لَا يَكْفُرُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ هُمْ مُصَدِّقُونَ بِمَا أُنْزِلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَبِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) أَيْ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا سِوَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ( ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ) كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : " مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، إِذْ ذَاكَ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" تَجِيءُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَتَجِيءُ الصَّلَاةُ فَتَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَنَا الصَّلَاةُ . فَيَقُولُ : إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ . فَتَجِيءُ الصَّدَقَةُ فَتَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَنَا الصَّدَقَةُ . فَيَقُولُ : إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ . ثُمَّ يَجِيءُ الصِّيَامُ فَيَقُولُ : أَيْ يَا رَبِّ ، أَنَا الصِّيَامُ . فَيَقُولُ : إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ . ثُمَّ تَجِيءُ الْأَعْمَالُ ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ ، ثُمَّ يَجِيءُ الْإِسْلَامُ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَنْتَ السَّلَامُ وَأَنَا الْإِسْلَامُ . فَيَقُولُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] : إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ ، بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي ، قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : ( ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ) . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ ثِقَةٌ ، وَلَكِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .

86-89

( ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُوَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ( 86 ) ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ( 87 ) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ( 88 ) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( 89 ) ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَزِيعٍ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ،

[ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ ، ثُمَّ نَدِمَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ : أَنْ سَلُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ : ( ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿[ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ] فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ) ](/nasai/37#103) . وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، بِهِ . وَقَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : جَاءَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ فَأَسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ كَفَرَ الْحَارِثُ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ : ( ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿[ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ ] غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ) قَالَ : فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ . فَقَالَ الْحَارِثُ : إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَصْدَقُ مِنْكَ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَأَصْدَقُ الثَّلَاثَةِ . قَالَ : فَرَجَعَ الْحَارِثُ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ . فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ) أَيْ : قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَجُ وَالْبَرَاهِينُ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ ، وَوَضَحَ لَهُمُ الْأَمْرُ ، ثُمَّ ارْتَدُّوا إِلَى ظُلْمَةِ الشِّرْكِ ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ هَؤُلَاءِ الْهِدَايَةَ بَعْدَ مَا تَلَبَّسُوا بِهِ مِنَ الْعَمَايَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ) أَيْ : يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ خَلْقُهُ ( ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ) أَيْ : فِي اللَّعْنَةِ ( ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ) أَيْ : لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ) وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ وَبِرِّهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَائِدَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ : أَنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ .

90-91

( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ( 91 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا وَمُتَهَدِّدًا لِمَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ ثُمَّ ازْدَادَ كُفْرًا ، أَيِ : اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إِلَى الْمَمَاتِ ، وَمُخْبِرًا بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ لَهُمْ تَوْبَةً عِنْدَ مَمَاتِهِمْ ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ]﴾ ) [ النِّسَاءِ : 18 ] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ ) أَيِ : الْخَارِجُونَ عَنِ الْمَنْهَجِ الْحَقِّ إِلَى طَرِيقِ الْغَيِّ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ،

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ قَوْمًا أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ، ثُمَّ أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ، فَأَرْسَلُوا إِلَى قَوْمِهِمْ يَسْأَلُونَ لَهُمْ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ ) هَكَذَا رَوَاهُ ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ ) أَيْ : مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ خَيْرٌ أَبَدًا ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبَا فِيمَا يَرَاهُ قُرْبَةً ، كَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ - وَكَانَ يُقْرِي الضَّيْفَ ، وَيَفُكُّ الْعَانِي ، وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ - : هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : لَا ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ : رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . وَكَذَلِكَ لَوِ افْتَدَى بِمِلْءِ الْأَرْضِ أَيْضًا ذَهَبًا مَا قُبِلَ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 123 ] ، [ وَقَالَ ( ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ ) ] [ الْبَقَرَةِ : 254 ] وَقَالَ : ( ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 31 ] وَقَالَ ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ) [ الْمَائِدَةِ : 36 ] ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ ) فَعَطَفَ ( ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ ) عَلَى الْأَوَّلِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَلَّا يُنْقِذَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَ مِثْلَ الْأَرْضِ ذَهَبَا ، وَلَوِ افْتَدَى نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبَا ، بِوَزْنِ جِبَالِهَا وَتِلَالِهَا وَتُرَابِهَا وَرِمَالِهَا وَسَهْلِهَا وَوَعْرِهَا وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ ، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ : نَعَمْ . قَالَ : فَيَقُولُ : قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ أَبِيكَ آدَمَ أَلَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ " . وَهَكَذَا أَخْرَجَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، خَيْرُ مَنْزِلٍ . فَيَقُولُ : سَلْ وَتَمَنَّ . فَيَقُولُ : مَا أَسْأَلُ وَلَا أَتَمَنَّى إِلَّا أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ عَشْرَ مِرَارٍ - لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ . وَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، شَرُّ مَنْزِلٍ . فَيَقُولُ لَهُ : تَفْتَدِي مِنِّي بِطِلَاعِ الْأَرْضِ ذَهَبًا ؟ فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، نَعَمْ . فَيَقُولُ : كَذَبْتَ ، قَدْ سَأَلْتُكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَيْسَرَ فَلَمْ تَفْعَلْ ، فَيُرَدُّ إِلَى النَّارِ " . وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ) أَيْ : وَمَا لَهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، وَلَا يُجِيرُهُمْ مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ .

92

( ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 ) ) [ رَوَى وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ( ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ ) قَالَ : الْبِرُّ الْجَنَّةُ ] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ،

عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءُ - وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ - قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ) قَالَ أَبُو طَلْحَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَخٍ ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ ، وَقَدْ سَمِعْتُ ، وَأَنَا أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ " . فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ . أَخْرَجَاهُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْ سَهْمِي الَّذِي هُوَ بِخَيْبَرَ ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ ؟ قَالَ حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ " . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : حَضَرَتْنِي هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ) فَذَكَرْتُ مَا أَعْطَانِي اللَّهُ ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ جَارِيَةٍ رُومِيَّةٍ ، فَقُلْتُ ، هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ . فَلَوْ أَنِّي أَعُودُ فِي شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ لَنَكَحْتُهَا ، يَعْنِي تَزَوَّجْتُهَا .

93-95

( ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُقُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ( 93 ) ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ( 94 ) ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ( 95 ) ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا شَهْرٌ قَالَ :

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : حَدِّثْنَا عَنْ خِلَالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ . قَالَ : " سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ ، وَلَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللَّهِ ، وَمَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلَى بَنِيهِ لَئِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوهُ لَتُتَابِعُنِّي عَلَى الْإِسْلَامِ " . قَالُوا : فَذَلِكَ لَكَ . قَالَ : " فَسَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ " قَالُوا : أَخْبِرْنَا عَنْ أَرْبَعِ خِلَالٍ : أَخْبِرْنَا أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ وَكَيْفَ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ ؟ كَيْفَ هَذَا النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ فِي النَّوْمِ ؟ وَمَنْ وَلَيُّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ؟ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ لَئِنْ أَخْبَرَهُمْ لَيُتَابِعُنَّهُ وَقَالَ : " أَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَطَالَ سُقْمُهُ ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْ سُقْمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ ، وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الْإِبِلِ ، وَأَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُهَا " فَقَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ . قَالَ : " اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ " . وَقَالَ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ ، فَأَيُّهُمَا عَلَا كَانَ لَهُ الْوَلَدُ وَالشَّبَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ ، إِنْ عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ كَانَ ذَكَرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَإِنْ عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ كَانَ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ " . قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : " اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ " . وَقَالَ : " أَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ " . قَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ . قَالَ : " اللَّهُمَّ اشْهَدْ " . قَالُوا : وَأَنْتَ الْآنَ فَحَدِّثْنَا مَنْ وَلِيُّكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ؟ فَعِنْدَهَا نُجَامِعُكَ أَوْ نُفَارِقُكَ قَالَ : " إِنَّ وَلِيِّيَ جِبْرِيلُ ، وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَهُوَ وَلِيُّهُ " . قَالُوا : فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ ، وَلَوْ كَانَ وَلِيُّكَ غَيْرَهُ لَتَابَعْنَاكَ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ ) الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 97 ] . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، بِهِ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعِجْلِيُّ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَقْبَلَتْ يَهُودُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، نَسْأَلُكَ عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ ، فَإِنْ أَنْبَأْتَنَا بِهِنَّ عَرَفْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَاتَّبَعْنَاكَ ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ إِسْرَائِيلُ عَلَى بَنِيهِ إِذْ قَالَ : ( ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ) [ يُوسُفَ : 66 ] . قَالَ : " هَاتُوا " . قَالُوا : أَخْبِرْنَا عَنْ عَلَامَةِ النَّبِيِّ ؟ قَالَ : " تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ " . قَالُوا : أَخْبِرْنَا كَيْفَ تُؤَنِّثُ الْمَرْأَةُ وَكَيْفَ تُذَكِّرُ ؟ قَالَ : " يَلْتَقِي الْمَاءَانِ ، فَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَتْ ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ آنَثَتْ . قَالُوا : أَخْبِرْنَا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ، قَالَ : " كَانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَائِمُهُ إِلَّا أَلْبَانَ كَذَا وَكَذَا - قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي الْإِبِلَ - فَحَرَّمَ لُحُومَهَا " . قَالُوا : صَدَقْتَ . قَالُوا : أَخْبِرْنَا مَا هَذَا الرَّعْدُ ؟ قَالَ : " مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ بِيَدِهِ - أَوْ فِي يَدِهِ - مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ ، يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . قَالُوا : فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ ؟ قَالَ : " صَوْتُهُ " . قَالُوا : صَدَقْتَ ، إِنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الَّتِي نُتَابِعُكَ إِنْ أَخْبَرَتْنَا بِهَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ مَلَكٌ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ ، فَأَخْبِرْنَا مَنْ صَاحِبُكَ ؟ قَالَ : " جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " . قَالُوا : جِبْرِيلُ ذَاكَ يَنْزِلُ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ وَالْعَذَابِ عَدُوُّنَا . لَوْ قُلْتَ : مِيكَائِيلُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالنَّبَاتِ وَالْقَطْرِ لَكَانَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 97 ] . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعِجْلِيِّ ، بِهِ نَحْوَهُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ إِسْرَائِيلُ - وَهُوَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَعْتَرِيهِ عِرْقُ النَّسَا بِاللَّيْلِ ، وَكَانَ يُقْلِقُهُ وَيُزْعِجُهُ عَنِ النَّوْمِ ، وَيُقْلِعُ الْوَجَعَ عَنْهُ بِالنَّهَارِ ، فَنَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ عَافَاهُ اللَّهُ لَا يَأْكُلُ عِرْقًا وَلَا يَأْكُلُ وَلَدٌ لَهُ عِرْقًا . وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ . كَذَا حَكَاهُ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ . قَالَ : فَاتَّبَعَهُ بَنُوهُ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ اسْتِنَانًا بِهِ وَاقْتِدَاءً بِطَرِيقِهِ . قَالَ : وَقَوْلُهُ : ( ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ ) أَيْ : حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ . قُلْتُ : وَلِهَذَا السِّيَاقِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مُنَاسَبَتَانِ . إِحْدَاهُمَا : أَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حَرَّمَ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ وَتَرَكَهَا لِلَّهِ ، وَكَانَ هَذَا سَائِغًا فِي شَرِيعَتِهِمْ فَلَهُ مُنَاسَبَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ : ( ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ) فَهَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ عِنْدَنَا وَهُوَ الْإِنْفَاقُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مِمَّا يُحِبُّهُ الْعَبْدُ وَيَشْتَهِيهِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 177 ] وَقَالَ ( ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ) [ الْإِنْسَانِ : 8 ] . الْمُنَاسَبَةُ الثَّانِيَةُ : لَمَّا تَقَدَّمَ السِّيَاقُ فِي الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى ، وَاعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ فِي الْمَسِيحِ وَتَبَيَّنَ زَيْفُ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ . وَظُهُورُ الْحَقِّ وَالْيَقِينِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَأُمِّهِ ، وَكَيْفَ خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، وَبَعَثَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ تَعَالَى - شَرَعَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ ، وَبَيَانِ أَنَّ النَّسْخَ الَّذِي أَنْكَرُوا وُقُوعَهُ وَجَوَازَهُ قَدْ وَقَعَ ، فَإِنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قَدْ نَصَّ فِي كِتَابِهِمُ التَّوْرَاةِ أَنَّ نُوحًا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ جَمِيعَ دَوَابِّ الْأَرْضِ يَأْكُلُ مِنْهَا ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ لُحْمَانَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا ، فَاتَّبَعَهُ بَنُوهُ فِي ذَلِكَ ، وَجَاءَتِ التَّوْرَاةُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، وَأَشْيَاءَ أُخَرَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ . وَكَانَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قَدْ أَذِنَ لِآدَمَ فِي تَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ ، وَقَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَكَانَ التَّسَرِّي عَلَى الزَّوْجَةِ مُبَاحًا فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ فَعَلَهُ [ الْخَلِيلُ ] إِبْرَاهِيمُ فِي هَاجَرَ لَمَّا تَسَرَّى بِهَا عَلَى سَارَّةَ ، وَقَدْ حُرِّمَ مِثْلُ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَيْهِمْ . وَكَذَلِكَ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ شَائِعًا وَقَدْ فَعَلَهُ يَعْقُوبُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، جَمَعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، ثُمَّ حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ . وَهَذَا كُلُّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ عِنْدَهُمْ ، فَهَذَا هُوَ النَّسْخُ بِعَيْنِهِ ، فَكَذَلِكَ فَلْيَكُنْ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْمَسِيحِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي إِحْلَالِهِ بَعْضَ مَا حَرَّمَ فِي التَّوْرَاةِ ، فَمَا بَالُهُمْ لَمْ يَتْبَعُوهُ ؟ بَلْ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ ؟ وَكَذَلِكَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ ، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَمِلَّةِ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ فَمَا بَالُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ؟ وَلِهَذَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ ) أَيْ : كَانَ حِلًّا لَهُمْ جَمِيعُ الْأَطْعِمَةِ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ ، ثُمَّ قَالَ : ( ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ) ، فَإِنَّهَا نَاطِقَةٌ بِمَا قُلْنَاهُ ( ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ) أَيْ : فَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَادَّعَى أَنَّهُ شَرَعَ لَهُمُ السَّبْتَ وَالتَّمَسُّكَ بِالتَّوْرَاةِ دَائِمًا ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا آخَرَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ بِالْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ بَعْدَ هَذَا الَّذِي بَيَّنَّاهُ مِنْ وُقُوعِ النُّسَخِ وَظُهُورِ مَا ذَكَرْنَاهُ ( ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ ) أَيْ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ : صَدَقَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ وَفِيمَا شَرَعَهُ فِي الْقُرْآنِ ( ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ) أَيِ : اتَّبَعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي لَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ بِأَكْمَلَ مِنْهَا وَلَا أَبْيَنَ وَلَا أَوْضَحَ وَلَا أَتَمَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 161 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ) [ النَّحْلِ : 123 ] .

96-97

( ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ( 96 ) ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ( 97 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ، أَيْ : لِعُمُومِ النَّاسِ ، لِعِبَادَتِهِمْ وَنُسُكِهِمْ ، يَطُوفُونَ بِهِ وَيُصَلُّونَ إِلَيْهِ وَيَعْتَكِفُونَ عِنْدَهُ ( ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ ) يَعْنِي : الْكَعْبَةَ الَّتِي بَنَاهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] الَّذِي يَزْعُمُ كُلٌّ مِنْ طَائِفَتَيِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِهِ وَمَنْهَجِهِ ، وَلَا يَحُجُّونَ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ فِي ذَلِكَ وَنَادَى النَّاسَ إِلَى حَجِّهِ . وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿مُبَارَكًا﴾ ) أَيْ وُضِعَ مُبَارَكًا ( ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ ) وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ،

عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ ؟ قَالَ : " الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ " . قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى " . قُلْتُ : كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : " أَرْبَعُونَ سَنَةً " . قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : ثُمَّ حَيْثُ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ فَصَلِّ ، فَكُلُّهَا مَسْجِدٌ " . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ ) قَالَ : كَانَتِ الْبُيُوتُ قِبْلَةً ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ [ تَعَالَى ] . [ قَالَ ] وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ : أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنِ الْبَيْتِ : أَهْوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ ؟ قَالَ لَا ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا . وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ فِي كَيْفِيَّةِ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْبَيْتَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَزَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُطْلَقًا . وَالصَّحِيحُ قَوْلُ عَلِيٍّ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِي كِتَابِهِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا : " بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ ، فَأَمَرَهُمَا بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ ، فَبَنَاهُ آدَمُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِهِ ، وَقِيلَ لَهُ : أَنْتَ أَوَّلُ النَّاسِ ، وَهَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ " فَإِنَّهُ كَمَا تَرَى مِنْ مُفْرَدَاتِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَالْأَشْبَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنْ يَكُونَ هَذَا مَوْقُوفًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . وَيَكُونُ مِنَ الزَّامِلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَصَابَهُمَا يَوْمَ الْيَرْمُوكِ ، مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ ) بَكَّةُ : مِنْ أَسْمَاءِ مَكَّةَ عَلَى الْمَشْهُورِ ، قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الظَّلَمَةِ وَالْجَبَابِرَةِ ، بِمَعْنَى : يُبَكُّونَ بِهَا وَيَخْضَعُونَ عِنْدَهَا . وَقِيلَ : لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَاكُّونَ فِيهَا ، أَيْ : يَزْدَحِمُونَ . قَالَ قَتَادَةُ : إِنَّ اللَّهَ بَكَّ بِهِ النَّاسَ جَمِيعًا ، فَيُصَلِّي النِّسَاءُ أَمَامَ الرِّجَالِ ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِبَلَدٍ غَيْرِهَا . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ . وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَكَّةُ مِنَ الْفَجِّ إِلَى التَّنْعِيمِ ، وَبَكَّةُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْبَطْحَاءِ . وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : بَكَّةُ : الْبَيْتُ وَالْمَسْجِدُ . وَكَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي رِوَايَةٍ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : الْبَيْتُ وَمَا حَوْلَهُ بَكَّةُ ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مَكَّةُ . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعَطِيَّةُ [ الْعَوْفِيُّ ] وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : بَكَّةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَكَّةُ . وَقَدْ ذَكَرُوا لِمَكَّةَ أَسْمَاءً كَثِيرَةً : مَكَّةَ ، وَبَكَّةَ ، وَالْبَيْتَ الْعَتِيقَ ، وَالْبَيْتَ الْحَرَامَ ، وَالْبَلَدَ الْأَمِينَ ، وَالْمَأْمُونَ ، وَأُمَّ رُحْمٍ ، وَأُمَّ الْقُرَى ، وَصَلَاحَ ، وَالْعَرْشَ عَلَى وَزْنِ بَدْرٍ ، وَالْقَادِسَ ، لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ ، وَالْمُقَدَّسَةَ ، وَالنَّاسَّةَ : بِالنُّونِ ، وَبِالْبَاءِ أَيْضًا ، وَالْحَاطِمَةَ ، وَالنَّسَّاسَةَ ، وَالرَّأْسَ ، وَكُوثَى ، وَالْبَلْدَةَ ، وَالْبَنِيَّةَ ، وَالْكَعْبَةَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ ) أَيْ : دَلَالَاتٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّهُ مِنْ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ) يَعْنِي : الَّذِي لَمَّا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى رَفْعِ الْقَوَاعِدِ مِنْهُ وَالْجُدْرَانِ ، حَيْثُ كَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ وَيُنَاوِلُهُ وَلَدُهُ إِسْمَاعِيلُ ، وَقَدْ كَانَ مُلْتَصِقًا بِجِدَارِ الْبَيْتِ ، حَتَّى أَخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِي إِمَارَتِهِ إِلَى نَاحِيَةِ الشَّرْقِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الطُّوَّافُ ، وَلَا يُشَوِّشُونَ عَلَى الْمُصَلِّينَ عِنْدَهُ بَعْدَ الطَّوَافِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ عِنْدَهُ حَيْثُ قَالَ : ( ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 125 ] وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ) أَيْ : فَمِنْهُنَّ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَالْمَشْعَرُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَثَرُ قَدَمَيْهِ فِي الْمَقَامِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ :

وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ ※ عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ ※

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ وَعَمْرٌو الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ) قَالَ : الْحَرَمُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ . وَلَفْظُ عَمْرٍو : الْحَجَرُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : الْحَجُّ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ . هَكَذَا رَأَيْتُ فِي النُّسْخَةِ ، وَلَعَلَّهُ الْحَجَرُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مُجَاهِدٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ) يَعْنِي :حَرَمُ مَكَّةَ إِذَا دَخَلَهُ الْخَائِفُ يَأْمَنُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ فِي حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ : كَانَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ فَيَضَعُ فِي عُنُقِهِ صُوفَةً وَيَدْخُلُ الْحَرَمَ فَيَلْقَاهُ ابْنُ الْمَقْتُولِ فَلَا يُهَيِّجُهُ حَتَّى يَخْرُجَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى التَّيْمِيُّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ) قَالَ : مَنْ عَاذَ بِالْبَيْتِ أَعَاذَهُ الْبَيْتُ ، وَلَكِنْ لَا يُؤْوَى وَلَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى ، فَإِذَا خَرَجَ أُخِذَ بِذَنْبِهِ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 67 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ) [ قُرَيْشٍ : 3 ، 4 ] وَحَتَّى إِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ تَحْرِيمِهَا حُرْمَةُ اصْطِيَادِ صَيْدِهَا وَتَنْفِيرِهِ عَنْ أَوْكَارِهِ ، وَحُرْمَةُ قَطْعِ أَشْجَارِهَا وَقَلْعِ حَشِيشِهَا ، كَمَا ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ :

" لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا " ، وَقَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ : " إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا . فَقَالَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِلَّا الْإِذْخَرَ ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ ، فَقَالَ : " إِلَّا الْإِذْخَرَ " . وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ وَلَهُمَا وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ : ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ ، إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : " إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ : إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ " فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ : مَا قَالُ لَكَ عَمْرٌو ؟ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَزْيَةٍ . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ : " وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ " . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَهَذَا لَفْظُهُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ وَكَذَا صَحَّحَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، نَحْوَهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ ابْنِ بِنْتِ أَزْهَرَ السَّمَّانُ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ زُرَيْقِ بْنِ مُسْلِمٍ الْأَعْمَى مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ ، حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ) قَالَ : آمِنًا مِنَ النَّارِ . وَفِي مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُؤَمَّلِ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنَةٍ وَخَرَجَ مِنْ سَيِّئَةٍ ، وَخَرَجَ مَغْفُورًا لَهُ " : ثُمَّ قَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ) هَذِهِ آيَةُوُجُوبِ الْحَجِّعِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَقِيلَ : بَلْ هِيَ قَوْلُهُ : ( ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 196 ] وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَدِّدَةُ بِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَدَعَائِمِهِ وَقَوَاعِدِهِ ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعًا ضَرُورِيًّا ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا " . فَقَالَ رَجُلٌ : أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ قُلْتُ : نَعَمْ ، لَوَجَبَتْ ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ " . ثُمَّ قَالَ : " ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ " . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، بِهِ نَحْوَهُ . وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَعَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ - وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ أُمِّيَّةَ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ " . فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفِي كُلِّ عَامٍ ؟ قَالَ : " لَوْ قُلْتُهَا ، لَوَجَبَتْ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا ، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا ، الْحَجُّ مَرَّةً ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ " . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ . وَرَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِنَحْوِهِ . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ يَزِيدُ . [ وَ ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فِي كُلِّ عَامٍ ؟ فَسَكَتَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فِي كُلِّ عَامٍ ؟ قَالَ : " لَا ، وَلَوْ قُلْتُ : نَعَمْ ، لَوَجَبَتْ " . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ) [ الْمَائِدَةِ : 101 ] . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورِ بْنِ وَرْدَانَ ، بِهِ : ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَفِيمَا قَالَ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ : لَمْ يَسْمَعْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ مِنْ عَلِيٍّ . وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ ؟ قَالَ : " لَوْ قُلْتُ نَعَمْ ، لَوَجَبَتْ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا ، وَلَوْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا لَعُذِّبْتُمْ " . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مُتْعَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ قَالَ : " لَا ، بَلْ لِلْأَبَدِ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ " . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ وَاقِدِ بْنِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِنِسَائِهِ فِي حَجَّتِهِ : " هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصْرِ " يَعْنِي : ثُمَّ الْزَمْنَ ظُهُورَ الْحُصْرِ ، وَلَا تَخْرُجْنَ مِنَ الْبُيُوتِ . وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ فَأَقْسَامٌ: تَارَةً يَكُونُ الشَّخْصُ مُسْتَطِيعًا بِنَفْسِهِ ، وَتَارَةً بِغَيْرِهِ ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْأَحْكَامِ . قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنِ الْحَاجُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الشَّعِثُ التَّفِلُ " فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ : أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الْعَجُّ وَالثَّجُّ " ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ : مَا السَّبِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ وَهُوَ الْخُوزِيُّ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ . كَذَا قَالَ هَاهُنَا . وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجَّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . [ وَ ] لَا يُشَكُّ أَنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ سِوَى الْخُوزِيِّ هَذَا ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ . لَكِنْ قَدْ تَابَعَهُ غَيْرُهُ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ : " الزَّادُ وَالرَّاحْلَةُ " . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَقَتَادَةَ - نَحْوُ ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ كُلُّهَا مَرْفُوعَةٌ ، وَلَكِنْ فِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اعْتَنَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ بِجَمْعِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ) فَقِيلَ مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ : " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " . ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ : " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يُونُسَ ، بِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ - وَهُوَ أَبُو إِسْرَائِيلَ الْمُلَائِيُّ - عَنْ فُضَيْلٍ - يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِي الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ " . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ ، عَنْ مِهْرَانَ بْنِ أَبِي صَفْوَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ " . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ ، بِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ) قَالَ : مَنْ مَلَكَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَدِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . وَعَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَاهُ أَنَّهُ قَالَ : السَّبِيلُ الصِّحَّةُ . وَرَوَى وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ أَبِي جَنَابٍ - يَعْنِي الْكَلْبِيَّ - عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ) قَالَ : الزَّادُ وَالْبَعِيرُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : أَيْوَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ فَقَدْ كَفَرَ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ) قَالَتِ الْيَهُودُ : فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ . قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ فَاخْصَمْهُمْ فَحَجَّهُمْ - يَعْنِي فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا " فَقَالُوا : لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا ، وَأَبَوْا أَنْ يَحُجُّوا . قَالَ اللَّهُ : ( ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ) . وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، نَحْوَهُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَشَاذُّ بْنُ فَيَّاضٍ قَالَا أَخْبَرَنَا هِلَالٌ أَبُو هَاشِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَمْ يَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ ، فَلَا يَضُرُّهُ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ : ( ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ) . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، بِهِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ : حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ فَيَّاضٍ ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ أَبُو هَاشِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْقُطَعِيِّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيِّ ، بِهِ ، وَقَالَ : [ هَذَا ] حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَهِلَالٌ مَجْهُولٌ ، وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : هِلَالٌ هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ . وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْحَافِظُ مِنْ حَدِيثِ [ أَبِي ] عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ ، فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ يَهُودِيًّا مَاتَ أَوْ نَصْرَانِيًّا . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنَّ أَبْعَثَ رِجَالًا إِلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَيَنْظُرُوا كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ جَدَّةٌ فَلَمْ يَحُجَّ ، فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ . مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ .

98-99

( ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ( 98 ) ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ( 99 ) ) هَذَا تَعْنِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِكَفَرَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، عَلَى عِنَادِهِمْ لِلْحَقِّ ، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِهِ مَنْ أَرَادَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ ، بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ ، وَالسَّادَةِ الْمُرْسَلِينَ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَمَا بَشَّرُوا بِهِ وَنَوَّهُوا ، مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] الْأُمِّيِّ الْهَاشِمِيِّ الْعَرَبِيِّ الْمَكِّيِّ ، سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ ، وَخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَرَسُولِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ . وَقَدْ تَوَعَّدَهُمُ [ اللَّهُ ] تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ شَهِيدٌ عَلَى صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ بِمَا خَالَفُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَمُقَابَلَتِهِمُ الرَّسُولَ الْمُبَشِّرَ بِالتَّكْذِيبِ وَالْجُحُودِ وَالْعِنَادِ ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَيْسَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ، أَيْ : وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُهُمْ مَالٌ وَلَا بَنُونَ .

100-101

( ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ( 100 ) ) ( ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ( 101 ) ) يُحَذِّرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يُطِيعُوا طَائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ، الَّذِينَ يَحْسُدُونَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَمَا مَنَحَهُمْ بِهِ مِنْ إِرْسَالِ رَسُولِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 109 ] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ ) ثُمَّ قَالَ ( ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ ) يَعْنِي : أَنَّ الْكُفْرَ بَعِيدٌ مِنْكُمْ وَحَاشَاكُمْ مِنْهُ ، فَإِنَّ آيَاتِ اللَّهِ تَنْزِلُ عَلَى رَسُولِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَهُوَ يَتْلُوهَا عَلَيْكُمْ وَيُبَلِّغُهَا إِلَيْكُمْ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) [ الْحَدِيدِ : 8 ] وَالْآيَةِ بَعْدَهَا . وَكَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ :

" أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيمَانًا ؟ " قَالُوا : الْمَلَائِكَةُ . قَالَ : " وَكَيْفَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ؟! " وَذَكَرُوا الْأَنْبِيَاءَ قَالَ : " وَكَيْفَ لَا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ؟ " قَالُوا : فَنَحْنُ . قَالَ : " وَكَيْفَ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟! " قَالُوا : فَأَيُّ النَّاسِ أَعْجَبُ إِيمَانًا ؟ قَالَ : " قَوْمٌ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَجِدُونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا " . وَقَدْ ذَكَرْتُ سَنَدَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ) أَيْ : وَمَعَ هَذَا فَالِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ هُوَ الْعُمْدَةُ فِي الْهِدَايَةِ ، وَالْعُدَّةُ فِي مُبَاعَدَةِ الْغَوَايَةِ ، وَالْوَسِيلَةُ إِلَى الرَّشَادِ وَطَرِيقِ السَّدَادِ وَحُصُولِ الْمُرَادِ .

102-103

( ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 102 ) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ( 103 ) ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ( ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) قَالَ : أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى ، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ ، [ وَقَدْ تَابَعَ مُرَّةَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ] . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ( ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ) أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى ، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ ، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى " . وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ مِسْعَرٍ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، مَرْفُوعًا فَذَكَرَهُ . ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . كَذَا قَالَ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَطَاوُسٍ ، ، وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، وَأَبِي سِنَانٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، نَحْوَ ذَلِكَ . [ وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَتَّقِي الْعَبْدُ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ حَتَّى يُخْزَنَ مِنْ لِسَانِهِ ] . وَقَدْ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ) [ التَّغَابُنِ : 16 ] . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ) قَالَ : لَمْ تُنْسَخْ ، وَلَكِنْ ( ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ) أَنْ يُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ حَقَّ جِهَادِهِ ، وَلَا تَأْخُذْهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، وَيَقُومُوا بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَآبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ) أَيْ : حَافَظُوا عَلَى الْإِسْلَامِ فِي حَالِ صِحَّتِكُمْ وَسَلَامَتِكُمْ لِتَمُوتُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ قَدْ أَجْرَى عَادَتَهُ بِكَرَمِهِ أَنَّهُ مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بُعِثَ عَلَيْهِ ، فَعِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ جَالِسٌ مَعَهُ مِحْجَنٌ ، فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ) وَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ لَأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ عِيشَتَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ إِلَّا الزَّقُّومُ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ الْحَاكِمُ : عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبَّ الْكَعْبَةِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَيَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ : " لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا [ أَبُو ] يُونُسَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ قَالَ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ " . وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقُولُ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي " . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ - وَأَحْسَبُهُ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مَرِيضًا ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ ، فَوَافَقَهُ فِي السُّوقِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : " كَيْفَ أَنْتَ يَا فُلَانُ ؟ " قَالَ بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرْجُو اللَّهَ ، وَأَخَافُ ذُنُوبِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ " . ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ ثَابِتٍ غَيْرَ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِهِ ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : غَرِيبٌ . وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ ثَابِتٍ مُرْسَلًا . فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَلَّا أَخِرَّ إِلَّا قَائِمًا . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، بِهِ ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ فَقَالَ : ( بَابُ كَيْفَ يَخِرُّ لِلسُّجُودِ ) ثُمَّ سَاقَهُ مِثْلَهُ فَقِيلَ : مَعْنَاهُ : عَلَى أَلَّا أَمُوتَ إِلَّا مُسْلِمًا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : [ عَلَى ] أَلَّا أُقْتَلَ إِلَّا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ )**قِيلَ ( ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : بِعَهْدِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا : ( ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 112 ] أَيْ بِعَهْدٍ وَذِمَّةٍ وَقِيلَ : ( ﴿بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ) يَعْنِي : الْقُرْآنَ ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ : " هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ ، وَصِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ " . وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ خَاصٌّ بِهَذَا الْمَعْنَى ، فَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيِّ ، عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ [ أَبِي ] سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كِتَابُ اللَّهِ ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ " . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ ، وَهُوَ النُّورُ الْمُبِينُ وَهُوَ الشِّفَاءُ النَّافِعُ ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ ، وَنَجَاةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ " . وُرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ نَحْوُ ذَلِكَ . [ وَقَالَ وَكِيعٌ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّ هَذَا الصِّرَاطَ مُحْتَضَرٌ تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ ، يَا عَبْدَ اللَّهِ ، بِهَذَا الطَّرِيقِ هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ ، فَاعْتَصَمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ فَإِنَّ حَبْلَ اللَّهِ الْقُرْآنُ ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ) أَمَرَهُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفْرِقَةِ ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَدِّدَةُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالْأَمْرِ بِالِاجْتِمَاعِ وَالِائْتِلَافِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا ، يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا : قِيلَ وَقَالَ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ " . وَقَدْ ضُمِنَتْ لَهُمُ الْعِصْمَةُ ، عِنْدَ اتِّفَاقِهِمْ ، مِنَ الْخَطَأِ ، كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَدِّدَةُ أَيْضًا ، وَخِيفَ عَلَيْهِمُ الِافْتِرَاقُ ، وَالِاخْتِلَافُ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَافْتَرَقُوا عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، مِنْهَا فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَمُسَلَّمَةٌ مِنْ عَذَابِ النَّارِ ، وَهُمُ الَّذِينَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا[ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ]﴾ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَهَذَا السِّيَاقُ فِي شَأْنِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، فَإِنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَعَدَاوَةٌ شَدِيدَةٌ وَضَغَائِنُ ، وَإِحَنٌ وَذُحُولٌ طَالَ بِسَبَبِهَا قِتَالُهُمْ وَالْوَقَائِعُ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَدَخَلَ فِيهِ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ ، صَارُوا إِخْوَانًا مُتَحَابِّينَ بِجَلَالِ اللَّهِ ، مُتَوَاصِلِينَ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، مُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ]﴾ ) [ الْأَنْفَالِ : 62 ] وَكَانُوا عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، فَأَبْعَدَهُمُ اللَّهُ مِنْهَا : أَنْ هَدَاهُمْ لِلْإِيمَانِ . وَقَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ ، فَعَتَبَ مَنْ عَتَبَ مِنْهُمْ لَمَّا فَضَّلَ عَلَيْهِمْ فِي الْقِسْمَةِ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي ، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي ؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ . وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ مَرَّ بِمَلَأٍ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، فَسَاءَهُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاتِّفَاقِ وَالْأُلْفَةِ ، فَبَعَثَ رَجُلًا مَعَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمْ وَيُذَكِّرَهُمْ مَا كَانَ مِنْ حُرُوبِهِمْ يَوْمَ بُعَاثٍ وَتِلْكَ الْحُرُوبِ ، فَفَعَلَ ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى حَمِيَتْ نُفُوسُ الْقَوْمِ وَغَضِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَتَثَاوَرُوا ، وَنَادَوْا بِشِعَارِهِمْ وَطَلَبُوا أَسْلِحَتَهُمْ ، وَتَوَاعَدُوا إِلَى الْحَرَّةِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُمْ فَجَعَلَ يُسَكِّنُهُمْ وَيَقُولُ : " أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ " وَتَلَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ ، فَنَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ ، وَاصْطَلَحُوا وَتَعَانَقُوا ، وَأَلْقَوُا السِّلَاحَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ أَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِيهِمْ حِينَ تَثَاوَرُوا فِي قَضِيَّةِ الْإِفْكِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

104-109

( ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ( 105 ) ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ( 106 ) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ( 107 ) ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ ( 108 ) ) ( ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ( 109 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ) أَيْ : مُنْتَصِبَةٌ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ( ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ) قَالَ الضَّحَّاكُ : هُمْ خَاصَّةُ الصَّحَابَةِ وَخَاصَّةُ الرُّوَاةِ ، يَعْنِي : الْمُجَاهِدِينَ وَالْعُلَمَاءَ .

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : " الْخَيْرُ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ وَسُنَّتِي " رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ . وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ تَكُونَ فِرْقَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ مُتَصَدِّيَةٌ لِهَذَا الشَّأْنِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأُمَّةِ بِحَسْبِهِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْهَاشِمِيُّ ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي أَمَاكِنِهَا . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]﴾ ) يَنْهَى هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ تَكُونَ كَالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فِي تَفَرُّقِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ ، وَتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، حَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ عَنْ أَبِي عَامِرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُحَيٍّ قَالَ : حَجَجْنَا مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَامَ حِينَ صَلَّى [ صَلَاةَ ] الظُّهْرِ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّأَهْلَ الْكَتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً - يَعْنِي الْأَهْوَاءَ - كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تُجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ ، كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ . وَاللَّهِ - يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ - لَئِنْ لَمْ تَقُومُوا بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَغَيْرُكُمْ مِنَ النَّاسِ أَحْرَى أَلَّا يَقُومَ بِهِ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ - وَاسْمُهُ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ الشَّامِيُّ - بِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، حِينَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . ( ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ : ( ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ) وَهَذَا الْوَصْفُ يَعُمُّ كُلَّ كَافِرٍ . ( ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ) يَعْنِي : الْجَنَّةَ ، مَاكِثُونَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا . وَقَدْ قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ رَبِيعٍ - وَهُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ - وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ قَالَ : رَأَى أَبُو أُمَامَةَ رُءُوسًا مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ ، فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ : كِلَابُ النَّارِ ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ ، خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . قُلْتُ لِأَبِي أُمَامَةَ : أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا - حَتَّى عَدَّ سَبْعًا - مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ . ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ : وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ ، بِنَحْوِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، حَدِيثًا مُطَوَّلًا غَرِيبًا عَجِيبًا جِدًّا . ثُمَّ قَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : هَذِهِ آيَاتُ اللَّهِ وَحُجَجُهُ وَبَيِّنَاتُهُ ( ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ ) يَا مُحَمَّدُ ( ﴿بِالْحَقِّ﴾ ) أَيْ : نَكْشِفُ مَا الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . ( ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُمْ بَلْ هُوَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ ، لِأَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ ، فَلَا يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَظْلِمَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ) أَيِ : الْجَمِيعُ مِلْكٌ لَهُ وَعَبِيدٌ لَهُ . ( ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ) أَيْ : هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، الْحَاكِمُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .

110-112

( ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِوَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ( 110 ) ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ( 111 ) ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ( 112 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ فَقَالَ : ( ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ) . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ) قَالَ : خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ . وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ : ( ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ) يَعْنِي : خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرَةَ عَنْ زَوْجِ [ دُرَّةَ ] بِنْتِ أَبِي لَهَبٍ ، [ عَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي لَهَبٍ ] قَالَتْ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ فَقَالَ :

" خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُمْ وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ ، وَآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ " . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ سِمَاكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ) قَالَ : هُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأُمَّةِ ، كُلُّ قَرْنٍ بِحَسْبِهِ ، وَخَيْرُ قُرُونِهِمُ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ) أَيْ : خِيَارًا ( ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ]﴾ ) الْآيَةَ . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ، وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ ، مِنْ رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً ، أَنْتُمْ خَيْرُهَا ، وَأَنْتُمْ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " . وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ ، وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ [ الْخُدْرِيِّ ] نَحْوَهُ . وَإِنَّمَا حَازَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَصَبَ السَّبْقِ إِلَى الْخَيْرَاتِ بِنَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ ، أَكْرَمُ الرُّسُلِ عَلَى اللَّهِ ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرْعٍ كَامِلٍ عَظِيمٍ لَمْ يُعْطَهُ نَبِيًّا قَبْلَهُ وَلَا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ . فَالْعَمَلُ [ عَلَى ] مِنْهَاجِهِ وَسَبِيلِهِ ، يَقُومُ الْقَلِيلُ مِنْهُ مَا لَا يَقُومُ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ مِنْ أَعْمَالِ غَيْرِهِمْ مَقَامَهُ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ زُهَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ " . فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا هُوَ ؟ قَالَ : " نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي حُلَيْسٍ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، تَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا سَمِعْتُهُ يُكَنِّيهِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ، يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : يَا عِيسَى ، إِنِّي بَاعِثٌ بَعْدَكَ أُمَّةً ، إِنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا وَشَكَرُوا ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا ، وَلَا حِلْمَ وَلَا عِلْمَ " . قَالَ : يَا رَبِّ ، كَيْفَ هَذَا لَهُمْ ، وَلَا حِلْمَ وَلَا عِلْمَ ؟ قَالَ : " أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي " . وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ يُنَاسِبُ ذِكْرُهَا هَاهُنَا : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ الْأَخْنَسِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُعْطِيتُسَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا " . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَرَأَيْتُ أَنَّ ذَلِكَ آتٍ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى ، وَمُصِيبٌ مِنْ حَافَاتِ الْبَوَادِي . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ رَبِّي أَعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ " . فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَهَلَّا اسْتَزَدْتَهُ ؟ فَقَالَ : " اسْتَزَدْتُهُ فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ رَجُلٍ سَبْعِينَ أَلْفًا " . قَالَ عُمَرُ : فَهَلَّا اسْتَزَدْتَهُ ؟ قَالَ : " قَدِ اسْتَزَدْتُهُ فَأَعْطَانِي هَكَذَا " . وَفَرَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَبَسَطَ بَاعَيْهِ ، وَحَثَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ هِشَامٌ : وَهَذَا مِنَ اللَّهِ لَا يُدْرَى مَا عَدَدُهُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ قَالَ : قَالَ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ : مَرِضَ ثَوْبَانُ بِحِمْصَ ، وَعَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ الْأَزْدِيُّ ، فَلَمْ يَعُدْهُ ، فَدَخَلَ عَلَى ثَوْبَانَ رَجُلٌ مِنَ الْكَلَاعِيِّينَ عَائِدًا ، فَقَالَ لَهُ ثَوْبَانُ : [ أَتَكْتُبُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : اكْتُبْ ، فَكَتَبَ لِلْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ ، " مِنْ ثَوْبَانَ ] مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لِمُوسَى وَعِيسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، بِحَضْرَتِكَ خَادِمٌ لَعُدْتَهُ " ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَقَالَ لَهُ : أَتُبْلِغُهُ إِيَّاهُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ بِكِتَابِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى ابْنِ قُرْطٍ ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ فَزِعًا ، فَقَالَ النَّاسُ : مَا شَأْنُهُ ؟ أَحَدَثَ أَمْرٌ ؟ فَأَتَى ثَوْبَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ فَعَادَهُ ، وَجَلَسَ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَ ، فَأَخَذَ ثَوْبَانُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ : اجْلِسْ حَتَّى أُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ : " لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا ، لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَإِسْنَادُ رِجَالِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ شَامِيُّونَ حِمْصِيُّونَ ، فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ زِبْرِيقٍ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ - حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَحَبِيِّ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ رَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَدَنِي مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا " . هَذَا لَعَلَّهُ هُوَ الْمَحْفُوظُ بِزِيَادَةِ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ ، بَيْنَ شُرَيْحٍ وَبَيْنَ ثَوْبَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أَكْثَرْنَا الْحَدِيثَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، ثُمَّ غَدَوْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ : " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ اللَّيْلَةَ بِأُمَمِهَا ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الْعِصَابَةُ ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ النَّفَرُ ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، حَتَّى مَرَّ عَلَيَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَعَهُ كَبْكَبَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأَعْجَبُونِي ، فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَقِيلَ لِي : هَذَا أَخُوكَ مُوسَى ، مَعَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ " . قَالَ : " قُلْتُ : فَأَيْنَ أُمَّتِي ؟ فَقِيلَ : انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ . فَنَظَرْتُ فَإِذَا الظِّرَابُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ قِيلَ لِيَ انْظُرْ عَنْ يَسَارِكَ ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا الْأُفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ ، فَقِيلَ لِي : قَدْ رَضِيتَ ؟ فَقُلْتُ " رَضِيتُ يَا رَبِّ ، [ رَضِيتُ يَا رَبِّ ] " قَالَ : " فَقِيلَ لِي : إِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ " . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي ، إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا فَافْعَلُوا ، فَإِنْ قَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الظِّرَابِ ، فَإِنْ قَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْأُفُقِ ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ ثَمَّ أُنَاسًا يَتَهَاوَشُونَ " . فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ : ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . أَيْ مِنَ السَّبْعِينَ ، فَدَعَا لَهُ . فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ : " قَدْ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ " . قَالَ : ثُمَّ تَحَدَّثْنَا فَقُلْنَا : لِمَنْ تُرَوْنَ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ الْأَلْفَ ؟ قَوْمٌ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا حَتَّى مَاتُوا . فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " . هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِهَذَا السَّنَدِ وَهَذَا السِّيَاقِ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : " رَضِيتُ يَا رَبِّ ، رَضِيتُ يَا رَبِّ " قَالَ رَضِيتَ ؟ قُلْتُ : " نَعَمْ " . قَالَ : انْظُرْ عَنْ يَسَارِكَ ، قَالَ : " فَنَظَرْتُ فَإِذَا الْأُفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ " . فَقَالَ : رَضِيتَ ؟ قُلْتُ : " رَضِيتُ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ بِالْمَوْسِمِ فَرَاثَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي ، ثُمَّ رَأَيْتُهُمْ فَأَعْجَبَتْنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئَاتُهُمْ ، قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ " ، فَقَالَ : أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقُلْتُ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " . فَقَامَ عُكَّاشَةُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ : " أَنْتَ مِنْهُمْ " فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : [ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ ] سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ " . رَوَاهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ ، قَالَ : هَذَا عِنْدِي عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُذُوعِيُّ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ " . قِيلَ : مَنْ هُمْ ؟ قَالَ : " هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَعِنْدَهُ ذِكْرُ عُكَّاشَةَ . حَدِيثٌ آخَرُ : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ وَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا ، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ " . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ " . ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ : " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيَدْخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا - أَوْ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ - آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ ، حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمُ الْجَنَّةَ ، وَوُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ " . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا ، عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلٍ بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ : أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ ؟ قُلْتُ : أَنَا . ثُمَّ قُلْتُ : أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ : قَالَ : فَمَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : اسْتَرْقَيْتُ . قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ . قَالَ : وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ ؟ قُلْتُ : حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ . فَقَالَ : قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي ، فَقِيلَ لِي : هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ . فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَقِيلَ لِيَ : انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَقِيلَ لِي : هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ " . ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ ؟ " فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ : " هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " . فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ : " أَنْتَ مِنْهُمْ " . ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . قَالَ : " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ " .

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَسِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ " لَا يَرْقُونَ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ . حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا ، وَفِيهِ : " فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا ، لَا يُحَاسَبُونَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، كَأَضْوَأِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ " . وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ السُّنَنِ لَهُ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

" وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا ، لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ . وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ " .

وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، بِهِ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : قَالَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ : حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ الْهَوْزَنِيِّ - وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُحَيٍّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

" إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ " . قَالَ يَزِيدُ بْنُ الْأَخْنَسِ : وَاللَّهِ مَا أُولَئِكَ فِي أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ الذُّبَابِ الْأَصْهَبِ فِي الذُّبَابِ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي سَبْعِينَ أَلْفًا ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا ، وَزَادَنِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ " . وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ حَسَنٌ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ الْبِكَالِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِيَّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيِرِ حِسَابٍ ، ثُمَّ يَشْفَعُ كُلُّ أَلْفٍ لِسَبْعِينَ أَلْفًا ، ثُمَّ يَحْثِي رَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِكَفَّيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ " . فَكَبَّرَ عُمَرُ وَقَالَ : إِنَّ السَّبْعِينَ الْأُوَلَ يُشَفِّعُهُمُ اللَّهُ فِي آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ ، وَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَنِي اللَّهُ فِي إِحْدَى الْحَثَيَاتِ الْأَوَاخِرِ . قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ صِفَةِ الْجَنَّةِ : لَا أَعْلَمُ لِهَذَا الْإِسْنَادِ عِلَّةً . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ - يَعْنِي الدَّسْتَوَائِيَّ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ : أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْكُدَيْدِ - أَوْ قَالَ بِقُدَيْدٍ - فَذَكَرَ حَدِيثًا ، وَفِيهِ : ثُمَّ قَالَ : وَعَدَنِي رَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَإِنِّي لِأَرْجُو أَلَّا يَدْخُلُوهَا حَتَّى تَبُوءُوا أَنْتُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَذُرِّيَّاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّةِ " .

قَالَ الضِّيَاءُ [ الْمَقْدِسِيُّ ] وَهَذَا عِنْدِي عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ " . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : وَاللَّهِ هَكَذَا فَقَالَ عُمَرُ : حَسْبُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : دَعْنِي ، وَمَا عَلَيْكَ أَنْ يُدْخِلَنَا اللَّهُ الْجَنَّةَ كُلَّنَا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَدْخَلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَدَقَ عُمَرُ " . هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَهُ الضِّيَاءُ . وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي مِائَةَ أَلْفٍ " . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زِدْنَا قَالَ : " وَهَكَذَا " - وَأَشَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِيَدِهِ كَذَلِكَ - قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زِدْنَا . فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ النَّاسَ الْجَنَّةَ بِحَفْنَةٍ وَاحِدَةٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَدَقَ عُمَرُ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَبُو هِلَالٍ اسْمُهُ : مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ الرَّاسِبِيُّ ، بَصْرِيٌّ . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِيِّ السُّلَمِيُّ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا " . قَالُوا : زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " لِكُلِّ رَجُلٍ سَبْعُونَ أَلْفًا " قَالُوا : زِدْنَا - وَكَانَ عَلَى كَثِيبٍ - فَقَالَ : هَكَذَا ، وَحَثَا بِيَدِهِ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَبْعَدَ اللَّهُ مَنْ دَخَلَ النَّارَ بَعْدَ هَذَا ، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، مَا عَدَا عَبْدَ الْقَاهِرِ بْنَ السَّرِيِّ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ مَعِينٍ ، فَقَالَ : صَالِحٌ . حَدِيثٌ آخَرُ : رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ الْجَنَّةَ " . فَقَالَ عُمَيْرٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زِدْنَا . فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ . فَقَالَ عُمَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زِدْنَا . فَقَالَ عُمَرُ : حَسْبُكَ ، إِنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَدْخَلَ النَّاسَ الْجَنَّةَ بِحَفْنَةٍ - أَوْ بِحَثْيَةٍ - وَاحِدَةٍ . فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَدَقَ عُمَرُ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ ، أَنَّ قَيْسًا الْكِنْدِيَّ حَدَّثَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْأَنْمَارِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيِرِ حِسَابٍ ، وَيَشْفَعُ كُلُّ أَلْفٍ لِسَبْعِينَ أَلْفًا ، ثُمَّ يَحْثِي رَبِّي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِكَفَّيْهِ " . كَذَا قَالَ قَيْسٌ ، فَقُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، بِأُذُنِي ، وَوَعَاهُ قَلْبِي . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَقَالَ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، يَسْتَوْعِبُ مُهَاجِرِي أُمَّتِي ، وَيُوَفِّي اللَّهُ بَقِيَّتَهُ مِنْ أَعْرَابِنَا " . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ بِإِسْنَادِهِ ، مِثْلَهُ . وَزَادَ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَحُسِبَ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَلَغَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ وَتِسْعِينَ أَلْفَ أَلْفٍ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَرْثَدٍ الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ ، زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يَخْبِطُونَ الْأَرْضَ ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : لِمَ جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ ؟ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ . نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشَرَفِهَا بِكَرَامَتِهَا عَلَى اللَّهِ ، وَأَنَّهَا خَيْرُ الْأُمَمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَنْ يَتَّبِعُنِي مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُبْعَ الْجَنَّةِ " . قَالَ : فَكَبَّرْنَا . ثُمَّ قَالَ : " أَرْجُو أَنْ يَكُونُوا ثُلُثَ النَّاسِ " . قَالَ : فَكَبَّرْنَا . ثُمَّ قَالَ : " أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا الشَّطْرَ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ عَنْ رَوْحٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، بِهِ . وَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ " فَكَبَّرْنَا . ثُمَّ قَالَ : " أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ " فَكَبَّرْنَا . ثُمَّ قَالَ : " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُسَاوِرٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْفَ أَنْتُمْ وَرُبُعُ الْجَنَّةِ لَكُمْ وَلِسَائِرِ النَّاسِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " كَيْفَ أَنْتُمْ وَثُلُثُهَا ؟ " قَالُوا : ذَاكَ أَكْثَرُ . قَالَ : " كَيْفَ أَنْتَمْ وَالشَّطْرُ لَكُمْ ؟ " قَالُوا : ذَاكَ أَكْثَرُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ، لَكُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا " .

قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ أَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

" أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ، هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا " . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ عَفَّانَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، بِهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ ، بِهِ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيِّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّتِي " . تَفَرَّدَ بِهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ عَدِيٍّ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [ الْوَاقِعَةِ : 38 ، 39 ] ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنْتُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، أَنْتُمْ ثُلُثُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، أَنْتُمْ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ " . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، نَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولًا الْجَنَّةَ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ، فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ ، فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ، النَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ غَدًا لِلْيَهُوَدِ [ وَ ] لِلنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ " . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ " . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . حَدِيثٌ آخَرُ : رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ حَتَّى أَدْخُلَهَا ، وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي " . ثُمَّ قَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَاهُ . وَتَفَرَّدَ بِهِ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زُهَيْرٍ . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَعْيَنُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ التِّنِّيسِيُّ - يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَبِي سَلَمَةَ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ الدِّمَشْقِيُّ . عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَرَوَاهُ الثَّعْلَبِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبَّاسٍ الْمَخْلَدِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى التِّنِّيسِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ ، بِهِ . فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ) فَمَنِ اتَّصَفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي هَذَا الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالْمَدْحِ لَهُمْ ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ : بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] فِي حَجَّةٍ حَجَّهَا رَأَى مِنَ النَّاسِ سُرْعَةً فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ اللَّهِ فِيهَا . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ أَشْبَهَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ]﴾ [ الْمَائِدَةِ : 79 ] ) وَلِهَذَا لَمَّا مَدَحَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ شَرَعَ فِي ذَمِّ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَأْنِيبِهِمْ ، فَقَالَ : ( ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ) أَيْ : بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ) أَيْ : قَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَالْعِصْيَانِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ وَمُبَشِّرًا لَهُمْ أَنَّ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الْكَفَرَةِ الْمُلْحِدِينَ ، فَقَالَ : ( ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ) وَهَكَذَا وَقَعَ ، فَإِنَّهُمْ يَوْمَ خَيْبَرَ أَذَلَّهُمُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ آنَافَهُمْ وَكَذَلِكَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَبَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ ، كُلُّهُمْ أَذَلَّهُمُ اللَّهُ ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى بِالشَّامِ كَسَرَهُمُ الصَّحَابَةُ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ ، وَسَلَبُوهُمْ مُلْكَ الشَّامِ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ ، وَلَا تَزَالُ عِصَابَةُ الْإِسْلَامِ قَائِمَةً بِالشَّامِ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] وَهُمْ كَذَلِكَ ، وَيَحْكُمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ ) أَيْ : أَلْزَمَهُمُ اللَّهُ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ أَيْنَمَا كَانُوا فَلَا يَأْمَنُونَ ( ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : بِذِمَّةٍ مِنَ اللَّهِ ، وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ لَهُمْ وَضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ ، وَإِلْزَامُهُمْ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ ( ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ ) أَيْ : أَمَانٌ مِنْهُمْ وَلَهُمْ ، كَمَا فِي الْمُهَادَنِ وَالْمُعَاهَدِ وَالْأَسِيرِ إِذَا أَمَّنَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَوِ امْرَأَةٌ ، وَكَذَا عَبْدٌ ، عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ ) أَيْ : بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ وَعَهْدٍ مِنَ النَّاسِ ، [ وَ ] هَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : أُلْزِمُوا فَالْتَزَمُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وَهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ ( ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ ) أَيْ : أُلْزِمُوهَا قَدَرًا وَشَرْعًا . وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ) أَيْ : وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْكِبْرُ وَالْبَغْيُ وَالْحَسَدُ ، فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ وَالْمَسْكَنَةَ أَبَدًا ، مُتَّصِلًا بِذِلَّةِ الْآخِرَةِ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِ رُسُلِ اللَّهِ وَقُيِّضُوا لِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْثِرُونَ الْعِصْيَانَ لِأَوَامِرِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَالْغَشَيَانَ لِمَعَاصِي اللَّهِ ، وَالِاعْتِدَاءَ فِي شَرْعِ اللَّهِ ، فَعِياذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَقْتُلُ فِي الْيَوْمِ ثَلَاثَمِائَةِ نَبِيٍّ ، ثُمَّ يَقُومُ سُوقُ بَقْلِهِمْ فِي آخِرِ النَّهَارِ .

113-117

( ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾( 113 ) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ( 114 ) ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ ( 115 ) ) السلام عليكم هل تسمحون لي بشرف الحوار معكم أرجوا الرد مع وافر الاحترام والتقدير ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ( 116 ) ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ( 117 ) ) قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : زَعَمَ الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ الْعِجْلِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ ) قَالَ لَا يَسْتَوِي أَهْلُ الْكِتَابِ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ . حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَحَسَنُ بْنُ مُوسَى قَالَا حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ :

أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ : فَقَالَ : " أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْأَدْيَانِ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ " . قَالَ : وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ : ( ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ]﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ ( ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ ) . وَالْمَشْهُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ - كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِيمَنْ آمَنَ مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وَأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ وَغَيْرِهِمْ ، أَيْ : لَا يَسْتَوِي مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ بِالذَّمِّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ ) أَيْ : لَيْسُوا كُلُّهُمْ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ، بَلْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ وَمِنْهُمُ الْمُجْرِمُ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( [﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ] أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ ) أَيْ : قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ ، مُطِيعَةٌ لِشَرْعِهِ مُتَّبِعَةٌ نَبِيَّ اللَّهِ ، [ فَهِيَ ] ) قَائِمَةٌ ) يَعْنِي مُسْتَقِيمَةً ( ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ) أَيْ : يَقُومُونَ اللَّيْلَ ، وَيُكْثِرُونَ التَّهَجُّدَ ، وَيَتْلُونَ الْقُرْآنَ فِي صَلَوَاتِهِمْ ( ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ) وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ : ( ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ]﴾ ) [ الْآيَةَ : 199 ] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ ) أَيْ : لَا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ يَجْزِيكُمْ بِهِ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ . ( ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ ) أَيْ : لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَمَلُ عَامِلٍ ، وَلَا يَضِيعُ لَدَيْهِ أَجْرُ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكَفَرَةِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُ ( ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ) أَيْ لَا يُرَدُّ عَنْهُمْ بَأْسُ اللَّهِ وَلَا عَذَابُهُ إِذَا أَرَادَهُ بِهِمْ ( ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ) ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِمَا يُنْفِقُهُ الْكُفَّارُ فِي هَذِهِ الدَّارِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ ، وَالسُّدِّيُّ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ ) أَيْ : بَرْدٌ شَدِيدٌ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ عَطَاءٌ : بَرْدٌ وَجَلِيدٌ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَمُجَاهِدٍ ( ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ ) أَيْ : نَارٌ . وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ الْبَرْدَ الشَّدِيدَ - سِيَّمَا الْجَلِيدُ - يَحْرِقُ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ ، كَمَا يُحْرَقُ الشَّيْءُ بِالنَّارِ ( ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ ) أَيْ : أَحْرَقَتْهُ ، يَعْنِي بِذَلِكَ السَّفْعَةَ إِذَا نَزَلَتْ عَلَى حَرْثٍ قَدْ آنَ جِدَادُهُ أَوْ حَصَادُهُ فَدَمَّرَتْهُ وَأَعْدَمَتْ مَا فِيهِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ، فَذَهَبَتْ بِهِ وَأَفْسَدَتْهُ ، فَعَدِمَهُ صَاحِبُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ . فَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ يَمْحَقُ اللَّهُ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَثَمَرَتَهَا كَمَا أَذْهَبَ ثَمَرَةَ هَذَا الْحَرْثِ بِذُنُوبِ صَاحِبِهِ . وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ بَنَوْهَا عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ وَعَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ ( ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ )

118-123

( ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْقَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ( 118 ) ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ( 119 ) ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ( 120 ) ) يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ الْمُنَافِقِينَ بِطَانَةً ، أَيْ : يُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سَرَائِرِهِمْ وَمَا يُضْمِرُونَهُ لِأَعْدَائِهِمْ ، وَالْمُنَافِقُونَ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ لَا يَأْلُونَ الْمُؤْمِنِينَ خَبَالًا أَيْ : يَسْعَوْنَ فِي مُخَالَفَتِهِمْ وَمَا يَضُرُّهُمْ بِكُلِّ مُمْكِنٍ ، وَبِمَا يَسْتَطِيعُونَهُ مِنَ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ ، وَيَوَدُّونَ مَا يُعْنِتُ الْمُؤْمِنِينَ وَيُخْرِجُهُمْ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ ) أَيْ : مِنْ غَيْرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ، وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ : هُمْ خَاصَّةُ أَهْلِهِ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلَى دَاخِلِ أَمْرِهِ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا ، مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ ، مِنْهُمْ : يُونُسُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

" مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ : بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ " . وَقَدْ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ [ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ] عَنْهُمَا . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ : وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، فَذَكَرَهُ . فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزَّانِ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنْبَاعِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي الدِّهْقَانَةِ قَالَ : قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنْ هَاهُنَا غُلَامًا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ ، حَافِظٌ كَاتِبٌ ، فَلَوِ اتَّخَذْتَهُ كَاتِبًا ؟ فَقَالَ : قَدِ اتَّخَذْتُ إِذًا بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . فَفِي هَذَا الْأَثَرِ مَعَ هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّأَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمْ فِي الْكِتَابَةِ ، الَّتِي فِيهَا اسْتِطَالَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَوَاطِّلَاعٌ عَلَى دَوَاخِلِ أُمُورِهِمُ الَّتِي يُخْشَى أَنْ يُفْشُوهَا إِلَى الْأَعْدَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ) . وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْرَائِيلَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ ، عَنِ الْأَزْهَرِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ : كَانُوا يَأْتُونَ أَنَسًا ، فَإِذَا حَدَّثَهُمْ بِحَدِيثٍ لَا يَدْرُونَ مَا هُوَ ، أَتَوُا الْحَسَنَ - يَعْنِي الْبَصْرِيَّ - فَيُفَسِّرُهُ لَهُمْ . قَالَ : فَحَدَّثَ ذَاتَ يَوْمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ ، فَأَتَوُا الْحَسَنَ فَقَالُوا لَهُ : إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الشِّرْكِ وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا " فَقَالَ الْحَسَنُ : أَمَّا قَوْلُهُ : " وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا " مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الشِّرْكِ " يَقُولُ : لَا تَسْتَشِيرُوا الْمُشْرِكِينَ فِي أُمُورِكُمْ . ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ : تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ ) . هَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ هُشَيْمٍ . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ هُشَيْمٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَفْسِيرِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَهَذَا التَّفْسِيرُ فِيهِ نَظَرٌ ، وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ : " لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا أَيْ : بِخَطٍّ عَرَبِيٍّ ، لِئَلَّا يُشَابِهَ نَقْشَ خَاتَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ كَانَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَنْقُشَ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ . وَأَمَّا الِاسْتِضَاءَةُ بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ ، فَمَعْنَاهُ : لَا تُقَارِبُوهُمْ فِي الْمَنَازِلِ بِحَيْثُ تَكُونُونَ مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ ، بَلْ تَبَاعَدُوا مِنْهُمْ وَهَاجِرُوا مِنْ بِلَادِهِمْ ، وَلِهَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ [ رَحِمَهُ اللَّهُ ] لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا " وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ أَوْ سَكَنَ مَعَهُ ، فَهُوَ مِثْلُهُ " ، فَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَسَنُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ فِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ) أَيْ : قَدْ لَاحَ عَلَى صَفَحَاتِ وُجُوهِهِمْ ، وَفَلَتَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ ، مَعَ مَا هُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَيْهِ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْبَغْضَاءِ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ، مَا لَا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى لَبِيبٍ عَاقِلٍ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ) . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ ) أَيْ : أَنْتُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - تُحِبُّونَ الْمُنَافِقِينَ مِمَّا يُظْهِرُونَ لَكُمْ مِنَ الْإِيمَانِ ، فَتُحِبُّونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ لَا يُحِبُّونَكُمْ ، لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا ( ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ عِنْدَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ شَكٌّ وَلَا رَيْبٌ ، وَهُمْ عِنْدَهُمُ الشَّكُّ وَالرِّيَبُ وَالْحِيرَةُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ ) أَيْ : بِكِتَابِكُمْ وَكِتَابِهِمْ ، وَبِمَا مَضَى مِنَ الْكُتُبِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِكِتَابِكُمْ ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِالْبَغْضَاءِ لَهُمْ ، مِنْهُمْ لَكُمْ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . ( ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ) وَالْأَنَامِلُ : أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ الشَّاعِرُ :

أَوَدُّ كَمَا مَا بَلَّ حَلْقِيَ رِيقَتِي ※ وَمَا حَمَلَتْ كَفَّايَ أَنْمُلِي الْعَشْرَا ※

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( ﴿الْأَنَامِلُ﴾ ) الْأَصَابِعُ . وَهَذَا شَأْنُالْمُنَافِقِينَ يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَانَ وَالْمَوَدَّةَ ، وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَمِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ) وَذَلِكَ أَشَدُّ الْغَيْظِ وَالْحَنَقِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ) أَيْ : مَهْمَا كُنْتُمْ تَحْسُدُونَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَغِيظُكُمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مُتِمٌّ نِعْمَتَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمُكَمِّلٌ دِينَهُ ، وَمُعْلٍ كَلِمَتَهُ ، وَمُظْهِرٌ دِينَهُ ، فَمُوتُوا أَنْتُمْ بِغَيْظِكُمْ ( ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ) أَيْ : هُوَ عَلِيمٌ بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمَائِرُكُمْ ، وَتُكِنُّهُ سَرَائِرُكُمْ مِنَ الْبَغْضَاءِ وَالْحَسَدِ وَالْغِلِّ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُرِيَكُمْ خِلَافَ مَا تُؤَمِّلُونَ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ فِي النَّارِ الَّتِي أَنْتُمْ خَالِدُونَ فِيهَا ، فَلَا خُرُوجَ لَكُمْ مِنْهَا . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ ) وَهَذِهِ الْحَالُ دَالَّةٌ عَلَى شِدَّةِ الْعَدَاوَةِ مِنْهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ خِصْبٌ ، وَنَصْرٌ وَتَأْيِيدٌ ، وَكَثُرُوا وَعَزَّ أَنْصَارُهُمْ ، سَاءَ ذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ ، وَإِنْ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ سَنَةٌ - أَيْ : جَدْبٌ - أَوْ أُدِيلَ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءُ ، لِمَا لِلَّهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ، كَمَا جَرَى يَوْمَ أُحُدٍ ، فَرِحَ الْمُنَافِقُونَ بِذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ : ( ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ]﴾ ) يُرْشِدُهُمْ تَعَالَى إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ شَرِّ الْأَشْرَارِ وَكَيْدِ الْفُجَّارِ ، بِاسْتِعْمَالِ الصَّبْرِ وَالتَّقْوَى ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ مُحِيطٌ بِأَعْدَائِهِمْ ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ لَهُمْ إِلَّا بِهِ ، وَهُوَ الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ . وَلَا يَقَعُ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ إِلَّا بِتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ . ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ قِصَّةِ أُحُدٍ ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الِاخْتِبَارِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ، وَبَيَانِ صَبْرِ الصَّابِرِينَ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ( 121 ) ) ( ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ( 122 ) ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ( 123 ) ) الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ يَوْمُ أُحُدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَهُوَ غَرِيبٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ . وَكَانَتْوَقْعَةُ أُحُدٍيَوْمَ السَّبْتِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ . قَالَ [ قَتَادَةُ ] لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَسَلِمَتِ الْعِيرُ بِمَا فِيهَا مِنَ التِّجَارَةِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ ، فَلَمَّا رَجَعَ قَفَلُهُمْ إِلَى مَكَّةَ قَالَ أَبْنَاءُ مَنْ قُتِلَ ، وَرُؤَسَاءُ مَنْ بَقِيَ لِأَبِي سُفْيَانَ : ارْصُدْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ ، فَأَنْفَقُوهَا فِي ذَلِكَ ، وَجَمَعُوا الْجُمُوعَ وَالْأَحَابِيشَ وَأَقْبَلُوا فِي قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ أُحُدٍ تِلْقَاءَ الْمَدِينَةِ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا صَلَّى عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ، يُقَالُ لَهُ : مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو ، وَاسْتَشَارَ النَّاسَ : أَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ أَمْ يَمْكُثُ بِالْمَدِينَةِ ؟ فَأَشَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِالْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ وَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ ، وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ . وَأَشَارَ آخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ نَدِمَ بَعْضُهُمْ وَقَالُوا : لَعَلَّنَا اسْتَكْرَهْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ نَمْكُثَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ لَهُ " . فَسَارَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَلَمَّا كَانَ بِالشَّوْطِ رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي ثُلُثِ الْجَيْشِ مُغْضَبًا ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِ ، وَقَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ : لَوْ نَعْلَمُ الْيَوْمَ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ، وَلَكِّنَّا لَا نَرَاكُمْ تُقَاتِلُونَ الْيَوْمَ . وَاسْتَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرًا حَتَّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِنْ أُحُدٍ فِي عَدْوَةِ الْوَادِي . وَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إِلَى أُحُدٍ وَقَالَ : " لَا يُقَاتِلَنَّ أَحَدٌ حَتَّى نَأْمُرَهُ بِالْقِتَالِ " . وَتَهَيَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقِتَالِ وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَأَمَّرَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَالرُّمَاةُ يَوْمَئِذٍ خَمْسُونَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُمْ : " انْضَحُوا الْخَيْلَ عَنَّا ، وَلَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكُمْ . وَالْزَمُوا مَكَانَكُمْ إِنْ كَانَتِ النَّوْبَةُ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ " . وَظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ ، وَأَعْطَى اللِّوَاءَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ . وَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الْغِلْمَانِ يَوْمَئِذٍ وَأَرْجَأَ آخَرِينَ ، حَتَّى أَمْضَاهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ بِقَرِيبٍ مِنْ سَنَتَيْنِ . وَتَعَبَّأَتْ قُرَيْشٌ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ ، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ قَدْ جَنَبُوهَا فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ : وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ ، وَدَفَعُوا إِلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ اللِّوَاءَ . ثُمَّ كَانَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوَاضِعِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ) أَيْ : تُنْزِلُهُمْ مَنَازِلَهُمْ وَتَجْعَلُهُمْ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَحَيْثُ أَمَرْتَهُمْ ( ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ) أَيْ : سَمِيعٌ لِمَا تَقُولُونَ ، عَلِيمٌ بِضَمَائِرِكُمْ . وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا سُؤَالًا حَاصِلُهُ : كَيْفَ يَقُولُونَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَارَ إِلَى أُحُدٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ) ؟ ثُمَّ كَانَ جَوَابُهُ عَنْهُ : أَنَّ غُدُوَّهُ لِيُبَوِّئَهُمْ مَقَاعِدَ ، إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوَّلَ النَّهَارِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا [ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ]﴾ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : قَالَ عَمْرٌو : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : فِينَا نَزَلَتْ : ( ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا [ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ]﴾ ) قَالَ : نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلَمَةَ ، وَمَا نُحِبُّ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً : وَمَا يَسُرُّنِي - أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ) . وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : إِنَّهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلَمَةَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ بَدْرٍ ، وَكَانَ فِي جُمُعَةٍ وَافَقَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ ، مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَهُوَ يَوْمُ الْفُرْقَانِ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ ، وَدَمَغَ فِيهِ الشِّرْكَ وَخَرَّبَ مَحِلَّهُ ، [ هَذَا ] مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ فَرَسَانِ وَسَبْعُونَ بَعِيرًا ، وَالْبَاقُونَ مُشَاةٌ ، لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الْعَدَدِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ الْعَدُوُّ يَوْمَئِذٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةٍ إِلَى الْأَلْفِ فِي سَوَابِغِ الْحَدِيدِ وَالْبَيْضِ ، وَالْعِدَّةِ الْكَامِلَةِ وَالْخُيُولِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْحُلِيِّ الزَّائِدِ ، فَأَعَزَّ اللَّهُ رَسُولَهُ ، وَأَظْهَرَ وَحْيَهُ وَتَنْزِيلَهُ ، وَبَيَّضَ وَجْهَ النَّبِيِّ وَقَبِيلَهُ ، وَأَخْزَى الشَّيْطَانَ وَجِيلَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى - مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَحِزْبِهِ الْمُتَّقِينَ : ( ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ) أَيْ : قَلِيلٌ عَدَدُكُمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ النَّصْرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، لَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ] وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 25 - 27 ] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ قَالَ : سَمِعْتُ عِيَاضًا الْأَشْعَرِيَّ قَالَ : شَهِدْتُ الْيَرْمُوكَ وَعَلَيْنَا خَمْسَةُ أُمَرَاءَ : أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَابْنُ حَسَنَةَ ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَعِيَاضٌ - وَلَيْسَ عِيَاضٌ هَذَا الَّذِي حَدَّثَ سِمَاكًا - قَالَ : وَقَالَ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا كَانَ قِتَالٌ فَعَلَيْكُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ . قَالَ : فَكَتَبْنَا إِلَيْهِ إِنَّهُ قَدْ جَاشَ إِلَيْنَا الْمَوْتُ ، وَاسْتَمْدَدْنَاهُ ، فَكَتَبَ إِلَيْنَا : إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي كِتَابُكُمْ تَسْتَمِدُّونَنِي وَإِنِّي أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا ، وَأَحْصَنُ جُنْدًا : اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَاسْتَنْصِرُوهُ ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نُصِرَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي أَقَلِّ مِنْ عِدَّتِكُمْ ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي فَقَاتِلُوهُمْ وَلَا تُرَاجِعُونِي . قَالَ فَقَاتَلْنَاهُمْ فَهَزَمْنَاهُمْ أَرْبَعَةَ فَرَاسِخَ ، قَالَ : وَأَصَبْنَا أَمْوَالًا فَتَشَاوَرْنَا ، فَأَشَارَ عَلَيْنَا عِيَاضٌ أَنْ نُعْطِيَ عَنْ كُلِّ ذِي رَأْسٍ عَشَرَةً . قَالَ : وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَنْ يُرَاهِنُنِي ؟ فَقَالَ شَابٌّ : أَنَا ، إِنْ لَمْ تَغْضَبْ . قَالَ : فَسَبَقَهُ ، فَرَأَيْتُ عَقِيصَتَيْ أَبِي عُبَيْدَةَ تَنْقُزَانِ وَهُوَ خَلْفَهُ عَلَى فَرَسٍ عُرْيٍ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ بُنْدَارٍ ، عَنْ غُنْدَرٍ ، بِنَحْوِهِ ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ . وَبَدْرٌ مَحَلَّةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، تُعْرَفُ بِبِئْرِهَا ، مَنْسُوبَةٌ إِلَى رَجُلٍ حَفَرَهَا يُقَالُ لَهُ : " بَدْرُ بْنُ النَّارَيْنِ " . قَالَ الشَّعْبِيُّ : بَدْرٌ بِئْرٌ لِرَجُلٍ يُسَمَّى بَدْرًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ) أَيْ : تَقُومُونَ بِطَاعَتِهِ .

124-129

( ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾( 124 ) ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ( 125 ) ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ( 126 ) ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ( 127 ) ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ( 128 ) ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( 129 ) ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ : هَلْ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أَوْ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُ : ( ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : ( ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ) وَرُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَغَيْرِهِمْ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . قَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ ) قَالَ : هَذَا يَوْمُ بَدْرٍ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عَامِرٍ - يَعْنِي الشَّعْبِيَّ - أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ يُمِدُّ الْمُشْرِكِينَ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) قَالَ : فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ ، فَلَمْ يُمِدَّ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُمِدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ ، ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ . فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ - عَلَى هَذَا الْقَوْلِ - وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَدْرٍ : ( ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ] إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ) [ الْأَنْفَالِ : 9 ، 10 ] فَالْجَوَابُ : أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْأَلْفِ هَاهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَةَ الْآلَافَ فَمَا فَوْقَهَا ، لِقَوْلِهِ : ( ﴿مُرْدِفِينَ﴾ ) بِمَعْنَى يَرْدَفُهُمْ غَيْرُهُمْ وَيَتْبَعُهُمْ أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهُمْ . وَهَذَا السِّيَاقُ شَبِيهٌ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ . فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّقِتَالَ الْمَلَائِكَةِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَمَدَّ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِخَمْسَةِ آلَافٍ . الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : ( ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ) وَذَلِكَ يَوْمُ أُحُدٍ . وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَغَيْرِهِمْ . لَكِنْ قَالُوا : لَمْ يَحْصُلِ الْإِمْدَادُ بِالْخَمْسَةِ الْآلَافِ ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَرُّوا يَوْمَئِذٍ - زَادَ عِكْرِمَةُ : وَلَا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَافِ ، لِقَوْلِهِ : ( ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ ) فَلَمْ يَصْبِرُوا ، بَلْ فَرُّوا ، فَلَمْ يُمَدُّوا بِمَلَكٍ وَاحِدٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ ) يَعْنِي : تَصْبِرُوا عَلَى مُصَابَرَةِ عَدُوِّكُمْ وَتَتَّقُونِي وَتُطِيعُوا أَمْرِي . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ ، وَالسُّدِّيُّ : أَيْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو صَالِحٍ : أَيْ مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : مِنْ غَضَبِهِمْ وَوَجْهِهِمْ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مِنْ سَفَرِهِمْ هَذَا . وَيُقَالُ : مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ) أَيْ : مُعَلَّمِينَ بِالسِّيمَا . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كَانَ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الْأَبْيَضَ ، وَكَانَ سِيمَاهُمْ أَيْضًا فِي نَوَاصِي خَيْلِهِمْ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) قَالَ : بِالْعِهْنِ الْأَحْمَرِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) أَيْ : مُحَذَّقَةٌ أَعْرَافُهَا ، مُعَلَّمَةٌ نَوَاصِيهَا بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ فِي أَذْنَابِ الْخَيْلِ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَتَتِ الْمَلَائِكَةُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَوِّمِينَ بِالصُّوفِ ، فَسَوَّمَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْفُسَهُمْ وَخَيْلَهُمْ عَلَى سِيمَاهُمْ بِالصُّوفِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) أَيْ : بِسِيمَا الْقِتَالِ ، وَقَالَ مَكْحُولٌ : ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) بِالْعَمَائِمِ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ،

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) قَالَ : " مُعَلَّمِينَ . وَكَانَ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ سُودًا ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عَمَائِمَ حُمْرًا " . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ حُصَيْنِ بْنِ مُخَارِقٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ بِيضًا قَدْ أَرْسَلُوهَا فِي ظُهُورِهِمْ ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عَمَائِمَ حُمْرًا . وَلَمْ تَضْرِبِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ . ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْأَحْمَسِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ : أَنَّ الزُّبَيْرِ [ بْنَ الْعَوَّامِ ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجِرًا بِهَا ، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فَذَكَرَهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ ) أَيْ : وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَأَعْلَمَكُمْ بِإِنْزَالِهَا إِلَّا بِشَارَةً لَكُمْ وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِكُمْ وَتَطْمِينًا ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، الَّذِي لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِدُونِكُمْ ، وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى قِتَالِكُمْ لَهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ أَمْرِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ : ( ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ . وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ .﴾ ) [ مُحَمَّدٍ : 4 - 6 ] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ) أَيْ : هُوَ ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ ، وَالْحِكْمَةِ فِي قَدَرِهِ وَالْإِحْكَامِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ) أَيْ : أَمَرَكُمْ بِالْجِهَادِ وَالْجِلَادِ ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ ، وَلِهَذَا ذَكَرَ جَمِيعَ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْكُفَّارِ الْمُجَاهِدِينَ . فَقَالَ : ( ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ ) أَيْ : لِيُهْلِكَ أُمَّةً ( ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ ) أَيْ : يُخْزِيَهُمْ وَيَرُدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمَّا لَمْ يَنَالُوا مِنْكُمْ مَا أَرَادُوا ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ ) أَيْ : يَرْجِعُوا ( ﴿خَائِبِينَ﴾ ) أَيْ : لَمْ يَحْصُلُوا عَلَى مَا أَمَّلُوا . ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمْلَةٍ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فَقَالَ : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ) أَيْ : بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيَّ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ) [ الرَّعْدِ : 40 ] وَقَالَ ( ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 272 ] . وَقَالَ ( ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ) [ الْقِصَصِ : 56 ] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي**قَوْلِهِ : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ )**أَيْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي إِلَّا مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فِيهِمْ . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى بَقِيَّةَ الْأَقْسَامِ فَقَالَ : ( ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ) أَيْ : مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيَهْدِيَهُمْ بَعْدَ الضَّلَالَةِ ( ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ) أَيْ : يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، [ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْفَجْرِ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا " بَعْدَ مَا يَقُولُ : " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ]﴾ ) ](/bukhari/64#114) . وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، كِلَاهُمَا ، عَنْ مَعْمَرٍ ، بِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ - قَالَ أَحْمَدُ : وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ ، صَالِحُ الْحَدِيثِ ثِقَةٌ - قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ الْعَنْ فَلَانَا ، اللَّهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ، اللَّهُمَّ الْعَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو ، اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ " . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ) فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الْغَلَابِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، [ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَةٍ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ]﴾ ) ](/bukhari/96#74) قَالَ : وَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى رِجَالٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ) الْآيَةَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ - أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَرُبَّمَا قَالَ - إِذَا قَالَ : " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ - : " اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ " . يَجْهَرُ بِذَلِكَ ، وَكَانَ يَقُولُ - فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ - : " اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا " لِأَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ) الْآيَةَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ حُمَيْدٌ وَثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : شُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ : " كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ؟ " . فَنَزَلَتْ : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ) وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ، فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ - : " اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا " بَعْدَ مَا يَقُولُ : " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ) [ إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ) ] . وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ : سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : [ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، فَنَزَلَتْ : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ] فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ](/bukhari/64#114) ) . هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقَةً مُرْسَلَةً - مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، مُتَّصِلَةٌ آنِفًا . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَقَالَ : " كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ ، عَزَّ وَجَلَّ " . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ )

انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ ، فَرَوَاهُ [ عَنِ ] الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، فَذَكَرَهُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ مَطَرٍ ،

[ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : أُصِيبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ ، وَفُرِقَ حَاجِبُهُ ، فَوَقَعَ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ وَالدَّمُ يَسِيلُ ، فَمَرَّ بِهِ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، فَأَجْلَسَهُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ ، فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ : " كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ]﴾ ) ](/muslim/32#127) . وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، بِنَحْوِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ : فَأَفَاقَ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ) أَيِ : الْجَمِيعُ مِلْكٌ لَهُ ، وَأَهْلُهُمَا عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ ( ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ) أَيْ : هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

130-136

( ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾( 130 ) ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ( 131 ) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ( 132 ) ) ( ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ( 133 ) ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ( 134 ) ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( 135 ) ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ( 136 ) ) يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْتَعَاطِي الرِّبَاوَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - إِذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ يُرْبِيَ ، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الْآخَرُ فِي الْقَدْرِ ، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ ، فَرُبَّمَا تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا . وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا ، فَقَالَ : ( ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ) . ثُمَّ نَدَبَهُمْ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْلِ الْقُرُبَاتِ ، فَقَالَ : ( ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ) أَيْ : كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَىقَوْلِهِ : ( ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾) تَنْبِيهًا عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا ، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ : ( ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ ) [ الرَّحْمَنِ : 54 ] أَيْ : فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ ؟ وَقِيلَ : بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا ، لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَالشَّيْءُ الْمُقَبَّبُ وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُهُ كَطُولِهِ . وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ :

" إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ " . وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ : ( ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ) الْآيَةَ [ رَقْمُ : 21 ] . وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : أَنَّ هِرَقْلَ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، فَأَيْنَ النَّارُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ ! فَأَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ ؟ " . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ قَالَ : لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِمْصَ ، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ ، قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابِ هِرَقْلَ ، فَنَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ . قَالَ : قُلْتُ : مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ ؟ قَالُوا : مُعَاوِيَةُ . فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي : " إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، فَأَيْنَ النَّارُ ؟ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ ! فَأَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ ؟ " . وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، فَأَيْنَ النَّارُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ ؟ فَقَالُوا : لَقَدْ نَزَعْتَ مِثْلَهَا مِنَ التَّوْرَاةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ : يَقُولُونَ : ( ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ) فَأَيْنَ النَّارُ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ ؟ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا ، فَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ) فَأَيْنَ النَّارُ ؟ قَالَ : " أَرَأَيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبِسَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَأَيْنَ النَّهَارُ ؟ " قَالَ : حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ : " وَكَذِلَكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ الْبَزَّارِ . الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ) [ الْحَدِيدِ : 21 ] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ . فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَبَيْنَ وُجُودِ النَّارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَىصَفَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ : ( ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ) أَيْ : فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 274 ] . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أَمْرٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيهِ ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ) أَيْ : إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ ، بِمَعْنَى : كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ ، وَعَفَوْا مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ابْنَ آدَمَ ، اذْكُرْنِي إِذَا غَضِبْتَ ، أَذْكُرُكَ إِذَا غَضِبْتُ ، فَلَا أُهْلِكُكَ فِيمَنْ أُهْلِكُ " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيْبٍ الضَّرِيرُ أَبُو الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْنُمَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ ، وَمَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى اللَّهِ قَبِلَ عُذْرَهُ " [ وَ ] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ " . وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ ؟ " قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ . قَالَ : " اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ ، مَا لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا قَدَّمْتَ ، وَمَالُ وَارِثِكَ مَا أَخَّرْتَ " . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرَعَةَ ؟ " قُلْنَا : الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ ، قَالَ : قَالَ " لَا ، وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ " . قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ ؟ " قَالَ : قُلْنَا : الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ . قَالَ : " لَا ، وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا " . أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجُعْفِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ : " تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ ؟ " قَالُوا الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ . قَالَ : " الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا " . قَالَ : " تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ ؟ " قَالُوا : الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا " . قَالَ : ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا الصُّرَعَةُ ؟ " قَالُوا : الصَّرِيعُ . قَالَ : فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ - هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ : جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وَأَقْلِلْ عَلَيَّ ، لَعَلِّي أَعِيهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَغْضَبْ " . فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : " لَا تَغْضَبْ " .

وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ [ أَيْضًا ] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ،

عَنْ هِشَامٍ ، بِهِ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ لِي قَوْلًا وَأَقْلِلْ عَلَيَّ لَعَلِّي أَعْقِلُهُ . قَالَ : " لَا تَغْضَبْ " . الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوْصِنِي . قَالَ : " لَا تَغْضَبْ " . قَالَ الرَّجُلُ : فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ ، فَإِذَاالْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ. انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا . فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ ؟ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا : " إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ " . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ : عَنْ أَبِي حَرْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَالصَّحِيحُ : ابْنُ أَبِي حَرْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِيهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ : حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ ، فَإِذَا أُغْضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَانِيِّ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ الْمُرَادِيِّ الصَّنْعَانِيِّ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحِيرٍ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنَةَ السُّلَمِيُّ ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ - ثَلَاثًا - أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ . وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ جَوْفَهُ إِيمَانًا " . انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ مَجْرُوحٌ ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ . حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ - عَنْ بِشْرٍ - يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ مَلَأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا ، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ - قَالَ بِشْرٌ : أَحْسَبُهُ قَالَ : " تَوَاضُعًا " - كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ ، وَمَنْ زَوَّجَ لِلَّهِ كَسَاهُ اللَّهُ تَاجَ الْمُلْكِ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُومٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ " . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ : عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - يُقَالُ لَهُ : عَبْدُ الْجَلِيلِ - عَنْ عَمٍّ لَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ ) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا " . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ " . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، بِهِ . فَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ ) أَيْ : لَا يَعْمَلُونَ غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ثُمَّ قَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ) أَيْ : مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ، فَلَا يَبْقَى فِي أَنْفُسِهِمْ مَوْجِدَةً عَلَى أَحَدٍ ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ . وَفِي الْحَدِيثِ : " ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ : مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " . وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَفَ لَهُ الْبُنْيَانُ ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ ، وَيَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ " . ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، بِنَحْوِ ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ : أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ " . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ) أَيْ : إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا ، فَقَالَ : رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ . فَقَالَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا ، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ : رَبِّ ، إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ . فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي . ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ : رَبِّ ، إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي . فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : عَلِمَ عَبْدَيْ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ : رَبِّ ، إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : عَبْدِي عَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ " .

أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، بِنَحْوِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ ،

حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّةِ - مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا ، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وَشَمَمْنَا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ ، فَقَالَ لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يَغْفِرَ لَهُمْ " . قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا ؟ قَالَ : " لَبِنَةُ ذَهَبٍ ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ ، ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ : الْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَيَقُولُ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي لِأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدٍ ، بِهِ . وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، وَسُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [ غَيْرِي اسْتَحْلَفْتُهُ ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَنِي ] وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ - الْوُضُوءَ - قَالَ مِسْعَرٌ : فَيُصَلِّي . وَقَالَ سُفْيَانُ : ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ - فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ " . كَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغَ - أَوْ : فَيُسْبِغَ - الْوُضُوءَ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ " . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " . فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّالِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِيَنْفَعُ الْعَاصِينَ . وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ : ( ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ) الْآيَةَ ، بَكَى . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ ، عَنْ أَبِي نُضَيْرَةَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " عَلَيْكُمْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالِاسْتِغْفَارِ ، فَأَكْثِرُوا مِنْهُمَا ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ : أَهْلَكْتُ النَّاسَ بِالذُّنُوبِ ، وَأَهْلَكُونِي بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالِاسْتِغْفَارِ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَهْلَكْتُهُمْ بِالْأَهْوَاءِ ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ " . عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ الْعُتْوَارِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَالَ إِبْلِيسُ : يَا رَبِّ ، وَعِزَّتِكَ لَا أَزَالُ أُغْوِي [ عِبَادَكَ ] مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ . فَقَالَ اللَّهُ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَلَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي " . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ " . [ قَالَ : فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ ، ثُمَّ أَعُودُ فَأُذْنِبُ . قَالَ فَإِذَا أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ ] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ : " اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَحْسُورُ " . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ) أَيْ : لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ ، وَالْمُبَارَكُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ : اللَّهْمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَرَفَ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ) أَيْ : تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مُقْلِعِينَ عَنْهَا ، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً " . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ - وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ - بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ : لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [ هُوَ ] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ ، لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [ أَبِي بَكْرٍ ] الصِّدِّيقِ ، فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ : ( ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ) أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 104 ] وَكَقَوْلِهِ ( ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 110 ] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ - هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ

  • : " ارْحَمُوا تُرْحَمُوا ، وَاغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ ، وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ الْقَوْلِ ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ "

. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى - بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ - : ( ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ ) أَيْ : جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَجَنَّاتٌ ( ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ) أَيْ : مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ( ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا ( ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ) يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ .

137-143

( ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾( 137 ) ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ( 138 ) ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ( 139 ) ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ( 140 ) ) ( ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ ( 141 ) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ( 142 ) ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ( 143 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ : ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ ) أَيْ : قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ ) يَعْنِيالْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الْأُمَمُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ( ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ ) يَعْنِي الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ) هُدًى ) لِقُلُوبِكُمْ وَ ) مَوْعِظَةٌ ) أَيْ : زَاجِرٌ [ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ ] . ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ : ( ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ ) أَيْ : لَا تَضْعُفُوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ( ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أَيِ الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ . ( ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ ) أَيْ : إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جِرَاحٌ وَقُتِلَ مِنْكُمْ طَائِفَةٌ ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ( ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ) أَيْ : نُدِيلُ عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي مِثْلِ هَذَا لِنَرَى ، أَيْ : مَنْ يَصْبِرُ عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ( ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ ) يَعْنِي : يُقْتَلُونَ فِي سَبِيلِهِ ، وَيَبْذُلُونَ مُهَجَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ . ( ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) أَيْ : يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفِعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ ، وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ ) أَيْ : فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوْا وَبَطَرُوا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ وَمَحْقِهِمْ وَفَنَائِهِمْ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ) أَيْ : أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلَوْا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : ( ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ]﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 214 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿الم﴾ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 1 - 3 ] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ) أَيْ : لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوْا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ) أَيْ : قَدْ كُنْتُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ ، فَدُونَكُمْ فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "

لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ " . وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ ) يَعْنِي الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ فِي لَمَعَانِ السُّيُوفِ وَحَدِّ الْأَسِنَّةِ وَاشْتِبَاكِ الرِّمَاحِ ، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ . وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بِالتَّخْيِيلِ ، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ كَمَا تَتَخَيَّلُ الشَّاةَ صَدَاقَةَ الْكَبْشِ وَعَدَاوَةَ الذِّئْبِ .

144-148

( ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ( 145 ) ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ ( 146 ) ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ( 147 ) ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ( 148 ) ) لَمَّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَيَوْمَ أُحُدٍ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ، نَادَى الشَّيْطَانُ : أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ . وَرَجَعَ ابْنُ قَمِيئَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ : قَتَلْتُ مُحَمَّدًا . وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتِلَ ، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ ، كَمَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَحَصَلَ وَهَنٌ وَضَعْفٌ وَتَأَخُّرٌ عَنِ الْقِتَالِ فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) أَيْ : لَهُ أُسْوَةٌ بِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي جَوَازِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا فُلَانُ أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ ، فَنَزَلَ : ( ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) رَوَاهُ [ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ ] الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ : ( ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ) أَيْ : رَجَعْتُمُ الْقَهْقَرَى ( ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ) أَيِ الَّذِينَ قَامُوا بِطَاعَتِهِ وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا . وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتْبِ الْإِسْلَامِ مَنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي مُسْنَدِيِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، أَنَّ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَقْبَلُ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسَّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَتَيَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُغَشَّى بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ثُمَّ أَكُبَّ عَلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى ، ثُمَّ قَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي . وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُحَدِّثُ النَّاسَ فَقَالَ : اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا بَعْدُ ، مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ) قَالَ : فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ كُلُّهُمْ ، فَمَا سَمِعَهَا بَشَرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا تَلَاهَا . وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعَقَرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ الْقَنَّادُ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ : ( ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ) وَاللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ ، وَاللَّهُ لَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخُوهُ ، وَوَلِيُّهُ ، وَابْنُ عَمِّهِ ، وَوَارِثُهُ فَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي ؟ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ) أَيْ : لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُدَّةَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ) كَقَوْلِهِ ( ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ) [ فَاطِرِ : 11 ] وَكَقَوْلِهِ ( ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 2 ] . وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَشْجِيعٌ لِلْجُبَنَاءِ وَتَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ وَالْإِحْجَامَ لَا يَنْقُصُ مِنَ الْعُمُرِ وَلَا يَزِيدُ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صُهْبَانَ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ - : مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَعْبُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الْعَدُوِّ ، هَذِهِ النُّطْفَةُ ؟ - يَعْنِي دِجْلَةَ - ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ) ثُمَّ أَقْحَمَ فَرَسَهُ دِجْلَةَ فَلَمَّا أَقْحَمَ أَقْحَمَ النَّاسُ فَلَمَّا رَآهُمُ الْعَدُوُّ قَالُوا : دبوان ، فَهَرَبُوا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ) أَيْ : مَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيَا فَقَدْ نَالَ مِنْهَا مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ [ مِنْ ] نَصِيبٍ ، وَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَعَ مَا قَسَّمَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ : ( ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ ) [ الشُّورَى : 20 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 18 ، 19 ] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ) أَيْ : سَنُعْطِيهِمْ مِنْ فَضْلِنَا وَرَحْمَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَسْبِ شُكْرِهِمْ وَعَمَلِهِمْ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى - مُسَلِّيًا لِلْمُسْلِمِينَ عَمَّا كَانَ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ - : ( ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ : كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ وَقُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا : ( ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ) فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّمَا عَنَى بِالْقَتْلِ النَّبِيَّ وَبَعْضَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ ، وَإِنَّمَا نَفَى الْوَهَنَ وَالضَّعْفَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنَ الرِّبِّيِّينَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ . قَالَ : وَمَنْ قَرَأَ ( ﴿قَاتَلَ﴾ ) فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ : لَوْ قُتِلُوا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : ( ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ ) وَجْهٌ مَعْرُوفٌ ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوصَفُوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا بَعْدَ مَا قُتِلُوا . ثُمَّ اخْتَارَ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ( ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ) ، لِأَنَّ اللَّهَ [ تَعَالَى ] عَاتَبَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالَّتِي قَبْلَهَا مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ أَوْ سَمِعُوا الصَّائِحَ يَصِيحُ : " إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ " . فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ وَتَرْكِهِمُ الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُمْ : ( ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ) أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ؟ . وَقِيلَ : وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ . وَكَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ يَقْتَضِي قَوْلًا آخَرَ ، [ فَإِنَّهُ ] قَالَ : أَيْ وَكَأَيْنٍ مِنْ نَبِيٍّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ ، أَيْ : جَمَاعَاتٌ فَمَا وَهَنُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ ، وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ دِينِهِمْ ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ ، ( ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ ) . فَجَعَلَ قَوْلَهُ : ( ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ) حَالًا وَقَدْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ السُّهَيْلِيُّ وَبَالَغَ فِيهِ ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لِقَوْلِهِ : ( ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ ) الْآيَةَ ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ ، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يَقُلْ غَيْرُهُ . وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ) قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ) أَيْ : أُلُوفٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ : الرِّبِّيُّونَ : الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ : ( ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ) أَيْ : عُلَمَاءُ كَثِيرٌ ، وَعَنْهُ أَيْضًا : عُلَمَاءُ صُبُرٌ أَبْرَارُ أَتْقِيَاءُ . وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ بَعْضِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ : أَنَّ الرِّبِّيِّينَ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ : وَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ رَبِّيُّونَ ، بِفَتْحِ الرَّاءِ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " الرِّبِّيُّونَ : الْأَتْبَاعُ ، وَالرَّعِيَّةُ ، وَالرَّبَّابِيُّونَ : الْوُلَاةُ . ( ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ ) قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ ) بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ( ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ ) يَقُولُ : فَمَا ارْتَدُّوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ وَلَا عَنْ دِينِهِمْ ، أَنْ قَاتَلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتَّى لَحِقُوا بِاللَّهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ ) تَخَشَّعُوا . وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ : وَمَا ذَلُّوا لِعَدُوِّهِمْ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ : أَيْ مَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ حِينَ قُتِلَ نَبِيُّهُمْ . ( ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ) أَيْ : لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِجِّيرَى إِلَّا ذَلِكَ . ( ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ ) أَيِ : النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَالْعَاقِبَةَ ( ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ ) أَيْ : جَمَعَ لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ هَذَا ، ( ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) .

149-153

( ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ( 149 ) ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ ( 150 ) ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ( 151 ) ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ( 152 ) ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ( 153 ) ) يُحَذِّرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْطَاعَةِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَفَإِنَّ طَاعَتَهُمْ تُورِثُ الرَّدَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ) . ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَمُوَالَاتِهِ ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : ( ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ ) . ثُمَّ بَشَّرَهُمْ بِأَنَّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمُ الْخَوْفَ مِنْهُمْ وَالذِّلَّةَ لَهُمْ ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ ، مَعَ مَا ادَّخَرَهُ لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ ، فَقَالَ : ( ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ) . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ - يَعْنِي التَّيْمِيَّ - عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فَضَّلَنِي [ رَبِّي ] عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - أَوْ قَالَ : عَلَى الْأُمَمِ - بِأَرْبَعٍ " قَالَ " أُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي وَأُحِلَّ لِيَ الْغَنَائِمُ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ سَيَّارٍ الْقُرَشِيِّ الْأُمَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الدِّمَشْقِيِّ - سَكَنَ الْبَصْرَةَ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِهِ . وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٌ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ : أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ " . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُعْطِيتُ خَمْسًا : بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِمَنْ كَانَ قَبْلِي ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا ،وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَ شَفَاعَتَهُ ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي ، ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ ) قَالَ : قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِ أَبِي سُفْيَانَ الرُّعْبَ ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ أَصَابَ مِنْكُمْ طَرَفًا ، وَقَدْ رَجَعَ ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ الرُّعْبَ " . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ . وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ . بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ) أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ لِأَنَّ عَدُوَّهُمْ كَانَ ثَلَاثَةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ ، فَلَمَّا وَاجَهُوهُمْ كَانَ الظَّفَرُ وَالنَّصْرُ أَوَّلَ النَّهَارِ لِلْإِسْلَامِ ، فَلَمَّا حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنْ عِصْيَانِ الرُّمَاةِ وَفَشَلِ بَعْضِ الْمُقَاتِلَةِ ، تَأَخَّرَ الْوَعْدُ الَّذِي كَانَ مَشْرُوطًا بِالثَّبَاتِ وَالطَّاعَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ) أَيْ : أَوَّلَ النَّهَارِ ( ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ ) أَيْ : تَقْتُلُونَهُمْ ( ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ) أَيْ : بِتَسْلِيطِهِ إِيَّاكُمْ عَلَيْهِمْ ( ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ ) وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْفَشَلُ الْجُبْنُ ، ( ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ ) كَمَا وَقَعَ لِلرُّمَاةِ ( ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ ) وَهُوَ الظَّفَرُ مِنْهُمْ ( ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ ) وَهْمُ الَّذِينَ رَغِبُوا فِي الْمَغْنَمِ حِينَ رَأَوُا الْهَزِيمَةَ ( ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ) ثُمَّ أَدَالَهُمْ عَلَيْكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ وَيَمْتَحِنَكُمْ ( ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ) أَيْ : غَفَرَ لَكُمْ ذَلِكَ الصَّنِيعَ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِكَثْرَةِ عَدَدِ الْعَدُوِّ وَعُدَدِهِمْ ، وَقِلَّةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَعُدَدِهِمْ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ) قَالَ : لَمْ يَسْتَأْصِلْكُمْ . وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ ( ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ) . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا نَصَرَ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ كَمَا نَصَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ . قَالَ : فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ : ( ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ ) يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَالْحَسُّ : الْقَتْلُ ( ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ) الْآيَةَ وَإِنَّمَا عَنَى بِهَذَا الرُّمَاةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَهُمْ فِي مَوْضِعٍ ، ثُمَّ قَالَ : " احْمُوا ظُهُورَنَا ، فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلَا تَنْصُرُونَا وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تُشْرِكُونَا . فَلَمَّا غَنِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَاحُوا عَسْكَرَ الْمُشْرِكِينَ أَكَبَّتِ الرُّمَاةُ جَمِيعًا [ وَدَخَلُوا ] فِي الْعَسْكَرِ يَنْهَبُونَ ، وَلَقَدِ الْتَقَتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهُمْ هَكَذَا - وَشَبَّكَ بَيْنَ يَدَيْهِ - وَانْتَشَبُوا ، فَلَمَّا أَخَلَّ الرُّمَاةُ تِلْكَ الْخَلَّةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا ، دَخَلَتِ الْخَيْلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَضَرَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْتَبُسُوا ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَاسٌ كَثِيرٌ ، وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ ، حَتَّى قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أَوْ تِسْعَةٌ ، وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الْجَبَلِ وَلَمْ يَبْلُغُوا - حَيْثُ يَقُولُ النَّاسُ - الْغَارَ ، إِنَّمَا كَانَ تَحْتَ الْمِهْرَاسِ ، وَصَاحَ الشَّيْطَانُ : قُتِلَ مُحَمَّدٌ ، فَلَمْ يُشَكَّ فِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ ، فَمَا زِلْنَا كَذَلِكَ مَا نَشُكُّ أَنَّهُ حَقٌّ ، حَتَّى طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ السَّعْدَيْنِ ، نَعْرِفُهُ بِتَلَفُّتِهِ إِذَا مَشَى - قَالَ : فَفَرِحْنَا حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْنَا مَا أَصَابَنَا - قَالَ : فَرَقِيَ نَحْوَنَا وَهُوَ يَقُولُ : " اشْتَدَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ " . وَيَقُولُ مَرَّةً أُخْرَى : " اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا " . حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا ، فَمَكَثَ سَاعَةً ، فَإِذَا أَبُو سُفْيَانَ يَصِيحُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ : اعْلُ هُبَلُ ، مَرَّتَيْنِ - يَعْنِي آلِهَتَهُ - أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أُجِيبَهُ ؟ قَالَ : " بَلَى " قَالَ : فَلَمَّا قَالَ : اعْلُ هُبَلُ . قَالَ عُمَرُ : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : قَدْ أَنْعَمَتْ عَيْنُهَا فَعَادِ عَنْهَا أَوْ : فَعَالِ ! فَقَالَ : أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ ، وَهَا أَنَا ذَا عُمَرُ . قَالَ : فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ ، الْأَيَّامُ دُوَلٌ ، وَإِنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ . قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : لَا سَوَاءً ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ . قَالَ إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ ذَلِكَ ، لَقَدْ خِبْنَا إِذًا وَخَسِرْنَا ، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثْلَةً وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ سُرَاتِنَا . قَالَ : ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نَكْرَهْهُ .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ ، وَهُوَ مِنْ مُرْسَلَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ أُحُدًا وَلَا أَبُوهُ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ الْفَقِيهِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، بِهِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ ، بِهِ وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدٌ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ

ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : إِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَوْمَ أُحُدٍ ، خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ ، يُجْهِزْنَ عَلَى جَرْحَى الْمُشْرِكِينَ ، فَلَوْ حَلَفْتُ يَوْمَئِذٍ رَجَوْتُ أَنْ أَبَرَّ : أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يُرِيدُ الدُّنْيَا ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ) فَلَمَّا خَالَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَصَوْا مَا أُمِرُوا بِهِ ، أُفْرِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِسْعَةٍ : سَبْعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهُوَ عَاشِرُهُمْ ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ [ قَالَ : " رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا رَدَّهُمْ عَنَّا " . قَالَ : فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ سَاعَةً حَتَّى قُتِلَ ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ ] أَيْضًا قَالَ : " رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا رَدَّهُمْ عَنَّا " . فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَا حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِهِ : " مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا " . فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : اعْلُ هُبَلُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُولُوا : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ " . فَقَالُوا : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا : " اللَّهُ مَوْلَانَا ، وَالْكَافِرُونَ لَا مَوْلَى لَهُمْ " . ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ ، يَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ . حَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةَ ، وَفُلَانٌ بِفُلَانٍ ، وَفُلَانٌ بِفُلَانٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا سَوَاءً . أَمَّا قَتْلَانَا فَأْحَيْاءٌ يُرْزَقُونَ ، وَقْتَلَاكُمْ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ " . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : قَدْ كَانَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ لَعَنْ غَيْرِ مَلَأٍ مِنَّا ، مَا أَمَرْتُ وَلَا نَهَيْتُ ، وَلَا أَحْبَبْتُ وَلَا كَرِهْتُ ، وَلَا سَاءَنِي وَلَا سَرَّنِي . قَالَ : فَنَظَرُوا فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ ، وَأَخَذَتْ هِنْدُ كَبِدَهُ فَلَاكَتْهَا فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَأْكُلَهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَكَلَتْ شَيْئًا ؟ " قَالُوا : لَا . قَالَ : " مَا كَانَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ فِي النَّارِ " . قَالَ : فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمْزَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ ، وَجِيءَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَوُضِعَ إِلَى جَنْبِهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ ، فَرُفِعَ الْأَنْصَارِيُّ وَتُرِكَ حَمْزَةُ ، ثُمَّ جِيءَ بِآخَرٍ فَوَضَعَهُ إِلَى جَنْبِ حَمْزَةَ فَصَلَّى [ عَلَيْهِ ] ثُمَّ رُفِعَ وَتُرِكَ حَمْزَةُ ، حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ صَلَاةً .

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ أَيْضًا . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ :

عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ ، وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ جُبَيْرٍ - وَقَالَ : " لَا تَبْرَحُوا إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا ، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا " . فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ هَرَبُوا ، حَتَّى رَأَيْنَا النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ ، وَقَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ ، فَأَخَذُوا يَقُولُونَ : الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا تَبْرَحُوا . فَأَبَوْا ، فَلَمَّا أَبَوْا صَرَفَ وُجُوهَهُمْ ، فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا فَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ؟ فَقَالَ : " لَا تُجِيبُوهُ " . فَقَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ فَقَالَ : " لَا تُجِيبُوهُ " . فَقَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ؟ فَقَالَ : إِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ قُتِلُوا ، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا . فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ : كَذَبْتَ يَا عَدَوَّ اللَّهِ ، قَدْ أَبْقَى اللَّهُ لَكَ مَا يُحْزِنُكَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : اعْلُ هُبَلُ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَجِيبُوهُ " . قَالُوا : مَا نَقُولُ ؟ قَالَ : " قُولُوا : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ " . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَجِيبُوهُ " . قَالُوا : مَا نَقُولُ ؟ قَالَ : " قُولُوا : اللَّهُ مَوْلَانَا ، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ " . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ ، وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي .

تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، بِنَحْوِهِ وَسَيَأْتِي بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ : أَيْ عِبَادُ اللَّهِ ، أُخْرَاكُمْ . فَرَجَعَتْ أَوْلَادُهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ ، فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ ، فَقَالَ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ ، أَبِي أَبِي . قَالَ : قَالَتْ : فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ . قَالَ عُرْوَةُ : فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَدَمِ [ هِنْدَ ] وَصَوَاحِبَاتِهَا مُشَمِّرَاتٍ هَوَارِبَ مَا دُونُ أَخْذِهِنَّ كَثِيرٌ وَلَا قَلِيلٌ وَمَالَتِ الرُّمَاةُ إِلَى الْعَسْكَرِ حِينَ كَشَفْنَا الْقَوْمَ عَنْهُ ، يُرِيدُونَ النَّهْبَ وَخَلَّوْا ظُهُورَنَا لِلْخَيْلِ فَأَتَتْنَا مِنْ أَدْبَارِنَا ، وَصَرَخَ صَارِخٌ : أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ . فَانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أَصَبْنَا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ ، حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : فَلَمْ يَزَلْ لِوَاءُ الْمُشْرِكِينَ صَرِيعًا ، حَتَّى أَخَذَتْهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةُ ، فَدَفَعَتْهُ لِقُرَيْشٍ فَلَاثُوا بِهِ ، وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى نَزَلَتْ فِينَا مَا نَزَلَ يَوْمَ أُحُدٍ ( ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ) وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَبِي طَلْحَةَ ، رَوَاهُنَّ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ ، أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ قَالَ : انْتَهَى أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، قَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ : مَا يُخَلِّيكُمْ ؟ فَقَالُوا : قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ . ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ عَمَّهُ - يَعْنِيأَنَسَ بْنَ النَّضْرِ- غَابَ عَنْ بَدْرٍ فَقَالَ : غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَيَنِّ اللَّهُ مَا أُجِدُّ فَلَقِيَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَهُزِمَ النَّاسُ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ : أَيْنَ يَا سَعْدُ ؟ إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ . فَمَضَى فَقُتِلَ ، فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ بِشَامَةٍ وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ، بِنَحْوِهِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ [ أَيْضًا ] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا ، فَقَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ ؟ قَالُوا : هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ . قَالَ : مَنِ الشَّيْخُ ؟ قَالُوا : ابْنُ عُمَرَ . فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي . قَالَ : أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَكَبَّرَ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلِأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ . أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "

إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ " . وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ ، فَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى : " هِذِهِ يَدُ عُثْمَانَ " . فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ ، فَقَالَ : " هِذِهِ يَدُ عُثْمَانَ اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ " . ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ ) أَيْ : صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ( ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ ) أَيْ : فِي الْجَبَلِ هَارِبِينَ مِنْ أَعْدَائِكُمْ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ : ( ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ ) أَيْ : فِي الْجَبَلِ ( ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ ) أَيْ : وَأَنْتُمْ لَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الدَّهَشِ وَالْخَوْفِ وَالرُّعْبِ ( ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ) أَيْ : وَهُوَ قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى تَرْكِ الْفِرَارِ مِنَ الْأَعْدَاءِ ، وَإِلَى الرَّجْعَةِ وَالْعَوْدَةِ وَالْكَرَّةِ . قَالَ السُّدِّيُّ : لَمَّا شَدَّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ فَهَزَمُوهُمْ ، دَخَلَ بَعْضُهُمُ الْمَدِينَةَ ، وَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ الْجَبَلِ إِلَى الصَّخْرَةِ فَقَامُوا عَلَيْهَا ، وَجَعَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو النَّاسَ : " إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ " . فَذَكَرَ اللَّهُ صُعُودَهُمْ عَلَى الْجَبَلِ ، ثُمَّ ذَكَرَ دُعَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ فَقَالَ : ( ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ) . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى يَذْكُرُ هَزِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي قَصِيدَتِهِ - وَهُوَ مُشْرِكٌ بَعْدُ لَمْ يُسْلِمْ - الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا :

يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسْمَعْتَ فَقُلْ ※ إِنَّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ ※ إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ※ وَكِلَا ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ ※

إِلَى أَنْ قَالَ :

لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا ※ جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْ ※ حِينَ حَكَّتْ بِقُبَاءٍ بَرْكَهَا ※ وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عَبْدِ الْأَشَلْ ※ ثُمَّ خَفُّوا عِنْدَ ذَاكُمْ رُقَّصَا ※ رَقَصَ الْحَفَّانِ يَعْلُو فِي الْجَبَلْ ※ فَقَتَلْنَا الضِّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ ※ وَعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلْ ※

الْحَفَّانُ : صِغَارُ النَّعَمِ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُفْرِدَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ :

جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ - وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ : وَوَضَعَهُمْ مَوْضِعًا وَقَالَ : " إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَى الْعَدُوِّ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ قَالَ : فَهَزَمُوهُمْ . قَالَ : فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ عَلَى الْجَبَلِ ، وَقَدْ بَدَتْ أَسْؤُقُهُنَّ وَخَلَاخِلُهُنَّ رَافِعَاتٌ ثِيَابَهُنَّ ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ : الْغَنِيمَةَ ، أَيْ قَوْمُ ، الْغَنِيمَةَ ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ : أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالُوا : إِنَّا وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ . فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً : سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ؟ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ؟ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ؟ - ثَلَاثًا - قَالَ : فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا ، قَدْ كُفِيتُمُوهُ . فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ أَنْ قَالَ : كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لِأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ . فَقَالَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ ، يَقُولُ : اعْلُ هُبَلْ . اعْلُ هُبَلْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا تُجِيبُوهُ ؟ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا نَقُولُ ؟ قَالَ : " قُولُوا : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ " . قَالَ : لَنَا الْعُزَّى وَلَا عَزَّى لَكُمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا تُجِيبُوهُ ؟ " . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا نَقُولُ ؟ قَالَ : " قُولُوا : اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ " . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مُخْتَصَرًا ، وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَبَقِيَ مَعَهُ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَصْعَدُ الْجَبَلَ ، فَلَقِيَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالَ : " أَلَا أَحَدٌ لِهَؤُلَاءِ ؟ " فَقَالَ طَلْحَةُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : " كَمَا أَنْتَ يَا طَلْحَةُ " . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : فَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَاتَلَ عَنْهُ ، وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ ، ثُمَّ قُتِلَ الْأَنْصَارِيُّ فَلَحِقُوهُ فَقَالَ : " أَلَا رَجُلٌ لِهَؤُلَاءِ ؟ " فَقَالَ طَلْحَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ قَوْلِهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : فَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَاتَلَ عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ يَصْعَدْنَ ، ثُمَّ قُتِلَ فَلَحِقُوهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ ، فَيَقُولُ طَلْحَةُ : فَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَيَحْبِسُهُ ، فَيَسْتَأْذِنُهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِلْقِتَالِ فَيَأْذَنُ لَهُ ، فَيُقَاتِلُ مِثْلَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا طَلْحَةُ فَغَشَوْهُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ لِهَؤُلَاءِ ؟ " فَقَالَ طَلْحَةُ : أَنَا . فَقَاتَلَ مِثْلَ قِتَالِ جَمِيعِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَأُصِيبَتْ أَنَامِلُهُ ، فَقَالَ : حَسِّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " لَوْ قُلْتَ : بِاسْمِ اللَّهِ ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ ، لَرَفَعَتْكَ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ، حَتَّى تَلِجَ بِكَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ " ، ثُمَّ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ ، الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعْدٍ ، عَنْ حَدِيثِهِمَا وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ : " مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ - أَوْ : وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ ؟ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا ، فَقَالَ : " مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ ؟ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبَيْهِ : مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ نَحْوَهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَاصٍّ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] يَقُولُ : نَثُلَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ : " ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنْ بَعْضِ آلِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ ، أَنَّهُ رَمَى يَوْمَ أُحُدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ سَعْدٌ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاوِلُنِي النَّبْلَ وَيَقُولُ : " ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ لَيْسَ لَهُ نَصْلٌ ، فَأَرْمِي بِهِ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ قَالَ : رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ ، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ أَشَدَّ الْقِتَالِ ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا بَعْدَهُ ، يَعْنِي : جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كَانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ، أَخُو بَنِي جُمَحٍ ، قَدْ حَلَفَ وَهُوَ بِمَكَّةَ لَيَقْتُلَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا بَلَغَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلْفَتُهُ قَالَ : " بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ " . فَلَمَّا كَانَيَوْمُ أُحُدٍأَقْبَلَ أُبَيٌّ فِي الْحَدِيدِ مُقَنَّعًا ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا مُحَمَّدٌ . فَحَمَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ قَتْلَهُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ ، فَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَأَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْقُوَةَ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ مِنْ فَرْجَةٍ بَيْنَ سَابِغَةِ الدِّرْعِ وَالْبَيْضَةِ ، وَطَعَنَهُ فِيهَا بِحَرْبَتِهِ ، فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ عَنْ فَرَسِهِ ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ طَعْنَتِهِ دَمٌ ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَاحْتَمَلُوهُ وَهُوَ يَخُورُ خُوَارَ الثَّوْرِ ، فَقَالُوا لَهُ : مَا أَجْزَعَكَ إِنَّمَا هُوَ خَدْشٌ ؟ فَذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا أَقْتُلُ أُبَيًّا " . ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي بِي بِأَهْلِ ذِي الْمَجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعُونَ . فَمَاتَ إِلَى النَّارِ ، فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ . وَقَدْ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بِنَحْوِهِ . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : لَمَّا أُسْنِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ ، أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَهُوَ يَقُولُ : لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَوْتَ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يَعْطِفُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَّا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَعُوُهُ " فَلَمَّا دَنَا تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] الْحَرْبَةَ مَنَ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ مَا ذَكَرَ لِي : فَلَمَّا أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً ، تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُرَ الشَّعْرِ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : مَاتَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ بِبَطْنِ رَابِغٍ ، فَإِنِّي لَأَسِيرُ بِبَطْنِ رَابِغٍ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ إِذَا أَنَا بِنَارٍ تَأَجَّحُ فَهِبْتُهَا ، فَإِذَا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا فِي سِلْسِلَةٍ يَجْتَذِبُهَا يَهِيجُ بِهِ الْعَطَشُ ، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ : لَا تَسْقِهِ ، فَإِنَّ هَذَا قَتِيلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هَذَا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللَّهِ - وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ - اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : أُصِيبَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشُجَّ فِي وَجْنَتِهِ ، وَكُلِمَتْ شَفَتُهُ وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ .

فَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ قَالَ : مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ قَطُّ مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُهُ لَسَيِّئَ الْخُلُقِ ، مُبْغَضًا فِي قَوْمِهِ ، وَلَقَدْ كَفَانِي فِيهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ وَدَمَى وَجْهَهُ فَقَالَ : " اللَّهُمَّ لَا تَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلَ حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا " . فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا إِلَى النَّارِ . ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ : شَهِدْتُ أُحُدًا فَنَظَرْتُ إِلَى النَّبْلِ يَأْتِي مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطَهَا ، كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَفُ عَنْهُ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ : دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَنْبِهِ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ جَاوَرَهُ فَعَاتَبَهُ فِي ذَلِكَ صَفْوَانُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ ، أَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّهُ مِنَّا مَمْنُوعٌ . خَرَجْنَا أَرْبَعَةً فَتَعَاهَدْنَا وَتَعَاقَدْنَا عَلَى قَتْلِهِ ، فَلَمْ نَخْلُصْ إِلَى ذَلِكَ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : الثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي رَمَى فِي وَجْنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ قَمِيئَةَ وَالَّذِي دَمَى شَفَتَهُ وَأَصَابَ رَبَاعِيَتَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ :كَانَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِذَا ذَكَرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ ذَاكَ يَوْمٌ كُلُّهُ لِطَلْحَةَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ قَالَ : كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا يُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَهُ - وَأُرَاهُ قَالَ : حَمِيَّةً فَقَالَ فَقُلْتُ : كُنْ طَلْحَةَ ، حَيْثُ فَاتَنِي مَا فَاتَنِي ، فَقُلْتُ : يَكُونُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ ، وَهُوَ يَخْطِفُ الْمَشْيَ خَطْفًا لَا أَحْفَظُهُ فَإِذَا هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقَدْ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ ، وَقَدْ دَخَلَ فِي وَجْنَتِهِ حَلْقَتَانِ مِنْ حَلَقِ الْمِغْفَرِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَيْكُمَا صَاحِبَكُمَا " . يُرِيدُ طَلْحَةَ ، وَقَدْ نَزَفَ ، فَلَمْ نَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ ، قَالَ : وَذَهَبْتُ لِأَنْ أَنْزِعَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِهِ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي . فَتَرَكْتُهُ ، فَكَرِهَ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ فَيُؤْذِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَزَمَّ عَلَيْهَا بِفِيهِ فَاسْتَخْرَجَ إِحْدَى الْحَلْقَتَيْنِ ، وَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ مَعَ الْحَلْقَةِ ، ذَهَبْتُ لِأَصْنَعَ مَا صَنَعَ ، فَقَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي ، قَالَ : فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ الْأُخْرَى مَعَ الْحَلْقَةِ ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَحْسَنَ النَّاسِ هَتْمًا ، فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ أَتَيْنَا طَلْحَةَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْجِفَارِ ، فَإِذَا بِهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ وَضَرْبَةٍ ، وَإِذَا قَدْ قُطِعَتْ إِصْبَعُهُ ، فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِهِ . وَرَوَاهُ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بِهِ . وَعِنْدَ الْهَيْثَمِ : فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَنْشُدُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَّا تَرَكْتَنِي ؟ فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ السَّهْمَ بِفِيهِ ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ اسْتَلَّ السَّهْمَ بِفِيهِ فَبَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ . وَذَكَرَ تَمَامَهُ ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ ، وَقَدْ ضَعَّفَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى هَذَا ، فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَأَحْمَدُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ بَلَّغَهُ أَنَّ مَالِكًا أَبَا [ أَبِي ] سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَمَّا جُرِحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ مَصَّ الْجُرْحَ حَتَّى أَنْقَاهُ وَلَاحَ أَبْيَضَ ، فَقِيلَ لَهُ : مُجَّهُ . فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا أَمُجُّهُ أَبَدًا . ثُمَّ أَدْبَرَ يُقَاتِلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا " فَاسْتُشْهِدَ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغْسِلُ الدَّمَ ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ] أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً ، أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ ، حَتَّى إِذَا صَارَ رَمَادًا أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ) أَيْ : فَجَازَاكُمْ غَمًّا عَلَى غَمٍّ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : نَزَلْتُ بِبَنِي فُلَانٍ ، وَنَزَلْتُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَكَذَا قَوْلُهُ : ( ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ) [ طه : 71 ] [ أَيْ : عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ ] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْغَمُّ الْأَوَّلُ : بِسَبَبِ الْهَزِيمَةِ ، وَحِينَ قِيلَ : قُتِلَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالثَّانِي : حِينَ عَلَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَوْقَ الْجَبَلِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا " . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : الْغَمُّ الْأَوَّلُ : بِسَبَبِ الْهَزِيمَةِ ، وَالثَّانِي : حِينَ قِيلَ : قُتِلَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَعْظَمَ مِنَ الْهَزِيمَةِ . رَوَاهُمَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُ ذَلِكَ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا . وَقَالَ السُّدِّيُّ : الْغَمُّ الْأَوَّلُ : بِسَبَبِ مَا فَاتَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَتْحِ ، وَالثَّانِي : بِإِشْرَافِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ( ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ) أَيْ : كَرْبًا بَعْدَ كَرْبٍ ، قَتْلُ مَنْ قُتِلَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ ، وَعُلُوُّ عَدُوِّكُمْ عَلَيْكُمْ ، وَمَا وَقَعَ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : " قُتِلَ نَبِيُّكُمْ " فَكَانَ ذَلِكَ مُتَتَابِعًا عَلَيْكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ : الْغَمُّ الْأَوَّلُ : سَمَاعُهُمْ قَتْلَ مُحَمَّدٍ ، وَالثَّانِي : مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ . وَعَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَكْسُهُ . وَعَنِ السُّدِّيِّ : الْأَوَّلُ : مَا فَاتَهُمْ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ ، وَالثَّانِي : إِشْرَافُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عَنِ السُّدِّيِّ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : ( ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ) فَأَثَابَكُمْ بِغَمِّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِحِرْمَانِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ غَنِيمَةَ الْمُشْرِكِينَ وَالظَّفَرَ بِهِمْ وَالنَّصْرَ عَلَيْهِمْ ، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ يَوْمَئِذٍ - بَعْدَ الَّذِي أَرَاكُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا تُحِبُّونَ - بِمَعْصِيَتِكُمْ رَبَّكُمْ ، وَخِلَافِكُمْ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَمَّ ظَنِّكُمْ أَنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قُتِلَ ، وَمَيْلِ الْعَدُوِّ عَلَيْكُمْ بَعْدَ فُلُولِكُمْ مِنْهُمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ ) أَيْ : عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِعَدُوِّكُمْ ( ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ ) مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ( ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ) .

154-155

( ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْوَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ( 154 ) ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ( 155 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْأَمَنَةِ ، وَهُوَ النُّعَاسُ الَّذِي غَشِيَهُمْ وَهُمْ مُسْتَلْئِمُو السِّلَاحِ فِي حَالِ هَمِّهِمْ وَغَمِّهِمْ ، وَالنُّعَاسُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَمَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، فِي قِصَّةِ بَدْرٍ : ( ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ]﴾ ) [ الْأَنْفَالِ : 11 ] . وَقَالَ [ الْإِمَامُ ] أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَوَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ مِنَ اللَّهِ ، وَفِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ لِي خَلِيفَةُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشَّاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ ، حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا ، يَسْقُطُ وَآخُذُهُ ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ . هَكَذَا رَوَاهُ فِي الْمُغَازِي مُعَلَّقًا . وَرَوَاهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مُسْنَدًا عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ : غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ . قَالَ : فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ : رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ ، وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ وَمَا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ . لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي قُتَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ ، كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ : كُنْتُ فِيمَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ - الْحَدِيثَ . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْمَخْزُومِيُّ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ : غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَايَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ ، قَالَ : وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى الْمُنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ، أَجْبَنُ قَوْمٍ وَأَرْعَنُهُ ، وَأَخْذَلُهُ لِلْحَقِّ ( ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ) كَذَبَةٌ ، أَهْلُ شَكٍّ وَرَيْبٍ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . هَكَذَا رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَكَأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : ( ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ ) يَعْنِي : أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّوَكُّلِ الصَّادِقِ ، وَهُمُ الْجَازِمُونَ بِأَنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُ رَسُولَهُ وَيُنْجِزُ لَهُ مَأْمُولَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ) يَعْنِي : لَا يَغْشَاهُمُ النُّعَاسُ مِنَ الْقَلَقِ وَالْجَزَعِ وَالْخَوْفِ ( ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ) كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا [ وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ]﴾ ) [ الْفَتْحِ : 12 ] وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ ، اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا ظَهَرُوا تِلْكَ السَّاعَةِ أَنَّهَا الْفَيْصَلَةُ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ بَادَ وَأَهْلُهُ ، هَذَا شَأْنُ أَهْلِ الرَّيْبِ وَالشَّكِّ إِذَا حَصَلَ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ الْفَظِيعَةِ ، تَحْصُلُ لَهُمْ هَذِهِ الظُّنُونُ الشَّنِيعَةُ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ ( ﴿يَقُولُونَ﴾ ) فِي تِلْكَ الْحَالِ : ( ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ) ثُمَّ فَسَّرَ مَا أَخْفَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ : ( ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ) أَيْ : يُسِرُّونَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ [ مُحَمَّدُ ] بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ : فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ :

قَالَ الزُّبَيْرُ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اشْتَدَّ الْخَوْفُ عَلَيْنَا ، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا النَّوْمَ ، فَمَا مِنَّا مِنْ رَجُلٍ إِلَّا ذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ ، قَالَ : فَوَاللَّهِ إِنِّي لِأَسْمَعُ قَوْلَ مُعْتَبِ بْنِ قُشَيْرٍ ، مَا أَسْمَعُهُ إِلَّا كَالْحُلْمِ ، [ يَقُولُ ] ( ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ) فَحَفِظْتُهَا مِنْهُ ، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] ( ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ) لِقَوْلِ مُعْتَبٍ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ) أَيْ : هَذَا قَدَرٌ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَحُكْمٌ حَتْمٌ لَا يُحَادُ عَنْهُ ، وَلَا مَنَاصَ مِنْهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ) أَيْ يَخْتَبِرَكُمْ بِمَا جَرَى عَلَيْكُمْ ، وَلِيَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَيُظْهِرَ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ لِلنَّاسِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ، ( ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ) أَيْ : بِمَا يَخْتَلِجُ فِي الصُّدُورِ مِنَ السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ . ثُمَّ قَالَ ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ ) أَيْ : بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : إِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا ، وَإِنَّ مِنْ جَزَاءِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ) أَيْ : عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مَنَ الْفِرَارِ ( ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ) أَيْ : يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَحْلُمُ عَنْ خَلْقِهِ ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيشَأْنِ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَتَوَلِّيهِ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَأَنَّ اللَّهَ [ قَدْ ] عَفَا عَنْهُمْ ، عِنْدَ قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ) وَمُنَاسِبٌ ذِكْرُهُ هَاهُنَا . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ شَقِيقٍ ، قَالَ : لَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ : مَا لِي أَرَاكَ جَفَوْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَبْلِغْهُ أَنِّي لَمْ أَفِرَّ يَوْمَ عَيْنَيْنِ - قَالَ عَاصِمٌ : يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ - وَلَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ بَدْرٍ ، وَلَمْ أَتْرُكْ سُنَّةَ عُمَرَ . قَالَ : فَانْطَلَقَ فَخَبَّرَ ذَلِكَ عُثْمَانَ ، قَالَ : فَقَالَ : أَمَّا قَوْلُهُ : إِنِّي لَمْ أَفِرَّ يَوْمَ عَيْنَيْنِ فَكَيْفَ يُعَيِّرُنِي بِذَنْبٍ قَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ) وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنِّي تَخَلَّفْتُ يَوْمَ بَدْرٍ فَإِنِّي كُنْتُ أُمَرِّضُ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَتْ ، وَقَدْ ضَرَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمٍ ، وَمَنْ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمٍ فَقَدْ شَهِدَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِنِّي لَمْ أَتْرُكْ سُنَّةً عُمَرَ " فَإِنِّي لَا أُطِيقُهَا وَلَا هُوَ ، فَأْتِهِ فَحَدِّثْهُ بِذَلِكَ .

156-158

( ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوالِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ( 156 ) ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ( 157 ) ) ( ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ( 158 ) ) يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُشَابَهَةِ الْكُفَّارِ فِي اعْتِقَادِهِمُ الْفَاسِدِ ، الدَّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ عَنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْأَسْفَارِ وَفِي الْحُرُوبِ : لَوْ كَانُوا تَرَكُوا ذَلِكَ لَمَا أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ . فَقَالَ : ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ ) أَيْ : عَنْ إِخْوَانِهِمْ ( ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ) أَيْ : سَافَرُوا لِلتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا ( ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ ) أَيْ : فِي الْغَزْوِ ( ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ ) أَيْ : فِي الْبَلَدِ ( ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ) أَيْ : مَا مَاتُوا فِي السَّفَرِ وَلَا قُتِلُوا فِي الْغَزْوِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ) أَيْ : خَلَقَ هَذَا الِاعْتِقَادَ فِي نُفُوسِهِمْ لِيَزْدَادُوا حَسْرَةً عَلَى مَوْتِهِمْ وَقَتْلِهِمْ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ : ( ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ) أَيْ : بِيَدِهِ الْخَلْقُ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ ، وَلَا يَحْيَا أَحَدٌ وَلَا يَمُوتُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقَدَرِهِ ، وَلَا يُزَادُ فِي عُمُرِ أَحَدٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ( ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ) أَيْ : وَعِلْمُهُ وَبَصَرُهُ نَافِذٌ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ) تَضَمَّنَ هَذَا أَنَّ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمَوْتَ أَيْضًا ، وَسِيلَةٌ إِلَى نَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ وَرِضْوَانِهِ ، وَذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَجَمْعِ حُطَامِهَا الْفَانِي . ثُمَّ أَخْبَرَ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَمَصِيرُهُ وَمَرْجِعُهُ إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَجْزِيهِ بِعَمَلِهِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ فَقَالَ : ( ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ )

159-168

( ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَفَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ( 159 ) ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ( 160 ) ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ( 161 ) ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ( 162 ) ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ( 163 ) ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ( 164 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مُمْتَنًّا عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا أَلَانَ بِهِ قَلْبَهُ عَلَى أُمَّتِهِ ، الْمُتَّبِعِينَ لِأَمْرِهِ ، التَّارِكِينَ لِزَجْرِهِ ، وَأَطَابَ لَهُمْ لَفْظَهُ : ( ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ) أَيْ : أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ لَهُمْ لَيِّنًا لَوْلَا رَحْمَةُ اللَّهِ بِكَ وَبِهِمْ . قَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ) يَقُولُ : فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ . وَ " مَا " صِلَةٌ ، وَالْعَرَبُ تَصِلُهَا بِالْمَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ : ( ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ) [ النِّسَاءِ : 155 ، الْمَائِدَةِ : 13 ] وَبِالنَّكِرَةِ كَقَوْلِهِ : ( ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 40 ] وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ : ( ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ) أَيْ : بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : هَذَاخُلُقُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَبَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ . وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 128 ] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيُّ قَالَ :

أَخَدَ بِيَدِي أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ وَقَالَ : أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " يَا أَبَا أُمَامَةَ ، إِنَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَلِينُ لِي قَلْبُهُ " . انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ) الْفَظُّ : الْغَلِيظُ ، [ وَ ] الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا غَلِيظُ الْكَلَامِ ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : ( ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ ) أَيْ : لَوْ كُنْتَ سَيِّئَ الْكَلَامِ قَاسِيَ الْقَلْبِ عَلَيْهِمْ لَانْفَضُّوا عَنْكَ وَتَرَكُوكَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَمَعَهُمْ عَلَيْكَ ، وَأَلَانَ جَانِبَكَ لَهُمْ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : إِنَّهُ رَأَىصِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِفَظٍّ ، وَلَا غَلِيظٍ ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ . وَرَوَى أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، أَنْبَأَنَا بِشْرُ بْنُ عُبَيْدِ الدَّارِمِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ " حَدِيثٌ غَرِيبٌ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ) وَلِذَلِكَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَاوِرُ أَصْحَابَهُ فِي الْأَمْرِ إِذَا حَدَثَ، تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ ، لِيَكُونُوا فِيمَا يَفْعَلُونَهُ أَنْشَطَ لَهُمْ [ كَمَا ] شَاوَرَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الذَّهَابِ إِلَى الْعِيرِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا عُرْضَ الْبَحْرِ لَقَطَعْنَاهُ مَعَكَ ، وَلَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكِ الْغَمَادِ لِسِرْنَا مَعَكَ ، وَلَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وَلَكِنْ نَقُولُ : اذْهَبْ ، فَنَحْنُ مَعَكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ [ شِمَالِكَ ] مُقَاتِلُونَ . وَشَاوَرَهُمْ - أَيْضًا - أَيْنَ يَكُونُ الْمَنْزِلُ ؟ حَتَّى أَشَارَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو الْمُعْنِقُ لِيَمُوتَ ، بِالتَّقَدُّمِ إِلَى أَمَامِ الْقَوْمِ ، وَشَاوَرَهُمْ فِي أُحُدٍ فِي أَنْ يَقْعُدَ فِي الْمَدِينَةِ أَوْ يَخْرُجَ إِلَى الْعَدْوِّ ، فَأَشَارَ جُمْهُورُهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ . وَشَاوَرَهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي مُصَالَحَةِ الْأَحْزَابِ بِثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَامَئِذٍ ، فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ السَعْدَانِ : سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، فَتَرَكَ ذَلِكَ . وَشَاوَرَهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي أَنْ يَمِيلَ عَلَى ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ : إِنَّا لِمَ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ ، فَأَجَابَهُ إِلَى مَا قَالَ . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ : " أَشِيرُوا عَلَيَّ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْمٍ أَبَنُوا أَهْلِي وَرَمَوْهُمْ ، وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ - وَاللَّهِ - مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا " . وَاسْتَشَارَ عَلِيَّا وَأُسَامَةَ فِي فِرَاقِ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . فَكَانَ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] يُشَاوِرُهُمْ فِي الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ : هَلْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ مِنْ بَابِ النَّدْبِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ بِمِصْرَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ [ أَبِي ] مَرْيَمَ ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ) قَالَ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْكَلْبِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَكَانَا حَوَارِيَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَزِيرَيْهِ وَأَبَوَيِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ : " لَوِ اجْتَمَعْنَا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا " . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَزْمِ ؟ قَالَ " مُشَاوَرَةُ أَهْلِ الرَّأْيِ ثُمَّ اتِّبَاعُهُمْ " . وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ " . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَحَسَّنَهُ [ وَ ] النَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِأَبْسَطَ مِنْهُ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ " . تَفَرَّدَ بِهِ . [ وَقَالَ أَيْضًا ] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَعَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِذَا اسْتَشَارَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُشِرْ عَلَيْهِ . تَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ) أَيْ : إِذَا شَاوَرْتَهُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَزَمْتَ عَلَيْهِ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فِيهِ ( ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ) وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ) وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 126 ] ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فَقَالَ : ( ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ) وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَخُونَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ [ عَنْ ] خَصِيفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : فَقَدُوا قَطِيفَةً يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالُوا : لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ ) أَيْ يَخُونَ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا خَصِيفٌ ، حَدَّثَنَا مِقْسَمٌ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ ) نَزَلَتْ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : أَخَذَهَا قَالَ فَأَكْثَرُوا فِي ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ) وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ جَمِيعًا ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ - يَعْنِي مُرْسَلًا . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اتَّهَمَ الْمُنَافِقُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ فُقِدَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ )

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ . وَهَذَا تَبْرِئَةٌ لَهُ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، عَنْ جَمِيعِ وُجُوهِ الْخِيَانَةِ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَقَسْمِ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ ) أَيْ : بِأَنْ يَقْسِمَ لِبَعْضِ السَّرَايَا وَيَتْرُكَ بَعْضًا وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ ) بِأَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ فَلَا يُبَلِّغُهُ أُمَّتَهُ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ : ( ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ﴾ ) بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ : يُخَانُ . وَقَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقَدْ غَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُمَا ، ثُمَّ حَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بِمَعْنَى يُتَّهَمُ بِالْخِيَانَةِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ) وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ . وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أَعْظَمُ الْغُلُولِ عِنْدَ اللَّهِ ذِرَاعٌ مِنَ الْأَرْضِ، تَجِدُونَ الرَّجُلَيْنِ جَارَيْنِ فِي الْأَرْضِ - أَوْ فِي الدَّارِ - فَيَقْطَعُ أَحَدُهُمَا مِنْ حَظِّ صِاحِبِهِ ذِرَاعًا ، فَإِذَا اقْتَطَعَهُ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " [ مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ " ] . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَالْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ . قَالَ : سَمِعْتُ الْمُسْتَوْرِدَ بْنَ شَدَّادٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلًا وَلَيْسَ لَهُ مَنْزِلٌ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا ، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ ، أَوْ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا ، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ " . هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ آخَرَ وَسِيَاقٍ آخَرَ فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ . قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا " . قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ ، أَوْ سَارِقٌ " . قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ [ رَحِمَهُ اللَّهُ ] رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ بَدَلَ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ شَاةً لَهَا ثُغَاءٌ ، فَيُنَادِي : يَا مُحَمَّدُ ، يَا مُحَمَّدُ ، فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ [ لَكَ ] مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ بَلَّغْتُكَ . وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ [ يَأْتِي ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ جَمَلًا لَهُ رُغَاءٌ ، فَيَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، يَا مُحَمَّدُ . فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ بَلَّغْتُكَ . وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ فَرَسًا لَهُ حَمْحَمَةٌ ، يُنَادِي : يَا مُحَمَّدُ ، يَا مُحَمَّدُ . فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ بَلَّغْتُكَ . وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ [ قَشْعًا ] مِنْ أُدْمٍ ، يُنَادِي : يَا مُحَمَّدُ ، يَا مُحَمَّدُ . فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ بَلَّغْتُكَ " . لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَجَاءَ فَقَالَ : هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي . فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : " مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ : هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي . أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا يَأْتِي أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ " ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ : " اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ " ثَلَاثًا . وَزَادَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ : بَصُرَ عَيْنِي ، وَسَمِعَ أُذُنِي ، وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ . أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ : وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ . وَمِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَةَ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ أَحْمَدَ وَهُوَ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ ، وَكَأَنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، حَدَّثْنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ ، فَلَمَّا سِرْتُ أَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَرُدِدْتُ ، فَقَالَ : " أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ ؟ لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ غُلُولٌ ، ( ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ) لِهَذَا دَعَوْتُكَ ، فَامْضِ لِعَمَلِكَ " . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ ، وَبُرَيْدَةَ ، وَالْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ، وَأَبِي حُمَيْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : " لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدُكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَغِثْنِي . فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ ، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَغِثْنِي . فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدُكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ ، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي . فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ بَلَّغْتُكَ " . أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، حَدَّثَنِي قَيْسٌ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، مَنْ عَمِلَ لَنَا [ مِنْكُمْ ] عَمَلًا فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غُلٌّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالَ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْوَدُ - قَالَ مُجَالِدٌ : هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ . قَالَ : " وَمَا ذَاكَ ؟ " قَالَ : سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : " وَأَنَا أَقُولُ ذَاكَ الْآنَ : مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَهُ . وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى " . وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، حَدَّثَنِي مَنْبُوذٌ ، رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ رُبَّمَا ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَيَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ حَتَّى يَنْحَدِرَ الْمَغْرِبُ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْرِعًا إِلَى الْمَغْرِبِ إِذْ مَرَّ بِالْبَقِيعِ فَقَالَ : " أُفٍّ لَكَ . . أُفٍّ لَكَ " مَرَّتَيْنِ ، فَكَبُرَ فِي [ ذَرْعِي ] وَتَأَخَّرْتُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُنِي ، فَقَالَ : " مَا لَكَ ؟ امْشِ " قَالَ : قُلْتُ : أَحْدَثْتَ حَدَثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " وَمَا ذَاكَ ؟ " قُلْتُ : أَفَّفْتَ بِي ، قَالَ : " لَا ، وَلَكِنْ هَذَا قَبْرُ فُلَانٍ ، بَعَثْتُهُ سَاعِيًا عَلَى آلِ فُلَانٍ ، فَغَلَّ نَمِرَةً فَدُرِعَ الْآنَ مِثْلَهُ مِنْ نَارٍ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْكُوفِيُّ الْمَفْلُوجُ - وَكَانَ بِمَكَّةَ - حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِدٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْخُذُ الْوَبَرَةَ مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ مِنَ الْمَغْنَمِ ، ثُمَّ يَقُولُ : " مَا لِي فِيهِ إِلَّا مِثْلَ مَا لِأَحَدِكُمْ ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُولَ ، فَإِنَّ**الْغُلُولَ خِزْيٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ،**أَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، إِنَّهُ لَيُنْجِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ ، وَأَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ " . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بَعْضَهُ عَنِ الْمَفْلُوجِ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رُدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ ، فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعِيًا ثُمَّ قَالَ : " انْطَلِقْ - أَبَا مَسْعُودٍ - لَا أَلْفَيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِيءُ عَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَهُ رُغَاءٌ قَدْ غَلَلْتَهُ " . قَالَ : إِذًا لَا أَنْطَلِقُ . قَالَ : إِذًا لَا أُكْرِهُكَ " . تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْحَجَرَ لَيُرْمَى بِهِ [ فِي ] جَهَنَّمَ فَيَهْوِي سَبْعِينَ خَرَيِفًا مَا يَبْلُغُ قَعْرَهَا ، وَيُؤْتَى بِالْغُلُولِ فَيُقْذَفُ مَعَهُ " ، ثُمَّ يُقَالُ لَمَنْ غَلَّ ائْتِ بِهِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ) . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنِي سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : فُلَانٌ شَهِيدٌ ، وَفُلَانٌ شَهِيدٌ . حَتَّى أَتَوْا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا : فُلَانٌ شَهِيدٌ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا - أَوْ عَبَاءَةٍ " . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ : إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ " . قَالَ : فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ : أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ . وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ مُصَدِّقًا ، فَقَالَ : " إِيَّاكَ يَا سَعْدُ أَنْ تَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ لَهُ رُغَاءٌ " قَالَ : لَا آخُذُهُ وَلَا أَجِيءُ بِهِ . فَأَعْفَاهُ . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ ، بِهِ ، نَحْوَهُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَرْضِ الرُّومِ ، فَوُجِدَ فِي مَتَاعِ رَجُلٍ غُلُولٌ . قَالَ : فَسَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ وَجَدْتُمْ فِي مَتَاعِهِ غُلُولًا فَأَحْرِقُوهُ " : قَالَ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : وَاضْرِبُوهُ ، قَالَ : فَأَخْرَجَ مَتَاعَهُ فِي السُّوقِ ، فَوَجَدَ فِيهِ مُصْحَفًا ، فَسَأَلَ سَالِمًا ، فَقَالَ : بِعْهُ وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ - زَادَ أَبُو دَاوُدَ : وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ - كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللِّيثِيِّ الصَّغِيرِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ ، بِهِ . وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي وَاقِدٍ هَذَا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ فَتْوَى سَالِمٍ فَقَطْ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الْإِمَامُ [ أَحْمَدُ ] بْنُ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَخَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْجُمْهُورُ ، فَقَالُوا :لَا يُحْرَقُ مَتَاعُ الْغَالِّ ، بَلْ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ مِثْلِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَدِ امْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَالِّ ، وَلَمْ يَحْرِقْ مَتَاعَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ : أَنَّ مُوسَى بْنَ جُبَيْرٍ حَدَّثَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُبَابِ الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ تَذَاكَرَ هُوَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا الصَّدَقَةَ فَقَالَ : أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ ذَكَرَ غُلُولَ الصَّدَقَةِ : " مَنْ غَلَّ مِنْهَا بَعِيرًا أَوْ شَاةً ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ : بَلَى . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَوَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ الْأُمَوِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : عُقُوبَةُ الْغَالِّ أَنْ يُخْرَجَ رَحْلُهُ وَيُحْرَقَ عَلَى مَا فِيهِ . ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] قَالَ : الْغَالُّ يُجْمَعُ رَحْلُهُ فَيُحْرَقُ وَيُجْلَدُ دُونَ حَدِّ [ الْمَمْلُوكِ ، وَيُحْرَمُ نَصِيبَهُ ، وَخَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ فَقَالُوا : لَا يُحْرَقُ مَتَاعُ الْغَالِّ ، بَلْ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ مِثْلِهِ ، وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَدِ امْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَالصَّلَاةِ عَلَى الْغَالِّوَلَمْ يَحْرِقْ مَتَاعَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ خُمَيْرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : أُمِرَ بِالْمَصَاحِفِ أَنْ تُغَيَّرَ قَالَ : فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَغُلَّ مُصْحَفًا فَلْيَغُلَّهُ ، فَإِنَّهُ مَنْ غَلَّ شَيْئًا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ قَالَ قَرَأْتُ مِنْ فَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعِينَ سُورَةً ، أَفَأَتْرُكُ مَا أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَرَوَى وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : لَمَّا أُمِرَ بِتَحْرِيقِ الْمَصَاحِفِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، غُلُّوا الْمَصَاحِفَ ، فَإِنَّهُ مَنْ غَلَّ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَنِعْمَ الْغُلُّ الْمُصْحَفُ . يَأْتِي بِهِ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَالَ [ أَبُو ] دَاوُدَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَنِمَ غَنِيمَةً أَمَرَ بِلَالًا فَيُنَادِي فِي النَّاسِ ، فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ يُخَمِّسُهُ وَيُقَسِّمُهُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَوْمًا بَعْدَ النِّدَاءِ بِزِمَامٍ مِنْ شَعْرٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا كَانَ مِمَّا أَصَبْنَا مِنَ الْغَنِيمَةِ . فَقَالَ : " أَسَمِعْتَ بِلَالًا يُنَادِي ثَلَاثًا ؟ " ، قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ ؟ " فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : " كَلًّا أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ) أَيْ : لَا يَسْتَوِي مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ فِيمَا شَرَعَهُ ، فَاسْتَحَقَّ رِضْوَانَ اللَّهِ وَجَزِيلَ ثَوَابِهِ وَأُجِيرَ مِنْ وَبِيلِ عِقَابِهِ ، وَمَنِ اسْتَحَقَّ غَضَبَ اللَّهِ وَأُلْزِمَ بِهِ ، فَلَا مَحِيدَ لَهُ عَنْهُ ، وَمَأْوَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . وَهَذِهِ لَهَا نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ ) [ الرَّعْدِ : 19 ] وَكَقَوْلِهِ ( ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ]﴾ ) [ الْقَصَصِ : 61 ] . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : يَعْنِي : أَهْلُ الْخَيْرِ وَأَهْلُ الشَّرِّ دَرَجَاتٌ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ : مَنَازِلُ ، يَعْنِي : مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَدَرَكَاتِهِمْ فِي النَّارِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ) الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 132 ] ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ) أَيْ : وَسَيُوَفِّيهِمْ إِيَّاهَا ، لَا يَظْلِمُهُمْ خَيْرًا وَلَا يَزِيدُهُمْ شَرًّا ، بَلْ يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ) أَيْ : مِنْ جِنْسِهِمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ مُخَاطَبَتِهِ وَسُؤَالِهِ وَمُجَالَسَتِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ) [ الرُّومِ : 21 ] أَيْ : مِنْ جِنْسِكُمْ . وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ ) [ الْكَهْفِ : 110 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 20 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ ) [ يُوسُفَ : 109 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 130 ] فَهَذَا أَبْلَغُ فِي الِامْتِنَانِ أَنْ يَكُونَ الرُّسُلُ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمْ مُخَاطَبَتَهُ وَمُرَاجَعَتَهُ فِي فَهْمِ الْكَلَامِ عَنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ ) يَعْنِي : الْقُرْآنَ ) وَيُزَكِّيهِمْ ) أَيْ : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ لِتَزْكُوَ نُفُوسُهُمْ وَتَطْهُرَ مِنَ الدَّنَسِ وَالْخَبَثِ الَّذِي كَانُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهِ فِي حَالِ شِرْكِهِمْ وَجَاهِلِيَّتِهِمْ ( ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ) يَعْنِي : الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ ( ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ ) أَيْ : مِنْ قَبْلِ هَذَا الرَّسُولِ ( ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ) أَيْ : لَفِي غَيٍّ وَجَهْلٍ ظَاهِرٍ جَلِيٍّ بَيِّنٍ لِكُلِّ أَحَدٍ . ( ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ( 165 ) ( ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ( 166 ) ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ ( 167 ) ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ( 168 ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ ) وَهِيَ مَا أُصِيبَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ قَتْلِ السَّبْعِينَ مِنْهُمْ ( ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ ) يَعْنِي : يَوْمَ بَدْرٍ ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَبْعِينَ قَتِيلًا وَأَسَرُوا سَبْعِينَ أَسِيرًا ( ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ ) أَيْ : مِنْ أَيْنَ جَرَى عَلَيْنَا هَذَا ؟ ( ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذَكَرَهُ أَبِي ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، عُوقِبُوا بِمَا صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَفَرَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ ، وَسَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ) بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزْوَانَ ، وَهُوَ قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ ، بِإِسْنَادِهِ وَلَكِنْ بِأَطْوَلَ مِنْهُ ، وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عُبَيْدَةَ ( ح ) قَالَ سُنَيْدٌ - وَهُوَ حُسَيْنٌ - : وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ مَا صَنَعَ قَوْمُكَ فِي أَخْذِهِمُ الْأُسَارَى ، وَقَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُخَيِّرَهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يُقْدِمُوا فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْفِدَاءَ ، عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ عِدَّتُهُمْ . قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَشَائِرُنَا وَإِخْوَانُنَا ، أَلَا نَأْخُذُ فِدَاءَهُمْ فَنَتَقَوَّى بِهِ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّنَا ، وَيَسْتَشْهِدُ مِنَّا عِدَّتُهُمْ ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا نَكْرَهُ ؟ قَالَ : فَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا عِدَّةَ أُسَارَى أَهْلِ بَدْرٍ . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الْحَفْرِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ . وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ . وَرَوَى عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيُّ : ( ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ) أَيْ : بِسَبَبِ عِصْيَانِكُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَمَرَكُمْ أَنْ لَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ فَعَصَيْتُمْ ، يَعْنِي بِذَلِكَ الرُّمَاةَ ( ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ) أَيْ : وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : فِرَارُكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَدُوِّكُمْ وَقَتْلُهُمْ لِجَمَاعَةٍ مِنْكُمْ وَجِرَاحَتُهُمْ لِآخَرِينَ ، كَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ . [ وَقَوْلُهُ ] ( ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ) أَيِ : الَّذِينَ صَبَرُوا وَثَبَتُوا وَلَمْ يَتَزَلْزَلُوا . ( ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ ) يَعْنِي [ بِذَلِكَ ] أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - ابْنِ سَلُولَ الَّذِينَ رَجَعُوا مَعَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ ، فَاتَّبَعَهُمْ مَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْإِيَابِ وَالْقِتَالِ وَالْمُسَاعَدَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالسُّدِّيُّ : يَعْنِي كَثِّرُوا سَوَادَ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : ادْفَعُوا بِالدُّعَاءِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : رَابِطُوا . فَتَعَلَّلُوا قَائِلِينَ : ( ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : يَعْنُونَ لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَلْقَوْنَ حَرْبًا لَجِئْنَاكُمْ ، وَلَكِنْ لَا تَلْقَوْنَ قِتَالًا . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا ، كُلُّهُمْ قَدْ حَدَّثَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي حِينَ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ - فِي أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشَّوْطِ - بَيْنَ أُحُدٍ وَالْمَدِينَةِ - انْحَازَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ - ابْنُ سَلُولَ بِثُلُثِ النَّاسِ ، وَقَالَ أَطَاعَهُمْ فَخَرَجَ وَعَصَانِي ، وَوَاللَّهِ مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيُّهَا النَّاسُ ، فَرَجَعَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ النَّاسِ مِنْ قَوْمِهِ أَهْلِ النِّفَاقِ وَأَهْلِ الرَّيْبِ ، وَاتَّبَعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ ، يَقُولُ : يَا قَوْمِ ، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أَنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكُمْ وَقَوْمَكُمْ عِنْدَمَا حَضَرَ مِنْ عَدُوِّكُمْ ، قَالُوا : لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ مَا أَسْلَمْنَاكُمْ وَلَكِّنَا لَا نَرَى أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ . فَلَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ وَأَبَوْا إِلَّا الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ ، قَالَ : أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ أَعْدَاءَ اللَّهِ ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ . وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ ) اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ**الشَّخْصَ قَدْ تَتَقَلَّبُ بِهِ الْأَحْوَالُ ، فَيَكُونُ فِي حَالٍ أَقْرَبَ إِلَى الْكُفْرِ ، وَفِي حَالٍ أَقْرَبَ [ إِلَى ] الْإِيمَانِ ،**لِقَوْلِهِ : ( ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ) يَعْنِي : أَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْقَوْلَ وَلَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ هَذَا : ( ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ ) فَإِنَّهُمْ يَتَحَقَّقُونَ أَنَّ جُنْدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ جَاءُوا مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَا أُصِيبَ مِنْ سَرَاتِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهُمْ أَضْعَافُ الْمُسْلِمِينَ ، أَنَّهُ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ لَا مَحَالَةَ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ) أَيْ : لَوْ سَمِعُوا مِنْ مَشُورَتِنَا عَلَيْهِمْ فِي الْقُعُودِ وَعَدَمِ الْخُرُوجِ مَا قُتِلُوا مَعَ مَنْ قُتِلَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ) أَيْ : إِنْ كَانَ الْقُعُودُ يَسْلَمُ بِهِ الشَّخْصُ مِنَ الْقَتْلِ وَالْمَوْتِ ، فَيَنْبَغِي ، أَنَّكُمْ لَا تَمُوتُونَ ، وَالْمَوْتُ لَا بُدَّ آتٍ إِلَيْكُمْ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ، فَادْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . قَالَ مُجَاهِدٌ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - ابْنِ سَلُولَ .

169-175

( ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ( 170 ) ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ( 171 ) ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ( 172 ) ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ( 173 ) ( ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ( 174 ) ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ( 175 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِالشُّهَدَاءِ بِأَنَّهُمْ وَإِنْ قُتِلُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ حَيَّةٌ مَرْزُوقَةٌ فِي دَارِ الْقَرَارِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ،

حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ قَالَ : لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ . وَعَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْجَعْفَرِيُّ ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى أَتَوْا غَارًا مُشْرِفًا عَلَى الْمَاءِ فَقَعَدُوا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أَيُّكُمْ يُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ هَذَا الْمَاءِ ؟ فَقَالَ - أُرَاهُ ابْنَ مِلْحَانَ الْأَنْصَارِيَّ - : أَنَا أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى حَيًّا [ مِنْهُمْ ] فَاخْتَبَأَ أَمَامَ الْبُيُوتِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ ، إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ بِرُمْحٍ فَضَرَبَ بِهِ فِي جَنْبِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ . فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . فَاتَّبَعُوا أَثَرَهُ حَتَّى أَتَوْا أَصْحَابَهُ فِي الْغَارِ فَقَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، أَنَّ اللَّهَ [ تَعَالَى ] أَنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا : بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَ مَا قَرَأْنَاهُ زَمَنًا ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ) . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ) فَقَالَ : أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : " أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً فَقَالَ : هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ فَقَالُوا : أَيُّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا ؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا : يَا رَبِّ ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا " . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ ، لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ ، يَسُرُّهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ " . انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ لَهُ : تَمَنَّ عَلَيَّ ، فَقَالَ لَهُ : أُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا ، فَأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى ، فَقَالَ : إِنِّي قَضَيْتُ الْحُكْمَ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ " .

انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ أَبَا جَابِرٍ - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ ، عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ :

سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ : لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَبْكِي وَأَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ ، فَجَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَوْنَنِي وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَبْكِهِ - أَوْ : مَا تَبْكِيهِ - مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ " . وَقَدْ أَسْنَدَهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ ، جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي . . . وَذَكَرَ تَمَامَهُ بِنَحْوِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ ، وَمَأْكَلِهِمْ ، وَحُسْنَ مُنْقَلَبِهِمْ قَالُوا : يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا ، لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ ، وَلَا يَنْكُلُوا عَنِ الْحَرْبِ " فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ : ( ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ) وَمَا بَعْدَهَا " . هَكَذَا رَوَاهُ [ الْإِمَامُ ] أَحْمَدُ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ ، وَهَذَا أَثْبَتُ . وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي حَمْزَةَ وَأَصْحَابِهِ : ( ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ ، وَالضَّحَّاكُ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَتْلَى أُحُدٍ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ ، أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ بَشِيرِ بْنِ الْفَاكِهِ الْأَنْصَارِيُّ ، سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خِرَاشِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيَّ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : " يَا جَابِرُ ، مَا لِي أَرَاكَ مُهْتَمًّا ؟ " قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ دَيْنًا وَعِيَالًا . قَالَ : فَقَالَ : " أَلَا أُخْبِرُكَ ؟ مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، وَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا - قَالَ عَلِيٌّ : الْكِفَاحُ : الْمُوَاجَهَةُ - فَقَالَ : سَلْنِي أُعْطِكَ . قَالَ : أَسْأَلُكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيْكَ ثَانِيَةً فَقَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي الْقَوْلُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ . قَالَ : أَيْ رَبِّ : فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي . فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ) ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ ) الْآيَةَ . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سُبَيْطٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، بِهِ نَحْوَهُ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، بِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَهُوَ عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ] قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرٍ : " يَا جَابِرُ ، أَلَّا أُبَشِّرُكَ ؟ قَالَ : بَلَى ، بَشَّرَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ . قَالَ شَعَرْتُ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ : تَمَنَّ عَلَيَّ عَبْدِي مَا شِئْتَ أُعْطِكَهُ . قَالَ : يَا رَبِّ ، مَا عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ . أَتَمَنَّى عَلَيْكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقَاتِلَ مَعَ نَبِيَّكَ ، وَأُقْتَلَ فِيْكَ مَرَّةً أُخْرَى . قَالَ : إِنَّهُ سَلَفَ مِنِّي أَنَّهُ إِلَيْهَا [ لَا ] يَرْجِعُ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ فُضَيْلٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ ، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا " . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَعَبْدَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، بِهِ . وَهُوَ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ . وَكَانَالشُّهَدَاءُ أَقْسَامٌ: مِنْهُمْ مَنْ تَسْرَحُ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عَلَى هَذَا النَّهْرِ بِبَابِ الْجَنَّةِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُنْتَهَى سَيْرِهِمْ إِلَى هَذَا النَّهْرِ فَيَجْتَمِعُونَ هُنَالِكَ ، وَيُغْدَى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِمْ هُنَاكَ وَيُرَاحُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ حَدِيثًا فِيهِالْبِشَارَةُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِأَنَّ رُوحَهُ تَكُونُ فِي الْجَنَّةِتَسْرَحُ أَيْضًا فِيهَا ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا ، وَتَرَى مَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ ، وَتُشَاهِدُ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهَا مِنَ الْكَرَامَةِ ، وَهُوَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَزِيزٍ عَظِيمٍ ، اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْمُتَّبَعَةِ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رَوَاهُ عَنِ [ الْإِمَامِ ] مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْأَصْبَحِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ " . قَوْلُهُ : " يَعْلُقُ " أَيْ : يَأْكُلُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : " إِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ تَكُونُ عَلَى شَكْلِ طَائِرٍ فِي الْجَنَّةِ " .

وَأَمَّا**أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ ، فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ ،**فَهِيَ كَالْكَوَاكِبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَرْوَاحِ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهَا تَطِيرُ بِأَنْفُسِهَا ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْمَنَّانَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ . وَقَوْلُهُ : ( [﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ] ) أَيِ : الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُمْ فَرِحُونَ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْغِبْطَةِ ، وَمُسْتَبْشِرُونَ بِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ بَعْدَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يَقْدَمُونَ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَخَافُونَ مِمَّا أَمَامَهُمْ وَلَا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوهُ وَرَاءَهُمْ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ( ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ ) أَيْ : وَيُسَرُّونَ بِلُحُوقِ مَنْ خَلْفَهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمْ عَلَى مَا مَضَوْا عَلَيْهِ مِنْ جِهَادِهِمْ ، لِيُشْرِكُوهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ . [ وَ ] قَالَ السُّدِّيُّ : يُؤْتَى الشَّهِيدُ بِكِتَابٍ فِيهِ : " يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلَانٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، وَيَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلَانٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، فَيُسَرُّ بِذَلِكَ كَمَا يُسَرُّ أَهْلُ الدُّنْيَا بِقُدُومِ غُيَّابِهِمْ " .

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَمَّا دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَرَأَوْا مَا فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ لِلشُّهَدَاءِ قَالُوا : يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ فِي الدُّنْيَا يَعْلَمُونَ مَا عَرَفْنَاهُ مِنَ الْكَرَامَةِ ، فَإِذَا شَهِدُوا لِلْقِتَالِ بَاشَرُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ ، حَتَّى يُسْتَشْهَدُوا فَيُصِيبُوا مَا أَصَبْنَا مِنَ الْخَيْرِ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِمْ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ ، وَأَخْبَرَهُمْ - أَيْ رَبُّهُمْ - [ أَنِّي ] قَدْ أَنْزَلْتُ عَلَى نَبِيِّكُمْ وَأَخْبَرْتُهُ بِأَمْرِكُمْ ، وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ ، فَاسْتَبْشِرُوا بِذَلِكَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ ) الْآيَةَ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، الَّذِينَ قُتِلُوا فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ ، وَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ ، يَدْعُو عَلَيْهِمْ وَيَلْعَنُهُمْ ، قَالَ أَنَسٌ : وَنَزَلَ فِيهِمْ قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ حَتَّى رُفِعَ : " أَنْ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا " . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : اسْتَبْشَرُوا وَسُرُّوا لِمَا عَايَنُوا مِنْ وَفَاءِ الْمَوْعُودِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : هَذِهِ الْآيَةُ جَمَعَتِ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ ، سَوَاءً الشُّهَدَاءُ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَلَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ فَضْلًا ذَكَرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَثَوَابًا أَعْطَاهُمْ إِلَّا ذَكَرَ مَا أَعْطَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ ) هَذَا كَانَيَوْمَ " حَمْرَاءِ الْأَسَدِ " ،وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَصَابُوا مَا أَصَابُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَرُّوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ ، فَلَمَّا اسْتَمَرُّوا فِي سَيْرِهِمْ تَنَدَّمُوا لِمَ لَا تَمَّمُوا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَجَعَلُوهَا الْفَيْصَلَةَ . فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الذَّهَابِ وَرَاءَهُمْ لِيُرْعِبَهُمْ وَيُرِيَهُمْ أَنَّ بِهِمْ قُوَّةً وَجَلَدًا ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ سِوَى مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ يَوْمَ أُحُدٍ ، سِوَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَا سَنَذْكُرُهُ - فَانْتَدَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْإِثْخَانِ طَاعَةً لِلَّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : لَمَّا رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ قَالُوا : لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ ، وَلَا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ ، بِئْسَمَا صَنَعْتُمْ ، ارْجِعُوا . فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَدَبَ الْمُسْلِمِينَ فَانْتَدَبُوا حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ - أَوْ : بِئْرَ أَبِي عُيَيْنَةَ - الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ - فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : نَرْجِعُ مَنْ قَابِلٍ . فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَتْ تُعَدُّ غَزْوَةً ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ) وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَوَّالٍ ، أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ بِطَلَبِ الْعَدُوِّ ، وَأَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ أَلَّا يَخْرُجَ مَعَنَا أَحَدٌ إِلَّا أَحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ . فَكَلَّمَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي كَانَ خَلَّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ وَقَالَ : يَا بُنَيَّ ، إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ ، وَلَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفْسِي ، فَتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجَ مَعَهُ . وَإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مُرْهِبًا لِلْعَدُوِّ ، وَلِيَبْلُغَهُمْ أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ لِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً ، وَأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُمْ لَمْ يُوهِنْهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى عَائِشَةَ بِنْتِ عُثْمَانَ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، كَانَ شَهِدَ أُحُدًا قَالَ : شَهِدْتُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَخِي فَرَجَعْنَا جَرِيحَيْنِ ، فَلَمَّا أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ ، قُلْتُ لِأَخِي - أَوْ قَالَ لِي - : أَتُفَوِّتُنَا غَزْوَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَاللَّهِ مَا لَنَا مِنْ دَابَّةٍ نَرْكَبُهَا ، وَمَا مِنَّا إِلَّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ ، فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكُنْتُ أَيْسَرَ جِرَاحًا مِنْهُ ، فَكَانَ إِذَا غُلِبَ حَمَلْتُهُ عُقْبَةً وَمَشَى عُقْبَةً حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : ( ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ) [ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ] ) قَالَتْ لِعُرْوَةَ : يَا ابْنَ أُخْتِي ، كَانَ أَبَوَاكِ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَأَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، لَمَّا أَصَابَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَصَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا فَقَالَ : " مَنْ يَرْجِعُ فِي إِثْرِهِمْ ؟ " فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ ، بِهَذَا السِّيَاقِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ الْأَصَمِّ ، عَنِ الْعَبَّاسِ الدُّورِيِّ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . كَذَا قَالَ . وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الْبَهِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : قَالَتْ لِي عَائِشَةُ : يَا بُنَيَّ ، إِنَّ أَبَاكَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ . ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَهُدْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهِ وَهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، بِهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ ، أَنْبَأَنَا سَمَوَيْهِ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ ، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ كَانَ أَبَوَاكَ لَمِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ : أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " . وَرَفْعُ هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ مَحْضٌ مِنْ جِهَةِ إِسْنَادِهِ ، لِمُخَالَفَتِهِ رِوَايَةَ الثِّقَاتِ مِنْ وَقْفِهِ عَلَى عَائِشَةَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَمِنْ جِهَةِ مَعْنَاهُ ، فَإِنَّ الزُّبَيْرَ لَيْسَ هُوَ مِنْ آبَاءِ عَائِشَةَ ، وَإِنَّمَا قَالَتْ عَائِشَةُ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، [ حَدَّثَنِي ] عَمِّيَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَذَفَ فِي قَلْبِ أَبِي سُفْيَانَ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ مَا كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ أَصَابَ مِنْكُمْ طَرَفًا ، وَقَدْ رَجَعَ ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ الرُّعْبَ " . وَكَانَتْوَقْعَةُ أُحُدٍفِي شَوَّالٍ ، وَكَانَ التُّجَّارُ يَقْدَمُونَ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، فَيَنْزِلُونَ بِبَدْرٍ الصُّغْرَى فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً ، وَإِنَّهُمْ قَدِمُوا بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَكَانَ أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ الْقَرْحُ ، وَاشْتَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَصَابَهُمْ . وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ النَّاسَ لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ ، وَيَتَّبِعُوا مَا كَانُوا مُتَّبِعِينَ ، وَقَالَ : " إِنَّمَا يَرْتَحِلُونَ الْآنَ فَيَأْتُونَ الْحَجَّ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْلِهَا حَتَّى عَامٍ مُقْبِلٍ " . فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَخَوَّفَ أَوْلِيَاءَهُ فَقَالَ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَبَى عَلَيْهِ النَّاسُ أَنْ يَتْبَعُوهُ ، فَقَالَ : " إِنِّي ذَاهِبٌ وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ " . لِأَحْضُضَ النَّاسَ ، فَانْتَدَبَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَسَعْدٌ ، وَطَلْحَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَّرَّاحِ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا فَسَارُوا فِي طَلَبِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَطَلَبُوا حَتَّى بَلَغُوا الصَّفْرَاءَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( [﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ] ) . ثُمَّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ ، وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَأَقَامَ بِهَا الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ . وَقَدْ مَرَّ بِهِ - كَمَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيُّ ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ - مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ - عَيْبَةَ نُصْحٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِهَامَةَ ، صَفْقَتُهُمْ مَعَهُ ، لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِهَا ، وَمَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ فِي أَصْحَابِكَ ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ عَافَاكَ فِيهِمْ . ثُمَّ خَرَجَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ ، حَتَّى لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَمِنْ مَعَهُ بِالرَّوْحَاءِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَقَالُوا : أَصَبْنَا حَدَّ أَصْحَابِهِ وَقَادَتِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ ، ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ . . لَنَكُرَّنَّ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ فَلَنَفْرُغَنَّ مِنْهُمْ . فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا قَالَ : مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ تَحْرُّقَا ، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا ، فِيهِمْ مِنَ الْحَنَقِ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ . قَالَ : وَيْلَكَ . مَا تَقَوُلُ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى تَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ - قَالَ : فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ . قَالَ : فَإِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ . وَوَاللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَى أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ ، قَالَ : وَمَا قُلْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ :

كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ※ إِذْ سَالَتِ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ ※ تَرْدَى بِأُسْدٍ كِرَامٍ لَا تَنَابِلَةٍ ※ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٍ مَعَازِيلِ ※ فَظَلْتُ عَدْوًا أَظُنُّ الْأَرْضَ مَائِلَةً ※ لَمَّا سَمَوْا بَرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ ※ فَقُلْتُ : وَيْلُ ابْنِ حَرْبٍ مِنْ لِقَائِكُمُ ※ إِذَا تَغَطْمَطَتِ الْبَطْحَاءُ بِالْجِيلِ ※ إِنِّي نَذِيرٌ لِأَهْلِ الْبَسْلِ ضَاحِيَةً ※ لِكُلِّ ذِي إِرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولُ ※ مِنْ جَيْشِ أَحْمَدَ لَا وَخْشٍ تَنَابِلَةٍ ※ وَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بِالْقِيلِ ※

قَالَ : فَثَنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ . وَمَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ ، فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا : نُرِيدُ الْمَدِينَةَ . قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالُوا : بِعُكَاظٍ إِذْ وَافَيْتُمُونَا . قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَإِذَا وَافَيْتُمُوهُ فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا الْمَسِيرَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ ، فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ ، فَأَخْبَرُوهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَلَغَهُ رُجُوعُهُمْ :

" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سُوِّمَتْ لَهُمْ حِجَارَةٌ لَوْ صُبِّحُوا بَهَا لَكَانُوا كَأَمْسِ الذَّاهِبِ " . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ [ فِي قَوْلِهِ ] ( ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ ) إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابُوا وَرَجَعُوا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ رَجَعَ وَقَدْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ [ الرُّعْبَ ] فَمَنْ يَنْتَدِبُ فِي طَلَبِهِ ؟ " فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاتَّبَعُوهُمْ ، فَبَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَطْلُبُهُ فَلَقِيَ عِيرًا مِنَ التُّجَّارِ فَقَالَ : رُدُّوا مُحَمَّدًا وَلَكَمْ مِنَ الْجُعْلِ كَذَا وَكَذَا ، وَأَخْبِرُوهُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهُمْ جُمُوعًا ، وَأَنَّنِي رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ . فَجَاءَ التُّجَّارُ فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : إِنَّ هَذَا السِّيَاقَ نَزَلَ فِي شَأْنِ [ غَزْوَةِ ] حَمْرَاءِ الْأَسَدِ " ، وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ الْمَوْعِدِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . وَقَوْلُهُ : ( [﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ] ) أَيِ : الَّذِينَ تَوَعَّدَهُمُ النَّاسُ [ بِالْجُمُوعِ ] وَخَوَّفُوهُمْ بِكَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ ، فَمَا اكْتَرَثُوا لِذَلِكَ ، بَلْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ وَاسْتَعَانُوا بِهِ ( ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، أُرَاهُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ) قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا : ( ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ) وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَهَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ - بِهِ . وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ [ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ] رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ، بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ : ( ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ) . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : وَأَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : هِيَ كَلِمَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي الْبُنْيَانِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الثَّوْرِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ السُّكَّرِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . وَرَوَى أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّافِعِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَّهَ عَلِيًّا فِي نَفَرٍ مَعَهُ فِي طَلَبِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَلَقِيَهُمْ أَعْرَابِيٌّ مَنْ خُزَاعَةَ فَقَالَ : إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ قَالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، أَنْبَأَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ ، أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا وَقَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ الْعَظِيمِ فَقُولُوا : ( ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَا حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنَا بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ سَيْفٍ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَا أَدْبَرَ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ " . فَقَالَ : " مَا قُلْتَ ؟ " . قَالَ : قُلْتُ : حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ عَنْ بَحِيرٍ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ سَيْفٍ - وَهُوَ الشَّامِيُّ ، وَلَمْ يُنْسَبْ - عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِنَحْوِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 8 ] قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ ، يَسْمَعُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ " . فَقَالَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَا نَقُولُ ؟ قَالَ : " قُولُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا " . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ ، وَرُوِّينَا عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَزَيْنَبَ [ بِنْتِ جَحْشٍ ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُمَا تَفَاخَرَتَا فَقَالَتْ زَيْنَبُ : زَوَّجَنِي اللَّهُ وَزَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : نَزَلَتْ بَرَاءَتِي مِنَ السَّمَاءِ فِي الْقُرْآنِ . فَسَلَّمَتْ لَهَا زَيْنَبُ ، ثُمَّ قَالَتْ : كَيْفَ قُلْتِ حِينَ رَكِبْتِ رَاحِلَةَ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطَّلِ ؟ فَقَالَتْ : قُلْتُ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ : قُلْتِ كَلِمَةَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ) أَيْ : لَمَّا تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ كَفَاهُمْ مَا أَهَمَّهُمْ وَرَدَّ عَنْهُمْ بَأْسَ مَنْ أَرَادَ كَيْدَهُمْ ، فَرَجَعُوا إِلَى بَلَدِهِمْ ( ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ) مِمَّا أَضْمَرَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ ( ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ الزَّاهِدُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ ) قَالَ : النِّعْمَةُ أَنَّهُمْ سَلَّمُوا ، وَالْفَضْلُ أَنَّ عِيرًا مَرَّتْ ، وَكَانَ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَبِحَ فِيهَا مَالًا فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ) قَالَ : [ هَذَا ] أَبُو سُفْيَانَ ، قَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَوْعِدُكُمْ بَدْرٌ ، حَيْثُ قَتَلْتُمْ أَصْحَابَنَا . فَقَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَسَى " . فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَوْعِدِهِ حَتَّى نَزَلَ بَدْرًا ، فَوَافَقُوا السُّوقَ فِيهَا وَابْتَاعُوا فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( [﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ] ) قَالَ : وَهِيَغَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَرَوَى [ أَيْضًا ] عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : لَمَّا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَوْعِدِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ الْمُشْرِكِينَ وَيَسْأَلُونَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ ، فَيَقُولُونَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يَكِيدُونَهُمْ بِذَلِكَ ، يُرِيدُونَ أَنْ يُرْعِبُوهُمْ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ : ( ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ) حَتَّى قَدِمُوا بَدْرًا ، فَوَجَدُوا أَسْوَاقَهَا عَافِيَةً لَمْ يُنَازِعْهُمْ فِيهَا أَحَدٌ ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَخْبَرَ أَهْلَ مَكَّةَ بِخَيْلِ مُحَمَّدٍ ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ : نَفَرَتْ قَلُوصِي مِنْ خُيُولِ مُحَمَّدٍ ※ وَعَجْوَةٍ مَنْثُورَةٍ كَالْعُنْجُدِ ※ وَاتَّخَذَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي ※

ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : هَكَذَا أَنْشَدَنَا الْقَاسِمُ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ : قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رِفْقَتَيْ مُحَمَّدٍ ※ وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبٍ كَالْعُنْجُدِ ※ تَهْوَى عَلَى دِينِ أَبِيهَا الْأَتْلَدِ ※ قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي ※ وَمَاءَ ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الْغَدِ ※

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ) أَيْ : يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ ، وَيُوهِمُكُمْ أَنَّهُمْ ذَوُو بَأْسٍ وَذَوُو شِدَّةٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) [ أَيْ : فَ ] إِذَا سَوَّلَ لَكُمْ وَأَوْهَمَكُمْ فَتَوَكَّلُوا عَلَيَّ وَالْجَئُوا إِلَيَّ ، فَأَنَا كَافِيكُمْ وَنَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ) [ الزُّمَرِ : 36 - 38 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 76 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ) [ الْمُجَادَلَةِ : 19 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ) [ الْمُجَادَلَةِ : 21 ] وَقَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ ) [ الْحَجِّ : 40 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ] ) [ مُحَمَّدٍ : 7 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ) [ غَافِرِ : 51 ، 52 ] .

176-180

﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًايُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ( 176 ) إِنَّ ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ( 177 ) ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ( 178 ) ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ( 179 ) ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ( 180 ) ) يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ ) وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى النَّاسِ كَانَ يُحْزِنُهُ مُبَادَرَةُ الْكُفَّارِ إِلَى الْمُخَالَفَةِ وَالْعِنَادِ وَالشِّقَاقِ ، فَقَالَ تَعَالَى : وَلَا يُحْزِنُكَ ذَلِكَ ( ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ ) أَيْ : حِكْمَتُهُ فِيهِمْ أَنَّهُ يُرِيدُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْآخِرَةِ ( ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ ذَلِكَ إِخْبَارًا مُقَرَّرًا : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ ) أَيِ : اسْتَبْدَلُوا هَذَا بِهَذَا ( ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ ) أَيْ : وَلَكِنْ يَضُرُّونَ أَنْفُسَهُمْ ( ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 55 ، 56 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ) [ الْقَلَمِ : 44 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 55 ] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ) أَيْ : لَا بُدَّ أَنْ يَعْقِدَ سَبَبًا مِنَ الْمِحْنَةِ ، يَظْهَرُ فِيهِ وَلِيُّهُ ، وَيَفْتَضِحُ فِيهِ عَدُوُّهُ . يُعْرَفُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الصَّابِرُ ، وَالْمُنَافِقُ الْفَاجِرُ . يَعْنِي بِذَلِكَيَوْمَ أُحُدٍ الَّذِي امْتَحَنَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَظَهَرَ بِهِ إِيمَانُهُمْ وَصَبْرُهُمْ وَجَلَدُهُمْ [ وَثَبَاتُهُمْ ] وَطَاعَتُهُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَتَكَ بِهِ سِتْرَ الْمُنَافِقِينَ ، فَظَهْرَ مُخَالَفَتُهُمْ وَنُكُولُهُمْ عَنِ الْجِهَادِ وَخِيَانَتُهُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ) . قَالَ مُجَاهِدٌ : مَيَّزَ بَيْنَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ : مَيَّزَ بَيْنَهُمْ بِالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : قَالُوا : إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا فَلْيُخْبِرْنَا عَمَّنْ يُؤْمَنُ بِهِ مِنَّا وَمَنْ يَكْفُرُ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى﴾ ) [ ﴿يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ) أَيْ : حَتَّى ] يُخْرِجَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ . رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ : ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ ) أَيْ : أَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ غَيْبَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ حَتَّى يَمِيزَ لَكُمُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْمُنَافِقِ ، لَوْلَا مَا يَعْقِدُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْكَاشِفَةِ عَنْ ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ) كَقَوْلِهِ ( ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ) [ الْجِنِّ : 26 ، 27 ] . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ) أَيْ : أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاتَّبِعُوهُ فِيمَا شَرَعَ لَكُمْ ( ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ ) أَيْ :لَا يَحْسَبَنَّ الْبَخِيلُ أَنَّ جَمْعَهُ الْمَالَ يَنْفَعُهُ، بَلْ هُوَ مَضَرَّةٌ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ - وَرُبَّمَا كَانَ - فِي دُنْيَاهُ . ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَآلِ أَمْرِ مَالِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ : " ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ " قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "

مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ ، أَنَا كَنْزُكَ " ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُمَثِّلُ اللَّهُ لَهُ مَالَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ ، ثُمَّ يُلْزِمُهُ يُطَوِّقُهُ ، يَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ ، أَنَا كَنْزُكَ " .

وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيُّ : وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَثْبَتُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قُلْتُ : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ يَكُونُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ سَاقَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَمِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ، عَنْ زِيَادٍ الْخَطْمِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ جَامِعٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : "

مَا مِنْ عَبْدٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ لَهُ شُجَاعٌ أَقْرَعُ يَتْبَعُهُ، يَفِرُّ مِنْهُ وَهُوَ يَتْبَعُهُ فَيَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ " . ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : ( ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ) . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ : وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، مَوْقُوفًا . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ ثَوْبَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ زَبِيبَتَانِ ، يَتْبَعُهُ وَيَقُولُ : مَنْ أَنْتَ ؟ وَيْلَكَ . فَيَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ الَّذِي خَلَّفْتَ بَعْدَكَ فَلَا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيَقْضِمَهَا ، ثُمَّ يَتْبَعُهُ سَائِرَ جَسَدِهِ " . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ . وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يَأْتِي الرَّجُلُ مَوْلَاهُ فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِ مَالِهِ عِنْدَهُ ، فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ ، إِلَّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ فَضْلَهُ الَّذِي مَنَعَ " . لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمَهُ ، فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ ، فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ ، إِلَّا أُخْرِجَ لَهُ مِنْ جَهَنَّمَ شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ ، حَتَّى يُطَوِّقَهُ " . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي قَزَعَةَ - وَاسْمُهُ حُجَيْرُ بْنُ بَيَانٍ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْعَبْدِيِّ مَوْقُوفًا . وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي قَزَعَةَ مُرْسَلًا . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ بَخِلُوا بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ أَنْ يُبَيِّنُوهَا . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَإِنْ دَخَلَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ . وَقَدْ يُقَالُ : [ إِنَّ ] هَذَا أَوْلَى بِالدُّخُولِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ) أَيْ : فَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ، فَإِنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا مَرْجِعُهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَقَدِّمُوا لَكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ يَوْمَ مَعَادِكُمْ ( ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ) أَيْ : بِنِيَّاتِكُمْ وَضَمَائِرِكُمْ .

181-184

( ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُسَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ( 181 ) ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ( 182 ) ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ( 183 ) ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ( 184 ) ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ : ( ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 245 ] قَالَتِ الْيَهُودُ : يَا مُحَمَّدُ ، افْتَقَرَ رَبُّكَ . يَسْأَلُ عِبَادَهُ الْقَرْضَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ) الْآيَةَ . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ :

دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بَيْتَ الْمِدْرَاسِ ، فَوَجَدَ مِنْ يَهُودَ أُنَاسًا كَثِيرًا قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ : فِنْحَاصُ وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ ، وَمَعَهُ حَبْرٌ يُقَالُ لَهُ : أَشْيَعَ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَيْحَكَ يَا فِنْحَاصُ اتَّقِ اللَّهَ وَأَسْلِمْ ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، فَقَالَ فِنْحَاصُ : وَاللَّهِ - يَا أَبَا بَكْرٍ - مَا بِنَا إِلَى اللَّهِ مِنْ حَاجَةٍ مِنْ فَقْرٍ ، وَإِنَّهُ إِلَيْنَا لَفَقِيرٌ . مَا نَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَضَرَّعُ إِلَيْنَا ، وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ ، وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا اسْتَقْرَضَ مِنَّا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ ، يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيُعْطِنَاهُ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا مَا أَعْطَانَا الرِّبَا ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصَ ضَرْبًا شَدِيدًا ، وَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْلَا الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مِنَ الْعَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، فَاكْذِبُونَا مَا اسْتَطَعْتُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، فَذَهَبَ فِنْحَاصُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَبْصِرْ مَا صَنَعَ بِي صَاحِبُكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ : " مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ " فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا ، زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَأَنَّهُمْ عَنْهُ أَغْنِيَاءُ ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ مِمَّا قَالَ ، فَضَرَبْتُ وَجْهَهُ فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصُ وَقَالَ : مَا قُلْتُ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا قَالَ فِنْحَاصُ رَدًّا عَلَيْهِ وَتَصْدِيقًا لِأَبِي بَكْرٍ : ( ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ) الْآيَةَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ ) تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ ، وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ) أَيْ : هَذَا قَوْلُهُمْ فِي اللَّهِ ، وَهَذِهِ مُعَامَلَتُهُمْ لِرُسُلِ اللَّهِ ، وَسَيَجْزِيهِمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ شَرَّ الْجَزَاءِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ . ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيَكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ) أَيْ : يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَحْقِيرًا وَتَصْغِيرًا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ ) يَقُولُ تَعَالَى تَكْذِيبًا أَيْضًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِمْ أَلَّا يُؤْمِنُوا بِرَسُولٍ حَتَّى يَكُونَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَقُبِلَتْ مِنْهُ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ تَأْكُلُهَا . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ) أَيْ : بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ ( ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ ) أَيْ : وَبِنَارٍ تَأْكُلُ الْقَرَابِينَ الْمُتَقَبَّلَةَ ( ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ ) أَيْ : فَلِمَ قَابَلْتُمُوهُمْ بِالتَّكْذِيبِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالْمُعَانَدَةِ وَقَتَلْتُمُوهُمْ ( ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ) أَنَّكُمْ تَتَّبِعُونَ الْحَقَّ وَتَنْقَادُونَ لِلرُّسُلِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ) أَيْ : لَا يُوهِنُكَ تَكْذِيبُ هَؤُلَاءِ لَكَ ، فَلَكَ أُسْوَةُ مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كُذِّبُوا مَعَ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَهِيَ الْحُجَجُ وَالْبَرَاهِينُ الْقَاطِعَةُ ( ﴿وَالزُّبُرِ﴾ ) وَهِيَ الْكُتُبُ الْمُتَلَقَّاةُ مِنَ السَّمَاءِ ، كَالصُّحُفِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ( ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ) أَيِ : الْبَيِّنُ الْوَاضِحُ الْجَلِيُّ .

185-186

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِفَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ( 185 ) ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ( 186 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَامًّا يَعُمُّ جَمِيعَ الْخَلِيقَةِ بِأَنَّكُلَّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ) فَهُوَ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ يَمُوتُونَ ، وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ ، وَيَنْفَرِدُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْقَهَّارُ بِالدَّيْمُومَةِ وَالْبَقَاءِ ، فَيَكُونُ آخِرًا كَمَا كَانَ أَوَّلًا . وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَعْزِيَةٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ ، فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى يَمُوتَ ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَفَرَغَتِ النُّطْفَةُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ وُجُودَهَا مِنْ صُلْبِ آدَمَ وَانْتَهَتِ الْبَرِيَّةُ - أَقَامَ اللَّهُ الْقِيَامَةَ وَجَازَى الْخَلَائِقَ بِأَعْمَالِهَا جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا ، كَثِيرِهَا وَقَلِيلِهَا ، كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا ، فَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ اللِّهْبِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ ، جَاءَهُمْ آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ) ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ) إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ ، وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا ، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا ، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ : فَأَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا ؟ هَذَا الْخَضِرُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ) أَيْ : مَنْ جُنِّبَ النَّارَ وَنَجَا مِنْهَا وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ، فَقَدْ فَازَ كُلَّ الْفَوْزِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "

مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمَ : ( ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ) . هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَقَدْ رَوَاهُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَبُو حَاتِمٍ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو هَذَا . وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ [ أَيْضًا ] مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، أَنْبَأَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " . قَالَ : ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ) وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ) مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَأَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ " . **وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ )**تَصْغِيرًا لِشَأْنِ الدُّنْيَا ، وَتَحْقِيرًا لِأَمْرِهَا ، وَأَنَّهَا دَنِيئَةٌ فَانِيَةٌ قَلِيلَةٌ زَائِلَةٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ) [ الْأَعْلَى : 16 ، 17 ] [ وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ ) [ الرَّعْدِ : 26 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ] ) [ النَّحْلِ : 96 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ) [ الْقِصَصِ : 60 ] وَفِي الْحَدِيثِ : " وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَغْمِسُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ إِلَيْهِ ؟ " . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ) هِيَ مَتَاعٌ ، هِيَ مَتَاعٌ ، مَتْرُوكَةٌ ، أَوْشَكَتْ - وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ - أَنْ تَضْمَحِلَّ عَنْ أَهْلِهَا ، فَخُذُوا مِنْ هَذَا الْمَتَاعِ طَاعَةَ اللَّهِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ) كَقَوْلِهِ ( ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ ) [ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ] ) [ الْبَقَرَةِ : 155 ، 156 ] أَيْ : لَا بُدَّ أَنْ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ أَهْلِهِ ،وَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، إِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي الْبَلَاءِ ( ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ ) يَقُولُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ مَقْدَمِهِمُ الْمَدِينَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، مُسَلِّيًا لَهُمْ عَمَّا نَالَهُمْ مِنَ الْأَذَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ، وَآمِرًا لَهُمْ بِالصَّبْرِ وَالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ ، فَقَالَ : ( ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى ، قَالَ اللَّهُ : ( ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ ) قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ فِي الْعَفْوِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ . هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مُطَوَّلًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، قَالَ : حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ - ابْنُ سَلُولَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ، عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ : " لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا . فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَقَفَ ، فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ : أَيُّهَا الْمَرْءُ ، إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ ، إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا ، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ . فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا ، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَابَّتَهُ ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا سَعْدُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ - يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - قَالَ كَذَا وَكَذَا " . فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ فَوَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ ، فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ بِذَلِكَ ، فَذَلِكَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( [﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ] ) وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ) الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 109 ] ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ فِي الْعَفْوِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا ، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ - ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ : هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ ، فَبَايَعُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَسْلَمُوا . فَكَانَ مَنْ قَامَ بِحَقٍّ ، أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْذَى ، فَمَا لَهُ دَوَاءٌ إِلَّا الصَّبْرُ فِي اللَّهِ ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ .

187-189

( ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُفَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ( 187 ) ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ( 188 ) ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ( 189 ) ) هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ وَتَهْدِيدٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ ، الَّذِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْ يُنَوِّهُوا بِذِكْرِهِ فِي النَّاسِ لِيَكُونُوا عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ أَمْرِهِ ، فَإِذَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَابَعُوهُ ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ وَتَعَوَّضُوا عَمَّا وَعَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِالدُّونِ الطَّفِيفِ ، وَالْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ السَّخِيفِ ، فَبِئْسَتِ الصَّفْقَةُ صَفْقَتُهُمْ ، وَبِئْسَتِ الْبَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ . وَفِي هَذَا تَحْذِيرٌ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَهُمْ فَيُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ ، وَيُسْلَكَ بِهِمْ مَسْلَكُهُمْ ،**فَعَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَبْذُلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ ، الدَّالِّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَلَا يَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئًا ،**فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

" مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ " . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( [﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ] ) الْآيَةَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُرَائِينَ الْمُتَكَثِّرِينَ بِمَا لَمْ يُعْطَوْا ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً " وَفِي الصَّحِيحِ : " الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ : اذْهَبْ يَا رَافِعُ - لِبَوَّابِهِ - إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ - مُعَذَّبًا ، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمَا لَكُمْ وَهَذِهِ ؟ إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ) وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ) الْآيَةَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ ، فَكَتَمُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ ، فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ ، بِنَحْوِهِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍّ : أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ : اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَهُ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَزْوِ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا ، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ، فَنَزَلَتْ : ( ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ) الْآيَةَ . وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، بِنَحْوِهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : كَانَ أَبُو سَعِيدٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عِنْدَ مَرْوَانَ فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، رَأَيْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : ( ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ) وَنَحْنُ نَفْرَحُ بِمَا أَتَيْنَا وَنُحِبُّ أَنْ نُحْمَدَ بِمَا لَمْ نَفْعَلْ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَاكَ ، إِنَّمَا ذَاكَ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ إِذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَكْبَةٌ فَرِحُوا بِتَخَلُّفِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ حَلَفُوا لَهُمْ لِيُرْضُوهُمْ وَيَحْمَدُوهُمْ عَلَى سُرُورِهِمْ بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ . فَقَالَ مَرْوَانُ : أَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : وَهَذَا يَعْلَمُ هَذَا ، فَقَالَ مَرْوَانُ : أَكَذَلِكَ يَا زَيْدُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، صَدَقَ أَبُو سَعِيدٍ . ثُمَّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : وَهَذَا يَعْلَمُ ذَاكَ - يَعْنِي رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ - وَلَكِنَّهُ يَخْشَى إِنْ أَخْبَرَكَ أَنْ تَنْزِعَ قَلَائِصَهُ فِي الصَّدَقَةِ . فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ زَيْدٌ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَلَا تَحْمَدُنِي عَلَى شَهَادَةٍ لَكَ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : شَهِدْتَ الْحَقَّ . فَقَالَ زَيْدٌ : أَوْ لَا تَحْمَدُنِي عَلَى مَا شَهِدْتُ الْحَقَّ ؟ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ مَرْوَانُ : يَا رَافِعُ ، فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ هَذِهِ ؟ فَذَكَرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَكَانَ مَرْوَانُ يَبْعَثُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَقَالَ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ ، لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ هَلَكْتُ . قَالَ : " لِمَ ؟ " قَالَ : نَهَى اللَّهُ الْمَرْءَ أَنْ يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الْحَمْدَ . وَنَهَى اللَّهُ عَنِ الْخُيَلَاءِ ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الْجَمَالَ ، وَنَهَى اللَّهُ أَنْ نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ ، وَأَنَا امْرُؤٌ جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَّا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا ، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا ، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ ؟ " قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَعَاشَ حَمِيدًا ، وَقُتِلَ شَهِيدَا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ .

وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ) يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْمُفْرَدِ ، وَبِالْيَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ ، أَيْ : لَا تَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ نَاجُونَ مِنَ الْعَذَابِ ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ) ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ) أَيْ : هُوَ مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ، فَهَابُوهُ وَلَا تُخَالِفُوهُ ، وَاحْذَرُوا نِقْمَتَهُ وَغَضَبَهُ ، فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ ، الْقَدِيرُ الَّذِي لَا أَقْدَرَ مِنْهُ .

190-194

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ( 190 ) ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ( 191 ) ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ( 192 ) ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ( 193 ) ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ( 194 ) ) قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُسْتَرِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

أَتَتْ قُرَيْشٌ الْيَهُودَ فَقَالُوا : بِمَ جَاءَكُمْ مُوسَى ؟ قَالُوا : عَصَاهُ وَيَدُهُ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ . وَأَتَوُا النَّصَارَى فَقَالُوا : كَيْفَ كَانَ عِيسَى ؟ قَالُوا : كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى : فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَجْعَلُ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا . فَدَعَا رَبَّهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ) فَلْيَتَفَكَّرُوا فِيهَا . وَهَذَا مُشْكِلٌ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ . وَسُؤَالُهُمْ أَنْ يَكُونَ الصَّفَا ذَهَبًا كَانَ بِمَكَّةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ) أَيْ : هَذِهِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا ، وَهَذِهِ فِي انْخِفَاضِهَا وَكَثَافَتِهَا وَاتِّضَاعِهَا وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْمُشَاهَدَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ كَوَاكِبَ سَيَّارَاتٍ ، وَثَوَابِتَ وَبِحَارٍ ، وَجِبَالٍ وَقِفَارٍ وَأَشْجَارٍ وَنَبَاتٍ وَزُرُوعٍ وَثِمَارٍ ، وَحَيَوَانٍ وَمَعَادِنَ وَمَنَافِعَ ، مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالطَّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَالْخَوَاصِّ ( ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ) أَيْ : تَعَاقُبُهُمَا وَتَقَارُضُهُمَا الطُّولَ وَالْقِصَرَ ، فَتَارَةً يَطُولُ هَذَا وَيَقْصُرُ هَذَا ، ثُمَّ يَعْتَدِلَانِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا فَيَطُولُ الَّذِي كَانَ قَصِيرًا ، وَيَقْصُرُ الَّذِي كَانَ طَوِيلًا وَكُلُّ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ) أَيِ الْعُقُولِ التَّامَّةِ الذَّكِيَّةِ الَّتِي تُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ بِحَقَائِقِهَا عَلَى جَلِيَّاتِهَا ، وَلَيْسُوا كَالصُّمِّ الْبُكْمِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] فِيهِمْ : ( ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ) [ يُوسُفَ : 105 ، 106 ] . ثُمَّ وَصَفَ تَعَالَى أُولِي الْأَلْبَابِ فَقَالَ : ( ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ) كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِكَ أَيْ : لَا يَقْطَعُونَ ذِكْرَهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ بِسَرَائِرِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ ( ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ) أَيْ : يَفْهَمُونَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْحِكَمِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ وَقُدْرَتِهِ ، وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ ، وَاخْتِيَارِهِ وَرَحْمَتِهِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ : إِنِّي لَأَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِي ، فَمَا يَقَعُ بَصَرِي عَلَى شَيْءٍ إِلَّا رَأَيْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ فِيهِ نِعْمَةٌ ، أَوْ لِي فِيهِ عِبْرَةٌ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ " . وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ :تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ : قَالَ الْحَسَنُ : الْفِكْرَةُ مِرْآةٌ تُرِيكَ حَسَنَاتِكَ وَسَيِّئَاتِكَ . وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : الْفِكْرَةُ نُورٌ يَدْخُلُ قَلْبَكَ . وَرُبَّمَا تَمَثَّلَ بِهَذَا الْبَيْتِ :

إِذَا الْمَرْءُ كَانَتْ لَهُ فِكْرَةٌ ※ فِفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ عِبْرَةٌ ※

وَعَنْ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ قَالَ : طُوبَى لِمَنْ كَانَ قِيلُهُ تَذَكُّرًا ، وَصَمْتُهُ تَفَكُّرًا ، وَنَظَرُهُ عِبَرًا . وَقَالَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ : إِنَّ طُولَ الْوَحْدَةِ أَلْهَمُ لِلْفِكْرَةِ ، وَطُولَ الْفِكْرَةِ دَلِيلٌ عَلَى طَرْقِ بَابِ الْجَنَّةِ . وَقَالَ وَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : مَا طَالَتْ فِكْرَةُ امْرِئٍ قَطُّ إِلَّا فَهِمَ ، وَمَا فَهِمَ امْرُؤٌ قَطُّ إِلَّا عَلِمَ ، وَمَا عَلِمَ امْرُؤٌ قَطُّ إِلَّا عَمِلَ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الْكَلَامُ بِذِكْرِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، حَسَنٌ ، وَالْفِكْرَةُ فِي نِعَمِ اللَّهِ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ . وَقَالَ مُغِيثٌ الْأَسْوَدُ : زُورُوا الْقُبُورَ كُلَّ يَوْمِ تُفَكِّرُكُمْ ، وَشَاهِدُوا الْمَوْقِفَ بِقُلُوبِكُمْ ، وَانْظُرُوا إِلَى الْمُنْصَرَفِ بِالْفَرِيقَيْنِ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ ، وَأَشْعِرُوا قُلُوبَكُمْ وَأَبْدَانَكُمْ ذِكْرَ النَّارِ وَمَقَامِعَهَا وَأَطْبَاقَهَا ، وَكَانَ يَبْكِي عِنْدَ ذَلِكَ حَتَّى يُرْفَعَ صَرِيعًا مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ ، قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : مَرَّ رَجُلٌ بِرَاهِبٍ عِنْدَ مَقْبَرَةٍ وَمَزْبَلَةٍ ، فَنَادَاهُ فَقَالَ : يَا رَاهِبُ ، إِنَّ عِنْدَكَ كَنْزَيْنِ مِنْ كُنُوزِ الدُّنْيَا لَكَ فِيهِمَا مُعْتَبَرٌ ، كَنْزُ الرِّجَالِ وَكَنْزُ الْأَمْوَالِ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرِ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَعَاهَدَ قَلْبَهُ ، يَأْتِي الْخَرِبَةَ فَيَقِفُ عَلَى بَابِهَا ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ حَزِينٍ فَيَقُولُ : أَيْنَ أَهْلُكِ ؟ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ : ( ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ) [ الْقَصَصِ : 88 ] . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : رَكْعَتَانِ مُقْتَصِدَتَانِ فِي تَفَكُّرٍ ، خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَالْقَلْبُ سَاهٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، كُلْ فِي ثُلُثِ بَطْنِكَ ، وَاشْرَبْ فِي ثُلْثِهِ ، وَدَعْ ثُلُثَهُ الْآخَرَ تَتَنَفَّسُ لِلْفِكْرَةِ . وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : مَنْ نَظَرَ إِلَى الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْعِبْرَةِ انْطَمَسَ مِنْ بَصَرِ قَلْبِهِ بِقَدْرِ تِلْكَ الْغَفْلَةِ . وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي : لَوْ تَفَكَّرَ النَّاسُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَمَا عَصَوْهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ قَالَ : سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ وَلَا اثْنَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إِنَّ ضِيَاءَ الْإِيمَانِ ، أَوْ نُورَ الْإِيمَانِ ، التَّفَكُّرُ .

وَعَنْ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا ابْنَ آدَمَ الضَّعِيفَ ، اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَكُنْ فِي الدُّنْيَا ضَيْفًا ، وَاتَّخِذِ الْمَسَاجِدَ بَيْتًا ، وَعَلِّمْ عَيْنَيْكَ الْبُكَاءَ ، وَجَسَدَكَ الصَّبْرَ ، وَقَلْبَكَ الْفِكْرَ ، وَلَا تَهْتَمَّ بِرِزْقِ غَدٍ . وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ بَكَى يَوْمًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : فَكَّرْتُ فِي الدُّنْيَا وَلِذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا ، فَاعْتَبَرْتُ مِنْهَا بِهَا ، مَا تَكَادُ شَهَوَاتُهَا تَنْقَضِي حَتَّى تُكَدِّرَهَا مَرَارَتُهَا ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ ، إِنَّ فِيهَا مَوَاعِظَ لِمَنِ ادَّكَرَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا : أَنْشَدَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : نُزْهَةُ الْمُؤْمِنِ الْفِكَرْ ※ لَذَّةُ الْمُؤْمِنِ الْعِبَرْ ※ نَحْمَدُ اللَّهَ وَحْدَهُ ※ نَحْنُ كُلٌّ عَلَى خَطَرْ ※ رُبَّ لَاهٍ وَعُمْرُهُ ※ قَدْ تَقَضَّى وَمَا شَعَرْ ※ رُبَّ عَيْشٍ قَدْ كَانَ فَوْ ※ قَ الْمُنَى مُونِقَ الزَهَرْ ※ فِي خَرِيرٍ مِنَ الْعُيُو ※ نِ وَظِلٌّ مِنَ الشَّجَرْ ※ وَسُرُورٌ مِنَ النَّبَا ※ تِ وَطِيبٍ مِنَ الثَمَرْ ※ غَيَّرَتْهُ وَأَهْلَهُ ※ سُرْعَةُ الدَّهْرِ بِالْغِيَرْ ※ نَحْمَدُ اللَّهَ وَحْدَهُ ※ إِنَّ فِي ذَا لَمُعْتَبَرْ ※ إِنَّ فِي ذَا لَعِبْرَةً ※ لِلَبِيبٍ إِنِ اعْتَبَرْ ※

وَقَدْذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَا يَعْتَبِرُ بِمَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ وَآيَاتِهِ، فَقَالَ : ( ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ . ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ) [ يُوسُفَ : 105 ، 106 ] وَمَدَحَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ : ( ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ) قَائِلِينَ ( ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ ) أَيْ : مَا خَلَقْتَ هَذَا الْخَلْقَ عَبَثًا ، بَلْ بِالْحَقِّ لِتَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا ، وَتَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ، ثُمَّ نَزَّهُوهُ عَنِ الْعَبَثِ وَخَلْقِ الْبَاطِلِ فَقَالُوا : ( ﴿سُبْحَانَكَ﴾ ) أَيْ : عَنْ أَنْ تَخْلُقَ شَيْئًا بَاطِلًا ( ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ) أَيْ : يَا مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ ، يَا مَنْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعَيْبِ وَالْعَبَثِ ، قِنَا مِنْ عَذَابِ النَّارِ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَقَيِّضْنَا لِأَعْمَالٍ تَرْضَى بِهَا عَنَّا ، وَوَفِّقْنَا لِعَمَلٍ صَالِحٍ تَهْدِينَا بِهِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، وَتُجِيرُنَا بِهِ مِنْ عَذَابِكَ الْأَلِيمِ . ثُمَّ قَالُوا : ( ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ) أَيْ : أَهَنْتَهُ وَأَظْهَرْتَ خِزْيَهُ لِأَهْلِ الْجَمْعِ ( ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا مُجِيرَ لَهُمْ مِنْكَ ، وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَمَّا أَرَدْتَ بِهِمْ . ( ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ ) أَيْ : دَاعِيًا يَدْعُو إِلَى الْإِيمَانِ ، وَهُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ ) أَيْ يَقُولُ : ( ﴿آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ ) أَيْ : فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَاتَّبَعْنَاهُ ( ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ) أَيْ : بِإِيمَانِنَا وَاتِّبَاعِنَا نَبِيَّكَ فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ، أَيِ : اسْتُرْهَا ( ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ) أَيْ : فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ( ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ) أَيْ : أَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ ( ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ : عَلَى الْإِيمَانِ بِرُسُلِكَ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ . وَهَذَا أَظْهَرُ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي عِقَالٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" عَسْقَلَانُ أَحَدُ الْعَرُوسَيْنِ ، يَبْعَثُ اللَّهُ مِنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ ، وَيَبْعَثُ مِنْهَا خَمْسِينَ أَلْفًا شُهَدَاءَ وُفُودًا إِلَى اللَّهِ ، وَبِهَا صُفُوفُ الشُّهَدَاءِ ، رُءُوسُهُمْ مُقَّطَّعَةٌ فِي أَيْدِيهِمْ ، تَثِجُّ أَوْدَاجُهُمْ دَمًا ، يَقُولُونَ : ( ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ) فَيَقُولُ : صَدَقَ عَبْدِي ، اغْسِلُوهُمْ بِنَهْرِ الْبَيْضَةِ . فَيَخْرُجُونَ مِنْهُ نَقَاءً بِيضًا ، فَيَسْرَحُونَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا " . وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعَدُّ مِنْ غَرَائِبِ الْمُسْنَدِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْضُوعًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ) أَيْ : عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ ( ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ) أَيْ : لَا بُدَّ مِنَ الْمِيعَادِ الَّذِي أَخْبَرْتَ عَنْهُ رُسُلَكَ ، وَهُوَ الْقِيَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْكَ . وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْعَارُ وَالتَّخْزِيَةُ تَبْلُغُ مِنَ ابْنِ آدَمَ فِي الْقِيَامَةِ فِي الْمَقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، مَا يَتَمَنَّى الْعَبْدُ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ إِلَى النَّارِ " حَدِيثٌ غَرِيبٌ . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ مِنْ آخِرِ آلِ عِمْرَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِتَهَجُّدِهِ ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : ( ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ) ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ . فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً . ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ . وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، بِهِ ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ خَالَتُهُ ، قَالَ : فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ - أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ - اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنَامِهِ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ - فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي ، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ . وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكٍ ، بِهِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، بِهِ . " طَرِيقٌ أُخْرَى " لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ أَنْبَأَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَمَرَنِي الْعَبَّاسُ أَنْ أَبِيتَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْفَظُ صَلَاتَهُ . قَالَ : فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ غَيْرُهُ قَامَ فَمَرَّ بِي ، فَقَالَ : " مَنْ هَذَا ؟ عَبْدُ اللَّهِ ؟ " فَقُلْتُ نَعَمْ . قَالَ : " فَمَهْ ؟ " قُلْتُ : أَمَرَنِي الْعَبَّاسُ أَنْ أَبِيتَ بِكُمُ اللَّيْلَةَ . قَالَ : " فَالْحَقِ الْحَقْ " فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ قَالَ : " افْرِشَنْ عَبْدَ اللَّهِ ؟ " فَأَتَى بِوِسَادَةٍ مِنْ مُسُوحٍ ، قَالَ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى فِرَاشِهِ قَاعِدًا ، قَالَ : فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَهَا . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثًا فِي ذَلِكَ أَيْضًا . طَرِيقٌ أُخْرَى رَوَاهَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ بَعْدَ مَا مَضَى لَيْلٌ ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ . ثُمَّ قَالَ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، وَفِي سَمْعِي نُورًا ، وَفِي بَصَرِي نُورًا ، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا ، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا ، وَمِنْ خَلْفِي نُورًا ، وَمِنْ فَوْقِي نُورًا ، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا ، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَهَذَا الدُّعَاءُ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ طُرُقِ الصَّحِيحِ ، مِنْ رِوَايَةِ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . . ثُمَّ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَتْ قُرَيْشٌ الْيَهُودَ فَقَالُوا : بِمَا جَاءَكُمْ مُوسَى مِنَ الْآيَاتِ ؟ قَالُوا : عَصَاهُ وَيَدُهُ الْبَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ . وَأَتَوُا النَّصَارَى فَقَالُوا : كَيْفَ كَانَ عِيسَى فِيكُمْ ؟ قَالُوا : كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى . فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَجْعَلُ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا . فَدَعَا رَبَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَنَزَلَتْ : ( ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ) قَالَ : " فَلْيَتَفَكَّرُوا فِيهَا " لَفْظُ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُ الطَّبَرَانِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَاتُ مَكِّيَّةٌ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مَدَنِيَّةُ ، وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ ، قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ أَشْرَسَ ، حَدَّثَنَا حَشْرَجُ بْنُ نَبَاتَةَ الْوَاسِطِيُّ أَبُو مُكْرَمٍ ، عَنِ الْكَلْبِيِّ - هُوَ أَبُو جَنَابٍ [ الْكَلْبِيُّ ] - عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : انْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ إِلَى عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ ، فَقَالَتْ : يَا عُبَيْدُ ، مَا يَمْنَعُكَ مِنْ زِيَارَتِنَا ؟ قَالَ : قَوْلُ الشَّاعِرِ :

زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا ※

فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : ذَرِينَا أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَبَكَتْ وَقَالَتْ : كُلُّ أَمْرِهِ كَانَ عَجَبًا ، أَتَانِي فِي لَيْلَتِي حَتَّى مَسَّ جِلْدُهُ جِلْدِي ، ثُمَّ قَالَ : ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي [ عَزَّ وَجَلَّ ] قَالَتْ : فَقُلْتُ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَعَبَّدَ لِرَبِّكَ . فَقَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُكْثِرْ صَبَّ الْمَاءِ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ ، ثُمَّ سَجَدَ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ فَبَكَى ، حَتَّى إِذَا أَتَى بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَتْ : فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يُبْكِيكَ ؟ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ ، فَقَالَ : " وَيْحَكَ يَا بِلَالُ ، وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِيَ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ : ( ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ) " ثُمَّ قَالَ : " وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا " . وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ ، عَنْ أَبِي جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ عَطَاءٍ ، بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا وَأَتَمَّ سِيَاقًا . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ النَّخَعِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا [ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ] وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ " عَنْ شُجَاعِ بْنِ أَشْرَصَ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَمِعْتُ سُنَيْدًا يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - رَفَعَهُ قَالَ :

مَنْ قَرَأَ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ فَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهِ وَيْلَهُ . يَعُدُّ بِأَصَابِعِهِ عَشْرًا . قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ : قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ : مَا غَايَةُ التَّفَكُّرِ فِيهِنَّ ؟ قَالَ : يَقْرَؤُهُنَّ وَهُوَ يَعْقِلُهُنَّ . قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا : وَحَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ أَدْنَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُتَعَلِّقُ مِنَ الْفِكْرِ فِيهِنَّ وَمَا يُنْجِيهِ مِنْ هَذَا الْوَيْلِ ؟ فَأَطْرَقَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ : يَقْرَؤُهُنَّ وَهُوَ يَعْقِلُهُنَّ . [ حَدِيثٌ آخَرُ فِيهِ غَرَابَةٌ : قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرِ بْنِ نُمَيْرٍ ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُسْتِيُّ ح وَقَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَا أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الزُّهْرِيُّ ، أَنْبَأَنَا مَظَاهِرُ بْنُ أَسْلَمَ الْمَخْزُومِيُّ ، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ . مُظَاهِرُ بْنُ أَسْلَمَ ضَعِيفٌ ] .

195

( ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍفَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ ( 195 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ) أَيْ : فَأَجَابَهُمْ رَبُّهُمْ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَى ※ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ※

قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَلَمَةَ ، رَجُلٌ مِنْ آلِ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَ : قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ :

يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا نَسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّسَاءَ فِي الْهِجْرَةِ بِشَيْءٍ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . وَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : هِيَ أَوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنَا . وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ) إِلَى آخِرِهَا . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ . وَمَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ ذَوِي الْأَلْبَابِ لَمَّا سَأَلُوا - مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ - فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ - عَقَّبَ ذَلِكَ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 186 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْإِجَابَةِ ، أَيْ قَالَ لَهُمْ مُجِيبًا لَهُمْ : أَنَّهُ لَا يَضِيعُ عَمَلُ عَامِلٍ لَدَيْهِ ، بَلْ يُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ بِقِسْطِ عَمَلِهِ ، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى . وَقَوْلُهُ : ( ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ) أَيْ : جَمِيعُكُمْ فِي ثَوَابِي سَوَاءٌ ( ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ ) أَيْ : تَرَكُوا دَارَ الشِّرْكِ وَأَتَوْا إِلَى دَارِ الْإِيمَانِ وَفَارَقُوا الْأَحْبَابَ وَالْخُلَّانَ وَالْإِخْوَانَ وَالْجِيرَانَ ، ( ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ) أَيْ : ضَايَقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِالْأَذَى حَتَّى أَلْجَئُوهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا كَانَ ذَنْبُهُمْ إِلَى النَّاسِ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ ) [ الْمُمْتَحِنَةِ : 1 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ) [ الْبُرُوجِ : 8 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ ) وَهَذَاأَعْلَى الْمَقَامَاتِ أَنْ يُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُعْقَرَ جَوَادُهُ ، وَيُعَفَّرَ وَجْهُهُ بِدَمِهِ وَتُرَابِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ثُمَّ قَالَ : " كَيْفَ قُلْتَ ؟ " : فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَا قَالَ ، فَقَالَ : " نَعَمْ ، إِلَّا الدَّيْنَ ، قَالَهُ لِي جِبْرِيلُ آنِفًا " . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ) أَيْ : تَجْرِي فِي خِلَالِهَا الْأَنْهَارُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشَارِبِ ، مِنْ لَبَنٍ وَعَسَلٍ وَخَمْرٍ وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ) أَضَافَهُ إِلَيْهِ وَنَسَبَهُ إِلَيْهِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ عَظِيمٌ ، لِأَنَّ الْعَظِيمَ الْكَرِيمَ لَا يُعْطِي إِلَّا جَزِيلًا كَثِيرًا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : إِنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرَامًا وَإِنْ يُعْ ※ طِ جَزِيلَا فَإِنَّهُ لَا يُبَالِي ※

وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ ) أَيْ : عِنْدَهُ حُسْنُ الْجَزَاءِ لِمَنْ عَمِلَ صَالِحًا . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ دُحَيْمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، أَخْبَرَنِي حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ : أَنَّ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ كَانَ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، لَا تَتَّهِمُوا اللَّهَ فِي قَضَائِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَبْغِي عَلَى مُؤْمِنٍ ، فَإِذَا نَزَلَ بِأَحَدِكُمْ شَيْءٌ مِمَّا يُحِبُّ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ، وَإِذَا نَزَلَ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا يَكْرَهُ فَلْيَصْبِرْ وَلِيَحْتَسِبْ ، فَإِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ .

196-198

( ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ( 196 ) ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ( 197 ) ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ( 198 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : لَا تَنْظُرُوا إِلَى مَا هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مُتْرَفُونَ فِيهِ ، مِنَ النِّعْمَةِ وَالْغِبْطَةِ وَالسُّرُورِ ، فَعَمَّا قَلِيلٍ يَزُولُ هَذَا كُلُّهُ عَنْهُمْ ، وَيُصْبِحُونَ مُرْتَهَنِينَ بِأَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ ، فَإِنَّمَا نَمُدُّ لَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ اسْتِدْرَاجًا ، وَجَمِيعُ مَا هُمْ فِيهِ ( ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ) وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ ) [ غَافِرٍ : 4 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ) [ يُونُسَ : 69 ، 70 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ) [ لُقْمَانَ : 24 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ ) [ الطَّارِقِ : 17 ] ، أَيْ : قَلِيلًا وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ ) [ الْقَصَصِ : 61 ] . وَهَكَذَا لَمَّا ذَكَرَحَالَ الْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَاوَذَكَرَ مَآلَهُمْ إِلَى النَّارِ قَالَ بَعْدَهُ : " ( ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا﴾ ) أَيْ : ضِيَافَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ( ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ) وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

" إِنَّمَا سُمُّوا الْأَبْرَارَ لِأَنَّهُمْ بَرُّوا الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ ، كَمَا أَنَّ لِوَالِدَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، كَذَلِكَ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ " . كَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : إِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ أَبْرَارًا لِأَنَّهُمْ بَرُّوا الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ ، كَمَا أَنَّ لِوَالِدَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، كَذَلِكَ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ ، وَهَذَا أَشْبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : الْأَبْرَارُ الَّذِينَ لَا يُؤْذُونَ الذَّرَّ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - : مَا مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلَا فَاجِرَةٍ إِلَّا الْمَوْتُ خَيْرٌ لَهَا ، لَئِنْ كَانَ بَرًّا لَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ( ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ) وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، بِهِ ، وَقَرَأَ : ( ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 178 ] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ لُقْمَانَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ ، وَمَا مِنْ كَافِرٍ إِلَّا وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ) وَيَقُولُ : ( ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ )

199-200

( ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِلَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ( 199 ) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ( 200 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ حَقَّ الْإِيمَانِ ، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ، مَعَ مَا هُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَأَنَّهُمْ خَاشِعُونَ لِلَّهِ ، أَيْ : مُطِيعُونَ لَهُ خَاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، ( ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ) أَيْ : لَا يَكْتُمُونَ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِشَارَاتِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ صِفَتَهُ وَنَعْتَهُ وَمَبْعَثَهُ وَصِفَةَ أُمَّتِهِ ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ خِيرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَصَفْوَتُهُمْ ، سَوَاءً كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَصَصِ : ( ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ . وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ . أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ ) الْآيَةَ [ الْقَصَصِ : 52 - 54 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ) الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 121 ] ، وَقَالَ : ( ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 159 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 113 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا . وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 107 - 109 ] ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ تُوجَدُ فِي الْيَهُودِ ، وَلَكِنْ قَلِيلًا كَمَا وُجِدَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ آمَنُ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَلَمْ يَبْلُغُوا عَشَرَةَ أَنْفُسٍ ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مُهْتَدُونَ وَيَنْقَادُونَ لِلْحَقِّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ . ] فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ) الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ : 82 - 85 ] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ]﴾ ) الْآيَةَ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لَمَّا قَرَأَ سُورَةَ ( ﴿كهيعص﴾ ) بِحَضْرَةِ النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ ، وَعِنْدَهُ الْبَطَارِكَةُ وَالْقَسَاوِسَةُ بَكَى وَبَكَوْا مَعَهُ ، حَتَّى أَخْضَبُوا لِحَاهُمْ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ

أَنَّ النَّجَاشِيَّ لَمَّا مَاتَ نَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ ، وَقَالَ : " إِنَّ أَخًا لَكُمْ بِالْحَبَشَةِ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ " . فَخَرَجَ [ بِهِمْ ] إِلَى الصَّحْرَاءِ ، فَصَفَّهُمْ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ النَّجَاشِيُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ . فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : يَأْمُرُنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ لِعِلْجٍ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ . فَنَزَلَتْ : ( ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ ) الْآيَةَ . وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ [ أَيْضًا ] مِنْ طُرُقٍ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ . وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ الْهُذَلِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : [ قَالَ [ لَنَا ] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ : " إِنَّ أَخَاكُمْ أَصْحَمَةَ قَدْ مَاتَ " . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : يُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ]﴾ ) ](/bukhari/23#88) . وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ بِمَرْوٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْغَزَّالُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، أَنْبَأَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : نَزَلَ بِالنَّجَاشِيِّ عَدُوٌّ مِنْ أَرْضِهِمْ ، فَجَاءَهُ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالُوا : نُحِبُّ أَنْ نَخْرُجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى نُقَاتِلَ مَعَكَ ، وَتَرَى جُرْأَتَنَا ، وَنَجْزِيَكَ بِمَا صَنَعْتَ بِنَا . فَقَالَ : لَا دَوَاءَ بِنُصْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ مِنْ دَوَاءٍ بِنُصْرَةِ النَّاسِ . قَالَ : وَفِيهِ نَزَلَتْ : ( ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ ) الْآيَةَ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ) يَعْنِي مُسْلِمَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ ) الْآيَةَ . قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاتَّبَعُوهُ وَعَرَفُوا الْإِسْلَامَ ، فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَ اثْنَيْنِ لِلَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالَّذِي اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ " فَذَكَرَ مِنْهُمْ : " وَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ) أَيْ : لَا يَكْتُمُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ ، كَمَا فَعَلَهُ الطَّائِفَةُ الْمَرْذُولَةُ مِنْهُمْ بَلْ يَبْذُلُونَ ذَلِكَ مَجَّانًا ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ) يَعْنِي : سَرِيعَ الْإِحْصَاءِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : أُمِرُوا أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى دِينِهِمُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لَهُمْ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، فَلَا يَدْعُوهُ لِسَرَّاءَ وَلَا لِضَرَّاءَ وَلَا لِشِدَّةٍ وَلَا لِرِخَاءٍ ، حَتَّى يَمُوتُوا مُسْلِمِينَ ، وَأَنْ يُصَابِرُوا الْأَعْدَاءَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ دِينَهُمْ . وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ . وَأَمَّاالْمُرَابَطَةُفَهِيَ الْمُدَاوَمَةُ فِي مَكَانِ الْعِبَادَةِ وَالثَّبَاتِ . وَقِيلَ : انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ ، مَوْلَى الْحُرَقَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ " . وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا أَبُو جُحَيْفَةَ عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي كَرِيمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ يَوْمًا فَقَالَ : أَتَدْرِي يَا ابْنَ أَخِي فِيمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ) ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوٌ يُرَابِطُونَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ يُعَمِّرُونَ الْمَسَاجِدَ ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ فِي مَوَاقِيتِهَا ، ثُمَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهَا ، فَعَلَيْهِمْ أُنْزِلَتْ : ( ﴿اصْبِرُوا﴾ ) أَيْ : عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ( ﴿وَصَابِرُوا﴾ ) [ عَلَى ] أَنْفُسِكُمْ وَهَوَاكُمْ ( ﴿وَرَابِطُوا﴾ ) فِي مَسَاجِدِكُمْ ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) فِيمَا عَلَيْكُمْ ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - بِنَحْوِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ ، حَدَّثَنِي ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ " . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيُكَفِّرُ بِهِ الذُّنُوبَ ؟ " قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي أَمَاكِنِهَا ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ " . وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْبَيْرُوتِيُّ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الْأَنْطَاكِيُّ ، أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنْبَأَنَا الْوَازِعُ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : وَقَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " هَلْ لَكُمْ إِلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الذُّنُوبَ وَيُعْظِمُ بِهِ الْأَجْرَ ؟ " قُلْنَا : نَعَمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : " إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ " . قَالَ : " وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ) فَذَلِكَ هُوَ الرِّبَاطُ فِي الْمَسَاجِدِ " وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : يَا ابْنَ أَخِي ، هَلْ تَدْرِي فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ) ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَا . قَالَ : إِنَّهُ - يَا ابْنَ أَخِي - لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوٌ يُرَابَطُ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمُرَابَطَةِ هَاهُنَامُرَابَطَةُ الْغَزْوِ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ ، وَحِفْظُ ثُغُورِ الْإِسْلَامِوَصِيَانَتُهَا عَنْ دُخُولِ الْأَعْدَاءِ إِلَى حَوْزَةِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِالتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ ، وَذِكْرِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ فِيهِ ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا " . حَدِيثٌ آخَرُ : رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ الْجَنْبِيَّ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ ، إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا . حَدِيثٌ آخَرُ : وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ وَحَسَنِ بْنِ مُوسَى وَأَبِي سَعِيدٍ [ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ] قَالُوا : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَا مَشْرَحُ بْنُ هَاعَانَ ، سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ ، إِلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ عَمَلُهُ حَتَّى يُبْعَثَ وَيَأْمَنَ مِنَ الْفَتَّانِ " . وَرَوَى الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، بِهِ إِلَى قَوْلِهِ : " حَتَّى يُبْعَثَ " دُونَ ذِكْرِ " الْفَتَّانِ " . وَابْنُ لَهِيعَةَ إِذَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فَهُوَ حَسَنٌ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الشَّوَاهِدِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنَ الْفَزَعِ " . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُوسَى ، أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ ، وَغَدَا عَلَيْهِ وَرِيحَ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَكُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْمُرَابِطِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيِّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ تَرْفَعُ الْحَدِيثَ قَالَتْ مَنْ رَابَطَ فِي شَيْءٍ مِنْ سَوَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَجْزَأَتْ عَنْهُ رِبَاطَ سَنَةٍ " . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَ عُثْمَانُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِهِ - : إِنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ إِلَّا الضِّنُّ بِكُمْ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا وَيُصَامُ نَهَارُهَا " . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ رَوْحٍ عَنْ كَهْمَسٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عُثْمَانَ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : خَطَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ النَّاسَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ إِلَّا الضِّنُّ بِكُمْ وَبِصَحَابَتِكُمْ ، فَلْيَخْتَرْ مُخْتَارٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيَدَعْ . سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا " . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عُثْمَانَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ : سَمِعْتُ عُثْمَانَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ - يَقُولُ : إِنِّي كَتَمْتُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَاهِيَةَ تَفَرُّقِكُمْ عَنِّي ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ ، لِيَخْتَارَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ " .

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - : أَبُو صَالِحٍ مَوْلَى عُثْمَانَ اسْمُهُ بُرْكَانُ وَذَكَرَ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ اسْمَهُ الْحَارِثُ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ وَعِنْدَهُ زِيَادَةٌ فِي آخِرِهِ فَقَالَ - يَعْنِي عُثْمَانَ - : فَلْيُرَابِطِ امْرُؤٌ كَيْفَ شَاءَ ، هَلْ بَلَّغْتُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : مَرَّ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ بِشُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ ، وَهُوَ فِي مُرَابَطٍ لَهُ ، وَقَدْ شَقَّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : أَفَلَا أُحَدِّثُكَ - يَا ابْنَ السِّمْطِ - بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

" رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ - أَوْ قَالَ : خَيْرٌ - مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَمَنْ مَاتَ فِيهِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ ، وَنَمَا لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . تَفَرَّدَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةٌ : وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ ، وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يُدْرِكْ سَلْمَانَ . قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَهُ مِنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَكْحُولٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ " وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُ مُسْلِمٍ بِمُفْرَدِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى السُّلَمِيُّ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ صُبَيْحٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مُحْتَسِبًا ، مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ ، صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا . وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مُحْتَسِبًا ، مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْظَمُ أَجْرًا - أَرَاهُ قَالَ - : مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا ، فَإِنْ رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَهْلِهِ سَالِمًا ، لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةُ أَلْفِ سَنَةٍ ، وَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ ، وَيُجْرَى لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، بَلْ مُنْكَرٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَعُمَرُ بْنُ صُبَيْحٍ مُتَّهَمٌ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثْنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَبِي طَوِيلٍ ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ رَجُلٍ وَقِيَامِهِ فِي أَهْلِهِ أَلْفَ سَنَةٍ : السَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا ، وَالْيَوْمُ كَأَلْفِ سَنَةٍ " . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ أَيْضًا وَسَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ضَعَّفَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ : لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ . وَقَالَ الْحَاكِمُ : رَوَى عَنْ أَنَسٍ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَحِمَ اللَّهُ حَارِسَ الْحَرَسِ " . فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ عَنْ زَيْدٍ - يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي السَّلُولِيُّ : أَنَّهُ حَدَّثَهُ سَهْلُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَتْ عَشِيَّةً ، فَحَضَرْتُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا ، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمُ اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : " تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] " . ثُمَّ قَالَ : " مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ ؟ " قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ " فَارْكَبْ " فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ وَلَا يُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ " فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُصَلَّاهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : " هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ ؟ " قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَحْسَسْنَاهُ ، فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يُصَلِّي يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : " أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ " فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ ؟ " قَالَ : لَا إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً ، فَقَالَ لَهُ : " أَوْجَبْتَ ، فَلَا عَلَيْكَ أَلَّا تَعْمَلَ بَعْدَهَا " . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ الْحَرَّانِيِّ ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُمَيْرٍ الرُّعَيْنِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا عَامِرٍ التَّجِيبِيَّ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : وَقَالَ غَيْرُ زَيْدٍ : أَبَا عَلِيٍّ الْجَنْبِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا رَيْحَانَةَ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ ، فَأَتَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَرَفٍ فَبِتْنَا عَلَيْهِ ، فَأَصَابَنَا بَرْدٌ شَدِيدٌ ، حَتَّى رَأَيْتُ مَنْ يَحْفِرُ فِي الْأَرْضِ حُفْرَةً ، يَدْخُلُ فِيهَا وَيُلْقِي عَلَيْهِ الْجَحْفَةَ - يَعْنِي التِّرَسَ - فَلِمَا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ نَادَى : " مَنْ يَحْرُسُنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَأَدْعُوَ لَهُ بِدُعَاءٍ يَكُونُ لَهُ فِيهِ فَضْلٌ ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ : " ادْنُ " فَدَنَا ، فَقَالَ : " مَنْ أَنْتَ ؟ " فَتَسَمَّى لَهُ الْأَنْصَارِيُّ ، فَفَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدُّعَاءِ ، فَأَكْثَرَ مِنْهُ . فَقَالَ أَبُو رَيْحَانَةَ : فَلَمَّا سَمِعْتُ مَا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ أَنَا رَجُلٌ آخَرُ . فَقَالَ : " ادْنُ " . فَدَنَوْتُ . فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : أَنَا أَبُو رَيْحَانَةَ . فَدَعَا بِدُعَاءٍ هُوَ دُونَ مَا دَعَا لِلْأَنْصَارِيِّ ، ثُمَّ قَالَ : " حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ - أَوْ بَكَتْ - مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " .

وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْهُ : " حُرِّمَتِ النَّارُ . . . " إِلَى آخِرِهِ عَنْ عِصْمَةَ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ بِهِ ، وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحٍ ، بِهِ ، وَأَتَمَّ ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ : عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجَنْبِيِّ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ رُزَيْقٍ أَبُو شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : "

عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " . ثُمَّ قَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شُعَيْبِ بْنِ رُزَيْقٍ قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ وَأَبِي رَيْحَانَةَ قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا رِشْدِينٌ ، عَنْ زَبَّانَ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لَا بِأُجْرَةِ سُلْطَانٍ ، لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنَيْهِ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ) [ مَرْيَمَ : 71 ] .

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] . حَدِيثٌ آخَرُ : رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "

تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ ، مُغَبَّرَةٍ قَدَمَاهُ ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ " . فَهَذَا مَا تَيَسَّرَ إِيرَادُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْمَقَامِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ ، عَلَى تَعَاقُبِ الْأَعْوَامِ وَالْأَيَّامِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مَنْزِلَةِ شِدَّةٍ يَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَهَا فَرَجَا ، وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ) . وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي سُكَيْنَةَ قَالَ : أَمْلَى عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ بِطَرْسُوسَ ، وَوَدَّعْتُهُ لِلْخُرُوجِ ، وَأَنْشَدَهَا مَعِي إِلَى الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ : يَا عَابِدَ الْحَرَمَيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا ※ لَعَلِمْتَ أَنَّكَ فِي الْعِبَادَةِ تَلْعَبُ ※ مَنْ كَانَ يَخْضِبُ خَدَّهُ بِدُمُوعِهِ ※ فَنُحُورُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّبُ ※ أَوْ كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَهُ فِي بَاطِلٍ ※ فَخُيُولُنَا يَوْمَ الصَّبِيحَةِ تَتْعَبُ ※ رِيحُ الْعَبِيرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيرُنَا ※ وَهَجُ السَّنَابِكِ وَالْغُبَارُ الْأَطْيَبُ ※ وَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا ※ قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لَا يَكْذِبُ ※ لَا يَسْتَوِي وَغُبَارُ خَيْلِ اللَّهِ فِي ※ أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانِ نَارٍ تَلْهَبُ ※ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ يَنْطِقُ بَيْنَنَا ※ لَيْسَ الشَّهِيدُ بِمَيِّتٍ لَا يَكْذِبُ ※

قَالَ : فَلَقِيتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ بِكِتَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَلَمَّا قَرَأَهُ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ : صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَنَصَحَنِي ، ثُمَّ قَالَ : أَنْتَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ قَالَ : فَاكْتُبْ هَذَا الْحَدِيثَ كِرَاءَ حَمْلِكَ كِتَابَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَيْنَا . وَأَمْلَى عَلَيَّ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ،

أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا أَنَالُ بِهِ ثَوَابَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ : " هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُصَلِّيَ فَلَا تَفْتُرُ وَتَصُومَ فَلَا تُفْطِرُ ؟ " فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا أَضْعَفُ مِنْ أَنْ أَسْتَطِيعَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ طُوِّقْتَ ذَلِكَ مَا بَلَغْتَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَرَسَ الْمُجَاهِدَ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتُ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ) أَيْ : فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ [ بْنِ جَبَلٍ ] [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ : " اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ " . ( ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنْبَأَنَا أَبُو صَخْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ) وَاتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ غَدًا إِذَا لَقِيتُمُونِي . آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ، نَسْأَلُهُ الْمَوْتَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .