مكتبة الإسلام الشاملة

29 - تفسير سورة العنكبوت

1-4

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ [ وَهِيَ ] مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿الم﴾ ( 1 ) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ( 2 ) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ( 3 ) ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ( 4 ) ) . أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا بُدَّ أَنْ يَبْتَلِيَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَسْبِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ :

" أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي الْبَلَاءِ " . وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ : ( ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 142 ] ، وَمِثْلُهَا فِي سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " وَقَالَ فِي الْبَقَرَةِ : ( ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 214 ] ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) أَيِ : الَّذِينَ صَدَقُوا فِي دَعْوَاهُمُ الْإِيمَانَ مِمَّنْ هُوَ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ وَدَعْوَاهُ . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ . وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ; وَلِهَذَا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِي مِثْلِ : ( ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 143 ] : إِلَّا لِنَرَى ; وَذَلِكَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ ، وَالْعِلْمُ أَعَمُّ مِنَ الرُّؤْيَةِ ، فَإِنَّهُ [ يَتَعَلَّقُ ] بِالْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ) أَيْ : لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِيمَانِ أَنَّهُمْ يَتَخَلَّصُونَ مِنْ هَذِهِ الْفِتْنَةِ وَالِامْتِحَانِ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْ هَذَا وَأَطَمُّ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ ) أَيْ : يَفُوتُونَا ، ( ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ) أَيْ : بِئْسَ مَا يَظُنُّونَ .

5-7

( ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍوَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ( 5 ) ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ( 6 ) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ( 7 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ رَجَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُحَقِّقُ لَهُ رَجَاءَهُ وَيُوَفِّيهِ عَمَلَهُ كَامِلًا مَوْفُورًا ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ ; لِأَنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ، بَصِيرٌ بِكُلِّ الْكَائِنَاتِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ) . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾) ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 46 ] أَيْ : مَنْ عَمِلَ صَالَحَا فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُ عَمَلِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ ، وَلَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ [ وَاحِدٍ ] مِنْهُمْ ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِهِ شَيْئًا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ) . قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : إِنَّ الرَّجُلَ لِيُجَاهِدُ ، وَمَا ضَرَبَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ بِسَيْفٍ . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَعَ غِنَاهُ عَنِ الْخَلَائِقِ جَمِيعِهِمْ مِنْ إِحْسَانِهِ وَبِرِّهِ بِهِمْ يُجَازِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ، وَيَجْزِيهِمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، فَيَقْبَلُ الْقَلِيلَ مِنَ الْحَسَنَاتِ ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا ، الْوَاحِدَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَيَجْزِي عَلَى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا أَوْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 40 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ )

8-9

( ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ ( 9 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادُهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ الْحَثِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِتَوْحِيدِهِ ، فَإِنَّ الْوَالِدَيْنِ هَمَّا سَبَبُ وُجُودِ الْإِنْسَانِ ، وَلَهُمَا عَلَيْهِ غَايَةُ الْإِحْسَانِ ، فَالْوَالِدُ بِالْإِنْفَاقِ وَالْوَالِدَةُ بِالْإِشْفَاقِ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 23 ، 24 ] .

وَمَعَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا ، فِي مُقَابَلَةِ إِحْسَانِهِمَا الْمُتَقَدِّمِ ، قَالَ : ( ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ) أَيْ : وَإِنْ حَرَصَا عَلَيْكَ أَنْ تُتَابِعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا إِذَا كَانَا مُشْرِكَيْنِ ، فَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُمَا ، لَا تُطِعْهُمَا فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ مَرْجِعَكُمْ إِلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَأَجْزِيكَ بِإِحْسَانِكَ إِلَيْهِمَا ، وَصَبْرِكَ عَلَى دِينِكَ ، وَأَحْشُرُكَ مَعَ الصَّالِحِينَ لَا فِي زُمْرَةِ وَالِدَيْكَ ، وَإِنْ كُنْتَ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِمَا فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ الْمَرْءَ إِنَّمَا يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ، أَيْ : حُبًّا دِينِيًّا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ ، قَالَ : نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ . فَذَكَرَ قِصَّةً ، وَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ : أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ بِالْبَرِّ ؟ وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ ، قَالَ : فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ ) الْآيَةَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .

10-11

( ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِاللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ( 10 ) ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ ( 11 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ صِفَاتِ قَوْمٍ مِنَ [ الْمُكَذِّبِينَ ] الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ ، بِأَنَّهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ فِتْنَةٌ وَمِحْنَةٌ فِي الدُّنْيَا ، اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ ، فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ ) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي فِتْنَتَهُ أَنْ يَرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ . وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ) [ الْحَجِّ : 11 ] . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ) أَيْ : وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ قَرِيبٌ مِنْ رَبِّكَ - يَا مُحَمَّدُ - وَفَتْحٌ وَمَغَانِمُ ، لَيَقُولُنَّ هَؤُلَاءِ لَكُمْ : إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ، أَيْ [ كُنَّا ] إِخْوَانَكُمْ فِي الدِّينِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ) [ النِّسَاءِ : 141 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ) [ الْمَائِدَةِ : 52 ] . وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ هَاهُنَا : ( ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ) ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ) أَيْ : أَوَلَيِسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ، وَمَا تُكِنُّهُ ضَمَائِرُهُمْ ، وَإِنْ أَظْهَرُوا لَكُمُ الْمُوَافَقَةَ ؟ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ ) أَيْ : وَلَيَخْتَبِرَنَّ اللَّهُ النَّاسَ بِالضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ ، لِيَتَمَيَّزَ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ فِي الضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ ، إِنَّمَا يُطِيعُهُ فِي حَظِّ نَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ) [ مُحَمَّدٍ : 31 ] ، وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ ، الَّتِي كَانَ فِيهَا مَا كَانَ مِنَ الِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ : ( ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ) الْآيَةَ [ آلِ عِمْرَانَ : 179 ] ، [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .

12-13

( ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْوَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ( 12 ) ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ( 13 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ : أَنَّهُمْ قَالُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الْهُدَى : ارْجِعُوا عَنْ دِينِكُمْ إِلَى دِينِنَا ، وَاتَّبَعُوا سَبِيلَنَا ، ( ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ ) أَيْ : وَآثَامَكُمْ - إِنْ كَانَتْ لَكُمْ آثَامٌ فِي ذَلِكَ - عَلَيْنَا وَفِي رِقَابِنَا ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : " افْعَلْ هَذَا وَخَطِيئَتُكَ فِي رَقَبَتِي " . قَالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهُمْ : ( ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ) أَيْ : فِيمَا قَالُوهُ : إِنَّهُمْ يَحْمِلُونَ عَنْ أُولَئِكَ خَطَايَاهُمْ ، فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ وِزْرَ أَحَدٍ ، ( ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ) [ فَاطِرٍ : 18 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا . يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ ) [ الْمَعَارِجِ : 10 ، 11 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ ) : إِخْبَارٌ عَنِ الدُّعَاةِ إِلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ ، أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَ أَنْفُسِهِمْ ، وَأَوْزَارًا أُخَرَ بِسَبَبِ مَنْ أَضَلُّوا مِنَ النَّاسِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِ أُولَئِكَ شَيْئًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ) [ النَّحْلِ : 25 ] . وَفِي الصَّحِيحِ :

" مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلَ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا " وَفِي الصَّحِيحِ : " مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) أَيْ : يَكْذِبُونَ وَيَخْتَلِقُونَ مِنَ الْبُهْتَانِ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَفْصِ بْنِ أَبِي الْعَالِيَةِ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْزِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : وَعِزَّتِي لَا يَجُوزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمٌ ! ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ فَيَقُولُ : أَيْنَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ؟ فَيَأْتِي يَتْبَعُهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ ، فَيُشْخِصُ النَّاسُ إِلَيْهَا أَبْصَارَهُمْ حَتَّى يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَأْمُرُ الْمُنَادِي فَيُنَادِي مَنْ كَانَتْ لَهُ تِبَاعَةٌ - أَوْ : ظُلَامَةٌ - عِنْدَ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ ، فَهَلُمَّ . فَيُقْبِلُونَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا قِيَامًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ ، فَيَقُولُ الرَّحْمَنُ : اقْضُوا عَنْ عَبْدِي . فَيَقُولُونَ : كَيْفَ نَقْضِي عَنْهُ ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ : خُذُوا لَهُمْ مِنْ حَسَنَاتِهِ . فَلَا يَزَالُونَ يَأْخُذُونَ مِنْهَا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ حَسَنَةٌ ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الظُّلَامَاتِ ، فَيَقُولُ : اقْضُوا عَنْ عَبْدِي . فَيَقُولُونَ : لَمْ يَبْقَ لَهُ حَسَنَةٌ . فَيَقُولُ : خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَاحْمِلُوهَا عَلَيْهِ " . ثُمَّ نَزَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحِوَارِيِّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا مُعَاذُ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ سَعْيِهِ ، حَتَّى عَنْ كُحْلِ عَيْنَيْهِ ، وَعَنْ فُتَاتِ الطِّينَةِ بِإِصْبَعَيْهِ ، فَلَا أَلْفَيَنَّكَ تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدٌ أَسْعَدُ بِمَا آتَاكَ اللَّهُ مِنْكَ " .

14-15

( ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ( 14 ) ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ( 15 ) ) . هَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، يُخْبِرُهُ عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ مَكَثَ فِي قَوْمِهِ هَذِهِ الْمُدَّةَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَسِرًّا ، وَجِهَارًا ، وَمَعَ هَذَا مَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا عَنِ الْحَقِّ ، وَإِعْرَاضًا عَنْهُ وَتَكْذِيبًا لَهُ ، وَمَا آمَنُ مَعَهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ) أَيْ : بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ مَا نَجَعَ فِيهِمُ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ ، فَأَنْتَ - يَا مُحَمَّدُ - لَا تَأْسَفْ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِكَ مِنْ قَوْمِكَ ، وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ; فَإِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيَضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَبِيَدِهِ الْأَمْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ، ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ . وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ) [ يُونُسَ : 96 ، 97 ] ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُكَ وَيَنْصُرُكَ وَيُؤَيِّدُكَ ، وَيُذِلُّ عَدُوَّكَ ، وَيَكْبِتُهُمْ وَيَجْعَلُهُمْ أَسْفَلَ السَّافِلِينَ . قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بُعِثَ نُوحٌ وَهُوَ لِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ ، وَلَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ، وَعَاشَ بَعْدَ الطُّوفَانِ سِتِّينَ عَامًا ، حَتَّى كَثُرَ النَّاسُ وَفَشَوْا . وَقَالَ قَتَادَةُ : يُقَالُ إِنَّ عُمُرَهُ كُلَّهُ [ كَانَ ] أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ، لَبِثَ فِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ ثَلَثَمِائَةِ سَنَةٍ ، وَدَعَاهُمْ ثَلَثَمِائَةٍ ، وَلَبِثَ بَعْدَ الطُّوفَانِ ثَلَثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ مَكَثَ فِي قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا . وَقَالَ عَوْنُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ : إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِينَ وَثَلَثَمِائَةِ سَنَةٍ ، فَدَعَاهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً . وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقْرَبُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَ لِيَ ابْنُ عُمَرَ : كَمْ لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ ؟ قَالَ : قُلْتُ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا . قَالَ : فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا فِي نُقْصَانٍ مِنْ أَعْمَارِهِمْ وَأَحْلَامِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ إِلَى يَوْمِكَ هَذَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ) أَيِ : الَّذِينَ آمَنُوا بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي سُورَةِ " هُودٍ " ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ) أَيْ : وَجَعَلْنَا تِلْكَ السَّفِينَةَ بَاقِيَةً ، إِمَّا عَيْنُهَا كَمَا قَالَ قَتَادَةُ : إِنَّهَا بَقِيَتْ إِلَى أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى جَبَلِ الْجُودِيِّ ، أَوْ نَوْعُهَا جَعَلَهُ لِلنَّاسِ تَذْكِرَةً لِنِعَمِهِ عَلَى الْخَلْقِ ، كَيْفَ نَجَّاهُمْ مِنَ الطُّوفَانِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ . وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ . إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ ) [ يس : 41 - 44 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ . لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 11 ، 12 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ) ، وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّدْرِيجِ مِنَ الشَّخْصِ إِلَى الْجِنْسِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ ) [ الْمُلْكِ : 5 ] أَيْ : وَجَعَلَنَا نَوْعَهَا ، فَإِنَّ الَّتِي يُرْمَى بِهَا لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي زِينَةٌ لِلسَّمَاءِ . وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 12 ، 13 ] ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : لَوْ قِيلَ : إِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : ( وَجَعَلْنَاهَا ) ، عَائِدٌ إِلَى الْعُقُوبَةِ ، لَكَانَ وَجْهًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

16-18

( ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 16 ) ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ( 17 ) ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ( 18 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ : أَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي التَّقْوَى ، وَطَلَبِ الرِّزْقِ مِنْهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَتَوْحِيدِهِ فِي الشُّكْرِ ، فَإِنَّهُ الْمَشْكُورُ عَلَى النِّعَمِ ، لَا مُسْدِيَ لَهَا غَيْرُهُ ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ : ( ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ ) أَيْ : أَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ وَالْخَوْفَ ، ( ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ) أَيْ : إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَصَلَ لَكُمُ الْخَيْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَانْدَفَعَ عَنْكُمُ الشَّرُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَالْأَوْثَانَ ، لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَقْتُمْ أَنْتُمْ لَهَا أَسْمَاءً ، سَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً ، وَإِنَّمَا هِيَ مَخْلُوقَةٌ مِثْلُكُمْ . هَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ . وَرَوَى الْوَالِبِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَتَصْنَعُونَ إِفْكًا ، أَيْ : تَنْحِتُونَهَا أَصْنَامًا . وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ - فِي رِوَايَةٍ - وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَهِيَ لَا تَمْلِكُ لَكُمْ رِزْقًا ، ( ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ) وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْحَصْرِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ) [ الْفَاتِحَةِ : 5 ] ، ( ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ) [ التَّحْرِيمِ : 11 ] ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿فَابْتَغُوا﴾ ) أَيْ : فَاطْلُبُوا ( ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ) أَيْ : لَا عِنْدَ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ غَيْرَهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، ( ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ ) أَيْ : كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ ، وَاشْكُرُوا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ ، ( ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ) أَيْ : فَبَلَّغَكُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ فِي مُخَالَفَةِ الرُّسُلِ ، ( ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ) يَعْنِي : إِنَّمَا عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُبَلِّغَكُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، فَاحْرِصُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ السُّعَدَاءِ . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ) قَالَ : يُعَزِّي نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَهَذَا مِنْ قَتَادَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ ، وَاعْتَرَضَ بِهَذَا إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ ) . وَهَكَذَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا . وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ كُلَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [ لِقَوْمِهِ ] يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ لِإِثْبَاتِ الْمَعَادِ ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ : ( ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

19-23

(﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾( 19 ) ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ( 20 ) ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ( 21 ) ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ( 22 ) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ( 23 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ أَرْشَدَهُمْ إِلَى إِثْبَاتِ الْمَعَادِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ ، بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا ، ثُمَّ وُجِدُوا وَصَارُوا أُنَاسًا سَامِعِينَ مُبْصِرِينَ ، فَالَّذِي بَدَأَ هَذَا قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ ; فَإِنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ يَسِيرٌ لَدَيْهِ . ثُمَّ أَرْشَدَهُمْ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِمَا فِي الْآفَاقِ مِنَ الْآيَاتِ الْمُشَاهَدَةِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ : السَّمَوَاتِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ : الثَّوَابِتِ ، وَالسَّيَّارَاتِ ، وَالْأَرَضِينَ وَمَا فِيهَا مِنْ مِهَادٍ وَجِبَالٍ ، وَأَوْدِيَةٍ وَبَرَارٍ وَقِفَارٍ ، وَأَشْجَارٍ وَأَنْهَارٍ ، وَثِمَارٍ وَبِحَارٍ ، كُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى حُدُوثِهَا فِي أَنْفُسِهَا ، وَعَلَى وُجُودِ صَانِعِهَا الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ ، الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ : كُنْ ، فَيَكُونُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ) ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ) [ الرُّومِ : 27 ] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ( ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ) . وَهَذَا الْمَقَامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 53 ] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ ) [ الطُّورِ : 35 ، 36 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ ) أَيْ : هُوَ الْحَاكِمُ الْمُتَصَرِّفُ ، الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ، فَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، مَهْمَا فَعَلَ فَعَدْلٌ ; لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ : " إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ " . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ) أَيْ : تَرْجِعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ ) أَيْ : لَا يُعْجِزُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ ، بَلْ هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ خَائِفٌ مِنْهُ ، فَقِيرٌ إِلَيْهِ ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ . ( ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ ) أَيْ : جَحَدُوهَا وَكَفَرُوا بِالْمَعَادِ ، ( ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ ) أَيْ : لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهَا ، ( ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ) أَيْ : مُوجِعٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .

24-25

( ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُفَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ( 24 ) ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ( 25 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ فِي كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ ، وَدَفْعِهِمُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ : إِنَّهُ مَا كَانَ لَهُمْ جَوَابٌ بَعْدَ مَقَالَةِ إِبْرَاهِيمَ هَذِهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْهُدَى وَالْبَيَانِ ، ( ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ ) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَامَ عَلَيْهِمُ الْبُرْهَانُ ، وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ ، فَعَدَلُوا إِلَى اسْتِعْمَالِ جَاهِهِمْ وَقُوَّةِ مُلْكِهِمْ ، ( ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ . فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ ) [ الصَّافَّاتِ : 97 ، 98 ] ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حَشَدُوا فِي جَمْعِ أَحِطَابٍ عَظِيمَةٍ مُدَّةً طَوِيلَةً ، وَحَوَّطُوا حَوْلَهَا ، ثُمَّ أَضْرَمُوا فِيهَا النَّارَ ، فَارْتَفَعَ لَهَا لَهَبٌ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ : وَلَمْ تُوقَدْ نَارٌ قَطُّ أَعْظَمُ مِنْهَا ، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَكَتَّفُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي كِفَّةِ الْمَنْجَنِيقِ ، ثُمَّ قَذَفُوا بِهِ فِيهَا ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا ، وَخَرَجَ مِنْهَا سَالِمًا بَعْدَ مَا مَكَثَ فِيهَا أَيَّامًا . وَلِهَذَا وَأَمْثَالِهِ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا . فَإِنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلرَّحْمَنِ ، وَجَسَدَهُ لِلنِّيرَانِ ، وَسَخَا بِوَلَدِهِ لِلْقُرْبَانِ ، وَجَعَلَ مَالَهُ لَلضِّيفَانِ ، وَلِهَذَا اجْتَمَعَ عَلَى مَحَبَّتِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ ) أَيْ : سَلَّمَهُ [ اللَّهُ ] مِنْهَا ، بِأَنْ جَعَلَهَا عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا ، ( ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ) يَقُولُ لِقَوْمِهِ مُقَرِّعًا لَهُمْ وَمُوَبَّخًا عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ ، فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ : إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ هَذِهِ لِتَجْتَمِعُوا عَلَى عِبَادَتِهَا فِي الدُّنْيَا ، صَدَاقَةً وَأُلْفَةً مِنْكُمْ ، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ ( ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ ) ، عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ فَمَعْنَاهُ : إِنَّمَا اتِّخَاذُكُمْ هَذَا يُحَصِّلُ لَكُمُ الْمَوَدَّةَ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ ( ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ) يَنْعَكِسُ هَذَا الْحَالُ ، فَتَبْقَى هَذِهِ الصَّدَاقَةُ وَالْمَوَدَّةُ بِغْضَةً وَشَنَآنًا ، فَ ( ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ) أَيْ : تَتَجَاحَدُونَ مَا كَانَ بَيْنَكُمْ ، ( ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ) أَيْ : يَلْعَنُ الْأَتْبَاعُ الْمَتْبُوعِينَ ، وَالْمَتْبُوعُونَ الْأَتْبَاعَ ، ( ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 38 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ ) [ الزُّخْرُفِ : 67 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا ( ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ) أَيْ : وَمَصِيرُكُمْ وَمَرْجِعُكُمْ بَعْدَ عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ إِلَى النَّارِ ، وَمَا لَكَمَ مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُكُمْ ، وَلَا مُنْقِذٍ يُنْقِذُكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ . وَهَذَا حَالُ الْكَافِرِينَ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الثَّقَفِيُّ [ حَدَّثَنَا ] الرَّبِيعُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ - أُخْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - قَالَتْ : قَالَ لِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

" أُخْبِرُكِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْمَعُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَمَنْ يَدْرِي أَيْنَ الطَّرَفَانِ " ، فَقَالَتِ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . " ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ : يَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ ، فَيَشْرَئِبُّونَ " قَالَ أَبُو عَاصِمٍ : يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ . " ثُمَّ يُنَادِي : يَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ ، ثُمَّ يُنَادِي الثَّالِثَةَ : يَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَفَا عَنْكُمْ " قَالَ : " فَيَقُولُ النَّاسُ قَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فِي ظُلَامَاتِ الدُّنْيَا

  • يَعْنِي : الْمَظَالِمَ -

    ثُمَّ يُنَادِي : يَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ ، لِيَعْفُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَعَلَى اللَّهِ الثَّوَابُ " .

26-27

( ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 26 ) ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ( 27 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ : أَنَّهُ آمَنُ لَهُ لُوطٌ ، يُقَالُ : إِنَّهُ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ ، يَقُولُونَ هُوَ : لُوطُ بْنُ هَارَانَ بْنِ آزَرَ ، يَعْنِي : وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ سِوَاهُ ، وَسَارَّةُ امْرَأَةُ [ إِبْرَاهِيمَ ] الْخَلِيلِ . لَكِنْ يُقَالُ : كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الصَّحِيحِ :

أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حِينَ مَرَّ عَلَى ذَلِكَ الْجَبَّارِ ، فَسَأَلَ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سَارَّةَ : مَا هِيَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : [ هِيَ ] أُخْتِي ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا : إِنِّي قَدْ قُلْتُ لَهُ : " إِنَّكِ : أُخْتِي " ، فَلَا تُكَذِّبِينِي ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ [ أَحَدٌ ] مُؤْمِنٌ غَيْرُكِ وَغَيْرِي ، فَأَنْتِ أُخْتِي فِي الدِّينِ . وَكَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ زَوْجَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ غَيْرِي وَغَيْرُكِ ، فَإِنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ ، آمَنَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ ، وَهَاجَرَ مَعَهُ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ ، ثُمَّ أُرْسِلُ فِي حَيَاةِ الْخَلِيلِ إِلَى أَهْلِ " سَدُومَ " وَإِقْلِيمِهَا ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا تَقَدَّمَ وَمَا سَيَأْتِي . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ ) يَحْتَمِلُ عَوْدَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ : ( وَقَالَ ) ، عَلَى لُوطٍ ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ عُودَهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالضَّحَاكُ : وَهُوَ الْمُكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ : ( ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ) أَيْ : مِنْ قَوْمِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ اخْتَارَ الْمُهَاجَرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمُ ، ابْتِغَاءَ إِظْهَارِ الدِّينِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ ) أَيْ : لَهُ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ ، ( الْحَكِيمُ ) فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ الْقَدَرِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هَاجَرَا جَمِيعًا مِنْ " كَوْثَى " ، وَهِيَ مِنْ سَوَادِ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ، يَنْحَازُ أَهْلُ الْأَرْضِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا ، حَتَّى تَلْفِظَهُمْ أَرَضُوهُمْ وَتَقْذَرُهُمْ رُوحُ اللَّهِ ، وَتَحْشُرهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا ، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا ، وَتَأْكُلُ مَا سَقَطَ مِنْهُمْ " . وَقَدْ أَسْنَدَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَرَوَاهُ مُطَوَّلًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : لَمَّا جَاءَتْنَا بَيْعَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، قَدِمْتُ الشَّامَ فَأُخْبِرْتُ بِمَقَامٍ يَقُومُهُ نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ ، فَجِئْتُهُ ; إِذْ جَاءَ رَجُلٌ ، فَانْتَبَذَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ ، وَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ . فَلَمَّا رَآهُ نَوْفٌ أَمْسَكَ عَنِ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : "إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ، فَيَنْحَازُ النَّاسُ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ ، لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ إِلَّا شَرَارُ أَهْلِهَا ، فَتَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ ، تقْذَرُهُمْ نَفْسُ الرَّحْمَنِ ، تَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ فَتَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا ، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا ، وَتَأْكُلُ مِنْهُمْ مَنْ تَخَلَّفَ" . قَالَ : وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " سَيَخْرُجُ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ ، كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ " حَتَّى عَدَّهَا زِيَادَةً عَلَى عِشْرِينَ مَرَّةً " كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ ، حَتَّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ فِي بَقِيَّتِهِمْ " . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، وَعَبْدِ الصَّمَدِ ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، فَقَالَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ ، بَابُ مَا جَاءَ فِي سُكْنَى الشَّامِ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي [ أَبِي ] ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرْضُهُمْ وتَقْذَرُهُمْ نَفْسُ الرَّحْمَنِ ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَنَابٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا صَاحِبُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ بِأَحَقِّ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا بِآخَرَةٍ الْآنَ ، وَالدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " لَئِنْ أَنْتُمُ اتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَتَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، لَيُلْزِمَنَّكُمُ اللَّهُ مَذَلَّةً فِي أَعْنَاقِكُمْ ، ثُمَّ لَا تُنْزَعُ مِنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ ، وَتَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " . وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " لَتَكُونَنَّ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ إِلَى مُهَاجَرِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْأَرَضِينَ إِلَّا شِرَارُ أَهْلِهَا وَتَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ ، وَتَقَذَرُهُمْ رُوحُ الرَّحْمَنِ ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ، تَقِيلُ حَيْثُ يَقِيلُونَ ، وَتَبِيتُ حَيْثُ يَبِيتُونَ ، وَمَا سَقَطَ مِنْهُمْ فَلَهَا " . وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يُسِيئُونَ الْأَعْمَالَ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ

28-30

(﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكَمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾( 28 ) ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ( 29 ) ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ( 30 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى قَوْمِهِ سُوءَ صَنِيعِهِمْ ، وَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ قَبِيحِ الْأَعْمَالِ ، فِي إِتْيَانِهِمُ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ، وَلَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَى هَذِهِ الْفِعْلَةِ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ قَبْلَهُمْ . وَكَانُوا مَعَ هَذَا يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ، وَيُكَذِّبُونَ رَسُولَهُ وَيُخَالِفُونَهُ وَيَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ، أَيْ : يَقِفُونَ فِي طَرِيقِ النَّاسِ يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ ، ( ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ ) أَيْ : يَفْعَلُونَ مَا لَا يَلِيقُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فِي مَجَالِسِهِمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ فِيهَا ، لَا يُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَمِنْ قَائِلٍ : كَانُوا يَأْتُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِي الْمَلَأِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَمِنْ قَائِلٍ : كَانُوا يَتَضَارَطُونَ وَيَتَضَاحَكُونَ ; قَالَتْهُ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَالْقَاسِمُ . وَمِنْ قَائِلٍ : كَانُوا يُنَاطِحُونَ بَيْنَ الْكِبَاشِ ، وَيُنَاقِرُونَ بَيْنَ الدُّيُوكِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ يَصْدُرُ عَنْهُمْ ، وَكَانُوا شَرًّا مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ، أَخْبَرَنِي حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ - مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ - عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ ) ، قَالَ :

" يَحْذِفُونَ أَهْلَ الطَّرِيقِ ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِي يُونُسَ الْقُشَيْرِيِّ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ بِهِ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ عَنْ سِمَاكٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ ) قَالَ : الصَّفِيرُ ، وَلَعِبُ الْحَمَّامِ والْجُلَاهِقِ ، وَالسُّؤَالُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَحَلُّ أَزْرَارِ الْقِبَاءِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ) ، وَهَذَا مِنْ كُفْرِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ وَعِنَادِهِمْ ; وَلِهَذَا اسْتَنْصَرَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ فَقَالَ : ( ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ) .

31-35

( ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ( 31 ) ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ( 32 ) ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ( 33 ) ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ( 34 ) ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ( 35 ) ) . لِمَا اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ، بَعَثَ اللَّهُ لِنُصْرَتِهِ مَلَائِكَةً فَمَرُّوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي هَيْئَةِ أَضْيَافٍ ، فَجَاءَهُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَى الطَّعَامِ نَكِرَهُمْ ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ، فَشَرَعُوا يُؤَانِسُونَهُ وَيُبَشِّرُونَهُ بِوُجُودِ وَلَدٍ صَالِحٍ مِنَ امْرَأَتِهِ سَارَّةَ - وَكَانَتْ حَاضِرَةً - فَتَعَجَّبَتْ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ " هُودٍ " وَ " الْحِجْرِ " . فَلَمَّا جَاءَتْ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ، وَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا لِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ ، أَخَذَ يُدَافِعُ لَعَلَّهُمْ يُنْظَرُونَ ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ ، وَلَمَّا قَالُوا : ( ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ) ، ( ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ) أَيْ : مِنَ الْهَالِكِينَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ تُمَالِئُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَبَغْيِهِمْ وَدُبُرِهِمْ . ثُمَّ سَارُوا مِنْ عِنْدِهِ فَدَخَلُوا عَلَى لُوطٍ فِي صُورَةِ شَبَابٍ حِسَانٍ ، فَلَمَّا رَآهُمْ كَذَلِكَ ، ( ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ ) أَيْ : اهْتَمَّ بِأَمْرِهِمْ ، إِنْ هُوَ أَضَافَهُمْ خَافَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُمْ خَشِيَ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَمْرِهِمْ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ . ( ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ) ، وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اقْتَلَعَ قُرَاهُمْ مِنْ قَرَارِ الْأَرْضِ ، ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ . وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ، وَجَعَلَ [ اللَّهُ ] مَكَانَهَا بُحَيْرَةً خَبِيثَةً مُنْتِنَةً ، وَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ ، وَهُمْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْمَعَادِ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ ) أَيْ : وَاضِحَةً ، ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ، كَمَا قَالَ ( ﴿وَإِنَّكَمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ) [ الصَّافَّاتِ : 137 ، 138 ] .

36-37

( ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 36 ) ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ( 37 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ أَنْذَرَ قَوْمَهُ أَهْلَ مَدْيَنَ ، فَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنْ يَخَافُوا بَأْسَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ وَسَطْوَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَقَالَ : ( ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ) . . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : قَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَاخْشَوُا الْيَوْمَ الْآخِرَ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ) [ الْمُمْتَحَنَةِ : 6 ] . ثُمَّ نَهَاهُمْ عَنِ الْعَيْثِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ، وَهُوَ السَّعْيُ فِيهَا وَالْبَغْيُ عَلَى أَهْلِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْقِصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ، وَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى النَّاسِ ، هَذَا مَعَ كَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِرَجْفَةٍ عَظِيمَةٍ زَلْزَلَتْ عَلَيْهِمْ بِلَادَهُمْ ، وَصَيْحَةٍ أَخْرَجَتِ الْقُلُوبَ مِنْ حَنَاجِرِهَا . وَعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ الَّذِي أَزْهَقَ الْأَرْوَاحَ مِنْ مُسْتَقَرِّهَا ، إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُمْ مَبْسُوطَةً فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ ، وَهُودٍ ، وَالشُّعَرَاءِ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ) ، قَالَ قَتَادَةُ : مَيِّتِينَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : قَدْ أُلْقِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .

38-40

( ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْفَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ( 38 ) ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ( 39 ) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ( 40 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَؤُلَاءِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ كَيْفَ أَبَادَهُمْ وَتَنَوَّعَ فِي عَذَابِهِمْ، فَأَخَذَهُمْ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ ، فَعَادٌ قَوْمُ هُودٍ ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْأَحْقَافَ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ بِلَادِ الْيَمَنِ ، وَثَمُودُ قَوْمُ صَالِحٍ ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْحِجْرَ قَرِيبًا مِنْ وَادِي الْقُرَى . وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ مَسَاكِنَهُمَا جَيِّدًا ، وَتَمُرُّ عَلَيْهَا كَثِيرًا . وَقَارُونُ صَاحِبُ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ وَمَفَاتِيحِ الْكُنُوزِ الثَّقِيلَةِ . وَفِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ فِي زَمَانِ مُوسَى وَوَزِيرُهُ هَامَانَ الْقِبْطِيَّانِ الْكَافِرَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . ( ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ ) أَيْ : كَانَتْ عُقُوبَتُهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ ، ( ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ ) ، وَهُمْ عَادٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : مَنْ أَشُدُّ مِنَّا قُوَّةً ؟ فَجَاءَتْهُمْ رِيحٌ صَرْصَرٌ بَارِدَةٌ شَدِيدَةُ الْبَرْدِ ، عَاتِيَةٌ شَدِيدَةُ الْهُبُوبِ جِدًّا ، تَحْمِلُ عَلَيْهِمْ حَصْبَاءَ الْأَرْضِ فَتَقْلِبُهَا عَلَيْهِمْ ، وَتَقْتَلِعُهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَتَرْفَعُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ، ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَتَشْدَخُهُ فَيَبْقَى بَدَنًا بِلَا رَأْسٍ ، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ . ( ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ ) ، وَهُمْ ثَمُودُ ، قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ وَظَهَرَتْ لَهُمُ الدَّلَالَةُ ، مِنْ تِلْكَ النَّاقَةِ الَّتِي انْفَلَقَتْ عَنْهَا الصَّخْرَةُ ، مِثْلَ مَا سَأَلُوا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، وَمَعَ هَذَا مَا آمَنُوا بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى طُغْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَتَهَدَّدُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَالِحًا وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ ، وَتَوَعَّدُوهُمْ بِأَنْ يُخْرِجُوهُمْ وَيَرْجُمُوهُمْ ، فَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَخَمَدَتِ الْأَصْوَاتَ مِنْهُمْ وَالْحَرَكَاتِ . ( ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ ) ، وَهُوَ قَارُونُ الَّذِي طَغَى وَبَغَى وَعَتَا ، وَعَصَى الرَّبَّ الْأَعْلَى ، وَمَشَى فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ، وَفَرِحَ وَمَرِحَ وَتَاهَ بِنَفْسِهِ ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ( ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ ) ، وَهُمْ فِرْعَوْنُ وَوَزِيرُهُ هَامَانُ ، وَجُنُودُهُ عَنْ آخِرِهِمْ ، أُغْرِقُوا فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ ، ( ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ) أَيْ : فِيمَا فَعَلَ بِهِمْ ، ( ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ جَزَاءً وِفَاقًا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ ، وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ ، ثُمَّ قَالَ : ( ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ ) [ الْآيَةَ ] ، أَيْ : مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ ) ، قَالَ : قَوْمُ لُوطٍ . ( ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ ) ، قَالَ : قَوْمُ نُوحٍ . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَإِنَّ ابْنَ جُرْيَجٍ لَمْ يُدْرِكْهُ . ثُمَّ قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِهْلَاكُ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفَانِ ، وَقَوْمِ لُوطٍ بِإِنْزَالِ الرِّجْزِ مِنَ السَّمَاءِ ، وَطَالَ السِّيَاقُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ هَذَا السِّيَاقِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ ) قَالَ : قَوْمُ لُوطٍ ، ( ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ ) ، قَوْمُ شُعَيْبٍ . وَهَذَا بَعِيدٌ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

41-43

( ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًاوَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ( 41 ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ( 42 ) ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ( 43 ) ) هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ فِي اتِّخَاذِهِمْ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ ، يَرْجُونَ نَصْرَهُمْ وَرِزْقَهُمْ ، وَيَتَمَسَّكُونَ بِهِمْ فِي الشَّدَائِدِ ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ فِي ضَعْفِهِ وَوَهَنِهِ فَلَيْسَ فِي أَيْدِي هَؤُلَاءِ مِنْ آلِهَتِهِمْ إِلَّا كَمَنْ يَتَمَسَّكُ بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْدِي عَنْهُ شَيْئًا ، فَلَوْ عَلِمُوا هَذَا الْحَالَ لَمَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنِ قَلْبُهُ لِلَّهِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُحْسِنُ الْعَمَلَ فِي اتِّبَاعِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ مُسْتَمْسِكٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا ، لِقُوَّتِهَا وَثَبَاتِهَا . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِمَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ وَأَشْرَكَ بِهِ : إِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَيَعْلَمُ مَا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الْأَنْدَادِ ، وَسَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) أَيْ : وَمَا يَفْهَمُهَا وَيَتَدَبَّرُهَا إِلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الْمُتَضَلِّعُونَ مِنْهُ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : عَقَلْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْفَ مَثَلٍ . وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ يَقُولُ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ) . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : مَا مَرَرْتُ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَا أَعْرِفُهَا إِلَّا أَحْزَنَنِي ، لِأَنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ) .

44-45

(﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾( 44 ) ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ( 45 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى [ مُخْبِرًا ] عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ : أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ، يَعْنِي : لَا عَلَى وَجْهِ الْعَبَثِ وَاللَّعِبِ ، ( ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ) [ طَهَ : 15 ] ، ( ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ) [ النَّجْمِ : 31 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) أَيْ : لَدَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْإِلَهِيَّةِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ قِرَاءَتُهُ وَإِبْلَاغُهُ لِلنَّاسِ : ( ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) يَعْنِي : أَنَّ الصَّلَاةَ تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْئَيْنِ : عَلَى تَرْكِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ ، أَيْ : إِنَّ مُوَاظَبَتَهَا تَحْمِلُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا :

" مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، لَمْ تَزِدْهُ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا " . [ ذِكْرُ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ] : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْمُخَرِّمِيُّ الْفَلَّاسُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَافِعٍ أَبُو زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ) قَالَ : " مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ " . وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا " . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ) قَالَ : فَمَنْ لَمْ تَأْمُرْهُ صَلَاتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، لَمْ يَزْدَدْ بِصَلَاتِهِ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا . فَهَذَا مَوْقُوفٌ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَاكِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ الصَّلَاةَ ، وَطَاعَةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ " . قَالَ : وَقَالَ سُفْيَانُ : ( ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ ) [ هُودٍ : 87 ] قَالَ : فَقَالَ سُفْيَانُ : أَيْ وَاللَّهِ ، تَأْمُرُهُ وَتَنْهَاهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَبُو خَالِدٍ مَرَّةً : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - : " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ الصَّلَاةَ ، وَطَاعَةُ الصَّلَاةِ تَنْهَاهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ " . وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ ، كَمَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ : إِنَّ فُلَانًا يُطِيلُ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْفَعُ إِلَّا مَنْ أَطَاعَهَا . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : قَالَ عَلِيٌّ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ تَنْهَهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ ، لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا " . وَالْأَصَحُّ فِي هَذَا كُلِّهِ الْمَوْقُوفَاتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ وقَتَادَةَ ، وَالْأَعْمَشِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ : أُرَاهُ عَنْ جَابِرٍ - شَكَّ الْأَعْمَشُ - قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ ، قَالَ : " سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ " .

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ - وَلَمْ يَشُكَّ - ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ وَاخْتَلَفُوا فِي إِسْنَادِهِ ، فَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ ، وَقَالَ قَيْسٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَقَالَ جَرِيرٌ وَزِيَادٌ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ جَابِرٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ ؟ فَقَالَ : " إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ " . وَتَشْتَمِلُ الصَّلَاةُ أَيْضًا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الْأَكْبَرُ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ) أَيْ : أَعْظَمُ مِنَ الْأَوَّلِ ، ( ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ) أَيْ : يَعْلَمُ جَمِيعَ أَقْوَالِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ) ، قَالَ : إِنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا ثَلَاثُ خِصَالٍ ، فَكُلُّ صَلَاةٍ لَا يَكُونُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ فَلَيْسَتْ بِصَلَاةٍ : الْإِخْلَاصُ ، وَالْخَشْيَةُ ، وَذِكْرُ اللَّهِ . فَالْإِخْلَاصُ يَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالْخَشْيَةُ تَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَذِكْرُ الْقُرْآنِ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ . وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ الْأَنْصَارِيُّ : إِذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ فَأَنْتَ فِي مَعْرُوفٍ ، وَقَدْ حَجَزَتْكَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، وَالَّذِي أَنْتَ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : ( ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ) يَعْنِي : مَا دُمْتَ فِيهَا . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ) ، يَقُولُ : وَلَذِكْرُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ أَكْبَرُ ، إِذَا ذَكَرُوهُ مِنْ ذِكْرِهُمْ إِيَّاهُ . وَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ طَعَامِكَ وَعِنْدَ مَنَامِكَ . قُلْتُ : فَإِنَّ صَاحِبًا لِي فِي الْمَنْزِلِ يَقُولُ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ : قَالَ : وَأَيَّ شَيْءٍ يَقُولُ ؟ قُلْتُ : قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ : ( ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 152 ] ، فَلَذِكْرُ اللَّهِ إِيَّانَا أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِنَا إِيَّاهُ . قَالَ : صَدَقَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ) قَالَ : لَهَا وَجْهَانِ ، قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَمَا حَرَّمَهُ ، قَالَ : وَذِكْرُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ أَعْظَمُ مِنْ ذِكْرِكُمْ إِيَّاهُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ) ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا هُوَ ؟ قُلْتُ : التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّكْبِيرُ فِي الصَّلَاةِ ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . قَالَ : لَقَدْ قُلْتَ قَوْلًا عَجَبًا ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا يَقُولُ : ذِكْرُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ عِنْدَمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ إِذَا ذَكَرْتُمُوهُ ، أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِكُمْ إِيَّاهُ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .

46

( ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) ) . قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ مُجَادَلَةٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْإِسْلَامُ أَوِ الْجِزْيَةُ أَوِ السَّيْفُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ أَوْ مُحْكَمَةٌ لِمَنْ أَرَادَ الِاسْتِبْصَارَ مِنْهُمْ فِي الدِّينِ ، فَيُجَادِلُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، لِيَكُونَ أَنْجَعَ فِيهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ) [ النَّحْلِ : 125 ] ، وَقَالَ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ حِينَ بَعَثَهُمَا إِلَى فِرْعَوْنَ : ( ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ) [ طَهَ : 44 ] . وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ) أَيْ : حَادُوا عَنْ وَجْهِ الْحَقِّ ، وَعَمُوا عَنْ وَاضِحِ الْمَحَجَّةِ ، وَعَانَدُوا وَكَابَرُوا ، فَحِينَئِذٍ يُنْتَقَلُ مِنَ الْجِدَالِ إِلَى الْجِلَادِ ، وَيُقَاتَلُونَ بِمَا يَرْدَعُهُمْ وَيَمْنَعُهُمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ) [ الْحَدِيدِ : 25 ] . قَالَ جَابِرٌ : أُمِرْنَا مَنْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ أَنْ نَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ . قَالَ مُجَاهِدٌ : ( ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ) يَعْنِي : أَهْلَ الْحَرْبِ ، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزلَ إِلَيْكُمْ ) ، يَعْنِي : إِذَا أَخْبَرُوا بِمَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ ، فَهَذَا لَا نُقْدِمُ عَلَى تَكْذِيبِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَقًّا ، وَلَا عَلَى تَصْدِيقِهِ ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا وَلَكِنْ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانًا مُجْمَلًا مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُنْزَلًا لَا مُبَدَّلًا وَلَا مُؤَوَّلًا . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

" لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ، وَقُولُوا : آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي نَمْلَةَ أَنَّ أَبَا نَمْلَةَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَتَكَلَّمُ هَذِهِ الْجِنَازَةُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللَّهُ أَعْلَمُ " . قَالَ الْيَهُودِيُّ : أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ، وَقُولُوا : آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ "

قَلَّتْ : وَأَبُو نَمْلَةَ هَذَا هُوَ : عُمَارَةُ . وَقِيلَ : عَمَّارٌ . وَقِيلَ : عَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ثُمَّ لِيُعْلَمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحَدِّثُونَ بِهِ غَالِبُهُ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَهُ تَحْرِيفٌ وَتَبْدِيلٌ وَتَغْيِيرٌ وَتَأْوِيلٌ ، وَمَا أَقَلَّ الصِّدْقَ فِيهِ ، ثُمَّ مَا أَقَلَّ فَائِدَةَ كَثِيرٍ مِنْهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ ظُهَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا ، إِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ أَوْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ تَالِيَةٌ ، تَدْعُوهُ إِلَى دِينِهِ كَتَالِيَةِ الْمَالِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْدَثُ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ ، وَغَيَّرُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ ، وَقَالُوا : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ؟ أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ ؟ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ - وَذَكَرَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ - فَقَالَ : إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ . قُلْتُ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُ الْكَذِبُ لُغَةً مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ; لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ صُحُفٍ هُوَ يُحْسِنُ بِهَا الظَّنَّ ، وَفِيهَا أَشْيَاءُ مَوْضُوعَةٌ وَمَكْذُوبَةٌ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلَّتِهِمْ حُفَّاظٌ مُتْقِنُونَ كَهَذِهِ الْأُمَّةِ الْعَظِيمَةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ وَقُرْبَ الْعَهْدِ وُضِعَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ، وَمَنْ مَنَحَهُ اللَّهُ عِلْمًا بِذَلِكَ ، كُلٌّ بِحَسْبِهِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .

47-49

(﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾( 47 ) ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ( 48 ) ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ ( 49 ) ) . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : كَمَا أَنْزَلْنَا الْكُتُبَ عَلَى مَنْ قَبْلَكَ - يَا مُحَمَّدُ - مِنَ الرُّسُلِ ، كَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْكِتَابَ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ وَمُنَاسَبَةٌ وَارْتِبَاطٌ جَيِّدٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ) أَيِ : الَّذِينَ أَخَذُوهُ فَتَلَوْهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ مِنْ أَحْبَارِهِمُ الْعُلَمَاءِ الْأَذْكِيَاءِ ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ، وَأَشْبَاهِهِمَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ) ، يَعْنِي الْعَرَبَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ ، ( ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ ) ، أَيْ : مَا يُكَذِّبُ بِهَا وَيَجْحَدُ حَقَّهَا إِلَّا مَنْ يَسْتُرُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ، وَيُغَطِّي ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالْوَصَائِلِ ، وَهَيْهَاتَ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) ، أَيْ : قَدْ لَبِثْتَ فِي قَوْمِكَ - يَا مُحَمَّدُ - وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَ بِهَذَا الْقُرْآنِ عُمُرًا لَا تَقْرَأُ كِتَابًا وَلَا تُحْسِنُ الْكِتَابَةَ ، بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ قَوْمِكَ وَغَيْرِهِمْ يَعْرِفُ أَنَّكَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لَا تَقْرَأُ وَلَا تَكْتُبُ . وَهَكَذَا صِفَتُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ) الْآيَةَ [ الْأَعْرَافِ : 157 ] . وَهَكَذَا كَانَ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [ دَائِمًا أَبَدًا ] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَلَا يَخُطُّ سَطْرًا وَلَا حَرْفًا بِيَدِهِ ، بَلْ كَانَ لَهُ كُتَّابٌ يَكْتُبُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْوَحْيَ وَالرَّسَائِلَ إِلَى الْأَقَالِيمِ . وَمَنْ زَعَمَ مِنْ مُتَأَخَّرِي الْفُقَهَاءِ ، كَالْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ،

كَتَبَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ : " هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " فَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : " ثُمَّ أَخَذَ فَكَتَبَ " : وَهَذِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : " ثُمَّ أَمَرَ فَكَتَبَ " . وَلِهَذَا اشْتَدَّ النَّكِيرُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ عَلَى مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الْبَاجِيِّ ، وَتَبَرَّءُوا مِنْهُ ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا وَخَطَبُوا بِهِ فِي مَحَافِلِهِمْ : وَإِنَّمَا أَرَادَ الرَّجُلُ - أَعْنِي الْبَاجِيَّ ، فِيمَا يَظْهَرُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُعْجِزَةِ ، لَا أَنَّهُ كَانَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ ، كَمَا قَالَ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِخْبَارًا عَنِ الدَّجَّالِ : " مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ " وَفِي رِوَايَةٍ : " ك ف ر ، يَقْرَؤُهَا كُلُّ مُؤْمِنٍ " ، وَمَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى تَعَلَّمَ الْكِتَابَةَ ، فَضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ ) أَيْ : تَقْرَأُ ( ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ ) لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ، ( ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ) تَأْكِيدٌ أَيْضًا ، وَخَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 38 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ) أَيْ : لَوْ كُنْتَ تُحْسِنُهَا لَارْتَابَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنَ النَّاسِ فَيَقُولُ : إِنَّمَا تَعَلَّمَ هَذَا مِنْ كُتُبٍ قَبْلَهُ مَأْثُورَةٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ ، مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ أُمِّيٌّ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ : ( ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 5 ] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 6 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) أَيْ : [ هَذَا ] الْقُرْآنُ آيَاتٌ بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَقِّ ، أَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا ، يَحْفَظُهُ الْعُلَمَاءُ ، يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِفْظًا وَتِلَاوَةً وَتَفْسِيرًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ) [ الْقَمَرِ : 17 ] ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ مَا آمَنَ عَلَى مَثَلِهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا " . وَفِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : إِنِّي مُبْتَلِيكَ وَمُبْتَلٍ بِكَ ، وَمُنْزِلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ " . أَيْ : لَوْ غَسَلَ الْمَاءُ الْمَحَلَّ الْمَكْتُوبَ فِيهِ لَمَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ ، مَا أَحْرَقَتْهُ النَّارُ " ، لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ ، مُيَسَّرٌ عَلَى الْأَلْسِنَةِ ، مُهَيْمِنٌ عَلَى الْقُلُوبِ ، مُعْجِزٌ لَفْظًا وَمَعْنَى ; وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فِي صِفَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ : " أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ " .

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ) ، بَلِ الْعِلْمُ بِأَنَّكَ مَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِ هَذَا الْكِتَابِ كِتَابًا وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ، آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعَلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَنَقَلَهُ عَنْ قَتَادَةَ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ . وَحَكَى الْأَوَّلَ عَنِ الْحَسَنِ [ الْبَصْرِيِّ ] فَقَطْ . قُلْتُ : وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَهُ الضَّحَّاكُ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ) أَيْ : مَا يُكَذِّبُ بِهَا وَيَبْخَسُ حَقَّهَا وَيَرُدُّهَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ، أَيِ : الْمُعْتَدُونَ الْمُكَابِرُونَ ، الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَيَحِيدُونَ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ . وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ) [ يُونُسَ : 96 ، 97 ] .

50-52

(﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾( 50 ) ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ( 51 ) ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ( 52 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَنُّتِهِمْ وَطَلَبِهِمْ آيَاتٍ - يَعْنُونَ - تُرْشِدُهُمْ إِلَى أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ كَمَا جَاءَ صَالِحٌ بِنَاقَتِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ : ( ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ) أَيْ : إِنَّمَا أَمْرُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّكُمْ تَهْتَدُونَ لَأَجَابَكُمْ إِلَى سُؤَالِكُمْ ; لَأَنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ عَلَيْهِ ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ يَعْلَمُ مِنْكُمْ أَنَّمَا قَصْدُكُمُ التَّعَنُّتُ وَالِامْتِحَانُ ، فَلَا يُجِيبُكُمْ إِلَى ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 59 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) أَيْ : إِنَّمَا بُعِثْتُ نَذِيرًا لَكُمْ بَيِّنَ النِّذَارَةِ فَعَلَيَّ أَنْ أُبَلِّغَكُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ وَ ( ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ) [ الْكَهْفِ : 17 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 272 ] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُبَيِّنًا كَثْرَةَ جَهْلِهِمْ ، وَسَخَافَةَ عَقْلِهِمْ ، حَيْثُ طَلَبُوا آيَاتٍ تَدُلُّهُمْ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ فِيمَا جَاءَهُمْ [ بِهِ ] - وَقَدْ جَاءَهُمْ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مُعْجِزَةٍ ، إِذْ عَجَزَتِ الْفُصَحَاءُ وَالْبُلَغَاءُ عَنْ مُعَارَضَتِهِ ، بَلْ عَنْ مُعَارَضَةِ عَشْرِ سُورٍ مِنْ مَثَلِهِ ، بَلْ عَنْ مُعَارَضَةِ سُورَةٍ مِنْهُ - فَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ) أَيْ : أَوْلَمَ يَكْفِهِمْ آيَةً أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ هَذَا الْكِتَابَ الْعَظِيمَ ، الَّذِي فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَهُمْ ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَهُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَهُمْ ، وَأَنْتَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لَا تَقْرَأُ وَلَا تَكْتُبُ ، وَلَمْ تُخَالِطْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَجِئْتَهُمْ بِأَخْبَارِ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ، بِبَيَانِ الصَّوَابِ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَبِالْحَقِّ الْوَاضِحِ الْبَيِّنِ الْجَلِيِّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 197 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ ) [ طَهَ : 133 ] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

" مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ) أَيْ : إِنَّ فِي هَذَا الْقُرْآنِ : ( لَرَحْمَةً ) أَيْ : بَيَانًا لِلْحَقِّ ، وَإِزَاحَةً لِلْبَاطِلِ وَ ) ذِكْرَى ) بِمَا فِيهِ حُلُولُ النِّقَمَاتِ وَنُزُولُ الْعِقَابِ بِالْمُكَذِّبِينَ وَالْعَاصِينَ ، ( ﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : قُلْ : ( ﴿كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ ) أَيْ : هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ ، وَيَعْلَمُ مَا أَقُولُ لَكُمْ مِنْ إِخْبَارِي عَنْهُ ، بِأَنَّهُ أَرْسَلَنِي ، فَلَوْ كُنْتُ كَاذِبًا عَلَيْهِ لَانْتَقَمَ مِنِّي ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 44 - 47 ] ، وَإِنَّمَا أَنَا صَادِقٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ ، وَلِهَذَا أَيَّدَنِي بِالْمُعْجِزَاتِ الْوَاضِحَاتِ ، وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ . ( ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ) [ أَيْ ] : لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ . ( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ) أَيْ : يَوْمَ مَعَادِهِمْ سَيَجْزِيهِمْ عَلَى مَا فَعَلُوا ، وَيُقَابِلُهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا ، مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ ، كَذَّبُوا بِرُسُلِ اللَّهِ مَعَ قِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ ، وَآمَنُوا بِالطَّوَاغِيتِ وَالْأَوْثَانِ بِلَا دَلِيلٍ ، سَيُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ .

53-55

(﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾( 53 ) ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ( 54 ) ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ( 55 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ جَهْلِ الْمُشْرِكِينَ فِي اسْتِعْجَالِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ أَنْ يَقَعَ بِهِمْ ، وَبَأْسَ اللَّهِ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ) [ الْأَنْفَالِ : 32 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ) أَيْ : لَوْلَا مَا حَتَّمَ اللَّهُ مِنْ تَأْخِيرِ الْعَذَابِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ قَرِيبًا سَرِيعًا كَمَا اسْتَعْجَلُوهُ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ ) أَيْ : فَجْأَةً ، ( ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ) أَيْ : يَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ ، وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ . قَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ) ، قَالَ : الْبَحْرُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ . حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ; أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : ( ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ) : وَجَهَنَّمُ هُوَ هَذَا الْبَحْرُ الْأَخْضَرُ ، تُنْتَثَرُ الْكَوَاكِبُ فِيهِ ، وَتُكَوَّرُ فِيهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هُوَ جَهَنَّمَ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُيَيٍّ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ :

" الْبَحْرُ هُوَ جَهَنَّمُ " . قَالُوا : لِيَعْلَى ، فَقَالَ : أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ) [ الْكَهْفِ : 29 ] ، قَالَ : لَا وَالَّذِي نَفْسُ يَعْلَى بِيَدِهِ لَا أَدْخُلُهَا أَبَدًا حَتَّى أُعْرَضَ عَلَى اللَّهِ ، وَلَا يُصِيبُنِي مِنْهَا قَطْرَةٌ حَتَّى أُعْرَضَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . هَذَا تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ ، وَحَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ) ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 41 ] ، وَقَالَ : ( ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ ) [ الزُّمَرِ : 16 ] ، وَقَالَ : ( ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 39 ] ، فَالنَّارُ تَغْشَاهُمْ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِمْ ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْعَذَابِ الْحِسِّيِّ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) ، تَهْدِيدٌ وَتَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ ، وَهَذَا عَذَابٌ مَعْنَوِيٌّ عَلَى النُّفُوسِ ، كَقَوْلِهِ : ( ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ) [ الْقَمَرِ : 48 ، 49 ] ، وَقَالَ ( ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ . ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ . ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ . ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) [ الطُّورِ : 13 - 16 ] .

56-60

( ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ( 56 ) ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ( 57 ) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ( 58 ) ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ( 59 ) ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ( 60 ) ) . هَذَاأَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْهِجْرَةِ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي لَا يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، إِلَى أَرْضِ اللَّهِ الْوَاسِعَةِ ، حَيْثُ يُمْكِنُ إِقَامَةُ الدِّينِ ، بِأَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ وَيَعْبُدُوهُ كَمَا أَمَرَهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ) . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :

" الْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ ، فَحَيْثُمَا أَصَبْتَ خَيْرًا فَأَقِمْ " . وَلِهَذَا لَمَّا ضَاقَ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مُقَامَهُمْ بِهَا ، خَرَجُوا مُهَاجِرِينَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، لِيَأْمَنُوا عَلَى دِينِهِمْ هُنَاكَ ، فَوَجَدُوا هُنَاكَ خَيْرَ الْمَنْزِلَيْنِ ، أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيَّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، آوَاهُمْ وَأَيَّدَهُمْ بِنَصْرِهِ ، وَجَعَلَهُمْ سُيُومًا بِبِلَادِهِ . ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ الْبَاقُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ يَثْرِبَ الْمُطَهَّرَةِ

ثُمَّ قَالَ : ( ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) أَيْ : أَيْنَمَا كُنْتُمْ يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، فَكُونُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَحَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلَا مَحِيدَ عَنْهُ ، ثُمَّ إِلَى اللَّهِ الْمَرْجِعُ [ وَالْمَآبُ ] ، فَمَنْ كَانَ مُطِيعًا لَهُ جَازَاهُ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ ، وَوَافَاهُ أَتَمَّ الثَّوَابِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ) أَيْ : لَنُسْكِنَنَّهُمْ مَنَازِلَ عَالِيَةً فِي الْجَنَّةِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا ، مِنْ مَاءٍ وَخَمْرٍ ، وَعَسَلٍ وَلَبَنٍ ، يُصَرِّفُونَهَا وَيُجْرُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا ، ( ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ( ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ) : نِعْمَتْ هَذِهِ الْغُرَفُ أَجْرًا عَلَى أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ . ( الَّذِينَ صَبَرُوا ) أَيْ : عَلَى دِينِهِمْ ، وَهَاجَرُوا إِلَى اللَّهِ ، وَنَابَذُوا الْأَعْدَاءَ ، وَفَارَقُوا الْأَهْلَ وَالْأَقْرِبَاءَ ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ، وَرَجَاءَ مَا عِنْدَهُ وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ الْمُؤَذِّنُ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ ، حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاتِقٍ الْأَشْعَرِيُّ ، أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَهُ : أَنَّ

فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا ، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ ، وَأَطَابَ الْكَلَامَ ، وَأَبَاحَ الصِّيَامَ ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَالنَّاسُ نِيَامٌ . [ وَقَوْلُهُ ] : ( ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ) فِي أَحْوَالِهِمْ كُلِّهَا ، فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنَّ الرِّزْقَ لَا يُخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ ، بَلْ رِزْقُهُ تَعَالَى عَامٌّ لِخَلْقِهِ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا ، بَلْ كَانَتْ أَرْزَاقُ الْمُهَاجِرِينَ حَيْثُ هَاجَرُوا أَكْثَرَ وَأَوْسَعَ وَأَطْيَبَ ، فَإِنَّهُمْ بَعْدَ قَلِيلٍ صَارُوا حُكَّامَ الْبِلَادِ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ) أَيْ : لَا تُطِيقُ جَمْعَهُ وَتَحْصِيلَهُ وَلَا تُؤَخِّرُ شَيْئًا لِغَدٍ ، ( ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ ) أَيِ : اللَّهُ يُقَيِّضُ لَهَا رِزْقَهَا عَلَى ضَعْفِهَا ، وَيُيَسِّرُهُ عَلَيْهَا ، فَيَبْعَثُ إِلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ مِنَ الرِّزْقِ مَا يُصْلِحُهُ ، حَتَّى الذَّرِّ فِي قَرَارِ الْأَرْضِ ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ) [ هُودٍ : 6 ] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ - حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مِنْهَالٍ الْجَزَرِيُّ - هُوَ أَبُو الْعَطُوفِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ مِنَ التَّمْرِ وَيَأْكُلُ ، فَقَالَ لِي : " يَا ابْنَ عُمَرَ ، مَا لَكَ لَا تَأْكُلُ ؟ " قَالَ : قُلْتُ : لَا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " لَكِنِّي أَشْتَهِيهِ ، وَهَذِهِ صُبْحُ رَابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أَذُقْ طَعَامًا وَلَمْ أَجِدْهُ ، وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ قَيْصَرَ وَكِسْرَى فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ بِضَعْفِ الْيَقِينِ ؟ " . قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْنَا وَلَا رِمْنا حَتَّى نَزَلَتْ : ( ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيَا ، وَلَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ ، فَمَنْ كَنَزَ دُنْيَاهُ يُرِيدُ بِهَا حَيَاةً بَاقِيَةً فَإِنَّ الْحَيَاةَ بِيَدِ اللَّهِ ، أَلَا وَإِنِّي لَا أَكْنِزُ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ " . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَأَبُو الْعَطُوفِ الْجَزَرِيُّ ضَعِيفٌ . وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْغُرَابَ إِذَا فَقَسَ عَنْ فِرَاخِهِ الْبَيْضَ ، خَرَجُوا وَهُمْ بِيضٌ فَإِذَا رَآهُمْ أَبَوَاهُمْ كَذَلِكَ ، نَفَرَا عَنْهُمْ أَيَّامًا حَتَّى يَسْوَدَّ الرِّيشُ ، فَيَظَلُّ الْفَرْخُ فَاتِحًا فَاهُ يَتَفَقَّدُ أَبَوَيْهِ ، فَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ طَيْرًا صِغَارًا كَالْبَرْغَشِ فَيَغْشَاهُ فَيَتَقَوَّتُ مِنْهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ حَتَّى يَسْوَدَّ رِيشُهُ ، وَالْأَبَوَانِ يَتَفَقَّدَانِهِ كُلَّ وَقْتٍ ، فَكُلَّمَا رَأَوْهُ أَبْيَضَ الرِّيشِ نَفَرَا عَنْهُ ، فَإِذَا رَأَوْهُ قَدِ اسْوَدَّ رِيشُهُ عَطَفَا عَلَيْهِ بِالْحَضَانَةِ وَالرِّزْقِ ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ :

يَا رَازِقَ النَّعَّابِ في عُشِّهِ ※ وَجَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ الْمَهِيضِ ※ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي جُمْلَةِ كَلَامٍ لَهُ فِي الْأَوَامِرِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

" سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتُرْزَقُوا " . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَخْبَرَنَا إِمْلَاءً أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدَانَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَّانٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَدَّادٍ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتَغْنَمُوا " . قَالَ : وَرُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُجَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " سَافِرُوا تَرْبَحُوا ، وَصُومُوا تَصِحُّوا ، وَاغْزُوا تَغْنَمُوا " . وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَوْقُوفًا . وَفِي لَفْظٍ : " سَافِرُوا مَعَ ذَوِي الْجُدُودِ وَالْمَيْسَرَةِ "

وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أَيِ : السَّمِيعُ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ ، الْعَلِيمُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ .

61-63

( ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ( 61 ) ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ( 62 ) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ( 63 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُقَرِّرًا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ; لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ - مُعْتَرِفُونَ أَنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَتَسْخِيرِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَأَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ لِعِبَادِهِ ، وَمُقَدِّرٌ آجَالَهُمْ وَاخْتِلَافَهَا وَاخْتِلَافَ أَرْزَاقِهِمْ فَفَاوَتَ بَيْنَهُمْ ، فَمِنْهُمُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ ، وَهُوَ الْعَلِيمُ بِمَا يُصْلِحُ كُلًّا مِنْهُمْ ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الْغِنَى مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْفَقْرَ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ الْمُسْتَبِدُّ بِخَلْقِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَفَرِّدِ بِتَدْبِيرِهَا ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ يُعْبَدُ غَيْرُهُ ؟ وَلِمَ يُتَوَكَّلُ عَلَى غَيْرِهِ ؟ فَكَمَا أَنَّهُ الْوَاحِدُ فِي مُلْكِهِ فَلْيَكُنِ الْوَاحِدَ فِي عِبَادَتِهِ ، وَكَثِيرًا مَا يُقَرِّرُ تَعَالَى مَقَامَ الْإِلَهِيَّةِ بِالِاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ . وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ : " لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ " .

64-66

( ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ( 64 ) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ( 65 ) ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ( 66 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ حَقَارَةِ الدُّنْيَا وَزَوَالِهَا وَانْقِضَائِهَا ، وَأَنَّهَا لَا دَوَامَ لَهَا ، وَغَايَةُ مَا فِيهَا لَهْوٌ وَلَعِبٌ : ( ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ ) أَيْ : الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ الْحَقُّ الَّذِي لَا زَوَالَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ ، بَلْ هِيَ مُسْتَمِرَّةٌ أَبَدَ الْآبَادِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ) أَيْ : لَآثَرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ يَدْعُونَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فَهَلَّا يَكُونُ هَذَا مِنْهُمْ دَائِمًا ، ( ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ) كَقَوْلِهِ ( ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : : 67 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ) . وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ : أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ ذَهَبَ فَارًّا مِنْهَا ، فَلَمَّا رَكِبَ فِي الْبَحْرِ لِيَذْهَبَ إِلَى الْحَبَشَةِ ، اضْطَرَبَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ ، فَقَالَ أَهْلُهَا : يَا قَوْمِ ، أَخْلِصُوا لِرَبِّكُمُ الدُّعَاءَ ، فَإِنَّهُ لَا يُنْجِي هَاهُنَا إِلَّا هُوَ . فَقَالَ عِكْرِمَةُ : وَاللَّهِ إِنْ كَانَ لَا يُنْجِي فِي الْبَحْرِ غَيْرُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُنْجِي غَيْرُهُ فِي الْبَرِّ أَيْضًا ، اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ لَئِنْ خَرَجْتُ لَأَذْهَبْنَ فَلَأَضَعَنَّ يَدِي فِي يَدِ مُحَمَّدٍ فَلَأَجِدَنَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا ، وَكَانَ كَذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ ) : هَذِهِ اللَّامُ يُسَمِّيهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالتَّفْسِيرِ وَعُلَمَاءِ الْأُصُولِ لَامَ الْعَاقِبَةِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ ذَلِكَ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَقْدِيرِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَتَقْيِيضِهِ إِيَّاهُمْ لِذَلِكَ فَهِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا تَقْرِيرَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ) [ الْقَصَصِ : 8 ] .

67-69

( ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ ( 67 ) ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ ( 68 ) ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ( 69 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى قُرَيْشٍ فِيمَا أَحَلَّهُمْ مِنْ حَرَمِهِ ، الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي ،وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، فَهُمْ فِي أَمْنٍ عَظِيمٍ ، وَالْأَعْرَابُ حَوْلَهُ يَنْهَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ) [ قُرَيْشٍ : 1 - 4 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ) أَيْ : أَفَكَانَ شُكْرُهُمْ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ أَنْ أَشْرَكُوا بِهِ ، وَعَبَدُوا مَعَهُ [ غَيْرَهُ مِنَ ] الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ، وَ ( ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 28 ] ، وَكَفَرُوا بِنَبِيِّ اللَّهِ وَعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ ، فَكَانَ اللَّائِقُ بِهِمْ إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ ، وَأَلَّا يُشْرِكُوا بِهِ ، وَتَصْدِيقَ الرَّسُولِ وَتَعْظِيمَهُ وَتَوْقِيرَهُ ، فَكَذَّبُوهُ وَقَاتَلُوهُ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِ ظَهْرِهِمْ ; وَلِهَذَا سَلَبَهُمُ اللَّهُ مَا كَانَ أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ ، وَصَارَتِ الدَّوْلَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مَكَّةَ ، وَأَرْغَمَ آنَافَهُمْ وَأَذَلَّ رِقَابَهُمْ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ ) أَيْ : لَا أَحَدَ أَشَدُّ عُقُوبَةً مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ، وَمَنْ قَالَ : سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ . وَهَكَذَالَا أَحَدَ أَشَدُّ عُقُوبَةً مِمَّنْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ، فَالْأَوَّلُ مُفْتَرٍ ، وَالثَّانِي مُكَذِّبٌ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ ) . ثُمَّ قَالَ ( ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ ) يَعْنِي : الرَّسُولَ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، وَأَصْحَابَهُ وَأَتْبَاعَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ( ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ) ، أَيْ : لَنُبَصِّرَنَّهُمْ سُبُلَنَا ، أَيْ : طُرُقَنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو أَحْمَدَ - مِنْ أَهْلِ عَكَّا - فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) قَالَ :الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ ، يَهْدِيهِمْ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ : فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ فَأَعْجَبَهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ يَنْبَغِي لِمَنْ أُلْهِمَ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ حَتَّى يَسْمَعَهُ فِي الْأَثَرِ ، فَإِذَا سَمِعَهُ فِي الْأَثَرِ عَمِلَ بِهِ ، وَحَمِدَ اللَّهَ حِينَ وَافَقَ مَا فِي نَفْسِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ - قَاضِي الرَّيِّ - حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّمَا الْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ ، لَيْسَ الْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ . [ وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْإِحْسَانِ قَالَ : "

أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ " . قَالَ : " أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ " . [ انْتَهَى تَفْسِيرُ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ]