17 - تفسير سورة الإسراء
[ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحِبِهِ وَسَلَّمَ ] تَفْسِيرُ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ قَالَ الْإِمَامُ [ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ] الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ : إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مَرْوَانَ ، عَنْ أَبِي لُبَابَةَ ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ : مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ : مَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ ، وَكَانَ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ " بَنِي إِسْرَائِيلَ " ، وَ " الزُّمَرَ " . ( ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ( 1 ) ) يُمَجِّدُ تَعَالَى نَفْسَهُ ، وَيُعَظِّمُ شَأْنَهُ ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَاهُ ، فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ ( ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ) يَعْنِي مُحَمَّدًا ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ) لَيْلًا ) أَيْ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ ( ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ) وَهُوَ مَسْجِدُ مَكَّةَ ( ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ) وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الَّذِي هُوَ إِيلِيَاءُ ، مَعْدِنُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ لَدُنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ؛ وَلِهَذَا جُمِعُوا لَهُ هُنَالِكَ كُلُّهُمْ ، فَأَمَّهُمْ فِي مَحِلَّتِهِمْ ، وَدَارِهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ ، وَالرَّئِيسُ الْمُقَدَّمُ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ) أَيْ : فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ ) لِنُرِيَهُ ) أَيْ : مُحَمَّدًا ) مِنْ آيَاتِنَا ) أَيْ : الْعِظَامُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ) [ النَّجْمِ : 18 ] . وَسَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ) أَيْ : السَّمِيعُ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ ، مُصَدِّقِهِمْ وَمُكَذِّبِهِمْ ، الْبَصِيرُ بِهِمْ فَيُعْطِي كُلًّا مَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
ذِكْرُالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِسْرَاءِ رِوَايَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - هُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللِّهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ
لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ : إِنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ أَوَّلُهُمْ : أَيَهُمُّ هُوَ ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ : هُوَ خَيْرُهُمْ ، فَقَالَ آخِرُهُمْ : خُذُوا خَيْرَهُمْ . فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ ، وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ - وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ - فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، بِيَدِهِ حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مَنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً ، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا ، فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مَعِي مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا بِهِ ، يَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ . وَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ فَقَالَ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي ، نِعْمَ الِابْنُ أَنْتَ ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهْرَيْنِ يَطَّرِدَانِ فَقَالَ : " مَا هَذَانِ النَّهْرَانِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا ، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ ، فَإِذَا هُوَ بِنَهْرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ فَقَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَّأَ لَكَ رَبُّكَ . ثُمَّ عُرِجَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الْأُولَى : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : مَرْحَبًا وَأَهْلًا وَسَهْلًا . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ ، قَدْ وَعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ . فَقَالَ مُوسَى : " رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ " ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ ، بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى ، حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِيمَا يُوحِي خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . ثُمَّ هُبِطَ بِهِ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ : " يَا مُحَمَّدُ ، مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ ؟ " قَالَ : " عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ " قَالَ : " إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ " . فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ : أَنْ نَعَمْ ، إِنْ شِئْتَ . فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ تَعَالَى ، فَقَالَ وَهُوَ فِي مَكَانِهِ : " يَا رَبِّ ، خَفِّفْ عَنَّا ، فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا " فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ . ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْسِ فَقَالَ : " يَا مُحَمَّدُ ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا ، فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ " كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَقَالَ : " يَا رَبِّ ، إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا " فَقَالَ : الْجَبَّارُ : " يَا مُحَمَّدُ ، قَالَ : " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ " قَالَ : إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ : " كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَهِيَ خُمْسٌ عَلَيْكَ " ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : " كَيْفَ فَعَلْتَ ؟ " فَقَالَ : " خَفَّفَ عَنَّا ، أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا " قَالَ : مُوسَى : " قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا " . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا مُوسَى قَدْ - وَاللَّهِ - اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ " قَالَ : " فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ " ، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . هَكَذَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " كِتَابِ التَّوْحِيدِ " ، وَرَوَاهُ فِي " صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ : " فَزَادَ وَنَقَصَ ، وَقَدَّمَ وَأَخَّرَ " . وَهُوَ كَمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَسَاءَ حِفْظُهُ وَلَمْ يَضْبُطْهُ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مَنَامًا تَوْطِئَةً لِمَا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . [ وَقَالَ ] الْبَيْهَقِيُّ : فِي حَدِيثِ " شَرِيكٍ " زِيَادَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ ، يَعْنِي قَوْلَهُ : " ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى " قَالَ : وَقَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَمْلِهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى رُؤْيَتِهِ جِبْرِيلَ - أَصَحُّ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " . وَفِي رِوَايَةٍ " رَأَيْتُ نُورًا " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ ) [ النَّجْمِ : 8 ] ، إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذَا . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ ، فَرَكِبْتُهُ فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ دَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجْتُ . فَأَتَانِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ . قَالَ جِبْرِيلُ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ " قَالَ : " ثُمَّعُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ [ قَالَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ] . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ يَحْيَى وَعِيسَى ، فَرَحَّبَا بِي وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِ يُوسُفَ ، وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ الْبَابُ ، فَإِذَا أَنَا بِ إِدْرِيسَ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ : ( ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ) [ مَرْيَمَ : 57 ] . ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : [ وَ ] مَنْ مَعَكَ ؟ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِ هَارُونَ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِ مُوسَى فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِذَا هُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَىالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ . ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ . فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَهَا تَغَيَّرَتْ ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِفَهَا مِنْ حُسْنِهَا . قَالَ : " فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى ، وَفَرَضَ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى " . قَالَ : " مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قَالَ : " قُلْتُ : خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ " . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، وَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي ، فَقُلْتُ : أَيْ رَبِّ ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي ، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا . فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : مَا فَعَلْتَ ؟ قُلْتُ : قَدْ حَطَّ عَنِّي خَمْسًا " . قَالَ : " إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " قَالَ : " فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى ، وَيَحُطُّ عَنِّي خَمْسًا خَمْسًا حَتَّى قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هِيَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، بِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ ، فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلَاةً ، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ [ لَهُ ] حَسَنَةً ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَشْرًا . وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ ، فَإِنَّ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً . فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ " . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ " . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهَذَا السِّيَاقِ ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ سِيَاقِ شَرِيكٍ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَفِي هَذَا السِّيَاقِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ**الْمِعْرَاجَ كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -**مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُسْرَجًا مُلْجَمًا لِيَرْكَبَهُ ، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَكِبَكَ قَطُّ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ . قَالَ : فَارْفَضَّ عَرَقًا .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَقَالَ : غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، حَدَّثَنِي رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ " . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، بِهِ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ أَنَسٌ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ التَّيْمِيِّ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ . قَالَ النَّسَائِيُّ : وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ : سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ . وَقَالَ [ الْحَافِظُ ] أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا :
- قَالَ أَنَسٌ : ذُكِرَ أَنَّهُ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ - فَأَوْثَقَ الدَّابَّةَ - أَوْ قَالَ : الْفَرَسَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : صِفْهَا لِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ كَلِمَةً فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ رَآهَا .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي ، فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا كَوَكْرَيِ الطَّيْرِ ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدْتُ فِي الْآخَرِ فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي ، وَلَوْ شِئْتُ أَنَّ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ ، فَالْتَفَتُّ إِلَى جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَأَنَّهُ حِلْسٌ لَاطَ فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ عَلَيَّ ، وَفُتِحَ لِي بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ ، وَإِذَا دُونَ الْحِجَابِ رَفْرَفُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُوحِي " ثُمَّ قَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا أَنَسٌ ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَكَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ . وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ " ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُنَيْنِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، فَذَكَرَ بِسَنَدِهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ غَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِهِ : " وَلُطَّ دُونِي - أَوْ قَالَ : دُونَ الْحِجَابِ - رَفْرَفُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ " . ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مَلَإٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ، فَنَكَتَ فِي ظَهْرِهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الشَّجَرَةِ وَفِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّيْرِ ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الْآخَرِ ، فَنَشَأَتْ بِنَا حَتَّى بَلَغَتِ الْأُفُقَ ، فَلَوْ بَسَطْتُ يَدِي إِلَى السَّمَاءِ لَنِلْتُهَا ، فَدُلِّيَ بِسَبَبٍ وَهَبَطَ النُّورُ ، فَوَقَعَ جِبْرِيلُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ حِلْسٌ ، فَعَرَفْتُ فَضْلَ خَشْيَتِهِ عَلَى خَشْيَتِي . فَأَوْحَى إِلَيَّ : نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا ؟ وَإِلَى الْجَنَّةِ مَا أَنْتَ ؟ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ : أَنْ تَوَاضَعْ . قَالَ : قُلْتُ : لَا . بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا .
قُلْتُ : وَهَذَا إِنْ صَحَّ يَقْتَضِي أَنَّهَا وَاقِعَةٌ غَيْرُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَلَا الصُّعُودَ إِلَى السَّمَاءِ ، فَهِيَ كَائِنَةٌ غَيْرَ مَا نَحْنُ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْبَزَّارُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، هَذَا غَرِيبٌ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبُرَاقِ فَكَأَنَّهَا أَمَرَّتْ ذَنَبَهَا ، فَقَالَ لَهَا جِبْرِيلُ : مَهْ يَا بُرَاقُ ، فَوَاللَّهِ إِنْ رَكِبَكَ مِثْلُهُ . وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ ، فَقَالَ : " مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : سِرْ يَا مُحَمَّدُ . قَالَ : فَسَارَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ ، فَإِذَا شَيْءٌ يَدْعُوهُ مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ يَقُولُ : هَلُمَّ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : سِرْ يَا مُحَمَّدُ فَسَارَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ ، قَالَ : فَلَقِيَهُ خَلْقٌ مِنَ الْخَلْقِ فَقَالُوا : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَوَّلُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا آخِرُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَاشِرُ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : ارْدُدِ السَّلَامَ يَا مُحَمَّدُ . فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ لَقِيَهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ كَذَلِكَ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَالْخَمْرَ وَاللَّبَنَ ، فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّبَنَ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ ، وَلَوْ شَرِبْتَ الْمَاءَ لَغَرِقْتَ وَغَرِقَتْ أُمَّتُكَ ، وَلَوْ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لَغَوَيْتَ وَلَغَوَتْ أُمَّتُكَ . ثُمَّ بُعِثَ لَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَأَمَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ . ثُمَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : أَمَّا الْعَجُوزُ الَّتِي رَأَيْتَ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِ تِلْكَ الْعَجُوزِ ، وَأَمَّا الَّذِي أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ ، فَذَاكَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا الَّذِينَ سَلَّمُوا عَلَيْكَ فَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ نَكَارَةٌ وَغَرَابَةٌ . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : وَفِيهَا غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ جَدًّا ، وَهِيَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ الْمُجْتَبَى ، وَلَمْ أَرَهَا فِي " الْكَبِيرِ " قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ - هُوَ ابْنُ الْحُسَيْنِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ :
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُتِيتُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، خَطْوُهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا ، فَرَكِبْتُ وَمَعِيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسِرْتُ فَقَالَ : انْزِلْ فَصَلِّ . فَصَلَّيْتُ ، فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ [ صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ ، ثُمَّ قَالَ : انْزِلْ فَصَلِّ . فَصَلَّيْتُ ، فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ ] صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ ، حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ، ثُمَّ قَالَ : انْزِلْ فَصَلِّ . فَصَلَّيْتُ ، فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ . صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ [ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَإِذَا فِيهَا ابْنَا الْخَالَةِ : عِيسَى وَيَحْيَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَإِذَا فِيهَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَإِذَا فِيهَا هَارُونُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَإِذَا فِيهَا إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَإِذَا فِيهَا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَإِذَا فِيهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ صَعِدَ بِي فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَأَتَيْتُ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ، فَغَشِيَتْنِي ضَبَابَةٌ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا فَقِيلَ لِي : إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ [ فَرَجَعْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَسْأَلْنِي ، عَنْ شَيْءٍ . ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ : كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ ؟ ] قُلْتُ : خَمْسِينَ صَلَاةً . قَالَ : فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِهَا ، لَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا . ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسَى فَأَمَرَنِي بِالرُّجُوعِ ، فَرَجَعْتُ فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا ، ثُمَّ رُدَّتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ، قَالَ : فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّهُ فَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ صَلَاتَيْنِ ، فَمَا قَامُوا بِهِمَا . فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - فَسَأَلْتُهُ التَّخْفِيفَ ، فَقَالَ : إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَخَمْسٌ بِخَمْسِينَ ، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ . فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صِرَّى فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : ارْجِعْ ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ صِرَّى - يَقُولُ : أَيْ حَتْمٌ - فَلَمْ أَرْجِعْ " . طَرِيقٌ أُخْرَى : وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، حَمَلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهَا ، يَنْتَهِي خُفُّهَا حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهَا . فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَبَلَغَ الْمَكَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : " بَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَتَى إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي ثَمَّةَ ، فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ فَثَقَبَهُ ، ثُمَّ رَبَطَهَا . ثُمَّ صَعِدَ فَلَمَّا اسْتَوَيَا فِي صَرْحَةِ الْمَسْجِدِ ، قَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ سَأَلْتَ رَبَّكَ أَنْ يُرِيَكَ الْحُورَ الْعِينَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : فَانْطَلِقْ إِلَى أُولَئِكَ النِّسْوَةِ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ جُلُوسٌ عَنْ يَسَارِ الصَّخْرَةِ ، قَالَ : فَأَتَيْتُهُنَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِنَّ ، فَرَدَدْنَ عَلَيَّ السَّلَامَ ، فَقُلْتُ : مَنْ أَنْتَنَّ ؟ فَقُلْنَ : نَحْنُ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ، نِسَاءُ قَوْمٍ أَبْرَارٍ ، نُقُّوا فَلَمْ يَدْرَنُوا ، وَأَقَامُوا فَلَمْ يَظْعَنُوا ، وَخُلِّدُوا فَلَمْ يَمُوتُوا " . قَالَ : " ثُمَّ انْصَرَفْتُ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى اجْتَمَعَ نَاسٌ كَثِيرٌ ، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ " . قَالَ : " فَقُمْنَا صُفُوفًا نَنْتَظِرُ مَنْ يَؤُمُّنَا ، فَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ بِهِمْ . فَلَمَّا انْصَرَفْتُ قَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَدْرِي مَنْ صَلَّى خَلْفَكَ ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : لَا . قَالَ : صَلَّى خَلْفَكَ كُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . قَالَ : " ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ فَصَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَابِ اسْتَفْتَحَ فَقَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا جِبْرِيلُ ، قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ " . قَالَ : " فَفَتَحُوا لَهُ وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ " . قَالَ : " فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا إِذَا فِيهَا آدَمُ ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، أَلَا تُسَلِّمُ عَلَى أَبِيكَ آدَمَ ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : بَلَى . فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيَّ وَقَالَ : مَرْحَبًا بِابْنِي وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " . قَالَ : " ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ " : " فَفَتَحُوا لَهُ وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، فَإِذَا فِيهَا عِيسَى وَابْنُ خَالَتِهِ يَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . قَالَ : " ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ " . فَفَتَحُوا وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، فَإِذَا فِيهَا يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ؟ قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَفَتَحُوا وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ . فَإِذَا فِيهَا إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " . قَالَ : " فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَفَتَحُوا وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ فَإِذَا فِيهَا هَارُونُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ " . قَالَ : " ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَفَتَحُوا وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، فَإِذَا فِيهَا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقَالُوا مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَفَتَحُوا لَهُ وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، فَإِذَا فِيهَا إِبْرَاهِيمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَقَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، أَلَا تُسَلِّمُ عَلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَلَى . فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ وَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ بِابْنِي وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ . ثُمَّ انْطَلَقَ بِي عَلَى ظَهْرِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى نَهْرٍ عَلَيْهِ خِيَامُ الْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالزَّبَرْجَدِ وَعَلَيْهِ طَيْرٌ خُضْرٌ أَنْعَمُ طَيْرٍ رَأَيْتُ . فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، إِنَّ هَذَا الطَّيْرَ لَنَاعِمٌ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، آكِلُهُ أَنْعَمُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَدْرِي : أَيُّ نَهْرٍ هَذَا ؟ قَالَ : " قُلْتُ : لَا . قَالَ : هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ إِيَّاهُ . فَإِذَا فِيهِ آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، يَجْرِي عَلَى رَصْرَاضٍ مِنَ الْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ " قَالَ : " فَأَخَذْتُ مِنْهُ آنِيَةً مِنَ الذَّهَبِ ، فَاغْتَرَفْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَشَرِبْتُ ، فَإِذَا هُوَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، وَأَشَدُّ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ . ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الشَّجَرَةِ ، فَغَشِيَتْنِي سَحَابَةٌ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ ، فَرَفَضَنِي جِبْرِيلُ ، وَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ اللَّهُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ " . قَالَ : " ثُمَّ انْجَلَتْ عَنِّي السَّحَابَةُ وَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ ، فَانْصَرَفْتُ سَرِيعًا فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ : مَا صَنَعْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقُلْتُ : فَرَضَ رَبِّي عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً . قَالَ : فَلَنْ تَسْتَطِيعَهَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ . فَرَجَعْتُ سَرِيعًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الشَّجَرَةِ ، فَغَشِيَتْنِي السَّحَابَةُ ، وَرَفَضَنِي جِبْرِيلُ وَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَقُلْتُ : رَبِّ ، إِنَّكَ فَرَضْتَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً ، وَلَنْ أَسْتَطِيعَهَا أَنَا وَلَا أُمَّتِي ، فَخَفِّفْ عَنَّا . قَالَ : قَدْ وَضَعْتُ عَنْكُمْ عَشْرًا . قَالَ : ثُمَّ انْجَلَتْ عَنِّي السَّحَابَةُ ، وَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ وَانْصَرَفْتُ سَرِيعًا حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ، فَقَالَ لِي : مَا صَنَعْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقُلْتُ : وَضَعَ رَبِّي عَنِّي عَشْرًا فَقَالَ : أَرْبَعُونَ صَلَاةً ! لَنْ تَسْتَطِيعَهَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَذَلِكَ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ، وَخَمْسٍ بِخَمْسِينَ ثُمَّ أَمَرَهُ مُوسَى أَنْ يَرْجِعَ فَيَسْأَلَ التَّخْفِيفَ ، فَقُلْتُ : " إِنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ تَعَالَى " . قَالَ : ثُمَّ انْحَدَرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ : " مَا لِي لَمْ آتِ عَلَى سَمَاءٍ إِلَّا رَحَّبُوا بِي وَضَحِكُوا إِلَيَّ ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَرَحَّبَ بِي وَلَمْ يَضْحَكْ إِلَيَّ . قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، ذَاكَ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ لَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ خُلِقَ وَلَوْ ضَحِكَ إِلَى أَحَدٍ لَضَحِكِ إِلَيْكَ " . قَالَ : ثُمَّ رَكِبَ مُنْصَرِفًا ، فَبَيْنَا هُوَ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ مَرَّ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ طَعَامًا ، مِنْهَا جَمَلٌ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ : غِرَارَةٌ سَوْدَاءُ ، وَغِرَارَةٌ بَيْضَاءُ ، فَلَمَّا حَاذَى بِالْعِيرِ نَفَرَتْ مِنْهُ وَاسْتَدَارَتْ ، وَصُرِعَ ذَلِكَ الْبَعِيرُ وَانْكَسَرَ . ثُمَّ إِنَّهُ مَضَى فَأَصْبَحَ ، فَأَخْبَرَ عَمَّا كَانَ ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ قَوْلَهُ أَتَوْا أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا : يَا أَبَا بَكْرٍ ، هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ ؟ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَتَى فِي لَيْلَتِهِ هَذِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، ثُمَّ رَجَعَ فِي لَيْلَتِهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنْ كَانَ قَالَهُ فَقَدْ صَدَقَ ، وَإِنَّا لِنُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا ، نُصَدِّقُهُ عَلَى خَبَرِ السَّمَاءِ . فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا عَلَامَةُ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : " مَرَرْتُ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ ، وَهِيَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، فَنَفَرَتِ الْعِيرُ مِنَّا وَاسْتَدَارَتْ ، [ وَفِيهَا بَعِيرٌ عَلَيْهِ ] غِرَارَتَانِ : غِرَارَةٌ سَوْدَاءُ ، وَغِرَارَةٌ بَيْضَاءُ ، فَصُرِعَ فَانْكَسَرَ " . فَلَمَّا قَدِمَتِ الْعِيرُ سَأَلُوهُمْ ، فَأَخْبَرُوهُمُ الْخَبَرَ عَلَى مِثْلِ مَا حَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ . وَسَأَلُوهُ وَقَالُوا : هَلْ كَانَ مَعَكَ فِيمَنْ حَضَرَ مُوسَى وَعِيسَى ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالُوا : فَصِفْهُمْ . قَالَ : " نَعَمْ " ؛ أَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَزْدِ عَمَّانَ ، وَأَمَّا عِيسَى فَرَجَلٌ رَبْعَةٌ ، سَبْطٌ ، تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ كَأَنَّمَا يَتَحَادَرُ مِنْ شَعْرِهِ الْجُمَانُ " . هَذَا سِيَاقٌ فِيهِ غَرَائِبُ عَجِيبَةٌ . رِوَايَةُ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ ، قَالَ : " بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ قَتَادَةُ : فِي الْحِجْرِ - مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ " فَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ الْأَوْسَطِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ، قَالَ : " فَأَتَانِي فَقَدَّ - وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ : فَشَقَّ - مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ " . وَقَالَ قَتَادَةُ : فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي : مَا يَعْنِي ؟ قَالَ : مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : مِنْ قَصَّتِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ قَالَ : " فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي " قَالَ : " فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا وَحِكْمَةٍ فَغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ ، ثُمَّ أُعِيدَ . ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ " قَالَ : فَقَالَ الْجَارُودُ : وَهُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ . قَالَ : " فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حَتَّى أَتَى بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " قَالَ : " فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : هَذَا أَبُوكَ آدَمُ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ . ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " ، قَالَ : " فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ . قَالَ : هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا . قَالَ : فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا السَّلَامَ ثُمَّ قَالَا مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ . ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " . قَالَ : فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : هَذَا يُوسُفُ قَالَ : " فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ . ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " قَالَ : " فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسُ ، قَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ " . قَالَ : " فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ . فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " . قَالَ : " ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " . قَالَ : " فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا هَارُونُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ . قَالَ : فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " . قَالَ : " ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ، قَالَ : هَذَا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " . قَالَ : " فَلَمَّا تَجَاوَزْتُهُ بَكَى . قِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : أَبْكِي ؛ لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي ، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي " . قَالَ : " ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " . قَالَ : " فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَقَالَ : هَذَا إِبْرَاهِيمُ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ " . قَالَ : " فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " . قَالَ : ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَيَّ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ ، فَقَالَ : هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى " . قَالَ : " وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ : نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ " . قَالَ : ثُمَّ رُفِعَ إِلَيَّ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ . قَالَ قَتَادَةُ : وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : [ " ثُمَّ ] أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ " . قَالَ : " فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ ، قَالَ : هَذِهِ الْفِطْرَةُ وَأَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ " . قَالَ : " ثُمَّ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ " . قَالَ : " فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ، قَالَ مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ " قَالَ : " قُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ . قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، عَنْ أُمَّتِكَ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا ، قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ قُلْتُ : بِأَرْبَعِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ . قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَرْبَعِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ . قَالَ : فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا أُخَرَ . فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : أُمِرْتُ بِثَلَاثِينَ صَلَاةً . قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ثَلَاثِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا أُخَرَ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ قُلْتُ : بِعِشْرِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ . فَقَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ لِعِشْرِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا أُخَرَ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : أُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ . فَقَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ لِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ . فَقَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ لِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . قَالَ : " قُلْتُ : لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي [ عَزَّ وَجَلَّ ] حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ ، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ . فَنَفَذْتُ ، فَنَادَانِي مُنَادٍ : قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي " . وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، بِنَحْوِهِ . " رِوَايَةُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَّجَ [ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَأَفْرَغَهُ ] فِي صَدْرِي ، ثُمَّ أَطْبَقَهُ . ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ ، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ [ الدُّنْيَا ] قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ : افْتَحْ . قَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالَ : هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَعِي مُحَمَّدٌ . قَالَ : أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا وَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى . فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : لِجِبْرِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا آدَمُ . وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ . فَإِذَا نَظَرَ ، عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ ، عَنْ شِمَالِهِ بَكَى . " ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا : افْتَحْ . فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ الْأَوَّلُ ، فَفَتَحَ " . قَالَ أَنَسٌ : فَذُكِرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ ، وَإِدْرِيسَ ، وَمُوسَى ، وَعِيسَى ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ . قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ قَالَ : " مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ . ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : مُوسَى ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ . ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِبْرَاهِيمُ " . قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ " . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى ، فَقَالَ : مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قُلْتُ : فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً . قَالَ : فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَرَجَعْتُ [ فَوَضَعَ شَطْرَهَا ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، قُلْتُ : وَضَعَ شَطْرَهَا . فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا . فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . فَرَاجَعْتُهُ ] فَقَالَ : هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ . فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ . قُلْتُ : قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي . ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ " . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي " كِتَابِ الصَّلَاةِ " وَرَوَاهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَفِي الْحَجِّ وَفِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ ، عَنْ يُونُسَ بِهِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي " كِتَابِ الْإِيمَانِ " مِنْهُ ، عَنْ حَرْمَلَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بِهِ نَحْوَهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ . قَالَ : وَمَا كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَى رَبَّهُ ؟ فَقَالَ : إِنِّي قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ : " إِنِّي قَدْ رَأَيْتُهُ نُورًا أَنَّى أَرَاهُ " . هَكَذَا قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، [ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " نُورٌ أَنِّي أَرَاهُ " .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ] قَالَ :
قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ . فَقَالَ : عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ :هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَدْ سَأَلْتُ فَقَالَ : " رَأَيْتُ نُورًا " . رِوَايَةُ أَنَسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِيِّ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُحَدِّثُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مَنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ . فَلَمَّا جَاءَ السَّمَاءَ [ فَافْتَتَحَ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالَ : هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَعِي مُحَمَّدٌ . قَالَ : أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَافْتَحْ . فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ] إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى قَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ " . قَالَ : " قُلْتُ لِجِبْرِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ هُمْ أَهْلُ النَّارِ . فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى " قَالَ : " ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا : افْتَحْ . فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَفُتِحَ لَهُ " . قَالَ أَنَسٌ : فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ : آدَمَ ، وَإِدْرِيسَ ، وَمُوسَى ، وَعِيسَى ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِي كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ ؟ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ . قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ قَالَ : " مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ " . قَالَ : " قُلْتُ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ " ، قَالَ : " ثُمَّ مَرَرْتُ بِ مُوسَى ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا مُوسَى ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِ عِيسَى فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ . قَالَ : هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ " قَالَ : " ثُمَّ مَرَرْتُ بِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِبْرَاهِيمُ " . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ " قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً " قَالَ : " فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى مُوسَى ، فَقَالَ مُوسَى : مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قُلْتُ : فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً . فَقَالَ لِي مُوسَى : رَاجِعْ رَبَّكَ ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ " قَالَ : " فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ : هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : رَاجِعْ رَبَّكَ . فَقُلْتُ قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي " قَالَ : " ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى . قَالَ : " فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ مَا أَدْرِي مَا هِيَ ؟ " قَالَ : " ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ " . هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ [ الْإِمَامِ ] أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ . وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، مِثْلَ هَذَا السِّيَاقِ سَوَاءٌ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . رِوَايَةُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو نُمَيْلَةَ ، أَخْبَرَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ جُنَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ : فَأَتَى جِبْرِيلُ الصَّخْرَةَ الَّتِي بِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَوَضَعَ إِصْبَعَهُ فِيهَا فَخَرَقَهَا فَشَدَّ بِهَا الْبُرَاقَ " . ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ جُنَادَةَ إِلَّا أَبُو نُمَيْلَةَ ، وَلَا نَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ [ يُرْوَى ] إِلَّا عَنْ بُرَيْدَةَ . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ جَامِعِهِ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ بِهِ وَقَالَ : غَرِيبٌ . رِوَايَةُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ " . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، لَقِيَ فِيهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ، وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقَدَحَيْنِ : قَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ وَقَدَحِ خَمْرٍ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ، ثُمَّ أَخَذَ قَدَحَ اللَّبَنِ . فَقَالَ جِبْرِيلُ : أَصَبْتَ ، هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ ، لَوِ اخْتَرْتَ الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ . ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ ، فَافْتُتِنَ نَاسٌ كَثِيرٌ كَانُوا قَدْ صَلَّوْا مَعَهُ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : فَتَجَهَّزَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا : هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَوَ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَأَشْهَدُ لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ . قَالُوا : فَتُصَدِّقُهُ بِأَنْ يَأْتِيَ الشَّامَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنِّي أُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَبِهَا سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ : الصِّدِّيقَ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، قُمْتُ فِي الْحِجْرِ ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ " . رِوَايَةُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : ثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، ثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، قَالَ : أَتَيْتُ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَهُوَ يُحَدِّثُ ، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقُولُ : " فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ " . فَلَمْ يَدْخُلَاهُ . قَالَ : قُلْتُ : بَلْ دَخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتَئِذٍ وَصَلَّى فِيهِ . قَالَ : مَا اسْمُكَ يَا أَصْلَعُ ؟ فَإِنِّي أَعْرِفُ وَجْهَكَ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ . قَالَ : فَمَا عِلْمُكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ لَيْلَتَئِذٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : الْقُرْآنُ يُخْبِرُنِي بِذَلِكَ . قَالَ : مَنْ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فَلَجَ ، اقْرَأْ . قَالَ : فَقُلْتُ : ( ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ) قَالَ : يَا أَصْلَعُ ، هَلْ تَجِدُ " صَلَّى فِيهِ " ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : وَاللَّهِ مَا صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتَئِذٍ ، وَلَوْ صَلَّى فِيهِ لَكُتِبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةٌ فِيهِ ، كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةٌ فِي الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، وَاللَّهِ مَا زَايَلَا الْبُرَاقَ حَتَّى فُتِحَتْ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، فَرَأَيَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَوَعْدَ الْآخِرَةِ أَجْمَعَ ، ثُمَّ عَادَا عَوْدَهُمَا عَلَى بَدْئِهِمَا . قَالَ : ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ . قَالَ : وَتَحَدَّثُوا أَنَّهُ رَبَطَهُ ، لَا يَفِرُّ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا سَخَّرَهُ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ . قُلْتُ : أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : أَيُّ دَابَّةٍ الْبُرَاقُ ؟ قَالَ : دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ هَكَذَا ، خَطْوُهُ مَدَّ الْبَصَرِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ - بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَفْيٌ ، وَمَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَبْطِ الدَّابَّةِ بِالْحَلْقَةِ وَمِنَ الصَّلَاةِ بِ الْبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، مِمَّا سَبَقَ وَمَا سَيَأْتِي مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . رِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ - سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ رَاشِدٌ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنَا عَنْ لَيْلَةٍ أُسْرِيَ بِكَ فِيهَا ، قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ) قَالَ : فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالَ : " فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ عِشَاءً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأَيْقَظَنِي ، فَاسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا ، وَإِذَا أَنَا بِكَهَيْئَةِ خَيَالٍ ، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ فَإِذَا أَنَا بِدَابَّةٍ أَدْنَى فِي شَبَهِهِ بِدَوَابِّكُمْ هَذِهِ ، بِغَالِكُمْ هَذِهِ ، مُضْطَرِبِ الْأُذُنَيْنِ يُقَالُ لَهُ : الْبُرَاقُ . وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْكَبُهُ قَبْلِي ، يَقَعُ حَافِرُهُ عِنْدَ مَدِّ بَصَرِهِ ، فَرَكِبْتُهُ ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَيْهِ ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ ، عَنْ يَمِينِي : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ ، فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ ، [ فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَيْهِ ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ ، عَنْ يَسَارِي : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ ، فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ ] ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ ، إِذْ أَنَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعَيْهَا ، وَعَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ ، فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ . فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهَا وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهَا . حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَأَوْثَقْتُ دَابَّتِي بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تُوثِقُهَا بِهَا . فَأَتَانِي جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِنَاءَيْنِ : أَحَدُهُمَا خَمْرٌ ، وَالْآخَرُ لَبَنٌ ، فَشَرِبْتُ اللَّبَنَ ، وَتَرَكْتُ الْخَمْرَ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ فَقُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ . فَقَالَ : جِبْرِيلُ : مَا رَأَيْتَ فِي وَجْهِكَ هَذَا ؟ " قَالَ : " فَقُلْتُ : بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ ، عَنْ يَمِينِي : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ . فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ . قَالَ : ذَاكَ دَاعِي الْيَهُودِ ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهُ - أَوْ : وَقَفْتَ عَلَيْهِ - لَتَهَوَّدَتْ أُمَّتُكَ " . قَالَ : : فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ عَنْ يَسَارِي قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ . فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ . قَالَ : ذَاكَ دَاعِي النَّصَارَى ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهُ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ " . قَالَ : " فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعَيْهَا عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ تَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ . فَلَمْ أُجِبْهَا وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهَا " . قَالَ : تِلْكَ الدُّنْيَا ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهَا أَوْ أَقَمْتَ عَلَيْهَا ، لَاخْتَارَتْ أُمَّتُكَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ " . قَالَ : " ثُمَّ دَخَلْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رَكْعَتَيْنِ . ثُمَّ أُتِيتُ بِالْمِعْرَاجِ الَّذِي تَعْرُجُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ ، فَلَمْ يَرَ الْخَلَائِقُ أَحْسَنَ مِنَ الْمِعْرَاجِ ، أَمَا رَأَيْتَ الْمَيِّتَ حِينَ يَشُقُّ بَصَرَهُ طَامِحًا إِلَى السَّمَاءِ ، فَإِنَّمَا يَشُقُّ بَصَرَهُ طَامِحًا إِلَى السَّمَاءِ عَجَبُهُ بِالْمِعْرَاجِ " . قَالَ : " فَصَعِدْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ ، فَإِذَا أَنَا بِمَلَكٍ يُقَالُ : لَهُ : إِسْمَاعِيلُ . وَهُوَ صَاحِبُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، مَعَ كُلِّ مَلَكٍ جُنْدُهُ مِائَةُ أَلْفِ مَلَكٍ " . قَالَ : " وَقَالَ : اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 31 ] فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ بَابَ السَّمَاءِ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَإِذَا أَنَا بِ آدَمَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ عَلَى صُورَتِهِ ، هُوَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَيَقُولُ : رُوحٌ طَيِّبَةٌ ، وَنَفْسٌ طَيِّبَةٌ ، اجْعَلُوهَا فِي عِلِّيِّينَ ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْفُجَّارِ فَيَقُولُ : رُوحٌ خَبِيثَةٌ ، وَنَفْسٌ خَبِيثَةٌ ، اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ . ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً ، فَإِذَا أَنَا بِأَخْوِنَةٍ عَلَيْهَا لَحْمٌ مُشَرَّحٌ لَيْسَ يَقْرَبُهَا أَحَدٌ ، وَإِذَا أَنَا بِأَخْوِنَةٍ أُخْرَى عَلَيْهَا لَحْمٌ قَدْ أَرْوَحَ وَأَنْتَنَ ، عِنْدَهَا أُنَاسٌ يَأْكُلُونَ مِنْهَا ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ مِنْ أَمَّتِكَ يَتْرُكُونَ الْحَلَالَ وَيَأْتُونَ الْحَرَامَ . " قَالَ : " ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً ، فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ بُطُونُهُمْ أَمْثَالُ الْبُيُوتِ ، كُلَّمَا نَهَضَ أَحَدُهُمْ خَرَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ ، لَا تُقِمِ السَّاعَةَ " ، قَالَ : " وَهُمْ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ " . قَالَ : " فَتَجِيءُ السَّابِلَةُ فَتَطَؤُهُمْ " . قَالَ : " فَسَمِعْتُهُمْ يَضِجُّونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " . قَالَ : " قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ ( ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 275 ] . قَالَ : " ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً ، فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ مَشَافِرُهُمْ كَمَشَافِرَ الْإِبِلِ " . قَالَ : " فَتُفْتَحُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَيُلْقَمُونَ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْرِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ . فَسَمِعْتُهُمْ يَضِجُّونَ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ ( ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 10 ] . قَالَ : " ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً ، فَإِذَا أَنَا بِنِسَاءٍ يُعَلَّقْنَ بِثَدْيِهِنَّ فَسَمِعَتْهُنَّ يَضْجِجْنَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ النِّسَاءُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الزُّنَاةُ مِنْ أُمَّتِكَ " . قَالَ : " ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ يُقْطَعُ مِنْ جُنُوبِهِمُ اللَّحْمُ ، فَيُلْقِمُونَهُ ، فَيُقَالُ لَهُ : كُلْ كَمَا كُنْتَ تَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ أَخِيكَ . قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْهَمَّازُونَ مِنْ أُمَّتِكَ اللَّمَّازُونَ " . قَالَ : " ثُمَّ صَعِدْنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَإِذَا أَنَا بَرَجُلٍ أَحْسَنِ مَا خَلَقَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ فَضَلَ النَّاسَ فِي الْحُسْنِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ وَمَعَهُ نَفَرٌ مَنْ قَوْمِهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ . ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِ يَحْيَى وَعِيسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، وَمَعَهُمَا نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِمَا ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَا عَلَيَّ . ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِ إِدْرِيسَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ " . قَالَ : " ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَإِذَا [ أَنَا ] بِ هَارُونَ وَنِصْفُ لِحْيَتِهِ بَيْضَاءُ وَنِصْفُهَا سَوْدَاءُ ، تَكَادُ لِحْيَتُهُ تُصِيبُ سُرَّتَهُ مِنْ طُولِهَا ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا الْمُحَبَّبُ فِي قَوْمِهِ ، هَذَا هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مَنْ قَوْمِهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ . ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، رَجُلٌ آدَمُ كَثِيرُ الشَّعْرِ ، لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ لَنَفَذَ شَعْرُهُ دُونَ الْقَمِيصِ ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ : يَزْعُمُ النَّاسُ أَنِّي أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا ، بَلْ هَذَا أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنِّي " . قَالَ : " قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ . ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ سَانِدٍ ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ كَأَحْسَنِ الرِّجَالِ ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا أَبُوكَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ، وَإِذَا [ أَنَا ] بِأُمَّتِي شَطْرَيْنِ : شَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَنَّهَا الْقَرَاطِيسُ . وَشَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رُمْدٌ " . قَالَ : " فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَدَخَلَ مَعِي الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْبِيضُ ، وَحُجِبَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رُمْدٌ ، وَهُمْ عَلَى خَيْرٍ . فَصَلَّيْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، ثُمَّ خَرَجْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي " . قَالَ : " وَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلَّى فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، لَا يَعُودُونَ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . قَالَ : " ثُمَّ دُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى ، فَإِذَا كَلُّ وَرَقَةٍ مِنْهَا تَكَادُ أَنْ تُغَطِّيَ هَذِهِ الْأُمَّةَ ، وَإِذَا فِيهَا عَيْنٌ تَجْرِي يُقَالُ لَهَا : سَلْسَبِيلٌ ، فَيَنْشَقُّ مِنْهَا نَهْرَانِ ، أَحَدُهُمَا : الْكَوْثَرُ ، وَالْآخَرُ : يُقَالُ لَهُ : نَهْرُ الرَّحْمَةِ . فَاغْتَسَلْتُ فِيهِ ، فَغُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ . ثُمَّ إِنِّي دُفِعْتُ إِلَيَّ الْجَنَّةِ ، فَاسْتَقْبَلَتْنِي جَارِيَةٌ ، فَقُلْتُ : لِمَنْ أَنْتِ يَا جَارِيَةُ ؟ فَقَالَتْ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَإِذَا [ أَنَا ] بِأَنْهَارٍ مِنْ [ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ، وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ، وَأَنْهَارٍ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٍ مِنْ ] عَسَلٍ مُصَفًّى ، وَإِذَا رُمَّانُهَا كَأَنَّهُ الدِّلَاءُ عِظَمًا ، وَإِذَا أَنَا بِطَيْرِهَا كَأَنَّهَا بُخْتِيُّكُمْ هَذِهِ " . فَقَالَ عِنْدَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعَدَّ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ " . قَالَ : " ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ ، فَإِذَا فِيهَا غَضَبُ اللَّهِ وَزَجْرُهُ وَنِقْمَتُهُ ، لَوْ طُرِحَ فِيهَا الْحِجَارَةُ وَالْحَدِيدُ لَأَكَلَتْهَا ، ثُمَّ أُغْلِقَتْ دُونِي . ثُمَّ إِنِّي دُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، فَتَغَشَّانِي فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَابُ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى " . قَالَ : " وَنَزَلَ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ " . قَالَ : " وَفُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ وَقَالَ : لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرٌ ، إِذَا هَمَمْتَ بِالْحَسَنَةِ فَلَمْ تَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَكَ حَسَنَةً ، فَإِذَا عَمِلَتْهَا كُتِبَتْ لَكَ عَشْرًا ، وَإِذَا هَمَمْتَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ تَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ شَيْءٌ ، فَإِنْ عَمِلْتَهَا كُتِبَتْ عَلَيْكَ سَيِّئَةً وَاحِدَةً . ثُمَّ دُفِعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَا أَمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قُلْتُ : بِخَمْسِينَ صَلَاةً . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ ، وَمَتَى لَا [ تُطِيقُهُ ] تَكْفُرُ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي ، فَإِنَّهَا أَضْعَفُ الْأُمَمِ . فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا ، وَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ . فَمَا زِلْتُ أَخْتَلِفُ بَيْنَ مُوسَى وَرَبِّي كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَيْهِ قَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : أُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ . فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي [ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ] فَقُلْتُ : أَيْ رَبِّ ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي ، فَإِنَّهَا أَضْعَفُ الْأُمَمِ . فَوَضَعَ عَنِّي خَمْسًا ، وَجَعَلَهَا خَمْسًا . فَنَادَانِي مَلَكٌ عِنْدَهَا : تَمَّمْتُ فَرِيضَتِي ، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي ، وَأَعْطَيْتُهُمْ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا . ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّهُ لَا يَئُودُهُ شَيْءٌ ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . " فَقُلْتُ : رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُهُ " ثُمَّ أَصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِالْأَعَاجِيبِ : " إِنِّي أَتَيْتُ الْبَارِحَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَعُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ ، وَرَأَيْتُ كَذَا وَكَذَا " . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ - يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ - : أَلَا تَعْجَبُونَ مِمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى الْبَارِحَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ أَصْبَحَ فِينَا . وَأَحَدُنَا يَضْرِبُ مَطِيَّتَهُ مُصْعَدَةً شَهْرًا ، وَمُقْفَلَةً شَهْرًا ، فَهَذَا مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ! قَالَ : فَأَخْبَرَهُمْ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ : " لَمَّا كُنْتُ فِي مَصْعَدِي رَأَيْتُهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، وَأَنَّهَا نَفَرَتْ ، فَلَمَّا رَجَعْتُ رَأَيْتُهَا عِنْدَ الْعَقَبَةِ " . وَأَخْبَرَهُمْ بِكُلِّ رَجُلٍ وَبَعِيرِهِ كَذَا وَكَذَا ، وَمَتَاعِهِ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : يُخْبِرُنَا بِأَشْيَاءَ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَكَيْفَ بِنَاؤُهُ ؟ وَكَيْفَ هَيْئَتُهُ ؟ وَكَيْفَ قُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ ؟ [ فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ صَادِقًا فَسَأُخْبِرُكُمْ ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَسَأُخْبِرُكُمْ . فَجَاءَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ بِنَاؤُهُ ؟ وَكَيْفَ هَيْئَتُهُ ؟ وَكَيْفَ قُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ ] . قَالَ : فَرُفِعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ مَقْعَدِهِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ كَنَظَرِ أَحَدِنَا إِلَى بَيْتِهِ : بِنَاؤُهُ كَذَا وَكَذَا ، وَهَيْئَتُهُ كَذَا وَكَذَا ، وَقُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ الْآخَرُ : صَدَقْتَ . فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : صَدَقَ مُحَمَّدٌ فِيمَا قَالَ أَوْ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ . وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ بِطُولِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ بِهِ . وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ بِهِ نَحْوَ سِيَاقِهِ الْمُتَقَدِّمِ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَذَكَرَهُ بِسِيَاقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ أَنِيقٍ ، أَجْوَدَ مِمَّا سَاقَهُ غَيْرُهُ ، عَلَى غَرَابَتِهِ وَمَا فِيهِ مِنَ النَّكَارَةِ . ثُمَّ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، أَيْضًا ، مِنْ رِوَايَةِ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ الْحُدَّانِيِّ وَهُشَيْمٍ وَمَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ - وَاسْمُهُ عُمَارَةُ بْنُ جُوَيْنٍ وَهُوَ مُضَعَّفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ . وَإِنَّمَا سُقْنَا حَدِيثَهُ هَاهُنَا ؛ لِمَا فِي حَدِيثِهِ مِنَ الشَّوَاهِدِ لِغَيْرِهِ ؛ وَلِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا [ الْإِمَامُ ] أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ : رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِكَ يُقَالُ لَهُ : " سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ " لَا بَأْسَ بِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا بَأْسَ بِهِ " ، حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِكَ ، قُلْتَ " رَأَيْتَ فِي السَّمَاءِ " فَحَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ ؟ فَقَالَ لِي : " نَعَمْ " . فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ نَاسًا مَنْ أُمَّتِكَ يُحَدِّثُونَ عَنْكَ فِي السُّرَى بِعَجَائِبَ ؟ فَقَالَ لِي : " ذَلِكَ حَدِيثُ الْقُصَّاصِ " . رِوَايَةُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ : قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الضَّحَّاكِ الزُّبَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَامِرٍ الزُّبَيْدِيِّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ : حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أُسْرِيَ بِكَ ؟ قَالَ : " صَلَّيْتُ لِأَصْحَابِي صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِمَكَّةَ مُعْتِمًا " . قَالَ : " فَأَتَانِي جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ - أَوْ قَالَ : بَيْضَاءَ - فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، فَقَالَ : ارْكَبْ . فَاسْتُصْعِبَتْ عَلَيَّ ، فَرَازَهَا بِأُذُنِهَا ، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهَا . فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا ، حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضًا ذَاتَ نَخْلٍ فَأَنْزَلَنِي فَقَالَ : صَلِّ . فَصَلَّيْتُ ، ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ صَلَّيْتَ بِطِيبَةَ . فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا . ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا فَقَالَ : انْزِلْ . [ فَنَزَلْتُ ] ثُمَّ قَالَ : صَلِّ . فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْنَا ، فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : صَلَّيْتَ بِمَدْيَنَ ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةِ مُوسَى . ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا ، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا ، بَدَتْ لَنَا قُصُورٌ ، فَقَالَ : انْزِلْ . فَنَزَلْتُ ، فَقَالَ صَلِّ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِي ، فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ ، فَرَبَطَ فِيهِ دَابَّتَهُ وَدَخْلَنَا الْمَسْجِدَ مِنْ بَابٍ فِيهِ تَمِيلُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، فَصَلَّيْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَخَذَنِي مِنَ الْعَطَشِ أَشَدُّ مَا أَخَذَنِي ، فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ عَسَلٌ ، أُرْسِلَ إِلَيَّ بِهِمَا جَمِيعًا ، فَعَدَلْتُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ هَدَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ حَتَّى قَرَعْتُ بِهِ جَبِينِي ، وَبَيْنَ يَدَيَّ شَيْخٌ مُتَّكِئٌ عَلَى مَثْوَاةٍ لَهُ ، فَقَالَ : أَخَذَ صَاحِبُكَ الْفِطْرَةَ ، إِنَّهُ لَيُهْدَى . ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَيْنَا الْوَادِيَ الَّذِي فِيهِ الْمَدِينَةُ ، فَإِذَا جَهَنَّمُ [ تَنْكَشِفُ ] عَنْ مِثْلِ الزَّرَابِيِّ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ وَجَدْتَهَا ؟ قَالَ : مِثْلَ الْحُمَةِ السُّخْنَةِ . ثُمَّ انْصَرَفَ بِي فَمَرَرْنَا بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ ، قَدْ جَمَعَهُ فُلَانٌ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا صَوْتُ مُحَمَّدٍ . ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ " ، فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ كُنْتَ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَدِ الْتَمَسْتُكَ فِي مَظَانِّكَ . فَقَالَ : " عَلِمْتُ أَنِّي أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ ؟ " . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، فَصِفْهُ لِي . قَالَ : " فَفُتِحَ لِي صِرَاطٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُ عَنْهُ " . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : انْظُرُوا إِلَى ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ! . قَالَ : فَقَالَ : " إِنَّ مِنْ آيَةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرٍ لَكُمْ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ ، فَجَمَعَهُ فُلَانٌ ، وَإِنَّ مَسِيرَهُمْ يَنْزِلُونَ بِكَذَا ثُمَّ بِكَذَا ، وَيَأْتُونَكُمْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، يَقْدُمُهُمْ جَمَلٌ آدَمُ ، عَلَيْهِ مَسْحٌ أَسْوَدُ وَغِرَارَتَانِ سَوْدَاوَانِ " . فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَشْرَفَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ حَتَّى كَانَ قَرِيبَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ حَتَّى أَقْبَلَتِ الْعِيرُ يَقْدُمُهُمْ ذَلِكَ الْجَمَلُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيِّ بِهِ . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَمَامِهِ : " هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَى ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي أَحَادِيثَ غَيْرِهِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا حَضَرَنَا " . ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي الْإِسْرَاءِ كَالشَّاهِدِ لِهَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ بِطُولِهِ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الزُّبَيْدِيِّ بِهِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ - أَعْنِي الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - مُشْتَمِلٌ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُنْكَرٌ ، كَالصَّلَاةِ فِي بَيْتِ لَحْمٍ ، وَسُؤَالِ الصِّدِّيقِ عَنْ نَعْتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، فَسَمِعَ فِي جَانِبِهَا وَجْسًا فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَا هَذَا ؟ " قَالَ : " هَذَا بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ " . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَاءَ إِلَى النَّاسِ : " قَدْ أَفْلَحَ بِلَالٌ ، قَدْ رَأَيْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا " . قَالَ : فَلَقِيَهُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَرَحَّبَ بِهِ ، وَقَالَ : " مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ " ، قَالَ : " وَهُوَ رَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ ، سَبْطٌ شَعْرُهُ مَعَ أُذُنَيْهِ أَوْ فَوْقَهُمَا " ، فَقَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : " هَذَا مُوسَى . [ قَالَ : فَمَضَى ، فَلَقِيَهُ عِيسَى فَرَحَّبَ بِهِ ، وَقَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : " هَذَا عِيسَى " . قَالَ ] فَمَضَى فَلَقِيَهُ شَيْخٌ جَلِيلٌ مُتَهَيِّبٌ فَرَحَّبَ بِهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَكُلُّهُمْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : " هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ " ، قَالَ : وَنَظَرَ فِي النَّارِ ، فَإِذَا قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الْجِيَفَ ، قَالَ : " مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : " هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لَحْمَ النَّاسِ " ، وَرَأَى رَجُلًا أَحْمَرَ أَزْرَقَ جِدًّا ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : " هَذَا عَاقِرُ النَّاقَةِ " ، قَالَ : فَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي ، [ فَالْتَفَتَ ثُمَّ الْتَفَتَ ] فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ . فَلَمَّا انْصَرَفَ جِيءَ بِقَدَحَيْنِ ، أَحَدِهِمَا عَنِ الْيَمِينِ وَالْآخَرِ عَنِ الشِّمَالِ ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ عَسَلٌ ، فَأَخَذَ اللَّبَنَ فَشَرِبَ مِنْهُ ، فَقَالَ الَّذِي كَانَ مَعَهُ الْقَدَحُ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ . إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَحَدَّثَهُمْ بِمَسِيرِهِ وَبِعَلَامَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَعِيرِهِمْ ، فَقَالَ نَاسٌ : نَحْنُ لَا نُصَدِّقُ مُحَمَّدًا بِمَا يَقُولُ! فَارْتَدُّوا كُفَّارًا ، فَضَرَبَ اللَّهُ رِقَابَهُمْ مَعَ أَبِي جَهْلٍ وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ يُخَوِّفُنَا مُحَمَّدٌ بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ ، هَاتُوا تَمْرًا وَزُبْدًا فَتَزَقَّمُوا ، وَرَأَى الدَّجَّالَ فِي صُورَتِهِ رُؤْيَا عَيْنٍ لَيْسَ بِرُؤْيَا مَنَامٍ ، وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ . فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدَّجَّالِ فَقَالَ : " رَأَيْتُهُ فَيْلَمَانِيًّا أَقْمَرَ هِجَانًا ، إِحْدَى عَيْنَيْهِ قَائِمَةٌ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ، كَأَنَّ شَعْرَ رَأْسِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ . وَرَأَيْتُ عِيسَى أَبْيَضَ ، جَعْدَ الرَّأْسِ ، حَدِيدَ الْبَصَرِ ، مُبَطَّنَ الْخَلْقِ . وَرَأَيْتُ مُوسَى أَسْحَمَ آدَمَ ، كَثِيرَ الشَّعْرِ ، شَدِيدَ الْخَلْقِ . وَنَظَرْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ أَنْظُرْ إِلَى إِرْبٍ مِنْهُ إِلَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ مِنِّي ، حَتَّى كَأَنَّهُ صَاحِبُكُمْ . قَالَ جِبْرِيلُ : سَلِّمْ عَلَى مَالِكٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ " .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ هِلَالٍ - وَهُوَ ابْنُ خَبَّابٍ - بِهِ ، وَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . طَرِيقٌ أُخْرَى : وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ، رَجُلًا طُوَالًا جَعْدًا ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ ، إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ ، سَبْطَ الرَّأْسِ " . وَأَرَى مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ وَالدَّجَّالَ ، فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ ، قَالَ : ( ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ) [ السَّجْدَةِ : 23 ] فَكَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] قَدْ لَقِيَ مُوسَى [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ( ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ) قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ مُوسَى هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شَيْبَانَ . وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ مُخْتَصَرًا . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ [ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ ، حَدَّثَنَا دُبَيْسُ الْمُعَدَّلُ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا ] حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا أُسْرِيَ بِي ، مَرَّتْ بِي رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ، فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ ؟ قَالُوا : مَاشِطَةُ بِنْتُ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادُهَا ، سَقَطَ مُشْطُهَا مِنْ يَدِهَا فَقَالَتْ : بِاسْمِ اللَّهِ : فَقَالَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ : أَبِي ؟ قَالَتْ : رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ . قَالَتْ : أَوَلَكِ رَبٌّ غَيْرُ أَبِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ " . قَالَ : " فَدَعَاهَا فَقَالَ : أَلَكِ رَبٌّ غَيْرِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ " . قَالَ : " فَأَمَرَ بِنَقْرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا لِتُلْقَى فِيهَا ، قَالَتْ : إِنَّ لِي [ إِلَيْكَ ] حَاجَةً . قَالَ : مَا هِيَ ؟ قَالَتْ : تَجْمَعُ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي مَوْضِعٍ ، قَالَ ذَاكَ لَكِ ، لِمَا لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ " ، قَالَ : " فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُلْقُوا وَاحِدًا وَاحِدًا ، حَتَّى بَلَغَ رَضِيعًا فِيهِمْ ، فَقَالَ : يَا أُمَّهْ ، قِعِي وَلَا تَقَاعَسِي ، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ " . قَالَ : " وَتَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ : هَذَا ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ " . إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ . طَرِيقٌ أُخْرَى : وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [ أَيْضًا ] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَرَوْحٌ - الْمَعْنِيُّ - قَالَا : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ ، فَظِعْتُ [ بِأَمْرِي ] وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِي " فَقَعَدَ مُعْتَزِلًا حَزِينًا ، فَمَرَّ بِهِ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ : هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ " إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ " : قَالَ إِلَى أَيْنَ ؟ قَالَ : " إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ " قَالَ : ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا ؟ ! قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَلَمْ يُرِهِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ أَتُحَدِّثُهُمْ بِمَا حَدَّثْتَنِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " . قَالَ : هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، قَالَ : فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا . قَالَ : حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ " . فَقَالُوا : إِلَى أَيْنَ ؟ قَالَ : " إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ " قَالُوا : ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا لِلْكَذِبِ - زَعَمَ - قَالُوا : وَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ [ لَنَا ] الْمَسْجِدَ - وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ " قَالَ : " فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عَقِيلٍ - أَوْ عِقَالٍ - فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ " . قَالَ : وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ - يَقُولُ عَوْفٌ - : قَالَ : فَقَالَ الْقَوْمُ : أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيْلَةَ - وَهُوَ الْأَعْرَابِيُّ ، بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَهَوْذَةَ ، عَنْ عَوْفٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ بِهِ . رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا السُّرِّيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْتَهَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُصْعَدُ بِهِ حَتَّى يُقْبَضَ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ [ بِهِ ] مِنْ فَوْقِهَا حَتَّى يُقْبَضَ [ مِنْهَا ] ( ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ) [ النَّجْمِ : 16 ] قَالَ : غَشِيَهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ، وَأُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ الْمُقْحِمَاتُ ، يَعْنِي الْكَبَائِرَ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ بِهِ . ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : " وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رَوَاهُ مُرَّةُ مُرْسَلًا دُونَ ذِكْرِهِمَا " ثُمَّ إِنَّ الْبَيْهَقِيَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ كَمَا تَقَدَّمَ . قُلْتُ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ " الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ " فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ . حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ قَنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْمِيِّ ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ الْجَنْبِيُّ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - وَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَهُمَا جَالِسَانِ ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ لِأَبِي عُبَيْدَةَ : حَدِّثْنَا عَنْ أَبِيكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لَا بَلْ حَدِّثْنَا أَنْتَ عَنْ أَبِيكَ . فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَوْ سَأَلْتَنِي قَبْلَ أَنْ أَسْأَلَكَ لَفَعَلْتُ! قَالَ : فَأَنْشَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ - يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ كَمَا سُئِلَ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَانِي جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَهْوِي بِنَا كُلَّمَا صَعِدَ عَقَبَةً اسْتَوَتْ رِجْلَاهُ كَذَلِكَ مَعَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا هَبَطَ اسْتَوَتْ يَدَاهُ مَعَ رِجْلَيْهِ ، حَتَّى مَرَرْنَا بِرَجُلٍ طُوَالٍ سَبْطٍ آدَمَ ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَزِدْ شَنُوءَةَ ، وَهُوَ يَقُولُ - فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ يَقُولُ - أَكْرَمْتَهُ وَفَضَّلْتَهُ " . قَالَ : " فَدُفِعْنَا إِلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا أَحْمَدُ ، قَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ ، الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ " . قَالَ : " ثُمَّ انْدَفَعْنَا فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ " . قَالَ : قُلْتُ : وَمَنْ يُعَاتِبُ ؟ قَالَ : يُعَاتِبُ رَبَّهُ فِيكَ! قُلْتُ : فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى رَبِّهِ ؟ ! قَالَ : إِنَّ اللَّهَ [ عَزَّ وَجَلَّ ] قَدْ عَرَفَ لَهُ حِدَّتَهُ " . قَالَ : " ثُمَّ انْدَفَعْنَا حَتَّى مَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ كَأَنَّ ثَمَرَهَا السُّرُجُ تَحْتَهَا شَيْخٌ وَعِيَالُهُ " . قَالَ : " فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ : اعْمَدْ إِلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ . فَدُفِعْنَا إِلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا ابْنُكَ أَحْمَدُ " . قَالَ : " فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ ، يَا بُنَيَّ ، إِنَّكَ لَاقٍ رَبَّكَ اللَّيْلَةَ ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَضْعَفُهَا ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ حَاجَتُكَ أَوْ جُلُّهَا فِي أُمَّتِكَ فَافْعَلْ " . قَالَ : " ثُمَّ انْدَفَعْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، فَنَزَلْتُ فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي فِي بَابِ الْمَسْجِدِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْبِطُ بِهَا . ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَعَرَفْتُ النَّبِيِّينَ مِنْ بَيْنِ رَاكِعٍ وَقَائِمٍ وَسَاجِدٍ " . قَالَ : " ثُمَّ أُتِيتُ بِكَأْسَيْنِ مِنْ عَسَلٍ وَلَبَنٍ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ فَضَرَبَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْكَبِي وَقَالَ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ " . قَالَ : " ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا فَأَقْبَلْنَا " . إِسْنَادٌ غَرِيبٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ ، فِيهِ مِنَ الْغَرَائِبِ سُؤَالُ الْأَنْبِيَاءِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْتِدَاءً ، ثُمَّ سُؤَالُهُ عَنْهُمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِ . وَالْمَشْهُورُ فِي الصِّحَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ : أَنَّ جِبْرِيلَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] كَانَ يُعْلِمُهُ بِهِمْ أَوَّلًا لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ سَلَامَ مَعْرِفَةٍ . وَفِيهِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا اجْتَمَعَ بِهِمْ فِي السَّمَوَاتِ ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَانِيًا وَهُمْ مَعَهُ ، وَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ ، ثُمَّ إِنَّهُ رَكِبَ الْبُرَاقَ وَكَرَّ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ ، عَنْ مُوثِرِ بْنِ عَفَازَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَقِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ، فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ " قَالَ : " فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : لَا عِلْمَ لِي بِهَا . فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى مُوسَى . فَقَالَ : لَا عِلْمَ لِي بِهَا فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِيسَى فَقَالَ : أَمَّا وَجْبَتُهَا فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ " . قَالَ : " وَمَعِي قَضِيبَانِ ، فَإِذَا رَآنِي ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ " . قَالَ : " فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ إِذَا رَآنِي ، حَتَّى إِنَّ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ يَقُولُ : يَا مُسْلِمُ إِنَّ تَحْتِي كَافِرًا ، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ " . قَالَ : " فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ " . قَالَ : " فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَطَئُونَ بِلَادَهُمْ ، فَلَا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ " قَالَ : " ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيَّ فَيَشْكُونَهُمْ . فَأَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ ، فَيُهْلِكُهُمْ وَيُمِيتُهُمْ حَتَّى تَجْوَى الْأَرْضُ مِنْ نَتَنِ رِيحِهِمْ - أَيْ : تَنْتَنُ - " قَالَ : " فَيُنْزِلُ اللَّهُ الْمَطَرَ فَيَجْتَرِفُ أَجْسَادَهُمْ حَتَّى يَقْذِفَهُمْ فِي الْبَحْرِ . فَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي : أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ الْمُتِمِّ ، لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَّى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا " . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ . رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ ، أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ الثُّمَالِيِّ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ مَيْمُونٍ - مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ الرَّمْلَةِ - حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى كَانَ بَيْنَ زَمْزَمَ وَ الْمَقَامِ ، جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ ، فَطَارَا بِهِ حَتَّى بَلَغَ السَّمَوَاتِ الْعُلَى ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ : " سَمِعْتُ تَسْبِيحًا فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى مَعَ تَسْبِيحٍ كَثِيرٍ ، سَبَّحَتِ السَّمَوَاتُ الْعُلَى مِنْ ذِي الْمَهَابَةِ مُشْفِقَاتٍ مِنْ ذِي الْعُلُوِّ بِمَا عَلَا - سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى " . وَيُذْكَرُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ : ( ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ﴾ ) الْآيَةَ [ الْإِسْرَاءِ : 44 ] . رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ وَأَبِي مَرْيَمَ وَأَبِي شُعَيْبٍ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ بِالْجَابِيَةِ ، فَذَكَرَ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَحَدَّثَنِي أَبُو سِنَانٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِكَعْبٍ : أَيْنَ تَرَى أَنْ أُصَلِّيَ ؟ قَالَ : إِنْ أَخَذْتَ عَنِّي صَلَّيْتَ خَلْفَ الصَّخْرَةِ ، فَكَانَتِ الْقُدْسُ كُلُّهَا بَيْنَ يَدَيْكَ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ضَاهَيْتَ الْيَهُودِيَّةَ ، [ لَا ] وَلَكِنْ أُصْلِي حَيْثُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقَدَّمَ إِلَى الْقِبْلَةِ ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَبَسَطَ رِدَاءَهُ وَكَنَسَ الْكُنَاسَةَ فِي رِدَائِهِ ، وَكَنَسَ النَّاسُ . فَلَمْ يُعَظِّمِ الصَّخْرَةَ تَعْظِيمًا يُصَلِّي وَرَاءَهَا وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ - كَمَا أَشَارَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَهَا حَتَّى جَعَلُوهَا قِبْلَتَهُمْ - وَلَكِنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ ، فَهُدِيَ إِلَى الْحَقِّ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا أَشَارَ بِذَلِكَ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : ضَاهَيْتَ الْيَهُودِيَّةَ ، وَلَا أَهَانَهَا إِهَانَةَ النَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا قَدْ جَعَلُوهَا مَزْبَلَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا قِبْلَةُ الْيَهُودِ ، وَلَكِنْ أَمَاطَ الْأَذَى ، وَكَنَسَ عَنْهَا الْكُنَاسَ بِرِدَائِهِ . وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا " . رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَهِيَ مُطَوَّلَةٌ جِدًّا وَفِيهَا غَرَابَةٌ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ " سُورَةِ سُبْحَانَ " : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ - فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ) قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ [ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ مِيكَائِيلُ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ] لِمِيَكَائِيلَ : ائْتِنِي بِطَسْتٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، كَيْمَا أُطَهِّرَ قَلْبَهُ وَأَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ . قَالَ : فَشَقَّ عَنْهُ بَطْنَهُ ، فَغَسَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ مِيكَائِيلُ بِثَلَاثِ طِسَاسٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، فَشَرَحَ صَدْرَهُ وَنَزَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ غِلٍّ ، وَمَلَأَهُ حِلْمًا وَعِلْمًا ، وَإِيمَانًا وَيَقِينًا وَإِسْلَامًا ، وَخَتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ . ثُمَّ أَتَاهُ بِفَرَسٍ فَحُمِلَ عَلَيْهِ ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهُ مُنْتَهَى بَصَرِهِ - أَوْ : أَقْصَى بَصَرِهِ - قَالَ : فَسَارَ وَسَارَ مَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَالَ : فَأَتَى عَلَى قَوْمٍ يَزْرَعُونَ فِي يَوْمٍ وَيَحْصُدُونَ فِي يَوْمٍ ، كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَا هَذَا ؟ " قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، تُضَاعَفُ لَهُمُ الْحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَمَا أَنْفَقُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ . ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُرْضَخُ رُءُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ ، كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ ، وَلَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، فَقَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَتَثَاقَلُ رُءُوسُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ . ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاعٌ ، وَعَلَى أَدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الْإِبِلُ وَالنَّعَمُ ، وَيَأْكُلُونَ الضَّرِيعَ وَالزَّقُّومَ وَرَضْفَ جَهَنَّمَ وَحِجَارَتَهَا ، قَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ ، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ شَيْئًا وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ نَضِيجٌ فِي قِدْرٍ وَلَحْمٌ نِيءٌ فِي قِدْرٍ خَبِيثٍ ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنَ النِّيءِ الْخَبِيثِ وَيَدَعُونَ النَّضِيجَ الطَّيِّبَ ، فَقَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " فَقَالَ : هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ ، تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ الْحَلَالُ الطَّيِّبَةُ ، فَيَأْتِي امْرَأَةً خَبِيثَةً فَيَبِيتُ عِنْدَهَا حَتَّى يُصْبِحَ ، [ وَالْمَرْأَةُ تَقُومُ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا حَلَالًا طَيِّبًا ، فَتَأْتِي رَجُلًا خَبِيثًا فَتَبِيتُ مَعَهُ حَتَّى تُصْبِحَ ] . قَالَ : ثُمَّ أَتَى عَلَى خَشَبَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ ، لَا يَمُرُّ بِهَا ثَوْبٌ إِلَّا شَقَّتْهُ ، وَلَا شَيْءٌ إِلَّا خَرَقَتْهُ ، قَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَذَا مَثَلُ أَقْوَامٍ مِنْ أُمَّتِكَ ، يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيقِ يَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلَا ( ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 86 ] . قَالَ : ثُمَّ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ جَمَعَ حُزْمَةَ [ حَطَبٍ ] عَظِيمَةً لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا ، وَهُوَ يَزِيدُ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " فَقَالَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَمَانَاتُ النَّاسِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا . ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، قَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ . ثُمَّ أَتَى عَلَى جُحْرٍ صَغِيرٍ يَخْرُجُ مِنْهُ ثَوْرٌ عَظِيمٌ ، فَجَعَلَ الثَّوْرُ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ [ حَيْثُ ] خَرَجَ ، فَلَا يَسْتَطِيعُ ، فَقَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " فَقَالَ : هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّهَا . ثُمَّ أَتَى عَلَى وَادٍ فَوَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً بَارِدَةً ، وَرِيحَ مِسْكٍ ، وَسَمِعَ صَوْتًا ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الْبَارِدَةُ ؟ وَمَا هَذَا الْمِسْكُ ؟ وَمَا هَذَا الصَّوْتُ ؟ " قَالَ : هَذَا صَوْتُ الْجَنَّةِ تَقُولُ : يَا رَبِّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي ، فَقَدْ كَثُرَتْ غُرَفِي ، وَإِسْتَبْرَقِي وَحَرِيرِي وَسُنْدُسِي ، وَعَبْقَرِيِّي وَلُؤْلُؤِي وَمَرْجَانِي ، وَفِضَّتِي وَذَهَبِي وَأَكْوَابِي وَصِحَافِي ، وَأَبَارِيقِي وَمَرَاكِبِي ، وَعَسَلِي وَمَائِي ، وَخَمْرِي وَلَبَنِي فَآتِنِي مَا وَعَدْتَنِي . فَقَالَ : لَكِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ ، وَمُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ، وَمَنْ آمَنَ بِي وَبِرُسُلِي وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَمْ يُشْرِكْ بِي ، وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنْ دُونِي أَنْدَادًا ؛ وَمَنْ خَشِيَنِي فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ ، وَمَنْ أَقْرَضَنِي جِزْيَتُهُ ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيَّ كَفَيْتُهُ ، إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، لَا أُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، قَالَتْ : قَدْ رَضِيتُ . قَالَ : " ثُمَّ أَتَى عَلَى وَادٍ فَسَمِعَ صَوْتًا مُنْكَرًا ، وَوَجَدَ رِيحًا مُنْتِنَةً ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الرِّيحُ يَا جِبْرِيلُ ؟ وَمَا هَذَا الصَّوْتُ ؟ " فَقَالَ : هَذَا صَوْتُ جَهَنَّمَ تَقُولُ : يَا رَبِّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي ، فَقَدْ كَثُرَتْ سَلَاسِلِي وَأَغْلَالِي ، وَسَعِيرِي وَحَمِيمِي ، وَضَرِيعِي ، وَغَسَّاقِي وَعَذَابِي ، وَقَدْ بَعُدَ قَعْرِي ، وَاشْتَدَّ حَرِّي ، فَآتِنِي كُلَّ مَا وَعَدْتَنِي ، فَقَالَ : لَكِ كُلُّ مُشْرِكٍ وَمُشْرِكَةٍ ، وَكَافِرٍ وَكَافِرَةٍ ، وَكُلُّ خَبِيثٍ وَخَبِيثَةٍ ، وَكُلُّ جَبَّارٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ . قَالَتْ : قَدْ رَضِيتُ . قَالَ : ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَنَزَلَ فَرَبَطَ فَرَسَهُ إِلَى صَخْرَةٍ ، ثُمَّ دَخَلَ فَصَلَّى مَعَ الْمَلَائِكَةِ ، فَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ قَالُوا : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . قَالَ : ثُمَّ لَقِيَ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَأَثْنَوْا عَلَى رَبِّهِمْ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخَذَنِي خَلِيلًا وَأَعْطَانِي مُلْكًا عَظِيمًا ، وَجَعَلَنِي أُمَّةً قَانِتًا يُؤْتَمُّ بِي ، وَأَنْقَذَنِي مِنَ النَّارِ ، وَجَعَلَهَا عَلَيَّ بَرْدًا وَسَلَامًا . ثُمَّ إِنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَلَّمَنِي تَكْلِيمًا ، وَجَعْلَ هَلَاكَ آلِ فِرْعَوْنَ وَنَجَاةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدَيَّ ، وَجَعَلَ مِنْ أُمَّتِي قَوْمًا يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ . ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مُلْكًا عَظِيمًا ، وَعَلَّمَنِي الزَّبُورَ ، وَأَلَانَ لِيَ الْحَدِيدَ ، وَسَخَّرَ لِيَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ، وَأَعْطَانِي الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ . ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لِيَ الرِّيَاحَ ، وَسَخَّرَ لِيَ الشَّيَاطِينَ يَعْمَلُونَ لِي مَا شِئْتُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ ، وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ، وَعَلَّمَنِي مَنْطِقَ الطَّيْرِ ، وَآتَانِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا ، وَسَخَّرَ لِيَ جُنُودَ الشَّيَاطِينِ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَآتَانِي مُلْكًا عَظِيمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، وَجَعَلَ مُلْكِي مُلْكًا طَيِّبًا لَيْسَ فِيهِ حِسَابٌ . ثُمَّ إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي كَلِمَتَهُ وَجَعَلَ مَثَلِي مَثَلَ آدَمَ ، خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ : " كُنْ " فَيَكُونَ ، وَعَلَّمَنِي الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَجَعَلَنِي أَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَجَعَلَنِي أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِهِ ، وَرَفَعَنِي وَطَهَّرَنِي ، وَأَعَاذَنِي وَأُمِّيَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْنَا سَبِيلٌ . قَالَ : ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ : " فَكُلُّكُمْ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ ، وَإِنِّي مُثْنٍ عَلَى رَبِّي [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْفُرْقَانَ فِيهِ بَيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَجَعَلَ أُمَّتِي خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، وَجَعَلَ أُمَّتِي أُمَّةً وَسَطًا ، وَجَعَلَ أُمَّتِي هُمُ الْأَوَّلِينَ وَهُمُ الْآخَرِينَ ، وَشَرَحَ لِي صَدْرِي ، وَوَضَعَ عَنِّي وِزْرِي ، وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي ، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا " فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] : بِهَذَا فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ : خَاتَمُ النُّبُوَّةِ ، فَاتِحٌ بِالشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ثُمَّ أُتِيَ بِآنِيَةٍ ثَلَاثَةٍ مُغَطَّاةٍ أَفْوَاهُهَا ، فَأُتِي بِإِنَاءٍ مِنْهَا فِيهِ مَاءٌ فَقِيلَ : اشْرَبْ . فَشَرِبَ مِنْهُ يَسِيرًا ، ثُمَّدُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ لَبَنٌ ، فَقِيلَ لَهُ : اشْرِبْ ، فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى رَوِيَ. ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ خَمْرٌ فَقِيلَ لَهُ : اشْرِبْ فَقَالَ : " لَا أُرِيدُهُ قَدْ رَوِيتُ " . فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] : أَمَا إِنَّهَا سَتُحَرَّمُ عَلَى أُمَّتِكَ ، وَلَوْ شَرِبْتَ مِنْهَا لَمْ يَتْبَعْكَ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا قَلِيلٌ . قَالَ : ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ ، فَقَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بَرَجُلٍ تَامِّ الْخَلْقِ لَمْ يَنْقُصْ مَنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ كَمَا يَنْقُصُ مَنْ خَلْقِ النَّاسِ ، عَنْ يَمِينِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ ، وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ ، إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَاسْتَبْشَرَ ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ بَكَى وَحَزِنَ ، فَقُلْتُ : " يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الشَّيْخُ التَّامُّ الْخَلْقِ الَّذِي لَمْ يُنْقَصْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ ؟ وَمَا هَذَانِ الْبَابَانِ ؟ " فَقَالَ : هَذَا أَبُوكَ آدَمُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ، وَهَذَا الْبَابُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ بَابُ الْجَنَّةِ ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ضَحِكَ وَاسْتَبْشَرَ ، وَالْبَابُ الَّذِي عَنْ شِمَالِهِ بَابُ جَهَنَّمَ ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ بَكَى وَحَزِنَ . ثُمَّ صَعِدَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَلَنِعْمَ الْأَخُ وَلَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . قَالَ : فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِشَابَّيْنِ فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَانِ الشَّابَّانِ ؟ " قَالَ : هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، ابْنَا الْخَالَةِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . قَالَ : فَصَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقَالُوا : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . قَالَ : فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ فُضِّلَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَمَا فُضِّلَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ الَّذِي قَدْ فُضِّلَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ ؟ " قَالَ : هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ : ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقَالُوا مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . قَالَ : فَدَخَلَ ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ ، رَفَعَهُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] مَكَانًا عَلِيًّا . ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقَالُوا : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . ثُمَّ دَخَلَ فَإِذَا هُوَ بَرَجُلٍ جَالِسٍ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ وَمَنْ هَؤُلَاءِ حَوْلَهُ ؟ " قَالَ : هَذَا هَارُونُ الْمُحَبَّبُ [ فِي قَوْمِهِ ] وَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ . ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ . فَإِذَا هُوَ بَرَجُلٍ جَالِسٍ فَجَاوَزَهُ فَبَكَى الرَّجُلُ ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ " قَالَ : مُوسَى ، قَالَ : " فَمَا بَالُهُ يَبْكِي ؟ " قَالَ : زَعَمَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنِّي أَكْرَمُ بَنِي آدَمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ قَدْ خَلَفَنِي فِي دُنْيَا ، وَأَنَا فِي أُخْرَى ، فَلَوْ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَمْ أُبَالِ ، وَلَكِنْ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ . قَالَ : ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ لَهُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . قَالَ : فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ أَشْمَطَ جَالِسٍ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ عَلَى كُرْسِيٍّ ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ بِيضُ الْوُجُوهِ أَمْثَالُ الْقَرَاطِيسِ ، وَقَوْمٌ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ فَدَخَلُوا نَهْرًا فَاغْتَسَلُوا فِيهِ ، فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَ مِنْ أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا آخَرَ فَاغْتَسَلُوا فِيهِ ، فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَ [ مِنْ ] أَلْوَانِهِمْ [ شَيْءٌ ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا آخَرَ فَاغْتَسَلُوا فِيهِ ، فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَتْ أَلْوَانُهُمْ ] فَصَارَتْ مِثْلَ أَلْوَانِ أَصْحَابِهِمْ ، فَجَاءُوا فَجَلَسُوا إِلَى أَصْحَابِهِمْ ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الْأَشْمَطُ ؟ ثُمَّ مَنْ هَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ ؟ وَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ؟ وَمَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ الَّتِي دَخَلُوا فِيهَا فَجَاءُوا وَقَدْ صَفَتْ أَلْوَانُهُمْ ؟ " قَالَ : هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] أَوَّلُ مَنْ شَمِطَ عَلَى الْأَرْضِ . وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ فَقَوْمٌ لَمْ يَلْبَسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ . وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ، فَقَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ، فَتَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَأَوَّلُهَا رَحْمَةُ اللَّهِ ، وَالثَّانِي نِعْمَةُ اللَّهِ ، وَالثَّالِثُ سَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا . قَالَ : ثُمَّ انْتَهَى إِلَى السِّدْرَةِ فَقِيلَ لَهُ : هَذِهِالسِّدْرَةُ يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ خَلَا مِنْ أُمَّتِكَ عَلَى سُنَّتِكَ. فَإِذَا هِيَ شَجَرَةٌ يَخْرُجُ مَنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ، وَهِيَ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يَقْطَعُهَا . وَالْوَرَقَةُ مِنْهَا مُغَطِّيَةٌ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا . قَالَ : فَغَشِيَهَا نُورُ الْخَلَّاقِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ أَمْثَالَ الْغِرْبَانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلَى الشَّجَرَةِ قَالَ : فَكَلَّمَهُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَهُ : سَلْ ، قَالَ : " إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا عَظِيمًا ، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَأَعْطَيْتَ دَاوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا ، وَأَلَنْتَ لَهُ الْحَدِيدَ ، وَسَخَّرْتَ لَهُ [ الْجِبَالَ ، وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا ، وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ ، وَسَخَّرْتَ لَهُ ] الرِّيَاحَ ، وَأَعْطَيْتَ لَهُ مُلْكًا عَظِيمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ، وَعَلَّمْتَ عِيسَى التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَجَعَلْتَهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِكَ ، وَأَعَذْتَهُ وَأُمَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمَا سَبِيلٌ " . فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَقَدِ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا - وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ : " حَبِيبُ الرَّحْمَنِ " - وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ ، وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ ، وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ ، فَلَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، وَجَعَلْتُ أَمَّتَكَ أُمَّةً وَسَطًا ، وَجَعَلْتُ أَمَّتَكَ هُمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي ، وَجَعَلْتُ مِنْ أَمَّتِكَ أَقْوَامًا قُلُوبُهُمْ أَنَاجِيلُهُمْ ، وَجَعَلْتُكَ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا ، وَآخِرَهُمْ بَعْثًا ، وَأَوَّلَهُمْ يُقْضَى لَهُ ، وَأَعْطَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ ، وَأَعْطَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ ، وَأَعْطَيْتُكَ الْكَوْثَرَ ، وَأَعْطَيْتُكَ ثَمَانِيَةَ أَسْهُمٍ : الْإِسْلَامَ ، وَالْهِجْرَةَ ، وَالْجِهَادَ ، وَالصَّدَقَةَ ، وَالصَّلَاةَ ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَجَعَلْتُكَ فَاتِحًا وَخَاتَمًا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَضَّلَنِي رَبِّي بِسِتٍّ : أَعْطَانِي فَوَاتِحَ الْكَلَامِ وَخَوَاتِيمَهُ ، وَجَوَامِعَ الْحَدِيثِ ، وَأَرْسَلَنِي إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا طَهُورًا وَمَسْجِدًا " . قَالَ : وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً . فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُوسَى قَالَ : بِمَ أُمِرْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : " بِخَمْسِينَ صَلَاةً " قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، فَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " بِأَرْبَعِينَ " قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " أُمِرْتُ بِثَلَاثِينَ " ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " أُمِرْتُ بِعِشْرِينَ " . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا . فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " أُمِرْتُ بِعَشْرٍ " ، قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ عَلَى حَيَاءٍ إِلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ فَوَضَعَ عَنْهُ خَمْسًا . فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " بِخَمْسٍ " فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : " قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ ، فَمَا أَنَا بِرَاجِعٍ إِلَيْهِ " ، قِيلَ : أَمَا إِنَّكَ كَمَا صَبَّرْتَ نَفْسَكَ عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ، فَإِنَّهُنَّ يَجْزِينَ عَنْكَ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَإِنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا . قَالَ : فَرَضِيَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ الرِّضَا ، قَالَ : وَكَانَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ أَشَدِّهِمْ عَلَيْهِ حِينَ مَرَّ بِهِ وَخَيْرِهِمْ لَهُ حِينَ رَجَعَ إِلَيْهِ .
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبَى جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ . وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَالِينِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ السَّكُونِيِّ الْبَالِسِيِّ بِالرَّمْلَةِ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الْحَاكِمَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعَرَانِيِّ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ مَاهَانَ - يَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ - عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ . وَقَالَ : ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذَكَرَ أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ - يَعْنِي : أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ - عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ الْبَكْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ عِيسَى - ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَالَ اللَّهُ : ( ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ) " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ كَنَحْوٍ مِمَّا سُقْنَاهُ . قُلْتُ : " أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ " قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ : " الرَّازِيُّ يَهِمُ فِي الْحَدِيثِ كَثِيرًا " وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا ، وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ سَيِّئُ الْحِفْظِ فَفِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ نَظَرٌ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَنَامِ مِنْ رِوَايَةِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي الْمَنَامِ الطَّوِيلِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعًا مِنْ أَحَادِيثَ شَتَّى ، أَوْ مَنَامٍ أَوْ قِصَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْإِسْرَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ : " لَقِيتُ مُوسَى " قَالَ : فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ : - مُضْطَرِبٌ ،
رَجْلُ الرَّأْسِ ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ . قَالَ : " وَلَقِيتُ عِيسَى " - فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبْعَةً أَحْمَرَ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ
- يَعْنِي حَمَّامٍ . قَالَ :
" وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ " . قَالَ : " وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ ، قِيلَ لِي : خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ ، فَشَرِبْتُ ، فَقِيلَ لِي : هُدِيتَ الْفِطْرَةَ - أَوْ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ - أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ " وَأَخْرَجَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . عَنِ الزُّهْرِيِّ - بِهِ نَحْوَهُ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ حُجَيْنِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا ، فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا سَأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي ، وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ قَائِلٌ : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ ، [ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ] فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ " . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الصَّلْتِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَنَظَرْتُ فَوْقُ فَإِذَا رَعْدٌ وَبَرْقٌ وَصَوَاعِقُ " . قَالَ : " وَأُتِيتُ عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا ، فَلَمَّا نَزَلْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا نَظَرْتُ أَسْفَلَ مِنِّي فَإِذَا أَنَا بِرَهَجٍ وَدُخَانٍ وَأَصْوَاتٍ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذِهِ الشَّيَاطِينُ يُحَرِّفُونَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ أَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَوُا الْعَجَائِبَ " . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنٍ وَعَفَّانَ ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، بِهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ ، بِهِ . رِوَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ] مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَغَيْرِهِمْ : قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْحَاكِمَ - أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ يَعْقُوبَ الدَّقَّاقُ بِهَمَذَانَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ النَّصْرِيُّ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ قُعَيْنٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَسُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ - بَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضٍ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - وَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيِّ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - وَ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالُوا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ رَاقِدًا ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ : قَالَ لَنَا هَذَا الشَّيْخُ . . . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَكَتَبَ الْمَتْنَ مِنْ نُسْخَةٍ مَسْمُوعَةٍ مِنْهُ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا يَذْكُرُ فِيهِ عَدَدَ الدَّرَجِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْكَرُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِيمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي حَدِيثِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ كِفَايَةٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قُلْتُ : وَقَدْ أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ وَأَئِمَّةِ الْمُفَسِّرِينَ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . رِوَايَةُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : قَالَ [ الْإِمَامُ ] الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنِي مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الصَّنْعَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، أَصْبَحَ يُحَدِّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ ، وَسَعَوْا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالُوا : هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ! فَقَالَ : أَوَ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ . قَالُوا : تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ . فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ : الصِّدِّيقَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . رِوَايَةُ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بَاذَانَ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ] فِي مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ : مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُوَ فِي بَيْتِي ، نَائِمٌ عِنْدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ نَامَ وَنِمْنَا ، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَهَبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ وَصْلَيْنَا مَعَهُ قَالَ : " يَا أُمَّ هَانِئٍ ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي ، ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَعَكُمُ الْآنَ كَمَا تَرَيْنَ " . الْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ بِمَرَّةٍ سَاقِطٌ ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ ، فَلْيَكْتُبْ هَاهُنَا . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي الْمُسَاوِرِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ : بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فِي بَيْتِي ، فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَامْتَنَعَ مِنِّي النَّوْمُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَتَانِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي ، فَإِذَا عَلَى الْبَابِ دَابَّةٌ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهَا ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَأَرَانِي إِبْرَاهِيمَ يُشْبِهُ خَلْقُهُ خَلْقِي ، وَيُشْبِهُ خَلْقِي خَلْقَهُ ، وَأَرَانِي مُوسَى آدَمَ طَوِيلًا سَبْطَ الشَّعْرِ ، شَبَّهْتُهُ بِرِجَالِ أَزْدِ شَنُوءَةَ ، وَأَرَانِي عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ رَبْعَةً أَبْيَضَ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ ، شَبَّهْتُهُ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ ، وَأَرَانِي الدَّجَّالَ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، شَبَّهْتُهُ بِقَطَنِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى " قَالَ : " وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأُخْبِرْهُمْ بِمَا رَأَيْتُ " . فَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ فَقُلْتُ : إِنِّي أُذَكِّرُكَ اللَّهَ ، إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا يُكَذِّبُونَكَ وَيُنْكِرُونَ مَقَالَتَكَ ، فَأَخَافُ أَنْ يَسْطُوا بِكَ . قَالَتْ : فَضَرَبَ ثَوْبَهُ مِنْ يَدِي ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَأَتَاهُمْ وَهُمْ جُلُوسٌ ، فَأَخْبَرَهُمْ مَا أَخْبَرَنِي ، فَقَامَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ لَوْ كُنْتَ شَابًّا كَمَا كُنْتَ ، مَا تَكَلَّمْتَ بِمَا تَكَلَّمْتَ بِهِ وَأَنْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ مَرَرْتَ بِإِبِلٍ لَنَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَاللَّهِ قَدْ وَجَدْتُهُمْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَهُمْ فِي طَلَبِهِ " . قَالَ : فَهَلْ مَرَرْتَ بِإِبِلٍ لِبَنِي فُلَانٍ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَجَدْتُهُمْ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدِ انْكَسَرَتْ لَهُمْ نَاقَةٌ حَمْرَاءُ ، وَعِنْدَهُمْ قَصْعَةٌ مِنْ مَاءٍ ، فَشَرِبْتُ مَا فِيهَا " . قَالُوا : فَأَخْبِرْنَا عِدَّتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ [ قَالَ : " قَدْ كُنْتُ عَنْ عِدَّتِهَا مَشْغُولًا " . فَنَامَ فَأُوتِيَ بِالْإِبِلِ فَعَدَّهَا وَعَلِمَ مَا فِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ ] ثُمَّ أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ لَهُمْ : " سَأَلْتُمُونِي عَنْ إِبِلِ بَنِي فُلَانٍ ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا ، وَفِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَسَأَلْتُمُونِي عَنْ إِبِلِ بَنِي فُلَانٍ ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا ، وَفِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَهِيَ مُصَبَّحَتُكُمْ مِنَ الْغَدَاةِ عَلَى الثَّنِيَّةِ " . قَالَ : فَقَعَدُوا عَلَى الثَّنِيَّةِ يَنْظُرُونَ أَصَدَقَهُمْ مَا قَالَ ؟ فَاسْتَقْبَلُوا الْإِبِلَ فَسَأَلُوهُمْ : هَلْ ضَلَّ لَكُمْ بَعِيرٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَسَأَلُوا الْآخَرَ : هَلِ انْكَسَرَتْ لَكُمْ نَاقَةٌ حَمْرَاءُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالُوا : فَهَلْ كَانَ عِنْدَكُمْ قَصْعَةٌ ؟ قَالَ : أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَاللَّهِ وَضَعْتُهَا فَمَا شَرِبَهَا أَحَدٌ ، وَلَا أَهْرَاقُوهُ فِي الْأَرْضِ . فَصَدَّقَهُ أَبُو بَكْرٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] وَآمَنَ بِهِ ، فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ الصِّدِّيقَ . فَصْلٌ وَإِذَا حَصَلَ الْوُقُوفُ عَلَى مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحِهَا وَحَسَنِهَا وَضَعِيفِهَا ، يَحْصُلُ مَضْمُونُ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مِسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَأَنَّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الرُّوَاةِ فِي أَدَائِهِ ، أَوْ زَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْخَطَأَ جَائِزٌ عَلَى مَنْ عَدَا الْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . وَمَنْ جَعَلَ مِنَ النَّاسِ كُلَّ رِوَايَةٍ خَالَفَتِ الْأُخْرَى مُرَّةً عَلَى حِدَةٍ ، فَأَثْبَتَ إِسْرَاءَاتٍ مُتَعَدِّدَةً فَقَدْ أَبْعَدَ وَأَغْرَبَ ، وَهَرَبَ إِلَى غَيْرِ مَهْرَبٍ وَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى مَطْلَبٍ . وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَطْ ، وَمَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَطْ ، وَمَرَّةً إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ . وَفَرِحَ بِهَذَا الْمَسْلَكِ ، وَأَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِشَيْءٍ يَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ . وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا ، وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَلَوْ تَعَدَّدَ هَذَا التَّعَدُّدَ لَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ أُمَّتَهُ ، وَلَنَقَلَتْهُ النَّاسُ عَلَى التَّعَدُّدِ وَالتَّكَرُّرِ . قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : كَانَ الْإِسْرَاءُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ . وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا . وَالْحَقُّ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ أُسْرِيَ بِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، رَاكِبًا الْبُرَاقَ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ رَبَطَ الدَّابَّةَ عِنْدَ الْبَابِ ، وَدَخَلَهُ فَصَلَّى فِي قِبْلَتِهِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ . ثُمَّ أَتَى الْمِعْرَاجَ - وَهُوَ كَالسُّلَّمِ ذُو دَرَجٍ يُرْقَى فِيهَا - فَصَعِدَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ إِلَى بَقِيَّةِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ ، فَتَلَقَّاهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ [ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ] الَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ بِحَسْبِ مَنَازِلِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ ، حَتَّى مَرَّ بِمُوسَى الْكِلِيمِ فِي السَّادِسَةِ ، وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي السَّابِعَةِ ، ثُمَّ جَاوَزَ مَنْزِلَتَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُسْتَوًى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ ، أَيْ : أَقْلَامَ الْقَدَرِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ ، وَرَأَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَظَمَةٌ عَظِيمَةٌ ، مِنْ فَرَاشٍ مِنْ ذَهَبٍ ، وَأَلْوَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ ، وَرَأَى هُنَالِكَ جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ ، وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، وَرَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ ، وَرَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ بَانِي الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ الْكَعْبَةُ السَّمَاوِيَّةُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَرَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، وَفَرَضَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] عَلَيْهِ هُنَالِكَ الصَّلَوَاتِ خَمْسِينَ ، ثُمَّ خَفَّفَهَا إِلَى خَمْسٍ ؛ رَحْمَةً مِنْهُ وَلُطْفًا بِعِبَادِهِ . وَفِي هَذَا اعْتِنَاءٌ عَظِيمٌ بِشَرَفِ الصَّلَاةِ وَعَظَمَتِهَا . ثُمَّ هَبَطَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَهَبَطَ مَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ لَمَّا حَانَتِ الصَّلَاةُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا الصُّبْحُ مِنْ يَوْمِئِذٍ . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَمَّهُمْ فِي السَّمَاءِ . وَالَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ دُخُولِهِ إِلَيْهِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَرَّ بِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْهُمْ جِبْرِيلَ وَاحِدًا وَاحِدًا وَهُوَ يُخْبِرُهُ بِهِمْ ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا مَطْلُوبًا إِلَى الْجَنَابِ الْعُلْوِيِّ لِيَفْرِضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ مَا يَشَاءُ اللَّهُ - تَعَالَى - ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ ، اجْتَمَعَ هُوَ وَإِخْوَانُهُ مِنَ النَّبِيِّينَ [ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ] ثُمَّ أَظْهَرَ شَرَفَهَ وَفَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ ، وَذَلِكَ عَنْ إِشَارَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ فِي ذَلِكَ . ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرَكِبَ الْبُرَاقَ وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ بِغَلَسٍ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ . وَأَمَّا عَرْضُ الْآنِيَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّبَنِ وَالْعَسَلِ ، أَوِ اللَّبَنِ وَالْخَمْرِ ، أَوِ اللَّبَنِ وَالْمَاءِ ، أَوِ الْجَمِيعِ - فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَجَاءَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا وَهَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ كَالضِّيَافَةِ لِلْقَادِمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ :**هَلْ كَانَ الْإِسْرَاءُ بِبَدَنِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرُوحِهِ ؟ أَوْ بِرُوحِهِ فَقَطْ ؟**عَلَى قَوْلَيْنِ ، فَالْأَكْثَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ أُسْرِيَ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا ، وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ مَنَامًا ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَهُ يَقَظَةً ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ) فَالتَّسْبِيحُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ ، وَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ شَيْءٍ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَعْظَمًا ، وَلَمَا بَادَرَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِلَى تَكْذِيبِهِ ، وَلَمَا ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَبْدَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ ، وَقَدْ قَالَ [ عَزَّ شَأْنُهُ ] ( ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 60 ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ، وَالشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ : شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ) [ النَّجْمِ : 17 ] ، وَالْبَصَرُ مِنْ آلَاتِ الذَّاتِ لَا الرُّوحِ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ ، وَهُوَ دَابَّةٌ بَيْضَاءُ بَرَّاقَةٌ لَهَا لَمَعَانٌ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا لِلْبَدَنِ لَا لِلرُّوحِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ فِي حَرَكَتِهَا إِلَى مَرْكَبٍ تَرْكَبُ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرُوحِهِ لَا بِجَسَدِهِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي السِّيرَةِ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَتْ رُؤْيَا مِنَ اللَّهِ صَادِقَةً . وَحَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ : مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنْ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا ، لِقَوْلِ الْحَسَنِ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ ( ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ) وَلِقَوْلِ اللَّهِ فِي الْخَبَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ : ( ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ ) [ الصَّافَّاتِ : 102 ] ، ثُمَّ مَضَى عَلَى ذَلِكَ . فَعَرَفْتُ أَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِي لِلْأَنْبِيَاءِ مِنَ اللَّهِ أَيْقَاظًا وَنِيَامًا . فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " تَنَامُ عَيْنَايَ ، وَقَلْبِي يَقْظَانُ " فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ ، وَعَايَنَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ مَا عَايَنَ ، عَلَى أَيِّ حَالَاتِهِ كَانَ نَائِمًا أَوْ يَقْظَانَ ، كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ . وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِالرَّدِّ وَالْإِنْكَارِ وَالتَّشْنِيعِ ، بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ سِيَاقِ الْقُرْآنِ ، وَذَكَرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى رَدِّهِ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ جَلِيلَةٌ : رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبِهَانِيُّ فِي كِتَابِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ إِلَى قَيْصَرَ - فَذَكَرَ وُرُودَهُ عَلَيْهِ وَقُدُومَهُ إِلَيْهِ . وَفِي السِّيَاقِ دَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى وُفُورِ عَقْلِ هِرَقْلَ - ثُمَّ اسْتَدْعَى مَنْ بِالشَّامِ مِنَ التُّجَّارِ ، فَجِيءَ بِأَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، وَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَجْهَدُ أَنْ يُحَقِّرَ أَمْرَهُ وَيُصَغِّرَهُ عِنْدَهُ . قَالَ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ : وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ قَوْلًا أُسْقِطُهُ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَكْذِبَ عِنْدَهُ كَذْبَةً يَأْخُذُهَا عَلَيَّ ، وَلَا يُصَدِّقُنِي بِشَيْءٍ . قَالَ : حَتَّى ذَكَرْتُ قَوْلَهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ : فَقُلْتُ : أَيُّهَا الْمَلَكُ ، أَلَا أُخْبِرُكَ خَبَرًا تَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ كَذَبَ ؟ قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : إِنَّهُ يَزْعُمُ لَنَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَرْضِنَا - أَرْضِ الْحَرَمِ - فِي لَيْلَةٍ فَجَاءَ مَسْجِدَكُمْ هَذَا - مَسْجِدَ إِيلِيَاءَ - ، وَرَجَعَ إِلَيْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ الصَّبَاحِ . قَالَ : وَبَطْرِيقُ إِيلِيَاءَ عِنْدَ رَأْسِ قَيْصَرَ ، فَقَالَ بَطْرِيقُ إِيلِيَاءَ : قَدْ عَلِمْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، قَالَ : فَنَظَرَ قَيْصَرُ ، وَقَالَ : وَمَا عِلْمُكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : إِنِّي كُنْتُ لَا أَنَامُ لَيْلَةً حَتَّى أُغْلِقَ أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ ، فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ أَغْلَقْتُ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا غَيْرَ بَابٍ وَاحِدٍ غَلَبَنِي ، فَاسْتَعَنْتُ عَلَيْهِ بِعُمَّالِي وَمَنْ يَحْضُرُنِي كُلِّهِمْ فَعَالَجْتُهُ فَغَلَبَنِي ، فَلَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نُحَرِّكَهُ ، كَأَنَّمَا نُزَاوِلُ بِهِ جَبَلًا فَدَعَوْتُ إِلَيْهِ النَّجَاجِرَةَ ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا الْبَابَ سَقَطَ عَلَيْهِ النِّجَافُ وَالْبُنْيَانُ وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَرِّكَهُ حَتَّى نُصْبِحَ فَنَنْظُرَ مِنْ أَيْنَ أَتَى . قَالَ : فَرَجَعْتُ وَتَرَكْتُ الْبَابَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ . فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا الْحَجَرُ الَّذِي فِي زَاوِيَةِ الْبَابِ مَثْقُوبٌ ، وَإِذَا فِيهِ أَثَرُ مَرْبَطِ الدَّابَّةِ قَالَ : فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي : مَا حُبِسَ هَذَا الْبَابُ اللَّيْلَةَ إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ ، وَقَدْ صَلَّى اللَّيْلَةَ فِي مَسْجِدِنَا . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . فَائِدَةٌ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْخَطَّابِ عُمَرُ بْنُ دِحْيَةَ فِي كِتَابِهِ " التَّنْوِيرُ فِي مَوْلِدِ السِّرَاجِ الْمُنِيرِ " وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فَأَجَادَ وَأَفَادَ - ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَمَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ ، وَأَبِي حَبَّةَ وَأَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيَّيْنِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَجَابِرٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَبُرَيْدَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَأَبِي الْحَمْرَاءِ ، وَصُهَيْبٍ الرُّومِيِّ ، وَأُمِّ هَانِئٍ ، وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . مِنْهُمْ مَنْ سَاقَهُ بِطُولِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَصَرَهُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَسَانِيدِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رِوَايَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى شَرْطِ الصِّحَّةِ ، فَحَدِيثُ الْإِسْرَاءِ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَاعْتَرَضَ فِيهِ الزَّنَادِقَةُ الْمُلْحِدُونَ ( ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ) [ الصَّفِّ : 8 ] .
(﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾( 2 ) ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ( 3 ) ) . لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَسْرَى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - عَطَفَ بِذِكْرِ مُوسَى عَبْدِهِ وَكَلِيمِهِ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] أَيْضًا ، فَإِنَّهُ تَعَالَى كَثِيرًا مَا يُقْرِنُ بَيْنَ ذِكْرِ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَبَيْنَ ذِكْرِ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْإِسْرَاءِ : ( ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ) يَعْنِي التَّوْرَاةَ ) وَجَعَلْنَاهُ ) أَيِ الْكِتَابَ ) هُدًى ) أَيْ هَادِيًا ( ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ ) أَيْ لِئَلَّا تَتَّخِذُوا ( ﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ ) أَيْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَلَا مَعْبُودًا دُونِي ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ أَنْ يَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ) تَقْدِيرُهُ : يَا ذُرِّيَّةُ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ . فِيهِ تَهْيِيجٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى الْمِنَّةِ ، أَيْ : يَا سُلَالَةَ مَنْ نَجَّيْنَا فَحَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ ، تَشَبَّهُوا بِأَبِيكُمْ ، ( ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ) فَاذْكُرُوا أَنْتُمْ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِإِرْسَالِي إِلَيْكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَفِي الْأَثَرِ عَنِ السَّلَفِ : أَنَّ نُوحًا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَانَ يَحْمَدُ اللَّهَ [ تَعَالَى ] عَلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَلِبَاسِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ ؛ فَلِهَذَا سُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا . قَالَ : الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ نُوحٌ عَبْدًا شَكُورًا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ حَمِدَ اللَّهَ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَ اللَّهَ عَلَيْهَا " . وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، بِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : كَانَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هُنَا حَدِيثَ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - بِطُولِهِ ، وَفِيهِ - : فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ : يَا نُوحُ ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ .
(﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾( 4 ) ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ ( 5 ) ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ( 6 ) ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ ( 7 ) ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ( 8 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : إِنَّهُ قَضَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ ، أَيْ : تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَيَعْلُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، أَيْ : يَتَجَبَّرُونَ وَيَطْغَوْنَ وَيَفْجُرُونَ عَلَى النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ) [ الْحِجْرِ : 66 ] أَيْ : تَقَدَّمْنَا إِلَيْهِ وَأَخْبَرْنَاهُ بِذَلِكَ وَأَعْلَمْنَاهُ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ ) أَيْ : أُولَى الْإِفْسَادَتَيْنِ ( ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ) أَيْ : سَلَّطْنَا عَلَيْكُمْ جُنْدًا مِنْ خَلْقِنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ، أَيْ : قُوَّةٍ وَعُدَّةٍ وَسُلْطَةٍ شَدِيدَةٍ ( ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ ) أَيْ : تَمَلَّكُوا بِلَادَكُمْ وَسَلَكُوا خِلَالَ بُيُوتِكُمْ ، أَيْ : بَيْنَهَا وَوَسَطَهَا ، وَانْصَرَفُوا ذَاهِبِينَ وَجَائِينَ لَا يَخَافُونَ أَحَدًا ( ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ ) وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي هَؤُلَاءِ الْمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ : مَنْ هُمْ ؟ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ : أَنَّهُ جَالُوتُ الْجَزَرِيُّ وَجُنُودُهُ ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا ثُمَّ أُدِيلُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ . وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ) وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّهُ مَلِكُ الْمَوْصِلِ سِنْجَارِيبُ وَجُنُودُهُ . وَعَنْهُ أَيْضًا ، وَعَنْ غَيْرِهِ : أَنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ مَلِكُ بَابِلَ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ لَهُ قِصَّةً عَجِيبَةً فِي كَيْفِيَّةِ تَرَقِّيهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، إِلَى أَنْ مَلَكَ الْبِلَادَ ، وَأَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا مُقْعَدًا ضَعِيفًا يَسْتَعْطِي النَّاسَ وَيَسْتَطْعِمُهُمْ ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى مَا آلَ ، وَأَنَّهُ سَارَ إِلَى بِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذَا الْمَكَانِ حَدِيثًا أَسْنَدَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا مَحَالَةَ ، لَا يَسْتَرِيبُ فِي ذَلِكَ مَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِالْحَدِيثِ! وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ كَيْفَ رَاجَ عَلَيْهِ مَعَ إِمَامَتِهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ! وَقَدْ صَرَّحَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ ، وَكَتَبَ ذَلِكَ عَلَى حَاشِيَةِ الْكِتَابِ . وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ إِسْرَائِيلِيَّةٌ لَمْ أَرَ تَطْوِيلَ الْكِتَابِ بِذِكْرِهَا ؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوعٌ ، مِنْ وَضْعِ [ بَعْضِ ] زَنَادِقَتِهِمْ ، وَمِنْهَا مَا قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ، وَنَحْنُ فِي غُنْيَةٍ عَنْهَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَفِيمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ غُنْيَةٌ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْكُتُبِ قَبْلَهُ ، وَلَمْ يُحْوِجْنَا اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَمَّا بَغَوْا وَطَغَوْا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُّوَهُمْ ، فَاسْتَبَاحَ بَيْضَتَهُمْ ، وَسَلَكَ خِلَالَ بُيُوتِهِمْ وَأَذَلَّهُمْ وَقَهَرَهُمْ ، جَزَاءً وِفَاقًا ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَمَرَّدُوا وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : ظَهَرَ بُخْتُنَصَّرُ عَلَى الشَّامِ ، فَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَتَلَهُمْ ، ثُمَّ أَتَى دِمَشْقَ فَوَجَدَ بِهَا دَمًا يَغْلِي عَلَى كِبًا ، فَسَأَلَهُمْ : مَا هَذَا الدَّمُ ؟ فَقَالُوا أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذَا ، وَكُلَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْكِبَا ظَهَرَ . قَالَ : فَقَتَلَ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ ، فَسَكَنَ . وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَأَنَّهُ قَتَلَ أَشْرَافَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ ، وَأَخَذَ مَعَهُ خَلْقًا مِنْهُمْ أَسْرَى مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَجَرَتْ أُمُورٌ وَكَوَائِنُ يَطُولُ ذِكْرُهَا . وَلَوْ وَجَدْنَا مَا هُوَ صَحِيحٌ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ ، لَجَازَ كِتَابَتُهُ وَرِوَايَتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ) أَيْ : فَعَلَيْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 46 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ ) أَيْ : الْمَرَّةُ الْآخِرَةُ أَيْ : إِذَا أَفْسَدْتُمُ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ وَجَاءَ أَعْدَاؤُكُمْ ( ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ) أَيْ : يُهِينُوكُمْ وَيَقْهَرُوكُمْ ( ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ ) أَيْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ( ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ) أَيْ : فِي الَّتِي جَاسُوا فِيهَا خِلَالَ الدِّيَارِ ) وَلِيُتَبِّرُوا ) أَيْ : يُدَمِّرُوا وَيُخَرِّبُوا ) مَا عَلَوْا ) أَيْ : مَا ظَهَرُوا عَلَيْهِ ( ﴿تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ ) أَيْ : فَيَصْرِفَهُمْ عَنْكُمْ ( ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ ) أَيْ : مَتَى عُدْتُمْ إِلَى الْإِفْسَادِ ) عُدْنَا ) إِلَى الْإِدَالَةِ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا نَدَّخِرُهُ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ) أَيْ : مُسْتَقَرًّا وَمَحْصَرًا وَسِجْنًا لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] : ( حَصِيرًا ) أَيْ : سِجْنًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُحْصَرُونَ فِيهَا . وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ : فِرَاشٌ وَمِهَادٌ . وَقَالَ قَتَادَةُ : قَدْ عَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيَّ - مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ - يَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ .
(﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾( 9 ) ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ( 10 ) ) يَمْدَحُ تَعَالَى كِتَابَهُ الْعَزِيزَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْقُرْآنُ ، بِأَنَّهُ يَهْدِي لِأَقْوَمِ الطُّرُقِ ، وَأَوْضَحِ السُّبُلِ ( ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ) بِهِ ( ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ ) عَلَى مُقْتَضَاهُ ( ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ ) أَيْ : وَيُبَشِّرُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَنَّ ( ﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 21 ] .
( ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ ( 11 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَجَلَةِ الْإِنْسَانِ ، وَدُعَائِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ مَالِهِ ) بِالشَّرِّ ) أَيْ : بِالْمَوْتِ أَوِ الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ وَاللَّعْنَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَلَوِ اسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ لَهَلَكَ بِدُعَائِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ ) [ يُونُسَ : 11 ] ، وَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ : "
لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا عَلَى أَمْوَالِكُمْ ، أَنْ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةَ إِجَابَةٍ يَسْتَجِيبُ فِيهَا " . وَإِنَّمَا يَحْمِلُ ابْنَ آدَمَ عَلَى ذَلِكَ عَجَلَتُهُ وَقَلَقُهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ( ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ ) وَقَدْ ذَكَرَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - هَاهُنَا قِصَّةَ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ هَمَّ بِالنُّهُوضِ قَائِمًا قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الرُّوحُ إِلَى رِجْلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَتْهُ النَّفْخَةُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى دِمَاغِهِ عَطَسَ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . فَقَالَ اللَّهُ : يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يَا آدَمُ . فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى عَيْنَيْهِ فَتَحَهُمَا ، فَلَمَّا سَرَتْ إِلَى أَعْضَائِهِ وَجَسَدِهِ جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيُعْجِبُهُ ، فَهَمَّ بِالنُّهُوضِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى رِجْلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ وَقَالَ : يَا رَبِّ عَجِّلْ قَبْلَ اللَّيْلِ .
( ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةًلِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ ( 12 ) ) يَمْتَنُّ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ بِآيَاتِهِ الْعِظَامِ ، فَمِنْهَا مُخَالَفَتُهُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، لِيَسْكُنُوا فِي اللَّيْلِ وَيَنْتَشِرُوا فِي النَّهَارِ لِلْمَعَايِشِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَسْفَارِ ، وَلِيَعْلَمُوا عَدَدَ الْأَيَّامِ وَالْجُمَعِ وَالشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ ، وَيَعْرِفُوا مُضِيَّ الْآجَالِ الْمَضْرُوبَةِ لِلدُّيُونِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ) أَيْ : فِي مَعَايِشِكُمْ وَأَسْفَارِكُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ ( ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ) فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الزَّمَانُ كُلُّهُ نَسَقًا وَاحِدًا وَأُسْلُوبًا مُتَسَاوِيًا ؛ لَمَا عُرِفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ) [ الْقَصَصِ : 71 - 73 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 61 ، 62 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 80 ] ، وَقَالَ : ( ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ ) [ الزُّمَرِ : 5 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 96 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ) [ يس : 37 ، 38 ] . ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لِلَّيْلِ آيَةً ، أَيْ : عَلَامَةً يُعْرَفُ بِهَا وَهِيَ الظَّلَامُ وَظُهُورُ الْقَمَرِ فِيهِ ، وَلِلنَّهَارِ عَلَامَةً ، وَهِيَ النُّورُ وَظُهُورُ الشَّمْسِ النَّيِّرَةِ فِيهِ ، وَفَاوَتَ بَيْنَ ضِيَاءِ الْقَمَرِ وَبُرْهَانِ الشَّمْسِ لِيُعْرَفَ هَذَا مِنْ هَذَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ﴿لَآيَاتٌ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ) [ يُونُسَ : 5 ، 6 ] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ) الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 189 ] . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ) قَالَ :ظُلْمَةَ اللَّيْلِ وَسُدْفَةَ النَّهَارِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ :الشَّمْسُ آيَةُ النَّهَارِ ، وَالْقَمَرُ آيَةُ اللَّيْلِ( ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ ) قَالَ : السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ ، وَكَذَلِكَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الْقَمَرُ يُضِيءُ كَمَا تُضِيءُ الشَّمْسُ ، وَالْقَمَرُ آيَةُ اللَّيْلِ ، وَالشَّمْسُ آيَةُ النَّهَارِ ( ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ ) السَّوَادَ الَّذِي فِي الْقَمَرِ . وَقَدْ رَوَى أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ جَيِّدَةٍ : أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ [ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ] عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا هَذِهِ اللَّطْخَةُ الَّتِي فِي الْقَمَرِ ؟ فَقَالَ : وَيْحَكَ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ ( ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ ) فَهَذِهِ مَحْوُهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ ) كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ مَحْوَ آيَةِ اللَّيْلِ سَوَادُ الْقَمَرِ الَّذِي فِيهِ ، ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ، أَيْ : مُنِيرَةً ، خَلْقُ الشَّمْسِ أَنْوَرُ مِنَ الْقَمَرِ وَأَعْظَمُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ ) قَالَ : لَيْلًا وَنَهَارًا ، كَذَلِكَ خَلَقَهُمَا اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ .
) ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ ( 13 ) ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ( 14 ) ) يَقُولُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ الزَّمَانِ وَذِكْرِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ : ( ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ) وَطَائِرُهُ : هُوَ مَا طَارَ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، يُلْزَمُ بِهِ وَيُجَازَى عَلَيْهِ ( ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ) [ الزَّلْزَلَةِ : 5 ، 6 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ) [ ق : 17 ، 18 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ) [ الِانْفِطَارِ : 10 - 14 ] ، قَالَ : ( ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) [ الطُّورِ : 16 ] وَقَالَ : ( ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ) [ النِّسَاءِ : 123 ] . وَالْمَقْصُودُ أَنَّعَمَلَ ابْنِ آدَمَ مَحْفُوظٌ عَلَيْهِ ، قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ، وَيُكْتَبُ عَلَيْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، صَبَاحًا وَمَسَاءً . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبَى الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
" لَطَائِرُ كُلِّ إِنْسَانٍ فِي عُنُقِهِ " . قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ : يَعْنِي الطِّيرَةَ . وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ ابْنِ لَهِيعَةَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، غَرِيبٌ جِدًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ ) أَيْ : نَجْمَعُ لَهُ عَمَلَهُ كُلَّهُ فِي كِتَابٍ يُعْطَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إِمَّا بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ سَعِيدًا ، أَوْ بِشِمَالِهِ إِنْ كَانَ شَقِيًّا ) مَنْشُورًا ) أَيْ : مَفْتُوحًا يَقْرَؤُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ ، فِيهِ جَمِيعُ عَمَلِهِ مِنْ أَوَّلِ عُمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ ( ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ) [ الْقِيَامَةِ : 13 - 15 ] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ) أَيْ : إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تُظْلَمْ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ غَيْرُ مَا عَمِلْتَ ؛ لِأَنَّكَ ذَكَرْتَ جَمِيعَ مَا كَانَ مِنْكَ ، وَلَا يَنْسَى أَحَدٌ شَيْئًا مِمَّا كَانَ مِنْهُ ، وَكُلُّ أَحَدٍ يَقْرَأُ كِتَابَهُ مِنْ كَاتِبٍ وَأُمِّيٍّ . وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى ] ( ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ) إِنَّمَا ذَكَرَ الْعُنُقَ ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْجَسَدِ ، وَمَنْ أُلْزِمَ بِشَيْءٍ فِيهِ فَلَا مَحِيدَ لَهُ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : .
اذْهَبْ بِهَا اذْهَبْ بِهَا ※ طُوِّقْتَهَا طَوْقَ الْحَمَامَةِ ※
قَالَ قَتَادَةُ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : "لَا عَدْوَى وَلَا طِيرَةَ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُفِي عُنُقِهِ " . كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مُسْنَدِهِ مُتَّصِلًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
" طَيْرُ كُلِّ عَبْدٍ فِي عُنُقِهِ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ : أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] يُحَدِّثُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيْسَ مِنْ عَمَلِ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يُخْتَمُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا مَرِضَ الْمُؤْمِنُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : يَا رَبَّنَا ، عَبْدُكَ فُلَانٌ ، قَدْ حَبَسْتَهُ ؟ فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ : اخْتِمُوا لَهُ عَلَى مِثْلِ عَمَلِهِ ، حَتَّى يَبْرَأَ أَوْ يَمُوتَ " . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ) قَالَ : عَمَلَهُ . ( ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ) قَالَ : نُخْرِجُ ذَلِكَ الْعَمَلَ ( ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ ) قَالَ مَعْمَرٌ : وَتَلَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ( ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ) [ ق : 17 ] يَا ابْنَ آدَمَ ، بَسَطْتُ لَكَ صَحِيفَتَكَ وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ ، فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ ، حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا تَلْقَاهُ مَنْشُورًا ( ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ) قَدْ عَدَلَ - وَاللَّهِ - عَلَيْكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ . هَذَا مِنْ حُسْنِ كَلَامِ الْحَسَنِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
) ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاوَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ( 15 ) ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مَنِ اهْتَدَى وَاتَّبَعَ الْحَقَّ وَاقْتَفَى آثَارَ النُّبُوَّةِ ، فَإِنَّمَا يُحَصِّلُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ الْحَمِيدَةَ لِنَفْسِهِ ) وَمَنْ ضَلَّ ) أَيْ : عَنِ الْحَقِّ ، وَزَاغَ عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ ، فَإِنَّمَا يَجْنِي عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : ( ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ) أَيْ :لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ ذَنْبَ أَحَدٍ، وَلَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ ) [ فَاطِرٍ : 18 ] . وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 13 ] ، وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ) [ النَّحْلِ : 25 ] ، فَإِنَّ الدُّعَاةَ عَلَيْهِمْ إِثْمُ ضَلَالِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَإِثْمٌ آخَرُ بِسَبَبِ مَا أَضَلُّوا مَنْ أَضَلُّوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِ أُولَئِكَ ، وَلَا يَحْمِلُوا عَنْهُمْ شَيْئًا . وَهَذَا مِنْ عَدْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ . وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ) إِخْبَارٌ عَنْ عَدْلِهِ تَعَالَى ، وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِإِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ ) [ الْمُلْكِ : 8 ، 9 ] ، وَكَذَا قَوْلُهُ [ تَعَالَى ] : ( ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ) [ الزُّمَرِ : 71 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ ) [ فَاطِرٍ : 37 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّاللَّهَ تَعَالَى لَا يُدْخِلُ أَحَدًا النَّارَ إِلَّا بَعْدَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ طَعَنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي اللَّفْظَةِ الَّتِي جَاءَتْ مُقْحِمَةً فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 56 ] . حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
" اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ : " وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا ، وَأَنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ خَلْقًا فَيُلْقَوْنَ فِيهَا ، فَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟ ثَلَاثًا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا جَاءَ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا دَارُ فَضْلٍ ، وَأَمَّا النَّارُ فَإِنَّهَا دَارُ عَدْلٍ ، لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ . وَقَدْ تَكَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَقَالُوا : لَعَلَّهُ انْقَلَبَ عَلَى الرَّاوِي بِدَلِيلِ مَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ : " فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ ، فَتَقُولَ : قَطٍ قَطٍ ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا ، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا " . بَقِيَ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ قَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا ، قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَهِيَ :الْوِلْدَانُ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ صِغَارٌ وَآبَاؤُهُمْ كُفَّارٌ، مَاذَا حُكْمُهُمْ ؟ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالْأَصَمُّ وَالشَّيْخُ الْخَرِفُ ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ وَلَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ . وَقَدْ وَرَدَ فِي شَأْنِهِمْ أَحَادِيثُ أَنَا ذَاكِرُهَا لَكَ بِعَوْنِ اللَّهِ [ تَعَالَى ] وَتَوْفِيقِهِ ثُمَّ نَذْكُرُ فَصْلًا مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا ، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ ، وَرَجُلٌ هَرِمٌ ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ : رَبِّ ، قَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا ، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ : رَبِّ ، قَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ ، وَأَمَّا الْهَرِمُ فَيَقُولُ : رَبِّ ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا ، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ : رَبِّ ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ . فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا " . وَبِالْإِسْنَادِ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ ، مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ : " مَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا " . وَكَذَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ ، مِنْ حَدِيثِ حَنْبَلِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيِّ ، بِهِ وَقَالَ : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ يُدْلِي عَلَى اللَّهِ بِحُجَّةٍ " فَذَكَرَ نَحْوَهْ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَهُ مَوْقُوفًا ، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ) . وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا . الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانٍ قَالَ : قُلْنَا لِأَنَسٍ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ، مَا تَقُولُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَيِّئَاتٌ فَيُعَذَّبُوا بِهَا فَيَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَسَنَاتٌ فَيُجَازُوا بِهَا فَيَكُونُوا مَنْ مُلُوكِ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُمْ مَنْ خَدَمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ " . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُؤْتَى بِأَرْبَعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : بِالْمَوْلُودِ ، وَالْمَعْتُوهِ ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ ، وَالشَّيْخِ الْفَانِي الْهَرِمِ ، كُلُّهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعُنُقٍ مِنَ النَّارِ : ابْرُزْ . وَيَقُولُ لَهُمْ : إِنِّي كُنْتُ أَبْعَثُ إِلَى عِبَادِي رُسُلًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنِّي رَسُولُ نَفْسِي إِلَيْكُمُ ادْخُلُوا هَذِهِ . قَالَ : فَيَقُولُ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقَاءُ : يَا رَبِّ ، أَنَّى نَدْخُلُهَا وَمِنْهَا كُنَّا نَفِرُّ ؟ قَالَ : وَمَنْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ يَمْضِي فَيَقْتَحِمُ فِيهَا مُسْرِعًا ، قَالَ : فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنْتُمْ لِرُسُلِي أَشَدُّ تَكْذِيبًا وَمَعْصِيَةً ، فَيُدْخِلُ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ ، وَهَؤُلَاءِ النَّارَ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهَ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ .
- يَعْنِي ابْنَ دَاوُدَ - عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ :
سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : " هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ " . وَسُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : " هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ " . فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يَعْمَلُونَ ؟ قَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ " . وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَذَكَرَهُ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ ثَوْبَانَ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ ، عَنْ ثَوْبَانَ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَظَّمَ شَأْنَ الْمَسْأَلَةِ ، قَالَ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، جَاءَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْمِلُونَ أَوْثَانَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ ، فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا لَمْ تُرْسِلْ إِلَيْنَا رَسُولًا وَلَمْ يَأْتِنَا لَكَ أَمْرٌ ، وَلَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا لَكُنَّا أَطْوَعَ عِبَادِكَ ، فَيَقُولُ لَهُمْ رَبُّهُمْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ تُطِيعُونِي ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، فَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَعْمِدُوا إِلَى جَهَنَّمَ فَيَدْخُلُوهَا ، فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهَا وَجَدُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ، فَرَجَعُوا إِلَى رَبِّهِمْ فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا - أَوْ : أَجِرْنَا - مِنْهَا ، فَيَقُولُ لَهُمْ : أَلَمْ تَزْعُمُوا أَنِّي إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ تُطِيعُونِي ؟ فَيَأْخُذُ عَلَى ذَلِكَ مَوَاثِيقَهُمْ . فَيَقُولُ : اعْمَدُوا إِلَيْهَا ، فَادْخُلُوهَا . فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى إِذَا رَأَوْهَا فَرِقُوا وَرَجَعُوا ، فَقَالُوا : رَبَّنَا فَرِقْنَا مِنْهَا ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَدْخُلَهَا فَيَقُولُ : ادْخُلُوهَا دَاخِرِينَ " . فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ دَخَلُوهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا " . ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : وَمَتْنُ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَيُّوبَ إِلَّا عَبَّادٌ ، وَلَا عَنْ عَبَّادٍ إِلَّا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ . قُلْتُ : وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِهِ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَمْ يَرْضَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : شَيْخٌ لَا بَأْسَ بِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . الْحَدِيثُ السَّادِسُ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ : قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَوْلُودُ، يَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ : لَمْ يَأْتِنِي كِتَابٌ ، وَيَقُولُ الْمَعْتُوهُ : رَبِّ ، لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَعْقِلُ بِهِ خَيْرًا وَلَا شَرًّا ، وَيَقُولُ الْمَوْلُودُ : رَبِّ لَمْ أُدْرِكِ الْعَقْلَ فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ فَيُقَالُ لَهُمْ : رِدُوهَا " ، قَالَ : فَيَرِدُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ ، وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ ، فَيَقُولُ : إِيَّايَ عَصَيْتُمْ ، فَكَيْفَ لَوْ أَنَّ رُسُلِي أَتَتْكُمْ ؟ " . وَكَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ هَيَّاجٍ الْكُوفِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ : لَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ ، عَنْ عَطِيَّةَ عَنْهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : " فَيَقُولُ اللَّهُ : إِيَّايَ عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ بِرُسُلِي بِالْغَيْبِ ؟ " الْحَدِيثُ السَّابِعُ : عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ حَلْبَسٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْمَمْسُوخِ عَقْلًا وَبِالْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ ، وَبِالْهَالِكِ صَغِيرًا . فَيَقُولُ الْمَمْسُوخُ : يَا رَبِّ ، لَوْ آتَيْتَنِي عَقْلًا مَا كَانَ مَنْ آتَيْتُهُ عَقْلًا بِأَسْعَدَ مِنِّي - وَذَكَرَ فِي الْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ وَالصَّغِيرِ نَحْوَ ذَلِكَ - فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : إِنِّي آمُرُكُمْ بِأَمْرٍ فَتُطِيعُونِي ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، فَيَقُولُ : اذْهَبُوا فَادْخُلُوا النَّارَ - قَالَ : وَلَوْ دَخَلُوهَا مَا ضَرَّتْهُمْ - فَتَخْرُجُ عَلَيْهِمْ قَوَابِصُ ، فَيَظُنُّونَ أَنَّهَا قَدْ أَهْلَكَتْ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ، فَيَرْجِعُونَ سِرَاعًا ، ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ الثَّانِيَةَ فَيَرْجِعُونَ كَذَلِكَ ، فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكُمْ عَلِمْتُ مَا أَنْتُمْ عَامِلُونَ ، وَعَلَى عِلْمِي خَلَقْتُكُمْ ، وَإِلَى عِلْمِي تَصِيرُونَ ، ضُمِّيهِمْ ، فَتَأْخُذُهُمُ النَّارُ " . الْحَدِيثُ الثَّامِنُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ تَقَدَّمَ ، رِوَايَتُهُ مُنْدَرِجَةٌ مَعَ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ؟ " . وَفِي رِوَايَةٍ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا ؟ قَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أَعْلَمُ ، شَكَّ مُوسَى - قَالَ : " ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ ، يَكْفُلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّهُ قَالَ : " إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ " وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِ " مُسْلِمِينَ " . الْحَدِيثُ التَّاسِعُ : عَنْ سَمُرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى الْبُخَارِيِّ " مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ ، عَنْ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " فَنَادَاهُ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : " وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ " . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الضَّبِّيُّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ : سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : " هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ " . الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ : عَنْ عَمِّ حَسْنَاءَ . قَالَ [ الْإِمَامُ ] أَحْمَدُ : [ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، يَعْنِي الْأَزْرَقَ ] ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ حَسْنَاءَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ مَنْ بَنِي صَرِيمٍ قَالَتْ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ،مَنْ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ : " النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْوَئِيدُ فِي الْجَنَّةِ " . فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّوَقُّفِ فِيهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ الْمَنَامِ ، حِينَ مَرَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَحَوْلَهُ وِلْدَانٌ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : هَذَا إِبْرَاهِيمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ . قَالَ " نَعَمْ ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ " . وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ لَهُمْ بِالنَّارِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ " . وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْعَرَصَاتِ ، فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِمْ بِسَابِقِ السَّعَادَةِ ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ دَاخِرًا ، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسَابِقِ الشَّقَاوَةِ . وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا ، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُتَعَاضِدَةُ الشَّاهِدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الِاعْتِقَادِ " وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ النُّقَّادِ . وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحَادِيثِ الِامْتِحَانِ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ لَيْسَتْ قَوِيَّةً ، وَلَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُنْكِرُونَهَا ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ وَلَا ابْتِلَاءٍ ، فَكَيْفَ يُكَلَّفُونَ دُخُولَ النَّارِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ؟ ! وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ أَنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ يَقْوَى بِالصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ . وَإِذَا كَانَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ الْوَاحِدِ مُتَعَاضِدَةً عَلَى هَذَا النَّمَطِ ، أَفَادَتِ الْحُجَّةَ عِنْدَ النَّاظِرِ فِيهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ " . فَلَا شَكَّ أَنَّهَا دَارُ جَزَاءٍ ، وَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ فِي عَرَصَاتِهَا قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ ، كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، مِنَ امْتِحَانِ الْأَطْفَالِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ ) [ ن : 42 ] وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَلَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا كُلَّمَا أَرَادَ السُّجُودَ خَرَّ لِقَفَاهُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَلَّا يَسْأَلَ غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ ، وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِرَارًا ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : يَا ابْنَ آدَمَ ، مَا أَغْدَرَكَ! ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمْ دُخُولَ النَّارَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِمْ ؟ " فَلَيْسَ هَذَا بِمَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّاللَّهَ يَأْمُرُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ عَلَى جَهَنَّمَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ ، وَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ ، كَالْبَرْقِ ، وَكَالرِّيحِ ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، وَمِنْهُمُ السَّاعِي وَمِنْهُمُ الْمَاشِي ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبُو حَبْوًا ، وَمِنْهُمُ الْمَكْدُوشُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ ، وَلَيْسَ مَا وَرَدَ فِي أُولَئِكَ بِأَعْظَمَ مِنْ هَذَا بَلْ هَذَا أَطَمُّ وَأَعْظَمُ ، وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ الدَّجَّالَ يَكُونُ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُدْرِكُونَهُ أَنْ يَشْرَبَ أَحَدُهُمْ مِنَ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ نَارٌ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا ، فَهَذَا نَظِيرُ ذَلِكَ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى [ قَدْ ] أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى قَتَلُوا فِيمَا قِيلَ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ أَلْفًا ، يَقْتُلُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ وَهُمْ فِي عَمَايَةٍ غَمَامَةٍ أَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ ، وَهَذَا أَيْضًا شَاقٌّ عَلَى النُّفُوسِ جِدًّا لَا يَتَقَاصَرُ عَمَّا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وِلْدَانِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَمُرَةَ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى مَعَ إِبْرَاهِيمَ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ وَبِمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ حَسْنَاءَ عَنْ عَمِّهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ " . وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ ، وَلَكِنْ أَحَادِيثُ الِامْتِحَانِ أَخَصُّ مِنْهُ . فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] مِنْهُ أَنَّهُ يُطِيعُ جَعَلَ رُوحَهُ فِي الْبَرْزَخِ مَعَ إِبْرَاهِيمَوَأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْفِطْرَةِ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجِيبُ ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ فِي النَّارِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الِامْتِحَانِ ، وَنَقَلَهُ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ [ وَالْجَمَاعَةِ ] ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ مَنْ يَجْعَلُهُمْ مُسْتَقِلِّينَ فِيهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُمْ خَدَمًا لَهُمْ ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُمْ مَعَ آبَائِهِمْ فِي النَّارِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَى قَيْسٍ مَوْلَى غُطَيْفٍ ، أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَرَارِيِّ الْكُفَّارِ فَقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ " . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِلَا عَمَلٍ ؟ فَقَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " .
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَيْسٍ سَمِعْتُ ، عَائِشَةَ تَقُولُ :
سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ : " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ " . قُلْتُ : فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : " هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ " قُلْتُ : بِلَا عَمَلٍ ؟ قَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . وَرَوَاهُ [ الْإِمَامُ ] أَحْمَدُ أَيْضًا ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِي عَقِيلٍ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ - وَهُوَ مَتْرُوكٌ - عَنْ مَوْلَاتِهِ بَهِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ ؛ أَنَّهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : " إِنْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ " . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : سَأَلَتْ خَدِيجَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَلَدَيْنِ لَهَا مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ : " هُمَا فِي النَّارِ " . قَالَ : فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهَا [ قَالَ ] لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا " . قَالَتْ : فَوَلَدِي مِنْكَ ؟ قَالَ : [ قَالَ : " فِي الْجَنَّةِ " . قَالَ : ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] . " إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ " ثُمَّ قَرَأَ : ( ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ) [ الطُّورِ : 21 ] . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ هَذَا مَجْهُولُ الْحَالِ ، وَشَيْخَهُ زَاذَانُ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ" . ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ : حَدَّثَنِي بِهِ عَلْقَمَةُ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ أَنَا وَأَخِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : إِنَّ أُمَّنَا مَاتَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَتْ تُقْرِي الضَّيْفَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَأَنَّهَا وَأَدَتْ أُخْتًا لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ تَبْلُغِ الْحِنْثَ . فَقَالَ : " الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ ، إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الْوَائِدَةُ الْإِسْلَامَ ، فَتُسْلِمَ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : التَّوَقُّفُ فِيهِمْ ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْأَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَعْرَافِ . وَهَذَا الْقَوْلُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَافَ لَيْسَ دَارَ قَرَارٍ ، وَمَآلَ أَهْلِهَا إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي " سُورَةِ الْأَعْرَافِ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ وَلْيُعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِأَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ، فَأَمَّا وِلْدَانُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيُّ ، عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُخْتَلَفُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَهُوَ الَّذِي نَقْطَعُ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ . فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ : أَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْوِلْدَانَ كُلَّهُمْ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ مِنْهُمْ : حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا : وَهُوَ يُشْبِهُ مَا رَسَمَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ ، وَمَا أَوْرَدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ . وَلَيْسَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْءٌ مَنْصُوصٌ ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً فِي الْمَشِيئَةِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ " التَّذْكِرَةِ " نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : دُعِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ ، فَقَالَ : " أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ " . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلَائِلَ صَحِيحَةٍ جَيِّدَةٍ ، وَقَدْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ عَنِ الشَّارِعِ ؛ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْكَلَامَ فِيهَا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ . وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَاتِيًا - أَوْ مُقَارِبًا - مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْوِلْدَانِ وَالْقَدَرِ " . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَعْنِي أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا .
( ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَافَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ( 16 ) ) اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( أَمَرْنَا ) فَالْمَشْهُورُ قِرَاءَةُ التَّخْفِيفِ ، وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهَا ، فَقِيلَ : مَعْنَاهَا أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا أَمْرًا قَدَرِيًّا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ ) [ يُونُسَ : 24 ] ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ، قَالُوا : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ سَخَّرَهُمْ إِلَى فِعْلِ الْفَوَاحِشِ فَاسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَاتِ فَفَعَلُوا الْفَوَاحِشَ فَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ . رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَيْضًا . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ جَعَلْنَاهُمْ أُمَرَاءَ . قُلْتُ : إِنَّمَا يَجِيءُ هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا " قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ ) يَقُولُ : سَلَّطْنَا أَشْرَارَهَا فَعَصَوْا فِيهَا ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَكْتُهُمْ بِالْعَذَابِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 123 ] ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ ) يَقُولُ : أَكْثَرْنَا عَدَدَهُمْ ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَعَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : ( ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ ) : أَكْثَرْنَا . وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ بُدَيْلٍ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ زُهَيْرٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
خَيْرُ مَالِ امْرِئٍ لَهُ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ " . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي كِتَابِهِ " الْغَرِيبِ " : الْمَأْمُورَةُ : كَثِيرَةُ النَّسْلِ . وَالسِّكَّةُ : الطَّرِيقَةُ الْمُصْطَفَّةُ مِنَ النَّخْلِ ، وَالْمَأْبُورَةُ : مِنَ التَّأْبِيرِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا جَاءَ هَذَا مُتَنَاسِبًا كَقَوْلِهِ : " مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ " .
( ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًابَصِيرًا﴾ ( 17 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُنْذِرًا كُفَّارَ قُرَيْشٍ فِي تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ قَدْ أَهْلَكَ أُمَمًا مِنَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ، وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْقُرُونَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَلَى الْإِسْلَامِ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ . وَمَعْنَاهُ : أَنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ لَسْتُمْ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ ، وَقَدْ كَذَّبْتُمْ أَشْرَفَ الرُّسُلِ وَأَكْرَمَ الْخَلَائِقِ ، فَعُقُوبَتُكُمْ أَوْلَى وَأَحْرَى . وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى ] ( ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ) أَيْ : هُوَ عَالِمٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ ، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا خَافِيَةٌ [ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ] .
( ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ( 18 ) ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ( 19 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا كُلُّ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ يَحْصُلُ لَهُ ، بَلْ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ مَا يَشَاءُ . وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ لِإِطْلَاقِ مَا سِوَاهَا مِنَ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ قَالَ : ( ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾ ) أَيْ : فِي الْآخِرَةِ ) يَصْلَاهَا ) أَيْ : يَدْخُلُهَا حَتَّى تَغْمُرَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ ) مَذْمُومًا ) أَيْ : فِي حَالِ كَوْنِهِ مَذْمُومًا عَلَى سُوءِ تَصَرُّفِهِ وَصَنِيعِهِ ؛ إِذِ اخْتَارَ الْفَانِي عَلَى الْبَاقِي ) مَدْحُورًا ) : مُبْعَدًا مُقْصِيًّا حَقِيرًا ذَلِيلًا مُهَانًا . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، حَدَّثَنَا دُوَيْدٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ زُرْعَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ ) أَيْ : أَرَادَ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ وَالسُّرُورِ ( ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ ) أَيْ : طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِهِ وَهُوَ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ ) وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) أَيْ : وَقَلْبُهُ مُؤْمِنٌ ، أَيْ : مُصَدِّقٌ بِالثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ ( ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ )
( ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَوَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ( 20 ) ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ ( 21 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( ﴿كُلًّا﴾ ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ أَرَادُوا الدُّنْيَا وَالَّذِينَ أَرَادُوا الْآخِرَةَ نَمُدُّهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ ( ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ ) أَيْ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ الْحَاكِمُ الَّذِي لَا يَجُورُ فَيُعْطِي كُلًّا مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ وَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى وَلَا مُغَيِّرَ لِمَا أَرَادَ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ) أَيْ مَمْنُوعًا ، أَيْ لَا يَمْنَعُهُ أَحَدٌ وَلَا يَرُدُّهُ رَادٌّ قَالَ قَتَادَةُ ( ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ) أَيْ مَنْقُوصًا وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ زَيْدٍ مَمْنُوعًا ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ( ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ) فِي الدُّنْيَا فَمِنْهُمُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالْحَسَنُ وَالْقَبِيحُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَمَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا ، وَمَنْ يُعَمَّرُ حَتَّى يَبْقَى شَيْخًا كَبِيرًا وَبَيْنَ ذَلِكَ ( ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ ) أَيْ وَلَتَفَاوُتُهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ فِي الدَّرَكَاتِ فِي جَهَنَّمَ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَنَعِيمِهَا وَسُرُورِهَا ثُمَّ أَهْلُ الدَّرَكَاتِ يَتَفَاوَتُونَ فِيمَا هُمْ فِيهِ كَمَا أَنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ يَتَفَاوَتُونَ فَإِنَّالْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍمَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَوْنَ أَهْلَ عِلِّيِّينَ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الْغَابِرَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ " وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ ) ] .
**( ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ( 22 ) )**يَقُولُ تَعَالَى وَالْمُرَادُ الْمُكَلَّفُونَ مِنَ الْأُمَّةِ لَا تَجْعَلْ أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ فِي عِبَادَتِكَ رَبَّكَ لَهُ شَرِيكًا ( ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ ) عَلَى إِشْرَاكِكَ ( ﴿مَخْذُولًا﴾ ) لِأَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَا يَنْصُرُكَ بَلْ يَكِلُكَ إِلَى الَّذِي عَبَدْتَ مَعَهُ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ لَكَ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا لِأَنَّ مَالِكَ الضَّرِّ وَالنَّفْعِ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ سَلْمَانَ عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[ مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا أَجَلٌ عَاجِلٌ وَإِمَّا غِنًى عَاجِلٌ
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ
( ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاإِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ( 23 ) ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ( 24 ) ) يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَإِنَّ الْقَضَاءَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْأَمْرِ قَالَ مُجَاهِدٌ ( ﴿وَقَضَى﴾ ) يَعْنِي وَصَّى وَكَذَا قَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَوَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَلِهَذَا قَرَنَ بِعِبَادَتِهِ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَقَالَ ( ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ) أَيْ وَأَمَرَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ( ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ) [ لُقْمَانَ 14 . وَقَوْلُهُ ( ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ) أَيْ لَا تُسْمِعْهُمَا قَوْلًا سَيِّئًا حَتَّى وَلَا التَّأْفِيفَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْقَوْلِ السَّيِّئِ ( ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ ) أَيْ وَلَا يَصْدُرْ مِنْكَ إِلَيْهِمَا فِعْلٌ قَبِيحٌ كَمَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ ) أَيْ لَا تَنْفُضْ يَدَكَ عَلَى وَالِدَيْكَ وَلَمَّا نَهَاهُ عَنِ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ وَالْفِعْلِ الْقَبِيحِ أَمَرَهُ بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ وَالْفِعْلِ الْحَسَنِ فَقَالَ ( ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ) أَيْ لَيِّنًا طَيِّبًا حَسَنًا بِتَأَدُّبٍ وَتَوْقِيرٍ وَتَعْظِيمٍ ( ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ) أَيْ تَوَاضَعَ لَهُمَا بِفِعْلِكَ ) وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا ) أَيْ فِي كِبَرِهِمَا وَعِنْدَ وَفَاتِهِمَا ( ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ [ تَعَالَى : ( ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ ) [ التَّوْبَةِ 113 . وَقَدْ جَاءَ فِيبِرِّ الْوَالِدَيْنِأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ قَالَ آمِينَ آمِينَ آمِينَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ أَمَّنْتَ قَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَقُلْ آمِينَ فَقُلْتُ : آمِينَ ثُمَّ قَالَ رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْتُ : آمِينَ ثُمَّ قَالَ رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ قُلْ آمِينَ فَقُلْتُ : آمِينَ . حَدِيثٌ آخَرُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ وَمَنْ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ
ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ أَوِ ابْنُ مَالِكٍ وَزَادَ
وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ . حَدِيثٌ آخَرُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ مَالِكِ بْنِ عَمْرٍو الْقُشَيْرِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً فَهِيَ فِدَاؤُهُ مِنَ النَّارِ مَكَانَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ مُحَرَّرَةٌ بِعَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ وَمَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ ثُمَّ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِحَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ "
حَدِيثٌ آخَرُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا ثُمَّ دَخَلَ النَّارَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ وَفِيهِ زِيَادَاتٌ أُخَرَ حَدِيثٌ آخَرُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ سِوَى مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ وَجَرِيرٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ سُهَيْلٍ بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا رِبْعِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ وَكَانَ يُفَضَّلُ عَلَى أَخِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رَغِمَ أَنْفُ رِجْلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ! وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ فَانْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ! وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ قَالَ رِبْعِيٌّ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ أَحَدَهُمَا وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ قَالَ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . حَدِيثٌ آخَرُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ وَهُوَ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ ، قَالَ بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِهَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَاأَبَرُّهُمَا بِهِ قَالَ : نَعَمْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا رَحِمَ لَكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا فَهُوَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ بَعْدَ مَوْتِهِمَا مِنْ بِرِّهِمَا "
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ ابْنُ الْغَسِيلِ بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السَّلَمِيِّ
أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ الْغَزْوَ وَجِئْتُكَ أَسْتَشِيرُكَ ؟ فَقَالَ فَهَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ قَالَ . نَعَمْ فَقَالَ : الْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْهَا ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ فِي مَقَاعِدَ شَتَّى كَمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ الْكِنْدِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ
وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ بِهِ . حَدِيثٌ آخَرُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ قَالَ
أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ النَّاسَ يَقُولُ يَدُ الْمُعْطِي [ الْعُلْيَا أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ . حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ الْعُرُوقِيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي الطَّوَافِ حَامِلًا أُمَّهُ يَطُوفُ بِهَا فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ أَدَّيْتُ حَقَّهَا ؟ قَالَ لَا وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كَمَا قَالَ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قُلْتُ وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ضَعِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
( ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ ( 25 ) ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ مِنْهُ الْبَادِرَةُ إِلَى أَبَوَيْهِ وَفِي نِيَّتِهِ وَقَلْبِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُرِيدُ إِلَّا الْخَيْرَ بِذَلِكَ - فَقَالَ ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ وقوله [ تعالى ] : ( ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى ( ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ ) قَالَ قَتَادَةُ لِلْمُطِيعِينَ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُسَبِّحِينَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ الْمُطِيعِينَ الْمُحْسِنِينَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الضُّحَى وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قَوْلِهِ ( ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ ) قَالَ الَّذِي يُصِيبُ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ وَيُصِيبُ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَمَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ نَحْوَهُ وَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ بِهِ وَكَذَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هُمُ الرَّاجِعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي قَوْلِهِ ( ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ ) قَالَ : هُوَ الَّذِي إِذَا ذَكَرَ ذُنُوبَهُ فِي الْخَلَاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مُجَاهِدٌ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي قَوْلِهِ ( ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ ) قَالَ كُنَّا نُعِدُّ الْأَوَّابَ الْحَفِيظَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَصَبْتُ فِي مَجْلِسِي هَذَا . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ الرَّاجِعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ مِمَّا يَكْرَهُ اللَّهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْأَوَّابَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَوْبِ وَهُوَ الرُّجُوعُ يُقَالُ آبَ فُلَانٌ إِذَا رَجَعَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ ) [ الْغَاشِيَةِ 25 ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ،
( ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِوَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ( 26 ) ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ( 27 ) ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ ( 28 ) ) لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى بِرَّ الْوَالِدَيْنِ عَطَفَ بِذِكْرِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْقَرَابَةِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ
أُمَّكَ وَأَبَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ
وَفِي الْحَدِيثِ
مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى التَّيْمِيُّ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ )
دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ فَأَعْطَاهَا فَدَكَ ثُمَّ قَالَ لَا نَعْلَمُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ إِلَّا أَبُو يَحْيَى التَّيْمِيُّ وَحُمَيْدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُشْكَلٌ لَوْ صَحَّ إِسْنَادُهُ لَأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ،وَ فَدَكَ إِنَّمَا فُتِحَتْ مَعَ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِفَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا مَعَ هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى ] ( ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ) لَمَّا أَمَرَ بِالْإِنْفَاقِ نَهَى عَنِ الْإِسْرَافِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ وَسَطًا كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ( ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ 67 . ثُمَّ قَالَ مُنَفِّرًا عَنِ التَّبْذِيرِ وَالسَّرَفِ : ( ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ ) أَيْ أَشْبَاهَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ التَّبْذِيرُ الْإِنْفَاقُ فِي غَيْرِ حَقٍّ وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَوْ أَنْفَقَ إِنْسَانٌ مَالَهُ كُلَّهُ فِي الْحَقِّ لَمْ يَكُنْ مُبَذِّرًا وَلَوْ أَنْفَقَ مُدًّا فِي غَيْرِ حَقِّهِ كَانَ تَبْذِيرًا وَقَالَ قَتَادَةُ التَّبْذِيرُ النَّفَقَةُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي غَيْرِ الْحَقِّ وَفِي الْفَسَادِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبَى هِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ذُو مَالٍ كَثِيرٍ وَذُو أَهْلٍ وَوَلَدٍ وَحَاضِرَةٍ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ أُنْفِقُ وَكَيْفَ أَصْنَعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ وَتَصِلُ أَقْرِبَاءَكَ وَتَعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ وَالْجَارِ وَالْمِسْكِينِ " . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْلِلْ لِي فَقَالَ : ( ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ) فَقَالَ : : حَسْبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أَدَّيْتُ الزَّكَاةَ إِلَى رَسُولِكَ فَقَدْ بَرِئْتُ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ إِذَا أَدَّيْتَهَا إِلَى رَسُولِي فَقَدْ بَرِئْتَ مِنْهَا فَلَكَ أَجْرُهَا وَإِثْمُهَا عَلَى مَنْ بَدَّلَهَا " وَقَوْلُهُ تَعَالَى ] ( ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ ) أَيْ فِي التَّبْذِيرِ وَالسَّفَهِ وَتَرْكِ طَاعَةِ اللَّهِ وَارْتِكَابِ مَعْصِيَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ) أَيْ جُحُودًا لِأَنَّهُ أَنْكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِطَاعَتِهِ بَلْ أَقْبَلَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ] ( ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ ) أَيْ وَإِذَا سَأَلَكَ أَقَارِبُكَ وَمَنْ أَمَرْنَا بِإِعْطَائِهِمْ وَلَيْسَ عِنْدَكَ شَيْءٌ وَأَعْرَضْتَ عَنْهُمْ لِفَقْدِ النَّفَقَةِ ( ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ ) أَيْ عِدْهُمْ وَعْدًا بِسُهُولَةٍ وَلِينٍ : إِذَا جَاءَ رِزْقُ اللَّهِ فَسَنَصِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ هَكَذَا فَسَّرَ قَوْلَهُ ( ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ ) بِالْوَعْدِ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ
( ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًاإِنَّ﴾ ( 29 ) ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ( 30 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى آمِرًابِالِاقْتِصَادِ فِي الْعَيْشِذَامًّا لِلْبُخْلِ نَاهِيًا عَنِ السَّرَفِ ( ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ ) أَيْ لَا تَكُنْ بَخِيلًا مَنُوعًا لَا تُعْطِي أَحَدًا شَيْئًا كَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) [ الْمَائِدَةِ 64 ] أَيْ نَسَبُوهُ إِلَى الْبُخْلِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ الْكَرِيمُ الْوَهَّابُ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ) أَيْ وَلَا تُسْرِفْ فِي الْإِنْفَاقِ فَتُعْطِيَ فَوْقَ طَاقَتِكَ وَتُخْرِجَ أَكْثَرَ مِنْ دَخْلِكَ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا وَهَذَا مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ أَيْ فَتَقْعُدَ إِنْ بَخِلْتَ مَلُومًا يَلُومُكَ النَّاسُ وَيَذُمُّونَكَ وَيَسْتَغْنُونَ عَنْكَ كَمَا قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى فِي الْمُعَلَّقَةِ وَمَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَيَبْخَلْ بِمَالِهِ ※ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ ※ وَمَتَى بَسَطْتَ يَدَكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ قَعَدْتَ بِلَا شَيْءٍ تُنْفِقُهُ فَتَكُونَ كَالْحَسِيرِ ، وَهُوَ الدَّابَّةُ الَّتِي قَدْ عَجَزَتْ عَنِ السَّيْرِ فَوَقَفَتْ ضَعْفًا وَعَجْزًا فَإِنَّهَا تُسَمَّى الْحَسِيرَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْكَلَالِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ) [ الْمُلْكِ 3 ، 4 ] أَيْ كَلِيلٌ عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا هَكَذَا فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْبُخْلُ وَالسَّرَفُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي الزَّكَاةِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِي أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا وَمَلَكَانِ يَنْزِلَانِ مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا "
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا
مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍوَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا "
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعْدَانَ بْنِ نَصْرٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَا يُخْرِجُ رَجُلٌ صَدَقَةً حَتَّى يَفُكَّ لَحْيَيْ سَبْعِينَ شَيْطَانًا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ حَدَّثَنَا سُكَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْهَجَرِيُّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ "
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ] ( ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ ) إِخْبَارٌ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الرَّزَّاقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ فَيُغْنِي مَنْ يَشَاءُ وَيُفْقِرُ مَنْ يَشَاءُ بِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ) أَيْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْغِنَى وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الْفَقْرَ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُوَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدْتُ عَلَيْهِ دِينَهُ وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي لَمَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدْتُ عَلَيْهِ دِينَهُ
وَقَدْ يَكُونُ الْغِنَى فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ اسْتِدْرَاجًا وَالْفَقْرُ عُقُوبَةً عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ هَذَا وَهَذَا
( ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْإِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ ( 31 ) ) هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ لِأَنَّهُ يَنْهَى [ تَعَالَى عَنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ كَمَا أَوْصَى بِالْأَوْلَادِ فِي الْمِيرَاثِ وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ الْبَنَاتِ بَلْ كَانَ أَحَدُهُمْ رُبَّمَا قَتَلَ ابْنَتَهُ لِئَلَّا تَكْثُرَ عَيْلَتُهُ فَنَهَى اللَّهُ [ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : ( ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ ) أَيْ خَوْفَ أَنْ تَفْتَقِرُوا فِي ثَانِي الْحَالِ وَلِهَذَا قَدَّمَ الِاهْتِمَامَ بِرِزْقِهِمْ فَقَالَ ( ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ ) وَفِي الْأَنْعَامِ " ( ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ) أَيْ مِنْ فَقْرٍ ( ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ 151 وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ ) أَيْ ذَنْبًا عَظِيمًا وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ كَانَ خَطَأً كَبِيرًا وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
( ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ( 32 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ عَنِ الزِّنَا وَعَنْ مُقَارَبَتِهِ وَهُوَ مُخَالَطَةُ أَسْبَابِهِ وَدَوَاعِيهِ ( ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ ) أَيْ ذَنْبًا عَظِيمًا ( ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ) أَيْ وَبِئْسَ طَرِيقًا وَمَسْلَكًا وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ
إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ : ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا فَقَالَ اجْلِسْ فَجَلَسَ ، قَالَ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ . قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ " قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ " قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ . قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ " قَالَ أَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ " قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ : " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ " قَالَ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ نُطْفَةٍ وَضَعَهَا رَجُلٌ فِي رَحِمٍ لَا يَحِلُّ لَهُ "
( ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّوَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ ( 33 ) ) يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
وَفِي السُّنَنِ
لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ " . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ ) أَيْ سُلْطَةً عَلَى الْقَاتِلِ فَإِنَّهُ بِالْخِيَارِ فِيهِ إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ قَوْدًا وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ عَلَى الدِّيَةِ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ مَجَّانًا كَمَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ وَقَدْ أَخَذَ الْإِمَامُ الْحَبْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وِلَايَةَ مُعَاوِيَةَ السَّلْطَنَةَ وَأَنَّهُ سَيَمْلِكُ لِأَنَّهُ كَانَ وَلِيَّ عُثْمَانَ وَقَدْقُتِلَ عُثْمَانُ مَظْلُومًارَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُطَالِبُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُسْلِمَهُ قَتَلَتَهُ حَتَّى يَقْتَصَّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ أُمَوِيٌّ وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْتَمْهِلُهُ فِي الْأَمْرِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ وَيَفْعَلَ ذَلِكَ وَيَطْلُبَ عَلِيٌّ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُسْلِمَهُ الشَّامَ فَيَأْبَى مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ حَتَّى يُسْلِمَهُ الْقَتَلَةَ وَأَبَى أَنْ يُبَايِعَ عَلِيًّا هُوَ وَأَهْلُ الشَّامِ ثُمَّ مَعَ الْمُطَاوَلَةِ تَمَكَّنَ مُعَاوِيَةُ وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ كَمَا تَفَاءَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَاسْتَنْبَطَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَهَذَا مِنَ الْأَمْرِ الْعَجَبِ وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ كُنَّا فِي سَمَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَيْسَ بِسِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ مَا كَانَ يَعْنِي عُثْمَانَ قُلْتُ لِعَلِيٍّ : اعْتَزِلْ فَلَوْ كُنْتَ فِي جُحْرٍ طُلِبْتَ حَتَّى تُسْتَخْرَجَ فَعَصَانِي وَايْمُ اللَّهِ لَيَتَأَمَّرَنَّ عَلَيْكُمْ مُعَاوِيَةُ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ) وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) الْآيَةَ ، وَلَيَحْمِلَنَّكُمْ قُرَيْشٌ عَلَى سُنَّةِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَلَيُقِيمَنَّ عَلَيْكُمُ النَّصَارَى وَالْيَهُودَ وَالْمَجُوسَ فَمَنْ أَخَذَ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ بِمَا يَعْرِفُ نَجَا وَمَنْ تَرَكَ وَأَنْتُمْ تَارِكُونَ كُنْتُمْ كَقَرْنٍ مِنَ الْقُرُونِ هَلَكَ فِيمَنْ هَلَكَ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى ] ( ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ) قَالُوا مَعْنَاهُ فَلَا يُسْرِفِ الْوَلِيُّ فِي قَتْلِ الْقَاتِلِ بِأَنْ يُمَثِّلَ بِهِ أَوْ يَقْتَصَّ مِنْ غَيْرِ الْقَاتِلِ وَقَوْلُهُ ( ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ ) أَيْ أَنَّ الْوَلِيَّ مَنْصُورٌ عَلَى الْقَاتِلِ شَرْعًا وَغَالِبًا قَدَرًا
( ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُوَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ( 34 ) ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ( 35 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى ( ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ) أَيْ لَا تَتَصَرَّفُوا لَهُ إِلَّا بِالْغِبْطَةِ ( ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ) [ النِّسَاءِ 2 ] وَ ( ﴿لَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ) [ النِّسَاءِ 6 . وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ
يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ " . وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى : ( ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ ) أَيِ الَّذِي تُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَالْعُقُودَ الَّتِي تُعَامِلُونَهُمْ بِهَا فَإِنَّالْعَهْدَ وَالْعَقْدَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْأَلُ صَاحِبُهُ عَنْهُ( ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ) أَيْ عَنْهُ وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى : ( ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَطْفِيفٍ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ( ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾ ) قُرِئَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا كَالْقِرْطَاسِ وَهُوَ الْمِيزَانُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ وَقَوْلُهُ : ( ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ ) أَيْ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ وَلَا اضْطِرَابَ ( ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ) أَيْ لَكُمْ فِي مَعَاشِكُمْ وَمَعَادِكُمْ وَلِهَذَا قَالَ : ( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) أَيْ مَآلًا وَمُنْقَلَبًا فِي آخِرَتِكُمْ قَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ ( ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ) أَيْ : خَيْرٌ ثَوَابًا وَعَاقِبَةً وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْمَوَالِي إِنَّكُمْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ هَذَا الْمِكْيَالَ وَهَذَا الْمِيزَانَ قَالَ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَا يَقْدِرُ رَجُلٌ عَلَى حَرَامٍ ثُمَّ يَدَعُهُ لَيْسَ بِهِ إِلَّا مَخَافَةُ اللَّهِ إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ "
(﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾( 36 ) ) . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَا تَقُلْ وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنْهُ لَا تَرْمِ أَحَدًا بِمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وَقَالَ مُحَمَّدُ بن الْحَنَفِيَّةِ يَعْنِي شَهَادَةَ الزُّورِ وَقَالَ قَتَادَةُ لَا تَقُلْ رَأَيْتُ وَلَمْ تَرَ وَسَمِعْتُ وَلَمْ تُسْمِعْ وَعَلِمْتُ وَلَمْ تَعْلَمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَضْمُونُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنِالْقَوْلِ بِلَا عِلْمٍبَلْ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ التَّوَهُّمُ وَالْخَيَالُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ) [ الْحُجُرَاتِ 12 ، وَفِي الْحَدِيثِ
إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ " وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ : زَعَمُوا ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ إِنَّ أَفَرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا " وَفِي الصَّحِيحِ مَنْ تَحَلَّمَ حُلْمًا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ بِعَاقِدٍ . وَقَوْلُهُ ( ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ ) أَيْ هَذِهِ الصِّفَاتُ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْفُؤَادِ ( ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ) أَيْ سَيُسْأَلُ الْعَبْدُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُسْأَلُ عَنْهُ وَعَمَّا عَمِلَ فِيهَا وَيَصِحُّ اسْتِعْمَالُ أُولَئِكَ مَكَانَ " تِلْكَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ .
ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ※ وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ ※
( ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ ( 37 ) ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ( 38 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ عَنِالتَّجَبُّرِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمِشْيَةِ( ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ ) أَيْ مُتَبَخْتِرًا مُتَمَايِلًا مَشْيَ الْجَبَّارِينَ ( ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ ) أَيْ لَنْ تَقْطَعَ الْأَرْضَ بِمِشْيَتِكَ ؛ قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ وَقَاتِمِ الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ※ وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى : ( ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ ) أَيْ بِتَمَايُلِكَ وَفَخْرِكَ وَإِعْجَابِكَ بِنَفْسِكَ بَلْ قَدْ يُجَازَى فَاعِلُ ذَلِكَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ
وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَارُونَ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَسَفَ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ وَفِي الْحَدِيثِ
مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَقِيرٌ وَعِنْدَ النَّاسِ كَبِيرٌ وَمَنِ اسْتَكْبَرَ وَضَعَهُ اللَّهُ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ وَعِنْدَ النَّاسِ حَقِيرٌ حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْكَلْبِ أَوِ الْخِنْزِيرِ "
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْخُمُولِ وَالتَّوَاضُعِ " حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ الْحَسَنِ إِذْ مَرَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْأَهْتَمِ يُرِيدُ الْمَنْصُورَ وَعَلَيْهِ جِبَابُ خَزٍّ قَدْ نُضِدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ عَلَى سَاقِهِ وَانْفَرَجَ عَنْهَا قَبَاؤُهُ وَهُوَ يَمْشِي وَيَتَبَخْتَرُ إِذْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ نَظْرَةً فَقَالَ أُفٍّ أُفٍّ شَامِخٌ بِأَنْفِهِ ثَانٍ عِطْفَهُ مُصَعِّرٌ خَدَّهُ يَنْظُرُ فِي عِطْفَيْهِ أَيُّ حُمَيْقٍ يَنْظُرُ فِي عِطْفِهِ فِي نِعَمٍ غَيْرِ مَشْكُورَةٍ وَلَا مَذْكُورَةٍ غَيْرِ الْمَأْخُوذِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهَا وَلَا الْمُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنْهَا! وَاللَّهِ إِنْ يَمْشِي أَحَدُهُمْ طَبِيعَتَهُ يَتَلَجْلَجُ تَلَجْلُجَ الْمَجْنُونِ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ نِعْمَةٌ وَلِلشَّيْطَانِ بِهِ لَعْنَةٌ فَسَمِعَهُ ابْنُ الْأَهْتَمِ فَرَجَعَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَا تَعْتَذِرْ إِلَيَّ وَتُبْ إِلَى رَبِّكَ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ( ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ ) . وَرَأَى الْبَخْتَرِيُّ الْعَابِدُ رَجُلًا مِنْ آلِ عَلِيٍّ يَمْشِي وَهُوَ يَخْطِرُ فِي مِشْيَتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّ الَّذِي أَكْرَمَكَ بِهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مِشْيَتَهُ! قَالَ فَتَرَكَهَا الرَّجُلُ بَعْدُ وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَخْطِرُ فِي مِشْيَتِهِ فَقَالَ إِنَّ لِلشَّيَاطِينِ إِخْوَانًا وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ إِيَّاكُمْ وَالْخَطْرَ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَدُهُ مِنْ سَائِرِ جَسَدِهِ رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ يُحَنَّسَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ وَخَدَمَتْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ سُلِّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ "
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ) أُمَّا مَنْ قَرَأَ سَيِّئَةٌ أَيْ : فَاحِشَةٌ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ كُلُّ هَذَا الَّذِي نَهَيْنَا عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ ) إِلَى هَاهُنَا فَهُوَ سَيِّئَةٌ مُؤَاخَذٌ عَلَيْهَا ( ﴿مَكْرُوهًا﴾ ) عِنْدَ اللَّهِ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ ( ﴿سَيِّئُهُ﴾ ) عَلَى الْإِضَافَةِ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ كُلُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ ( ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ) إِلَى هَاهُنَا فَسَيِّئُهُ أَيْ فَقَبِيحُهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللَّهِ هَكَذَا وَجَّهَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ .
( ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ( 39 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى هَذَا الَّذِي أَمَرْنَاكَ بِهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ وَنَهَيْنَاكَ عَنْهُ مِنَ الصِّفَاتِ الرَّذِيلَةِ مِمَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ لِتَأْمُرَ بِهِ النَّاسَ ( ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ ) أَيْ تَلُومُكَ نَفْسُكَ وَيَلُومُكَ اللَّهُ وَالْخَلْقُ . ( ﴿مَدْحُورًا﴾ ) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ مَطْرُودًا وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ الْأُمَّةُ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَعْصُومٌ
( ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًاإِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ( 40 ) ) . يَقُولُ تَعَالَىرَادًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْكَاذِبِينَ الزَّاعِمِينَ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِفَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ثُمَّ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ ثُمَّ عَبَدُوهُمْ فَأَخْطَئُوا فِي كُلٍّ مِنَ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ خَطَأً عَظِيمًا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ( ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ ) أَيْ خَصَّصَكُمْ بِالذُّكُورِ ( ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ ) أَيْ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ عَلَى زَعْمِكُمُ الْبَنَاتِ ثُمَّ شَدَّدَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ ( ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ) أَيْ فِي زَعْمِكُمْ لِلَّهِ وَلَدًا ثُمَّ جَعْلِكُمْ وَلَدَهُ الْإِنَاثَ الَّتِي تَأْنَفُونَ أَنْ يَكُنَّ لَكُمْ وَرُبَّمَا قَتَلْتُمُوهُنَّ بِالْوَأْدِ فَتِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ) [ مَرْيَمَ 88 - 95 .
( ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ ( 41 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى ( ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ ) أَيْ صَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ مَا فِيهِ مِنَ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالْمَوَاعِظِ فَيَنْزَجِرُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْإِفْكِ ( ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ ) أَيْ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ ( ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ ) أَيْ عَنِ الْحَقِّ وَبُعْدًا مِنْهُ
( ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ( 42 ) ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ( 43 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الزَّاعِمِينَ أَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا مِنْ خَلْقِهِ الْعَابِدِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِيُقَرِّبَهُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ وَأَنَّ مَعَهُ آلِهَةً تُعْبَدُ لِتُقَرِّبَ إِلَيْهِ وَتُشَفَّعَ لَدَيْهِ لَكَانَ أُولَئِكَ الْمَعْبُودُونَ يَعْبُدُونَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ وَيَبْتَغُونَ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَالْقُرْبَةَ فَاعْبُدُوهُ أَنْتُمْ وَحْدَهُ كَمَا يَعْبُدُهُ مَنْ تَدْعُونَهُ مِنْ دُونِهِ وَلَا حَاجَةَ لَكُمْ إِلَى مَعْبُودٍ يَكُونُ وَاسِطَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَرْضَاهُ بَلْ يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ وَقَدَّسَهَا فَقَالَ ( ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ ) أَيْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُعْتَدُونَ الظَّالِمُونَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى ( ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ) أَيْ تَعَالِيًا كَبِيرًا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ
( ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ( 44 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى تُقَدِّسُهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ أَيْ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَتُنَزِّهُهُ وَتُعَظِّمُهُ وَتُجِلُّهُ وَتَكَبِّرُهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَتَشْهَدُ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ※ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ ※ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ) [ مَرْيَمَ 90 - 92 . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ مَيْمُونٍ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ الرَّمْلَةِ حَدَّثَنَا عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى كَانَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ فَطَارَ بِهِ حَتَّى بَلَغَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ سَمِعْتُ تَسْبِيحًا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى مَعَ تَسْبِيحٍ كَثِيرٍ سَبَّحَتِ السَّمَاوَاتُ الْعُلَى مِنْ ذِي الْمَهَابَةِ مُشْفِقَاتٍ لِذِي الْعُلُوِّ بِمَا عَلَا سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَقَوْلُهُ ( ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ) أَيْ وَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ ( ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ) أَيْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لِأَنَّهَا بِخِلَافِ لُغَتِكُمْ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتِ وَالْجَمَادِ وَهَذَا أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ فِي يَدِهِ حَصَيَاتٍ فَسُمِعَ لَهُنَّ تَسْبِيحٌ كَحَنِينِ النَّحْلِ وَكَذَا يَدُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [ أَجْمَعِينَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي الْمَسَانِيدِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَا زَبَّانٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابٍّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ فَقَالَ لَهُمْ ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً وَلَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لِأَحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالْأَسْوَاقِ فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْهُ . وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ وَقَالَ نَقِيقُهَا تَسْبِيحٌ "
وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابِي ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّالرَّجُلَ إِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُفَهِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ عَمَلًا حَتَّى يَقُولَهَا وَإِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَهِيَ كَلِمَةُ الشُّكْرِ الَّتِي لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَبْدٌ قَطُّ حَتَّى يَقُولَهَا وَإِذَا قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَهِيَ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَهِيَ صَلَاةُ الْخَلَائِقِ الَّتِي لَمْ يَدْعُ اللَّهَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا قَرَّرَهُ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَإِذَا قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ " قَالَ أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي ، سَمِعْتُ الصَّقْعَبَ بْنَ زُهَيْرٍ يُحَدِّثُ ] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ
أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ طَيَالِسَةٍ مَكْفُوفَةٌ بِدِيبَاجٍ أَوْ مُزَوَّرَةٌ بِدِيبَاجٍ - فَقَالَ إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَ كُلَّ رَاعٍ ابْنِ رَاعٍ وَيَضَعَ كُلَّ رَأْسٍ ابْنِ رَأْسٍ فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ جُبَّتِهِ فَاجْتَذَبَهُ ، فَقَالَ لَا أَرَى عَلَيْكَ ثِيَابَ مَنْ لَا يَعْقِلُ ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ فَقَالَ إِنَّنُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُدَعَا ابْنَيْهِ فَقَالَ إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكُمَا الْوَصِيَّةَ آمُرُكُمَا بِاثْنَتَيْنِ وَأَنْهَاكُمَا عَنِ اثْنَتَيْنِ أَنْهَاكُمَا عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَالْكِبْرِ وَآمُرُكُمَا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى كَانَتْ أَرْجَحَ وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا حَلْقَةً فَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَلَيْهِمَا لَفَصَمَتْهُمَا أَوْ لَقَصَمَتْهُمَا وَآمُرُكُمَا بِسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ وَبِهَا يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ "
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الصَّقْعَبِ بْنِ زُهَيْرٍ بِهِ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا تَفَرَّدَ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ نُوحٌ ابْنَهُ إِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ آمُرُكَ أَنْ تَقُولَسُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْخَلْقِ وَتَسْبِيحُ الْخَلْقِوَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ) إِسْنَادُهُ فِيهِ ضَعْفٌ فَإِنَّ الرَّبِذِيَّ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ) قَالَ : الْأُسْطُوَانَةُ تُسَبِّحُ ، وَالشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ - الْأُسْطُوَانَةُ السَّارِيَةُ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : إِنَّ صَرِيرَ الْبَابِ تَسْبِيحُهُ وَخَرِيرَ الْمَاءِ تَسْبِيحُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ) وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الطَّعَامُ يُسَبِّحُ وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ آيَةُ السَّجْدَةِ أَوَّلَ سُورَةِ الْحَجِّ وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا يُسَبِّحُ مَا كَانَ فِيهِ رُوحٌ يَعْنُونَ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ نَبَاتٍ وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ ( ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ) قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ يُسَبِّحُ مِنْ شَجَرٍ أَوْ شَيْءٍ فِيهِ وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ) قَالَا : كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَا : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ كُنَّا مَعَ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ وَمَعَهُ الْحَسَنُ فِي طَعَامٍ فَقَدَّمُوا الْخِوَانَ فَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ يَا أَبَا سَعِيدٍ يُسَبِّحُ هَذَا الْخِوَانُ ؟ فَقَالَ كَانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً . قُلْتُ الْخِوَانُ هُوَ الْمَائِدَةُ مِنَ الْخَشَبِ فَكَأَنَّ الْحَسَنَ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَيًّا فِيهِ خُضْرَةٌ كَانَ يُسَبِّحُ فَلَمَّا قُطِعَ وَصَارَ خَشَبَةً يَابِسَةً انْقَطَعَ تَسْبِيحُهُ وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَإِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ . قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّمَا قَالَ مَا لَمْ يَيْبَسَا لِأَنَّهُمَا يُسَبِّحَانِ مَا دَامَ فِيهِمَا خُضْرَةٌ فَإِذَا يَبِسَا انْقَطَعَ تَسْبِيحُهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ] ( ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ) أَيْ إِنَّهُ [ تَعَالَى لَا يُعَاجِلُ مَنْ عَصَاهُ بِالْعُقُوبَةِ بَلْ يُؤَجِّلُهُ وَيُنْظِرُهُ فَإِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَعِنَادِهِ أَخَذَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ) [ هُودٍ 102 ] الْآيَةَ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ) [ الْحَجِّ 48 ] . وَمَنْأَقْلَعَ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ كُفْرٍ أَوْ عِصْيَانٍ وَرَجَعَ إِلَى اللَّهِوَتَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ) [ النِّسَاءِ 110 . وَقَالَ هَاهُنَا ( ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ) كَمَا قَالَ فِي آخِرِ فَاطِرٍ " ( ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ) إِلَى أَنْ قَالَ ( ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ ) [ فَاطِرٍ 41 - 45 .
( ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ( 45 ) ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ ( 46 ) ) يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا قَرَأْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا مَسْتُورًا قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ هُوَ الْأَكِنَّةُ عَلَى قُلُوبِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ ) [ فُصِّلَتْ 5 ] أَيْ مَانِعٌ حَائِلٌ أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا مِمَّا تَقُولُ شَيْءٌ وَقَوْلُهُ : ( ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ) أَيْ بِمَعْنَى سَاتِرٍ كَمَيْمُونٍ وَمَشْئُومٍ بِمَعْنَى يَامِنٍ وَشَائِمٍ لِأَنَّهُ مِنْ يُمْنِهِمْ وَشَأْمِهِمْ وَقِيلَ مَسْتُورًا عَنِ الْأَبْصَارِ فَلَا تَرَاهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حِجَابٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْهُدَى وَمَالَ إِلَى تَرْجِيحِهِ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْهَرَوِيُّ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ تَدْرُسَ
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ [ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ لَمَّا نَزَلَتْ ) ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ) [ سُورَةُ الْمَسَدِ ] جَاءَتِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ وَلَهَا وَلْوَلَةٌ وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ وَهِيَ تَقُولُ مُدَمَّمًا أَتَيْنَا أَوْ أَبَيْنَا ، قَالَ أَبُو مُوسَى الشَّكُّ مِنِّي وَدِينَهُ قَلَيْنَا وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ أَوْ قَالَ مَعَهُ قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَقَدْ أَقْبَلَتْ هَذِهِ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ فَقَالَ إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي وَقَرَأَ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ مِنْهَا ) ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ) . قَالَ فَجَاءَتْ حَتَّى قَامَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا أَبَا بَكْرٍ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ قَالَ فَانْصَرَفَتْ وَهِيَ تَقُولُ لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ ) : جَمْعُ كِنَانٍ الَّذِي يَغْشَى الْقَلْبَ ( ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ) أَيْ لِئَلَّا يَفْهَمُوا الْقُرْآنَ ( ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ) وَهُوَ الثِّقَلُ الَّذِي يَمْنَعُهُمْ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ سَمَاعًا يَنْفَعُهُمْ وَيَهْتَدُونَ بِهِ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ ) أَيْ إِذَا وَحَّدْتَ اللَّهَ فِي تِلَاوَتِكَ وَقُلْتَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ( ﴿وَلَّوْا﴾ ) أَيْ أَدْبَرُوا رَاجِعِينَ ( ﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ ) وَنُفُورٌ جَمْعُ نَافِرٍ كَقُعُودٍ جَمْعُ قَاعِدٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنْ غَيْرِ الْفِعْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ) [ الزُّمَرِ 45 . قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ ) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ وَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ وَضَاقَهَا إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُمْضِيَهَا وَيَنْصُرَهَا وَيُفْلِجَهَا وَيُظْهِرَهَا عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا إِنَّهَا كَلِمَةٌ مَنْ خَاصَمَ بِهَا فَلَجَ وَمَنْ قَاتَلَ بِهَا نُصِرَ إِنَّمَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقْطَعُهَا الرَّاكِبُ فِي لَيَالٍ قَلَائِلَ وَيَسِيرُ الدَّهْرَ فِي فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَهَا وَلَا يُقِرُّونَ بِهَا قَوْلٌ آخَرُ فِي الْآيَةِ وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَبُو رَجَاءٍ الْكَلْبِيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ ) هُمُ الشَّيَاطِينُ هَذَا غَرِيبٌ جِدًّا فِي تَفْسِيرِهَا وَإِلَّا فَالشَّيَاطِينُ إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ أَوْ نُودِيَ بِالْأَذَانِ أَوْ ذُكِرَ اللَّهُ انْصَرَفُوا .
( ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىإِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ( 47 ) ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ( 48 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ ] عَلَيْهِ بِمَا تَنَاجَى بِهِ رُؤَسَاءُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ حِينَ جَاءُوا يَسْتَمِعُونَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرًّا مِنْ قَوْمِهِمْ بِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّهُ رَجُلٌ مَسْحُورٌ ، مِنَ السِّحْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ مِنْ السَّحْرِ وَهُوَ الرِّئَةُ أَيْ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِنِ اتَّبَعْتُمْ مُحَمَّدًا - ( ﴿إِلَّا بَشَرًا﴾ ) يَأْكُلُ [ وَيَشْرَبُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا ※ عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الْأَنَامِ الْمُسَحَّرِ ※ وَقَالَ الرَّاجِزُ
وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ ※
أَيْ : نُغْذَى وَقَدْ صَوَّبَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا هَاهُنَا أَنَّهُ مَسْحُورٌ لَهُ رِئًى يَأْتِيهِ بِمَا اسْتَمَعُوهُ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَتْلُوهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ شَاعِرٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَاهِنٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَجْنُونٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ سَاحِرٌ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ) أَيْ فَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَا يَجِدُونَ إِلَيْهِ مَخْلَصًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيَّ حَلِيفَ ابْنِ زُهْرَةَ خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ وَكُلٌّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا حَتَّى إِذَا جَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ فَتَلَاوَمُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَا تَعُودُوا فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا حَتَّى إِذَا جَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ لَا نَعُودُ فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا وَسَمِعْتُ أَشْيَاءَ مَا عَرَفْتُ مَعْنَاهَا وَلَا مَا يُرَادُ بِهَا قَالَ الْأَخْنَسُ وَأَنَا وَالَّذِي حَلَفْتَ بِهِ . قَالَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ يَا أَبَا الْحَكَمِ مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ قَالَ مَاذَا سَمِعْتُ تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مُنَافٍ الشَّرَفَ أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا حَتَّى إِذَا تَجَاثَيْنَا عَلَى الرُّكَبِ وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قَالُوا مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا وَلَا نُصَدِّقُهُ قَالَ فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ وَتَرَكَهُ .
( ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ( 49 ) ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ( 50 ) ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ( 51 ) ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ( 52 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِالْكُفَّارِ الْمُسْتَبْعَدِينَ وُقُوعَ الْمَعَادِالْقَائِلِينَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ ( ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ ) أَيْ تُرَابًا قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غُبَارًا ( ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ) أَيْ بَعْدَ مَا بُلِينَا وَصِرْنَا عَدَمًا لَا يُذْكَرُ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ ( ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ ) [ النَّازِعَاتِ 10 12 ] قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ) [ يس 78 ، 79 . وَهَكَذَا أَمَرَ رَسُولَهُ هَهُنَا أَنْ يُجِيبَهُمْ فَقَالَ ( ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ) وَهُمَا أَشَدُّ امْتِنَاعًا مِنَ الْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ ( ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ هُوَ الْمَوْتُ وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ لَوْ كُنْتُمْ مَوْتَى لَأَحْيَيْتُكُمْ وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو صَالِحٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّكُمْ لَوْ فَرَضْتُمْ أَنَّكُمْ لَوْ صِرْتُمْ مَوْتًا الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيَاةِ لَأَحْيَاكُمُ اللَّهُ إِذَا شَاءَ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا أَرَادَهُ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا ] حَدِيثَ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ( ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ) يَعْنِي السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ وَفِي رِوَايَةٍ مَا شِئْتُمْ فَكُونُوا فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِكُمْ وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ ( ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَالِكٌ وَيَقُولُونَ هُوَ الْمَوْتُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ] ( ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ ) أَيْ مَنْ يُعِيدُنَا إِذَا كُنَّا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا آخَرَ شَدِيدًا ( ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ) أَيِ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا ثُمَّ صِرْتُمْ بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِكُمْ وَلَوْ صِرْتُمْ إِلَى أَيِّ حَالٍ ( ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ) [ الرُّومِ 27 . وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى : ( ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ ) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً . وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ هُوَ الَّذِي تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَاتِهَا لِأَنَّ الْإِنْغَاضَ هُوَ التَّحَرُّكُ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى أَوْ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ وَمِنْهُ قِيلَ لِلظَّلِيمِ وَهُوَ وَلَدُ النَّعَامَةِ - : نَغْضًا لِأَنَّهُ إِذَا مَشَى عَجِلَ فِي مِشْيَتِهِ وَحَرَّكَ رَأْسَهُ وَيُقَالُ نَغَضَتْ سِنُّهُ إِذَا تَحَرَّكَتْ وَارْتَفَعَتْ مِنْ مَنْبَتِهَا ؛ قَالَ الرَّاجِزُ .
وَنَغَضَتْ مِنْ هَرَمٍ أَسْنَانُهَا ※
وَقَوْلُهُ ( ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ ) إِخْبَارٌ عَنْهُ بِالِاسْتِبْعَادِ مِنْهُمْ لِوُقُوعِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ) [ الْمُلْكِ 25 ] ، وَقَالَ تَعَالَى ( ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ) [ الشُّورَى 18 . وَقَوْلُهُ ( ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ) أَيْ احْذَرُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ إِلَيْكُمْ سَيَأْتِيكُمْ لَا مَحَالَةَ فَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى : ( ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ ) أَيْ الرَّبُّ تَعَالَى ( ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ) [ الرُّومِ 25 ] أَيْ إِذَا أَمَرَكُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ بَلْ كَمَا قَالَ تَعَالَى ] ( ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ) [ الْقَمَرِ 50 ] ( ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ) [ النَّحْلِ 40 ] وَقَالَ ( ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ . فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ ) [ النَّازِعَاتِ 13 ، 14 ] أَيْ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ بِانْتِهَارٍ فَإِذَا النَّاسُ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ إِلَى ظَاهِرِهَا كَمَا قَالَ ( ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ ) أَيْ تَقُومُونَ كُلُّكُمْ إِجَابَةً لِأَمْرِهِ وَطَاعَةً لِإِرَادَتِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ ) أَيْ بِأَمْرِهِ وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَالَ قَتَادَةُ بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ( ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ ) أَيْ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ حَالٍ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْوَكَأَنِّي بِأَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُونَ : ( ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ) [ فَاطِرٍ 34 ] وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ ) أَيْ يَوْمَ تَقُومُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ ( ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ ) [ أَيْ : فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ( ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ) ، وَكَمَا قَالَ ( ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ) [ النَّازِعَاتِ 46 ] وَقَالَ تَعَالَى ( ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ ) [ طه 102 - 104 ، وَقَالَ تَعَالَى ( ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ) [ الرُّومِ 55 ، وَقَالَ تَعَالَى ( ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ 112 - 114 .
( ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْإِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ( 53 ) ) . يَأْمُرُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ وَمُحَاوَرَاتِهِمُ الْكَلَامَ الْأَحْسَنَ وَالْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ فَإِنَّهُ إِذْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ وَأَخْرَجَ الْكَلَامَ إِلَى الْفِعَالِ وَوَقَعَ الشَّرُّ وَالْمُخَاصَمَةُ وَالْمُقَاتَلَةُ فَإِنَّالشَّيْطَانَ عَدُوٌّ لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِمِنْ حِينِ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ فَعَدَاوَتُهُ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ وَلِهَذَا نَهَى أَنْ يُشِيرَ الرَّجُلُ إِلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ فِي يَدِهِ أَيْ فَرُبَّمَا أَصَابَهُ بِهَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لَا يُشِيرَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِفَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ أَنْ يَنْزَعَ فِي يَدِهِ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ نَارٍ . أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مَنْ بَنِي سَلِيطٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي أَزْفَلَةٍ مِنَ النَّاسِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا قَالَ حَمَّادٌ وَقَالَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ - مَا تَوَادَّ رَجُلَانِ فِي اللَّهِ فَتُفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِحَدَثٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا وَالْمُحْدِثُ شَرٌّ وَالْمُحْدِثُ شَرٌّ وَالْمُحْدِثُ شَرٌّ .
( ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْوَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ( 54 ) ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ( 55 ) ) . يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ( ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ ) أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الْهِدَايَةَ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ( ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ ) بِأَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِطَاعَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ ( ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ) يَا مُحَمَّدُ ( ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ) أَيْ إِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ نَذِيرًا فَمَنْ أَطَاعَكَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَاكَ دَخَلَ النَّارَ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ) أَيْ بِمَرَاتِبِهِمْ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ( ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ﴾ ) ، كَمَا قَالَ ( ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ 253 . وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا [ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ
لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ التَّفْضِيلُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْعَصَبِيَّةِ ، لَا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ فَإِنَّهُ إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَلَا خِلَافَأَنَّ الرُّسُلَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنَّ أُولِي الْعَزْمِ مِنْهُمْ أَفْضَلُهُمْوَهُمُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورُونَ نَصًّا فِي آيَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ( ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ) [ الْأَحْزَابِ 7 ] ، وَفِي الشُّورَى فِي قَوْلِهِ : ( ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ) [ الشُّورَى 13 . وَلَا خِلَافَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُهُمْ ثُمَّ بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ مُوسَى عَلَى الْمَشْهُورِوَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا بِدَلَائِلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ) تَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنَ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ لِتُسْرَجَ فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ . يَعْنِي الْقُرْآنَ .
( ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْوَلَا تَحْوِيلًا﴾ ( 56 ) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ( 57 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ ( ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ) مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ فَارْغُبُوا إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ " لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ ، ( ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ) أَيْ أَنْ يُحَوِّلُوهُ إِلَى غَيْرِكُمْ وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ) قَالَ كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ يَقُولُونَ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا وَهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا وَقَوْلُهُ : ( ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ) . رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ) قَالَ نَاسٌ مِنَ الْجِنِّ كَانُوا يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزِّمَّانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ ( ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ) قَالَ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ وَالْإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانُوا يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ فَذَكَرَهُ وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ) قَالَ عِيسَى وَأُمُّهُ ، وَعُزَيْرٌ وَقَالَ مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالشَّمْسُ ، وَالْقَمَرُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ عِيسَى وَالْعُزَيْرُ وَالْمَلَائِكَةُ وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ لِقَوْلِهِ : ( ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ) ، وَهَذَا لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمَاضِي فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ عِيسَى وَالْعُزَيْرُ قَالَوَالْوَسِيلَةُ هِيَ الْقُرْبَةُكَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ) وَقَوْلُهُ ( ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ) :لَا تَتَمُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِفَبِالْخَوْفِ يَنْكَفُّ عَنِ الْمَنَاهِي وَبِالرَّجَاءِ يَنْبَعِثُ عَلَى الطَّاعَاتِ وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ) أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يُحَذَّرَ مِنْهُ وَيُخَافَ مِنْ وُقُوعِهِ وَحُصُولِهِ عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْهُ
( ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًاكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ ( 58 ) ) . هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ قَدْ حَتَمَ وَقَضَى بِمَا قَدْ كَتَبَهُ عِنْدَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهُ مَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا سَيُهْلِكُهَا بِأَنْ يُبِيدَ أَهْلَهَا جَمِيعَهُمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ( ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ) إِمَّا بِقَتْلٍ أَوِ ابْتِلَاءٍ بِمَا يَشَاءُ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ كَمَا قَالَ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ ( ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ) [ هُودٍ 101 ] وَقَالَ تَعَالَى ) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ) [ الطَّلَاقِ 7 ، 8 ]
( ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَوَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا وَإِذْ﴾ ( 59 ) ) . قَالَ سُنَيْدٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَكَ أَنْبِيَاءُ فَمِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى فَإِنْ سَرَّكَ أَنْ نُؤْمِنَ بِكَ وَنُصَدِّقَكَ فَادْعُ رَبَّكَ أَنْ يَكُونَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ الَّذِي قَالُوا فَإِنْ شِئْتَ أَنْ نَفْعَلَ الَّذِي قَالُوا فَإِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا نَزَلَ الْعَذَابُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُنَاظَرَةٌ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ نَسْتَأْنِيَ بِقَوْمِكَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ قَالَ يَا رَبِّ اسْتَأْنِ بِهِمْ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ
سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا وَأَنْ يُنَحِّيَ الْجِبَالَ عَنْهُمْ فَيَزْرَعُوا فَقِيلَ لَهُ إِنْ شِئْتَ أَنْ نَسْتَأْنِيَ بِهِمْ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَأَلُوافَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أَهْلَكْتُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِقَالَ لَا بَلِ اسْتَأْنِ بِهِمْ وَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ بِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ عِمْرَانَ أَبِي الْحَكِيمِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنَ بِكَ قَالَ وَتَفْعَلُونَ قَالُوا نَعَمْ . قَالَ فَدَعَا فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ فَقَالَ بَلْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ "
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ الْمِصِّيصِيُّ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَمَّارٍ الْأَيْلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطَاءٍ مَوْلَاةِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَتْ سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ يَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ 214 ]
صَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي قَبِيسٍ يَا آلَ عَبْدِ مُنَافٍ إِنِّي نَذِيرٌ! فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَحَذَّرَهُمْ وَأَنْذَرَهُمْ ، فَقَالُوا تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْكَ وَأَنَّ سُلَيْمَانَ سُخِّرَ لَهُ الرِّيحُ وَالْجِبَالُ وَأَنَّ مُوسَى سُخِّرَ لَهُ الْبَحْرُ وَأَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُسَيِّرَ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ وَيُفَجِّرَ لَنَا الْأَرْضَ أَنْهَارًا فَنَتَّخِذَهَا مَحَارِثَ فَنَزْرَعَ وَنَأْكُلَ وَإِلَّا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَ لَنَا مَوْتَانَا فَنُكَلِّمَهُمْ وَيُكَلِّمُونَا وَإِلَّا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُصَيِّرَ لَنَا هَذِهِ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحْتَكَ ذَهَبًا فَنَنْحَتَ مِنْهَا وَتُغْنِيَنَا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَإِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ كَهَيْئَتِهِمْ! قَالَ فَبَيْنَا نَحْنُ حَوْلَهُ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أَعْطَانِي مَا سَأَلْتُمْ وَلَوْ شِئْتُ لَكَانَ وَلَكِنَّهُ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ تَدْخُلُوا بَابَ الرَّحْمَةِ فَيُؤَمَّنَ مُؤْمِنُكُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَكِلَكُمْ إِلَى مَا اخْتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَتَضِلُّوا عَنْ بَابِ الرَّحْمَةِ فَلَا يُؤَمَّنَ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَاخْتَرْتُ بَابَ الرَّحْمَةِ فَيُؤَمَّنُ مُؤْمِنُكُمْ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إِنْ أَعْطَاكُمْ ذَلِكَ ثُمَّ كَفَرْتُمْ أَنَّهُ يُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَنَزَلَتْ : ( ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ) وَحَتَّى قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ وَنَزَلَتْ ( ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ ) [ الرَّعْدِ 31 ] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ( ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ ) أَيْ نَبْعَثُ الْآيَاتِ وَنَأْتِيَ بِهَا عَلَى مَا سَأَلَ قَوْمُكَ مِنْكَ فَإِنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ لَدَيْنَا إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ بَعْدَمَا سَأَلُوهَا وَجَرَتْ سُنَّتُنَا فِيهِمْ وَفِي أَمْثَالِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤَخَّرُونَ إِذَا كَذَّبُوا بِهَا بَعْدَ نُزُولِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَائِدَةِ : ( ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ) [ الْمَائِدَةِ 115 ] وَقَالَ تَعَالَى عَنْثَمُودَ حِينَ سَأَلُوا آيَةً نَاقَةً تَخْرُجُ مِنْ صَخْرَةٍعَيَّنُوهَا فَدَعَا صَالِحٌ رَبَّهُ فَأَخْرَجَ لَهُ مِنْهَا نَاقَةً عَلَى مَا سَأَلُوا فَظَلَمُوا بِهَا أَيْ كَفَرُوا بِمَنْ خَلَقَهَا وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ وَعَقَرُوا النَّاقَةَ فَقَالَ ( ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ) [ هُودٍ 65 ] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ( ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ ) أَيْ دَالَّةً عَلَى وَحْدَانِيَّةِ مَنْ خَلَقَهَا وَصَدَّقَ الرَّسُولَ الَّذِي أُجِيبَ دُعَاؤُهُ فِيهَا ( ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ ) أَيْ كَفَرُوا بِهَا وَمَنَعُوهَا شُرْبَهَا وَقَتَلُوهَا فَأَبَادَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ وَأَخَذَهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ ) قَالَ قَتَادَةُإِنَّ اللَّهَ خَوَّفَ النَّاسَ بِمَا يَشَاءُ مِنْ آيَاتِهِ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَذَّكَّرُونَوَيَرْجِعُونَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْكُوفَةَ رُجِفَتْ عَلَى عَهْدِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ رَبَّكُمْ يَسْتَعْتِبُكُمْ فَأَعْتِبُوهُ وَهَكَذَا رُوِيَ أَنَّ الْمَدِينَةَ زُلْزِلَتْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرَّاتٍ فَقَالَ عُمَرُ أَحْدَثْتُمْ وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ وَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُرْسِلُهُمَا يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ " ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدَهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتَهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا "
( ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِوَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ ( 60 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَرِّضًا لَهُ عَلَى إِبْلَاغِ رِسَالَتِهِ وَمُخْبِرًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ عَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي قَبْضَتِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَغَلَبَتِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ ) أَيْ عَصَمَكَ مِنْهُمْ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ) قَالَ هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ( ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ ) شَجَرَةَ الزَّقُّومِ . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهَكَذَا فَسَّرَ ذَلِكَ بِلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَمَسْرُوقٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَحَادِيثُ الْإِسْرَاءِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ مُسْتَقْصَاةً وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ نَاسًا رَجَعُوا عَنْ دِينِهِمْ بَعْدَمَا كَانُوا عَلَى الْحَقِّ لِأَنَّهُ لَمْ تَحْمِلْ قُلُوبُهُمْ وَعُقُولُهُمْ ذَلِكَ فَكَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ثَبَاتًا وَيَقِينًا لِآخَرِينَ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿إِلَّا فِتْنَةً﴾ ) أَيْ اخْتِبَارًا وَامْتِحَانًا وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ فَهِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ كَمَا أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَرَأَى شَجَرَةَ الزَّقُّومِ فَكَذَّبُوا بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ [ بِقَوْلِهِ هَاتُوا لَنَا تَمْرًا وَزُبْدًا وَجَعَلَ يَأْكُلُ هَذَا بِهَذَا وَيَقُولُ تَزَقَّمُوا فَلَا نَعْلَمُ الزَّقُّومَ غَيْرَ هَذَا حَكَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٌ وَأَبُو مَالِكٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَكُلُّ مَنْ قَالَ إِنَّهَا لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ وَقَدْ قِيلَ الْمُرَادُ بِالشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ بَنُو أُمَيَّةَ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ
رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي فُلَانٍ يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ نَزْوَ الْقُرُودِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَمَا اسْتَجْمَعَ ضَاحِكًا حَتَّى مَاتَ قَالَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ) ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ) الْآيَةَ . وَهَذَا السَّنَدُ ضَعِيفٌ جِدًّا فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ مَتْرُوكٌ وَشَيْخَهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ بِالْكُلِّيَّةِ وَلِهَذَا اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ وَأَنَّالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، قَالَ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَيْ فِي الرُّؤْيَا وَالشَّجَرَةِ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ ) أَيْ الْكَفَّارَ بِالْوَعِيدِ وَالْعَذَابِ وَالنَّكَالِ ( ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ ) أَيْ تَمَادِيًا فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَذَلِكَ مِنْ خِذْلَانِ اللَّهِ لَهُمْ
( ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَقَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ ( 61 ) ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتِنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ( 62 ) ) يَذْكُرُ تَعَالَى عَدَاوَةَإِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَذُرِّيَّتِهِ وَأَنَّهَا عَدَاوَةٌ قَدِيمَةٌ مُنْذُ خُلِقَ آدَمُ فَإِنَّهُ تَعَالَىأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا كُلُّهُمْ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَوَأَبَى أَنْ يَسْجُدَ لَهُ افْتِخَارًا عَلَيْهِ وَاحْتِقَارًا لَهُ ( ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ ) كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ( ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ 12 . وَقَالَ أَيْضًا ( ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ ) ، يَقُولُ لِلرَّبِّ جَرَاءَةً وَكُفْرًا وَالرَّبُّ يَحْلُمُ وَيَنْظُرُ ( ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَأَسْتَوْلِيَنَّ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ إِلَّا قَلِيلًا وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَأَحْتَوِيَنَّ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَقُولُ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي شَرَّفْتَهُ وَعَظَّمْتَهُ عَلَيَّ لَئِنْ أَنْظَرَتْنِي لَأُضِلَّنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
( ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ ( 63 ) ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ( 64 ) ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ ( 65 ) ) . لَمَّا سَأَلَ إِبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ النَّظْرَةَ قَالَ اللَّهُ لَهُ ( ﴿اذْهَبْ﴾ ) فَقَدْ أَنْظَرْتُكَ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ( ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ ) [ الْحِجْرِ 37 ، 38 ] ثُمَّ أَوْعَدَهُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ جَهَنَّمَ فَقَالَ : ( ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ ) أَيْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ ( ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَافِرًا وَقَالَ قَتَادَةُ مُوَفَّرًا عَلَيْكُمْ لَا يُنْقَصُ لَكُمْ مِنْهُ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ ) قِيلَ هُوَ الْغِنَاءُ قَالَ مُجَاهِدٌبِاللَّهْوِ وَالْغِنَاءِأَيْ اسْتَخِفَّهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ ) قَالَ كُلُّ دَاعٍ دَعَا إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ قَتَادَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَقَوْلُهُ ( ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ ) يَقُولُ وَاحْمِلْ عَلَيْهِمْ بِجُنُودِكِ خَيَّالَتِهِمْ وَرَجْلَتِهِمْ ؛ فَإِنَّ الرَّجْلَ جَمْعُ " رَاجِلٍ ، كَمَا أَنَّ الرَّكْبَ جَمْعُ رَاكِبٍ " وَ صَحْبٌ جَمْعُ " صَاحِبٍ وَمَعْنَاهُ تُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَهَذَا أَمْرٌ قَدَرِيٌّ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ ) [ مَرْيَمَ 83 ] أَيْ تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا وَتَسُوقُهُمْ إِلَيْهَا سَوْقًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ ( ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ ) قَالَ كُلُّ رَاكِبٍ وَمَاشٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَقَالَ قَتَادَةُ إِنَّ لَهُ خَيْلًا وَرِجَالًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَهُمُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ وَتَقُولُ الْعَرَبُ أَجْلَبَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا صَاحَ عَلَيْهِ . وَمِنْهُ نَهَى فِي الْمُسَابَقَةِ عَنِ الْجَلَبِ وَالْجَنَبِ وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ " الْجَلَبَةِ ، وَهِيَ ارْتِفَاعُ الْأَصْوَاتِ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ هُوَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ إِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِي مَعَاصِي اللَّهِ وَقَالَ عَطَاءٌ هُوَ الرِّبَا وَقَالَ الْحَسَنُ هُوَ جَمْعُهَا مِنْ خَبِيثٍ وَإِنْفَاقُهَا فِي حَرَامٍ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَمَّا مُشَارَكَتُهُ إِيَّاهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَهُوَ مَا حَرَّمُوهُ مِنْ أَنْعَامِهِمْ يَعْنِي مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَنَحْوِهَا وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ ثُمَّ ] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ يَعْنِي أَوْلَادَ الزِّنَا وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ مَا كَانُوا قَتَلُوهُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَقَالَ قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَدْ وَاللَّهِ شَارَكَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ، مَجَّسُوا وَهَوَّدُوا وَنَصَّرُوا وَصَبَغُوا غَيْرَ صِبْغَةِ الْإِسْلَامِ وَجَزَّءُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ جُزْءًا لِلشَّيْطَانِ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ سَوَاءً وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ تَسْمِيَتُهُمْ أَوْلَادَهُمْ : عَبْدَ الْحَارِثِ " وَ عَبْدَ شَمْسٍ " وَ عَبْدَ فُلَانٍ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مَوْلُودٍ وَلَدَتْهُ أُنْثَى عَصَى اللَّهَ فِيهِ بِتَسْمِيَتِهِ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ أَوْ بِإِدْخَالِهِ فِي غَيْرِ الدِّينِ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ أَوْ بِالزِّنَا بِأُمِّهِ أَوْ بِقَتْلِهِ وَوَأْدِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَعْصِي اللَّهَ بِفِعْلِهِ بِهِ أَوْ فِيهِ فَقَدْ دَخَلَ فِي مُشَارَكَةِ إِبْلِيسَ فِيهِ مِنْ وَلَدِ ذَلِكَ الْوَلَدِ لَهُ أَوْ مِنْهُ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ بِقَوْلِهِ ( ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ﴾ ) مَعْنَى الشَّرِكَةِ فِيهِ بِمَعْنًى دُونَ مَعْنًى فَكُلُّ مَا عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ أَوْ بِهِ وَأُطِيعَ فِيهِ الشَّيْطَانُ أَوْ بِهِ فَهُوَ مُشَارَكَةٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَّجَهٌ وَكُلٌّ مِنَ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَسَّرَ بَعْضَ الْمُشَارِكَةِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ) كَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ يَقُولُ إِذَا حَصْحَصَ الْحَقُّ يَوْمَ يُقْضَى بِالْحَقِّ ( ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ ) الْآيَةَ إِبْرَاهِيمَ 22 ] . وَقَوْلُهُ ( ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ) : إِخْبَارٌ بِتَأْيِيدِهِ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ وَحِفْظِهِ إِيَّاهُمْ وَحِرَاسَتِهِ لَهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ ) أَيْ حَافِظًا وَمُؤَيِّدًا وَنَاصِرًا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ وِرْدَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُنْضِي شَيَاطِينَهُ كَمَا يُنْضِي أَحَدُكُمْ بَعِيرَهُ فِي السَّفَرِ "
يُنْضِي ، أَيْ يَأْخُذُ بِنَاصِيَتِهِ وَيَقْهَرُهُ
( ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ( 66 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِهِ فِي تَسْخِيرِهِ لِعِبَادِهِ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ وَتَسْهِيلِهَا لِمَصَالِحِ عِبَادِهِ لِابْتِغَائِهِمْ مِنْ فَضْلِهِ فِي التِّجَارَةِ مِنْ إِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ) أَيْ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا بِكُمْ مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتِهِ بِكُمْ
( ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُفَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ( 67 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ إِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْهُ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ) أَيْ ذَهَبَ عَنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ مَا تَعْبُدُونَ غَيْرُ اللَّهِ كَمَا اتُّفِقَ لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ لَمَّا ذَهَبَ فَارًّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ فَذَهَبَ هَارِبًا فَرَكِبَ فِي الْبَحْرِ لِيَدْخُلَ الْحَبَشَةَ فَجَاءَتْهُمْ رِيحٌ عَاصِفٌ فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْكُمْ إِلَّا أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ وَحْدَهُ فَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي نَفْسِهِ وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ لَا يَنْفَعُ فِي الْبَحْرِ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ لَئِنْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهُ لَأَذْهَبَنَّ فَأَضَعَنَّ يَدِي فِي يَدَيْهِ ، فَلْأَجِدَنَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا فَخَرَجُوا مِنَ الْبَحْرِ فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبِرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ ) أَيْ نَسِيتُمْ مَا عَرَفْتُمْ مِنْ تَوْحِيدِهِ فِي الْبَحْرِ وَأَعْرَضْتُمْ عَنْ دُعَائِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ( ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ) أَيْ سَجِيَّتُهُ هَذَا يَنْسَى النِّعَمَ وَيَجْحَدُهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ
( ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًاثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ ) ( 68 ) يَقُولُ تَعَالَى أَفَحَسِبْتُمْ أَنْ نُخْرِجَكُمْ إِلَى الْبَرِّ ، أَمِنْتُمْ مِنَ انْتِقَامِهِ وَعَذَابِهِ! ( ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ ) ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي فِيهِ حِجَارَةٌ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ ) [ الْقَمَرِ 34 ] وَقَدْ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ( ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ ) [ هُودٍ 82 ] وَقَالَ : ( ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ) [ الْمُلْكِ 16 ، 17 ] وَقَوْلُهُ ( ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ ) أَيْ نَاصِرًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَنْكُمْ وَيُنْقِذُكُمْ مِنْهُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ ]
( ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِفَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ ( 69 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى ( ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ ) أَيُّهَا الْمُعْرِضُونَ عَنَّا بَعْدَمَا اعْتَرَفُوا بِتَوْحِيدِنَا فِي الْبَحْرِ وَخَرَجُوا إِلَى الْبَرِّ ( ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ ) فِي الْبَحْرِ مَرَّةً ثَانِيَةً ( ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ ) أَيْ يَقْصِفُ الصَّوَارِيَ وَيُغْرِقُ الْمَرَاكِبَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : الْقَاصِفُ رِيحُ الْبِحَارِ الَّتِي تَكْسِرُ الْمَرَاكِبَ وَتُغْرِقُهَا . وَقَوْلُهُ ( ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ ) أَيْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ وَإِعْرَاضِكُمْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ : ( ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَصِيرًا وَقَالَ مُجَاهِدٌ نَصِيرًا ثَائِرًا ، أَيْ يَأْخُذُ بِثَأْرِكُمْ بِعْدَكُمْ وَقَالَ قَتَادَةُ وَلَا نَخَافُ أَحَدًا يُتْبِعُنَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ
( ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِوَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ( 70 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْتَشْرِيفِهِ لِبَنِي آدَمَ وَتَكْرِيمِهِ إِيَّاهُمْ فِي خَلْقِهِ لَهُمْعَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ وَأَكْمَلِهَا كَمَا قَالَ ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) [ التِّينِ 4 ] أَيْ يَمْشِي قَائِمًا مُنْتَصِبًا عَلَى رِجْلَيْهِ وَيَأْكُلُ بِيَدَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ وَيَأْكُلُ بِفَمِهِ وَجَعَلَ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَفُؤَادًا يَفْقَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَيَعْرِفُ مَنَافِعَهَا وَخَوَاصَّهَا وَمَضَارَّهَا فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ ( ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ ) أَيْ عَلَى الدَّوَابِّ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَفِي " الْبَحْرِ أَيْضًا عَلَى السُّفُنِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ ( ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ) أَيْ مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَلُحُومٍ وَأَلْبَانٍ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الطُّعُومِ وَالْأَلْوَانِ الْمُشْتَهَاةِ اللَّذِيذَةِ وَالْمَنَاظِرِ الْحَسَنَةِ وَالْمَلَابِسِ الرَّفِيعَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا مِمَّا يَصْنَعُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَجْلِبُهُ إِلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَقَالِيمِ وَالنَّوَاحِي ( ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ) أَيْ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ . وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَىأَفْضَلِيَّةِ جِنْسِ الْبَشَرِعَلَى جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ
قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ مِنْهَا وَيَتَنَعَّمُونَ وَلَمْ تُعْطِنَا ذَلِكَ فَأَعْطِنَاهُ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ اللَّهُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُتَّصِلًا وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْمِصِّيصِيُّ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ يَا رَبَّنَا أَعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَيَلْبَسُونَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَلَا نَأْكُلُ وَلَا نَشْرَبُ وَلَا نَلْهُو فَكَمَا جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيَا فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ قَالَ لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ ، فَكَانَ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ الرَّازِيِّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الصَّيْدَلَانِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ حِصْنِ بْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ عَلَّاقٍ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ رُوَيْمٍ اللَّخْمِيَّ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا : رَبَّنَا خَلَقْتَنَا وَخَلَقْتَ بَنِي آدَمَ فَجَعَلْتَهُمْ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُونَ الشَّرَابَ وَيَلْبَسُونَ الثِّيَابَ وَيَتَزَوَّجُونَ النِّسَاءَ وَيَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ يَنَامُونَ وَيَسْتَرِيحُونَ وَلَمْ تَجْعَلْ لَنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدِي وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ "
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ تَمَّامٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَاءِ عَنْ بِشْرِ بْنِ شِغَافٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَا شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ ابْنِ آدَمَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ قَالَ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمَلَائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ " وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا
( ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ( 71 ) ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ( 72 ) ) . يُخْبِرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ يُحَاسِبُ كُلَّ أُمَّةٍ بِإِمَامِهِمْ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ أَيْ بِنَبِيِّهِمْ وَهَذَا كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ) [ يُونُسَ 47 . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ هَذَا أَكْبَرُ شَرَفٍ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ إِمَامَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ بِكِتَابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِمْ مِنَ التَّشْرِيعِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : بِكُتُبِهِمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ هَذَا وَأَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ ) أَيْ بِكِتَابِ أَعْمَالِهِمْ وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَرْجَحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ) يس : 12 ] وَقَالَ تَعَالَى ( ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ) الْكَهْفِ : 49 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) الْجَاثِيَةِ : 28 ، 29 . وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يُجَاءَ بِالنَّبِيِّ إِذَا حَكَمَ اللَّهُ بَيْنَ أُمَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا عَلَيْهَا بِأَعْمَالِهَا كَمَا قَالَ : ( ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ ) الزُّمَرِ : 69 ، وَقَالَ ( ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ) النِّسَاءِ : 41 . وَلَكِنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا بِالْإِمَامِ هُوَ كِتَابُ الْأَعْمَالِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ ) أَيْ مِنْ فَرْحَتِهِ وَسُرُورِهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَقْرَؤُهُ وَيُحِبُّ قِرَاءَتَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ) إِلَى أَنْ قَالَ ( ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ ) الْحَاقَّةِ : 19 26 . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَتِيلَ هُوَ الْخَيْطُ الْمُسْتَطِيلُ فِي شِقِّ النَّوَاةِ وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ حَدِيثًا فِي هَذَا فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ( ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ ) قَالَ يُدْعَى أَحَدُهُمْ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ تَتَلَأْلَأُ فَيَنْطَلِقُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ ائْتِنَا بِهَذَا وَبَارِكْ لَنَا فِي هَذَا فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ : أَبْشِرُوا فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُسَوَّدُ وَجْهُهُ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ وَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ شَرِّ هَذَا اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهِ فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَخْزِهِ فَيَقُولُ أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ لَا يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَقَوْلُهُ ( ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ : ( ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ ) أَيْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ( ﴿أَعْمَى﴾ ) عَنْ حُجَجِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ وَبَيِّنَاتِهِ ( ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ ) أَيْ كَذَلِكَ يَكُونُ ( ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ) أَيْ وَأَضَلُّ مِنْهُ كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
( ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ( 73 ) ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ( 74 ) ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ( 75 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَأْيِيدِ رَسُولِهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - وَتَثْبِيتِهِ ، وَعِصْمَتِهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ شَرِّ الْأَشْرَارِ وَكَيْدِ الْفُجَّارِ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّي أَمْرَهُ وَنَصْرَهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَكِلُهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، بَلْ هُوَ وَلِيُّهُ وَحَافِظُهُ وَنَاصِرُهُ وَمُؤَيِّدُهُ وَمُظَفِّرُهُ ، وَمُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُ وَخَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ ، فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
( ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ( 76 ) ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ ( 77 ) ) . قِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ ، إِذْ أَشَارُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُكْنَى الشَّامِ بِلَادِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَتَرْكِ سُكْنَى الْمَدِينَةِ . وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَسُكْنَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ ذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ بِتَبُوكَ . وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ الْحَاكِمِ ، عَنِ الْأَصَمِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيِّ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بِهْرَامَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ؛
أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا أَنَّكَ نَبِيٌّ ، فَالْحَقْ بِالشَّامِ ؛ فَإِنَّ الشَّامَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ . فَصَدَّقَ مَا قَالُوا ،فَغَزَا غَزْوَةَ تَبُوكَ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الشَّامَ . فَلَمَّا بَلَغَ تَبُوكَ ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَا خُتِمَتِ السُّورَةُ : ( ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( تَحْوِيلًا ) فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَقَالَ : فِيهَا مَحْيَاكَ وَمَمَاتُكَ ، وَمِنْهَا تُبْعَثُ . وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَظَرٌ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَغْزُ تَبُوكَ عَنْ قَوْلِ الْيَهُودِ ، إِنَّمَا غَزَاهَا امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 123 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 29 ] . وَغَزَاهَا لِيَقْتَصَّ وَيَنْتَقِمَ مِمَّنْ قَتَلَ أَهْلَ مُؤْتَةَ ، مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَحُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عُفَيْرِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي ثَلَاثَةِ أَمْكِنَةٍ: مَكَّةَ ، وَالْمَدِينَةِ ، وَالشَّامِ " . قَالَ الْوَلِيدُ : يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ . وَتَفْسِيرُ الشَّامِ بِتَبُوكَ أَحْسَنُ مِمَّا قَالَ الْوَلِيدُ : إِنَّهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي كَفَّارِ قُرَيْشٍ ، هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَأَنَّهُمْ لَوْ أَخْرَجُوهُ لَمَا لَبِثُوا بَعْدَهُ بِمَكَّةَ إِلَّا يَسِيرًا . وَكَذَلِكَ وَقَعَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ هِجْرَتِهِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ أَذَاهُمْ لَهُ إِلَّا سَنَةٌ وَنِصْفٌ . حَتَّى جَمَعَهُمُ اللَّهُ وَإِيَّاهُ بِبَدْرٍ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُمْ وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ وَأَظْفَرَهُ بِهِمْ ، فَقَتَلَ أَشْرَافَهُمْ وَسَبَى سَرَاتَهُمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ ) أَيْ : هَكَذَا عَادَتُنَا فِي الَّذِينَ كَفَرُوا بِرُسُلِنَا وَآذَوْهُمْ : يَخْرُجُ الرَّسُولُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ : وَيَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ . وَلَوْلَا أَنَّهُ عَلَيْهِ [ الصَّلَاةُ وَ ] السَّلَامُ رَسُولُ الرَّحْمَةِ ، لَجَاءَهُمْ مِنَ النِّقَمِ فِي الدُّنْيَا مَا لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ) [ الْأَنْفَالِ : 33 ] .
( ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ( 78 ) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ( 79 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمِرًا لَهُ بِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا : ( ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ) قِيلَ لِغُرُوبِهَا . قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ هُشَيْمٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " دُلُوكُهَا " : زَوَالُهَا . وَرَوَاهُ نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَقَالَهُ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَمُجَاهِدٍ . وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ ، وَقَتَادَةُ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَمِمَّا اسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ بَشِيرٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، [ عَنْ رَجُلٍ ] ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
قَالَ : دَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَطَعِمُوا عِنْدِي ، ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " اخْرُجْ يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَهَذَا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ " . ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ بَكَّارٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَحْوَهُ . فَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ دَخَلَ فِيهَا أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ الْخَمْسَةِ فَمِنْ قَوْلِهِ : ( ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ) وَهُوَ : ظَلَامُهُ ، وَقِيلَ : غُرُوبُ الشَّمْسِ ، أُخِذَ مِنْهُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ ، وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى ] : ( ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ) يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ . وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاتُرًا مِنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ بِتَفَاصِيلَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ ، عَلَى مَا عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ ، مِمَّا تَلَقَّوْهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ، وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوَاضِعِهِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . ( ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ) قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ) قَالَ : " تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ " . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ - وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِخَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً ، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ " . وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ) . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ) قَالَ : " تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ ، وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَيَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ - كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ : أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ " وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : يَجْتَمِعُ الْحَرَسَانِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَيَصْعَدُ هَؤُلَاءِ وَيُقِيمُ هَؤُلَاءِ . وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا - مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زِيَادَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ النُّزُولِ وَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : " مَنْ يَسْتَغْفِرْنِي أَغْفِرْ لَهُ ، مَنْ يَسْأَلْنِي أُعْطِهِ ، مَنْ يَدْعُنِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ " . فَلِذَلِكَ يَقُولُ : ( ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ) فَيَشْهَدُهُ اللَّهُ ، وَمَلَائِكَةُ اللَّيْلِ ، وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ - فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ زِيَادَةً ، وَلَهُ بِهَذَا حَدِيثٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ ) أَمْرٌ لَهُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ ، كَمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ : أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ ؟ قَالَ : " صَلَاةُ اللَّيْلِ " . وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَاتِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ ، فَإِنَّ التَّهَجُّدَ : مَا كَانَ بَعْدَ نَوْمٍ ؛ قَالَهُ عَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ . وَكَذَلِكَ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ كَانَ يَتَهَجَّدُ بَعْدَ نَوْمِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : هُوَ مَا كَانَ بَعْدَ الْعَشَاءِ . وَيُحْمَلُ عَلَى مَا بَعْدَ النَّوْمِ . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( نَافِلَةً لَكَ ) فَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّكَ مَخْصُوصٌ بِوُجُوبِ ذَلِكَ وَحْدَكَ ، فَجَعَلُوا قِيَامَ اللَّيْلِ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ دُونَ الْأُمَّةِ . رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقِيلَ : إِنَّمَا جُعِلَ قِيَامُ اللَّيْلَ فِي حَقِّهِ نَافِلَةً عَلَى الْخُصُوصِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنَبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِنَّمَا يُكَفِّرُ عَنْهُ صَلَوَاتُهُ النَّوَافِلُ الذُّنُوبَ الَّتِي عَلَيْهِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ) أَيْ : افْعَلْ هَذَا الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ ، لِنُقِيمَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَامًا يَحْسُدُكَ فِيهِ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : ذَلِكَ هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي يَقُومُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلشَّفَاعَةِ لِلنَّاسِ ، لِيُرِيحَهُمْ رَبُّهُمْ مِنْ عَظِيمِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، حُفَاةً عُرَاةً كَمَا خُلِقُوا قِيَامًا ، لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، يُنَادَى : يَا مُحَمَّدُ ، فَيَقُولُ : " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ ، وَعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَبِكَ وَإِلَيْكَ ، لَا مَنْجَى وَلَا مَلْجَأَ مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ ، سُبْحَانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ " . فَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، بِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . وَقَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هُوَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّهُ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ : ( ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ) قُلْتُ : لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا تَشْرِيفَاتٌ [ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ] لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ ، وَتَشْرِيفَاتٌ لَا يُسَاوِيهِ فِيهَا أَحَدٌ ؛ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَيُبْعَثُ رَاكِبًا إِلَى الْمَحْشَرِ ، وَلَهُ اللِّوَاءُ الَّذِي آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ ، وَلَهُ الْحَوْضُ الَّذِي لَيْسَ فِي الْمَوْقِفِ أَكْثَرُ وَارِدًا مِنْهُ ، وَلَهُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى عِنْدَ اللَّهِ لِيَأْتِيَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلَائِقِ ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا يَسْأَلُ النَّاسُ آدَمَ ثُمَّ نُوحًا ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ مُوسَى ثُمَّ عِيسَى ، فَكَلٌّ يَقُولُ : " لَسْتُ لَهَا " حَتَّى يَأْتُوا إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : " أَنَا لَهَا ، أَنَا لَهَا " كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُشَفَّعُ فِي أَقْوَامٍ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ، فَيُرَدُّونَ عَنْهَا . وَهُوَ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ يُقْضَى بَيْنَ أُمَّتِهِ ، وَأَوَّلُهُمْ إِجَازَةً عَلَى الصِّرَاطِ بِأُمَّتِهِ . وَهُوَ أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ : إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا بِشَفَاعَتِهِ وَهُوَ أَوَّلُ دَاخِلٍ إِلَيْهَا وَأُمَّتُهُ قَبْلَ الْأُمَمِ كُلِّهِمْ . وَيُشَفَّعُ فِي رَفْعِ دَرَجَاتِ أَقْوَامٍ لَا تَبْلُغُهَا أَعْمَالُهُمْ . وَهُوَ صَاحِبُ الْوَسِيلَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ ، لَا تَلِيقُ إِلَّا لَهُ . وَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّفَاعَةِ لِلْعُصَاةِ شَفَّعَ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ ، فَيُشَفَّعُ هُوَ فِي خَلَائِقَ لَا يَعْلَمُ عِدَّتَهُمْ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يُشَفَّعُ أَحَدٌ مِثْلَهُ وَلَا يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ بَسَطْتُ ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي آخِرِ كِتَابِ " السِّيرَةِ " فِي بَابِ الْخَصَائِصِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَلْنَذْكُرِ الْآنَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ [ يَقُولُ ] : إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا ، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا ، يَقُولُونَ : يَا فُلَانُ اشْفَعْ ، يَا فُلَانُ اشْفَعْ حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا . وَرَوَاهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ الشَّمْسَ لَتَدْنُو حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ، فَيَقُولُ : لَسْتُ صَاحِبَ ذَلِكَ ، ثُمَّ بِمُوسَى فَيَقُولُ كَذَلِكَ ، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ فَيَشْفَعُ بَيْنَ الْخَلْقِ ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا " . [ يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ كُلُّهُمْ ] . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الزَّكَاةِ " عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، بِهِ ، وَزَادَ " فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا ، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ " . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ : اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . انْفَرَدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ . حَدِيثُ أُبَيٍّ : وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، كَنْتُ إِمَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَخَطِيبَهُمْ ، وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ غَيْرَ فَخْرٍ " . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَمْرٍو الْعَقَدِيِّ ، وَقَالَ : " حَسَنٌ صَحِيحٌ " . وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ بِهِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ : " أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِهِ : " فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ ، اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فِيهِ الْخَلْقُ ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " . حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُلْهَمُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ : لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا ، فَأَرَاحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا . فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ : يَا آدَمُ ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا . فَيَقُولُ لَهُمْ آدَمُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ الَّذِي أَصَابَ ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ ذَلِكَ ، وَيَقُولُ : وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ . فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَةَ سُؤَالِهِ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ . فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى ، عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ ، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ . فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، وَيَذْكُرُ لَهُمُ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلَ بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ ، وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي " . قَالَ الْحَسَنُ هَذَا الْحَرْفُ : " فَأَقُومُ فَأَمْشِي بَيْنَ سِمَاطَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " . قَالَ أَنَسٌ : " حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ - أَوْ : خَرَرْتُ - سَاجِدًا لِرَبِّي ، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي " . قَالَ : " ثُمَّ يُقَالُ : ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، قُلْ يُسْمَعْ ، وَاشْفَعْ تَشَفَّعْ ، وَسَلْ تُعْطَهُ . فَأَرْفَعُ رَأْسِي ، فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ " : " ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ - أَوْ : خَرَرْتُ - سَاجِدًا لِرَبِّي ، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي . ثُمَّ يُقَالُ : ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، قُلْ يُسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَهُ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ أَعُودُ فِي الثَّالِثَةِ ؛ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ - أَوْ : خَرَرْتُ - سَاجِدًا لِرَبِّي ، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ، ثُمَّ يُقَالُ : ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، قُلْ يُسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَهُ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ . ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ، مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ " . فَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيْرَةً ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً " . أَخْرَجَاهُ [ فِي الصَّحِيحِ ] مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ ، بِهِ وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَفَّانَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِطُولِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو الْخَطَّابِ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ أُمَّتِي تَعْبُرُ الصِّرَاطَ ، إِذْ جَاءَنِي عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : هَذِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَدْ جَاءَتْكَ يَا مُحَمَّدُ يَسْأَلُونَ - أَوْ قَالَ : يَجْتَمِعُونَ إِلَيْكَ - وَيَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَمِ إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ ، لِغَمِّ مَا هُمْ فِيهِ ، فَالْخَلْقُ مُلْجَمُونَ بِالْعَرَقِ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزَّكْمَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْشَاهُ الْمَوْتُ ، فَقَالَ : انْتَظِرْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ . فَذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَلَقِيَ مَا لَمْ يَلْقَ مَلِكٌ مُصْطَفًى وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ . فَأَوْحَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلَى جِبْرِيلَ : أَنِ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَقُلْ لَهُ : ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَسَلْ تُعْطَهُ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَشُفِّعْتُ فِي أُمَّتِي : أَنْ أُخْرِجَ مِنْ كُلِّ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا وَاحِدًا . فَمَا زِلْتُ أَتَرَدَّدُ إِلَى رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - فَلَا أَقْوَمُ مِنْهُ مَقَامًا إِلَّا شُفِّعْتُ ، حَتَّى أَعْطَانِي اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، أَنْ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَدْخِلْ [ مِنْ أُمَّتِكَ ] مِنْ خَلْقِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمًا وَاحِدًا مُخْلِصًا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ " . حَدِيثُ بُرَيْدَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْرَائِيلَ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، فَإِذَا رَجُلٌ يَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ بُرَيْدَةُ : يَا مُعَاوِيَةُ ، تَأْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ - وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ مَا قَالَ الْآخَرُ - فَقَالَ بُرَيْدَةُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أُشَفَّعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدَدَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ وَمَدَرَةٍ " . قَالَ : فَتَرْجُوهَا أَنْتَ يَا مُعَاوِيَةُ ، وَلَا يَرْجُوهَا عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؟ ! . حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : جَاءَ ابْنَا مُلَيْكَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا : إِنَّ أُمَّنَا [ كَانَتْ ] تُكْرِمُ الزَّوْجَ ، وَتَعْطِفُ عَلَى الْوَلَدِ - قَالَ : وَذَكَرَ الضَّيْفَ - غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ وَأَدَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ فَقَالَ : " أُمُّكُمَا فِي النَّارِ " . قَالَ : فَأَدْبَرَا وَالسُّوءُ يُرَى فِي وُجُوهِهِمَا ، فَأُمِرَ بِهِمَا فَرُدَّا ، فَرَجَعَا وَالسُّرُورُ يُرَى فِي وُجُوهِهِمَا ؛ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ شَيْءٌ ، فَقَالَ : " أُمِّي مَعَ أُمِّكُمَا " . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ : وَمَا يُغْنِي هَذَا عَنْ أُمِّهِ شَيْئًا! وَنَحْنُ نَطَأُ عَقِبَيْهِ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - وَلَمْ أَرَ رَجُلًا قَطُّ أَكْثَرَ سُؤَالًا مِنْهُ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ وَعَدَكَ رَبُّكَ فِيهَا أَوْ فِيهِمَا ؟ . قَالَ : فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ شَيْءٍ قَدْ سَمِعَهُ ، فَقَالَ : " مَا شَاءَ اللَّهُ رَبِّي وَمَا أَطْمَعَنِي فِيهِ ، وَإِنِّي لَأَقُومُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا ذَاكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ ؟ قَالَ : " ذَاكَ إِذَا جِيءَ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَيَقُولُ : اكْسُوا خَلِيلِي . فَيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ ، فَيَلْبَسُهُمَا ثُمَّ يُقْعِدُهُ مُسْتَقْبِلَ الْعَرْشِ ، ثُمَّ أُوتَى بِكِسْوَتِي فَأَلْبَسُهَا ، فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ مَقَامًا لَا يَقُومُهُ أَحَدٌ ، فَيَغْبِطُنِي فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ . وَيُفْتَحُ نَهْرٌ مِنَ الْكَوْثَرِ إِلَى الْحَوْضِ " . فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : إِنَّهُ مَا جَرَى مَاءٌ قَطُّ إِلَّا عَلَى حَالٍ أَوْ رَضْرَاضٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَالُهُ الْمِسْكُ ، وَرَضْرَاضُهُ التُّومُ " . [ قَالَ الْمُنَافِقُ : لَمْ أَسْمَعْ كَالْيَوْمِ . قَلَّمَا جَرَى مَاءٌ قَطُّ عَلَى حَالٍ أَوْ رَضْرَاضٍ ، إِلَّا كَانَ لَهُ نَبْتَةٌ . فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لَهُ نَبْتٌ ؟ قَالَ " نَعَمْ ، قُضْبَانُ الذَّهَبِ " ] . قَالَ الْمُنَافِقُ : لَمْ أَسْمَعْ كَالْيَوْمِ ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَنْبُتُ قَضِيبٌ إِلَّا أَوْرَقَ ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ ثَمَرٌ! قَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لَهُ ثَمَرَةٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، أَلْوَانُ الْجَوْهَرِ ، وَمَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ ، وَمَنْ حُرِمَهُ لَمْ يُرْوَ بَعْدَهُ " . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ثُمَّ يَأْذَنُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الشَّفَاعَةِ ، فَيَقُومُ رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يَقُومُ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ ، ثُمَّ يَقُومُ عِيسَى أَوْ مُوسَى - قَالَ أَبُو الزَّعْرَاءِ : لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا - قَالَ : ثُمَّ يَقُومُ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَابِعًا ، فَيَشْفَعُ لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ بَعْدَهُ أَكْثَرَ مِمَّا شَفَعَ ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ) . حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [ بْنِ كَعْبِ ] بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ ، وَيَكْسُونِي رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - حُلَّةً خَضْرَاءَ ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ " . حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ، فَأَنْظُرُ إِلَى مَا بَيْنَ يَدِي ، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ ، وَمِنْ خَلْفِي مِثْلَ ذَلِكَ ، وَعَنْ يَمِينِي مِثْلَ ذَلِكَ ، وَعَنْ شِمَالِي مِثْلَ ذَلِكَ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ ، فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ ؟ قَالَ : " هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ ، لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرُهُمْ ، وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ ، وَأَعْرِفُهُمْ تَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ " . حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ - وَكَانَتْ تَعْجِبُهُ - فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ، ثُمَّ قَالَ : " أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ . فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ : [ أَلَّا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا قَدْ بَلَغَكُمْ ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ ] : أَبُوكُمْ آدَمُ ! . فَيَأْتُونَ آدَمَ ، فَيَقُولُونَ : يَا آدَمُ ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ؛ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ آدَمُ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ ، نَفْسِي ، نَفْسِي ، نَفْسِي! اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ . فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ : يَا نُوحُ ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ نُوحٌ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ عَلَى قَوْمِي ، نَفْسِي ، نَفْسِي ، نَفْسِي! اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ . فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ، [ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ] أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، فَذَكَرَ كَذِبَاتِهِ نَفْسِي ، نَفْسِي ، نَفْسِي [ اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ] اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى . فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ : يَا مُوسَى ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ، نَفْسِي ، نَفْسِي ، نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى . فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ : يَا عِيسَى ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ - قَالَ : هَكَذَا هُوَ - وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ . فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَأَقُومُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ ، وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي . فَيُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ، أُمَّتِي أُمَّتِي ، يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ، يَا رَبِّ ، أُمَّتِي أُمَّتِي! فَيُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ : أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَبْوَابِ " . ثُمَّ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى " . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَقَالَ مُسْلِمٌ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا الْحَكْمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ " . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الزَّعَافِرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ) ، سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ : " هِيَ الشَّفَاعَةُ " . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ) قَالَ : " هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ لِأُمَّتِي فِيهِ " . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، مَدَّ اللَّهُ الْأَرْضَ مَدَّ الْأَدِيمِ ، حَتَّى لَا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمِهِ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى ، وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَاللَّهِ مَا رَآهُ قَبْلَهَا ، فَأَقُولُ : رَبِّ ، إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِلَيَّ . فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : صَدَقَ ، ثُمَّ أُشَفَّعُ . فَأَقُولُ : يَا رَبِّ عِبَادُكَ عَبَدُوكَ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ " ، قَالَ : " فَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ " ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ .
( ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ ( 80 ) ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ( 81 ) ) . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ ) . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّ كُفَّارَ أَهْلِ مَكَّةَ لَمَّا ائْتَمَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْتُلُوهُ أَوْ يَطْرُدُوهُ أَوْ يُوثِقُوهُ ، وَأَرَادَ اللَّهُ قِتَالَ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : : ( ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ ) وَقَالَ قَتَادَةُ : ( ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ) يَعْنِي الْمَدِينَةَ ( ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ ) يَعْنِي مَكَّةَ . وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ . وَقَالَ : الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ) يَعْنِي الْمَوْتَ ( ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ ) يَعْنِي الْحَيَاةَ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا : وَعَدَهُ رَبُّهُ لَيَنْزَعَنَّ مُلْكَ فَارِسَ ، وَعِزَّ فَارِسَ ، وَلَيَجْعَلَنَّهُ لَهُ ، وَمُلْكَ الرُّومِ ، وَعِزَّ الرُّومِ ، وَلَيَجْعَلَنَّهُ لَهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ فِيهَا إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَلِمَ أَلَّا طَاقَةَ لَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ، فَسَأَلَ سُلْطَانًا نَصِيرًا لِكِتَابِ اللَّهِ ، وَلِحُدُودِ اللَّهِ ، وَلِفَرَائِضِ اللَّهِ ، وَلِإِقَامَةِ دِينِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ السُّلْطَانَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ جَعَلَهُ بَيْنَ أَظْهُرِ عِبَادِهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَغَارَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَأَكَلَ شَدِيدُهُمْ ضَعِيفَهُمْ . قَالَ مُجَاهِدٌ : ( سُلْطَانًا نَصِيرًا ) حُجَّةً بَيِّنَةً . وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ الْحَقِّ مِنْ قَهْرٍ لِمَنْ عَادَاهُ وَنَاوَأَهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ [ سُبْحَانَهُ ] وَتَعَالَى : ( ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ ) [ الْحَدِيدِ : 25 ] وَفِي الْحَدِيثِ :
"إِنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ" أَيْ : لَيَمْنَعُ بِالسُّلْطَانِ عَنِ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ وَالْآثَامِ ، مَا لَا يَمْتَنِعُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ الْأَكِيدِ ، وَالتَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ ، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ) تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ ، وَهُوَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ . وَزَهَقَ بَاطِلُهُمْ ، أَيِ اضْمَحَلَّ وَهَلَكَ ، فَإِنَّ الْبَاطِلَ لَا ثَبَاتَ لَهُ مَعَ الْحَقِّ وَلَا بَقَاءَ ( ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 18 ] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ ، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ ، وَيَقُولُ : ( ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ) ، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ " . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، كُلُّهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ . [ وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ] . وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا يُعْبَدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . فَأَمَرَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُكِبَّتْ لِوَجْهِهَا ، وَقَالَ : " جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا " .
( ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ ( 82 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ - إِنَّهُ : ( شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) أَيْ : يُذْهِبُ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ أَمْرَاضٍ ، مِنْ شَكٍّ وَنِفَاقٍ ، وَشِرْكٍ وَزَيْغٍ وَمَيْلٍ ، فَالْقُرْآنُ يَشْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ . وَهُوَ أَيْضًا رَحْمَةٌ يَحْصُلُ فِيهَا الْإِيمَانُ وَالْحِكْمَةُ وَطَلَبُ الْخَيْرِ وَالرَّغْبَةُ فِيهِ ، وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ شِفَاءً فِي حَقِّهِ وَرَحْمَةً . وَأَمَّا الْكَافِرُ الظَّالِمُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ ، فَلَا يَزِيدُهُ سَمَاعُهُ الْقُرْآنَ إِلَّا بُعْدًا وَتَكْذِيبًا وَكُفْرًا . وَالْآفَةُ مِنَ الْكَافِرِ لَا مِنَ الْقُرْآنِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ) [ فُصِّلَتْ : 44 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 124 ، 125 ] . وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ . قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) إِذَا سَمِعَهُ الْمُؤْمِنُ انْتَفَعَ بِهِ وَحَفِظَهُ وَوَعَاهُ ( ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ ) إِنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَحْفَظُهُ وَلَا يَعِيهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ هَذَا الْقُرْآنَ شِفَاءً ، وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ .
( ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ ( 83 ) ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ ( 84 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ نَقْصِ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ، إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَالَتَيْ سَرَّائِهِ وَضَرَّائِهِ ، بِأَنَّهُ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَالٍ وَعَافِيَةٍ ، وَفَتْحٍ وَرِزْقٍ وَنَصْرٍ ، وَنَالَ مَا يُرِيدُ ، أَعْرَضَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَنَأَى بِجَانِبِهِ . قَالَ مُجَاهِدٌ : بَعُدَ عَنَّا . قُلْتُ : وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ) [ يُونُسَ : 12 ] ، وَقَوْلُهُ ) فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ) [ الْإِسْرَاءِ : 67 ] . وَبِأَنَّهُ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ - وَهُوَ الْمَصَائِبُ وَالْحَوَادِثُ وَالنَّوَائِبُ - ( ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾ ) أَيْ : قَنَطَ أَنْ يَعُودَ يَحْصُلُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ) [ هُودٍ : 10 ، 11 ] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَلَى نَاحِيَتِهِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَلَى حِدَّتِهِ وَطَبِيعَتِهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : عَلَى نِيَّتِهِ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : دِينِهِ . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى . وَهَذِهِ الْآيَةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَوَعِيدٌ لَهُمْ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ) [ هُودٍ : 121 ، 122 ] وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ ) أَيْ : مِنَّا وَمِنْكُمْ ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ ، فَإِنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ .
( ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ( 85 ) ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ :
كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرْثٍ فِي الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مُتَوَكِّئٌ عَلَى عَسِيبٍ ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تَسْأَلُوهُ . قَالَ : فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ ، مَا الرُّوحُ ؟ فَمَا زَالَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْعَسِيبِ ، قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ ، فَقَالَ : ( ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : قَدْ قُلْنَا لَكُمْ لَا تَسْأَلُوهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ . وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرْثٍ ، وَهُوَ مُتَوَكِّئٌ عَلَى عَسِيبٍ ، إِذْ مَرَّ الْيَهُودُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ ، فَقَالَ : مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَسْتَقْبِلَنَّكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ . فَقَالُوا سَلُوهُ فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ ، فَقُمْتُ مَقَامِي ، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ : ( ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ) الْآيَةَ . وَهَذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي فِيمَا يَظْهَرُ بَادِيَ الرَّأْيِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ ، وَأَنَّهَا إِنَّمَا نَزَلَتْ حِينَ سَأَلَهُ الْيَهُودُ ، عَنْ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ ، مَعَ أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ . وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا : بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً كَمَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِأَنَّهُ يُجِيبُهُمْ عَمَّا سَأَلُوا بِالْآيَةِ الْمُتَقَدَّمِ إِنْزَالُهَا عَلَيْهِ ، وَهِيَ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَكَّةَ مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَتْ قُرَيْشٌ لِيَهُودَ : أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ عَنْهُ هَذَا الرَّجُلَ . فَقَالُوا : سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ . فَسَأَلُوهُ ، فَنَزَلَتْ : ( ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ) قَالُوا : أُوتِينَا عِلْمًا كَثِيرًا ، أُوتِينَا التَّوْرَاةَ ، وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا . قَالَ : وَأَنَزْلَ اللَّهُ : ( ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ) [ الْكَهْفِ : 109 ] . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : سَأَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّوحِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ) فَقَالُوا يَزْعُمُ أَنَّا لَمْ نُؤْتَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وَقَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ ، وَهِيَ الْحِكْمَةُ ( ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ) ؟ [ الْبَقَرَةِ : 269 ] قَالَ : فَنَزَلَتْ : ( ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ) [ لُقْمَانَ : 27 ] . قَالَ : مَا أُوتِيتُمْ مِنْ عِلْمٍ ، فَنَجَّاكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّارِ ، فَهُوَ كَثِيرٌ طَيِّبٌ وَهُوَ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : نَزَلَتْ بِمَكَّةَ : ( ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ) فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، أَتَاهُ أَحْبَارُ يَهُودَ . وَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ ، أَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْكَ أَنَّكَ تَقُولُ : ( ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ) أَفَعَنَيْتَنَا أَمْ عَنَيْتَ قَوْمَكَ ؟ فَقَالَ : " كُلًّا قَدْ عَنَيْتُ " . قَالُوا : إِنَّكَ تَتْلُو أَنَّا أُوتِينَا التَّوْرَاةَ ، وَفِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هِيَ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ ، وَقَدْ آتَاكُمْ مَا إِنْ عَمِلْتُمْ بِهِ اسْتَقَمْتُمْ " ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ) [ لُقْمَانَ : 27 ] . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ هَاهُنَا عَلَى أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ [ بِالرُّوحِ ] : أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ . قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) الْآيَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخْبِرْنَا عَنِ الرُّوحِ ؟ وَكَيْفَ تَعَذَّبُ الرُّوحُ الَّتِي فِي الْجَسَدِ ، وَإِنَّمَا الرُّوحُ مِنَ اللَّهِ ؟ وَلَمْ يَكُنْ نَزَلَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ ، فَلَمْ يُحِرْ إِلَيْهِمْ شَيْئًا . فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ : ( ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ) فَأَخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، فَقَالُوا : مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا ؟ فَقَالَ : " جَاءَنِي بِهِ جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؟ " فَقَالُوا لَهُ : وَاللَّهِ مَا قَالَهُ لَكَ إِلَّا عَدُوٌّ لَنَا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ]﴾ ) الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 97 ] . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالرُّوحِ هَاهُنَا : جِبْرِيلُ . قَالَهُ قَتَادَةُ ، قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُهُ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا : مَلَكٌ عَظِيمٌ بِقَدْرِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) يَقُولُ : الرُّوحُ : مَلَكٌ . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْسٍ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ رِزْقٍ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا ، لَوْ قِيلَ لَهُ : الْتَقِمِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ بِلَقْمَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَفَعَلَ ، تَسْبِيحُهُ : سُبْحَانَكَ حَيْثُ كُنْتَ " . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، بَلْ مُنْكَرٌ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي أَبُو نِمْرَانَ يَزِيدُ بْنُ سَمُرَةَ صَاحِبُ قَيْسَارِيَةَ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) قَالَ : هُوَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ وَجْهٍ ، لِكُلِّ وَجْهٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ ، لِكُلِّ لِسَانٍ مِنْهَا [ سَبْعُونَ ] أَلْفَ لُغَةٍ ، يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى بِتِلْكَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ مَلَكٌ ، لَهُ مِائَةُ أَلْفِ رَأْسٍ ، لِكُلِّ رَأْسٍ مِائَةُ أَلْفِ وَجْهٍ ، فِي كُلِّ وَجْهٍ مِائَةُ أَلْفِ فَمٍ ، فِي كُلِّ فَمٍ مِائَةُ أَلْفِ لِسَانٍ ، يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ . قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَقِيلَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ : طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ . وَقِيلَ : طَائِفَةٌ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ وَلَا تَرَاهُمْ فَهُمْ لِلْمَلَائِكَةِ كَالْمَلَائِكَةِ لِبَنِي آدَمَ . وَقَوْلُهُ : ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) أَيْ : مِنْ شَأْنِهِ ، وَمِمَّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ دُونَكُمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) أَيْ : وَمَا أَطْلَعَكُمْ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا عَلَى الْقَلِيلِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحِيطُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَالْمَعْنَى : أَنَّ عِلْمَكُمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ ، وَهَذَا الَّذِي تَسْأَلُونَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرُّوحِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعَالَى ، وَلَمْ يُطْلِعْكُمْ عَلَيْهِ ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُطْلِعْكُمْ إِلَّا عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ عِلْمِهِ تَعَالَى . وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ : أَنَّ الْخَضِرَ نَظَرَ إِلَى عُصْفُورٍ وَقَعَ عَلَى حَافَّةِ السَّفِينَةِ ، فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً ، أَيْ : شَرِبَ مِنْهُ بِمِنْقَارِهِ ، فَقَالَ : يَا مُوسَى ، مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ وَعِلْمُ الْخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ . أَوْ كَمَا قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَمْ يُجِبْهُمْ عَمَّا سَأَلُوا ؛ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ . وَقِيلَ : أَجَابَهُمْ ، وَعَوَّلَ السُّهَيْلِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) أَيْ : مِنْ شَرْعِهِ ، أَيْ : فَادْخُلُوا فِيهِ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا مِنْ طَبْعٍ وَلَا فَلْسَفَةٍ ، وَإِنَّمَا يَنَالُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ . وَفِي هَذَا الْمَسْلَكِ الَّذِي طَرَقَهُ وَسَلَكَهُ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّالرُّوحَ هِيَ النَّفْسُ ، أَوْ غَيْرُهَا، وَقَرَّرَ أَنَّهَا ذَاتٌ لَطِيفَةٌ كَالْهَوَاءِ ، سَارِيَةٌ فِي الْجَسَدِ كَسَرَيَانِ الْمَاءِ فِي عُرُوقِ الشَّجَرِ . وَقَرَّرَ أَنَّ الرُّوحَ الَّتِي يَنْفُخُهَا الْمَلَكُ فِي الْجَنِينِ هِيَ النَّفْسُ بِشَرْطِ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ ، وَاكْتِسَابِهَا بِسَبَبِهِ صِفَاتِ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ ، فَهِيَ إِمَّا نَفْسٌ مُطَمْئِنَةٌ أَوْ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ . قَالَ : كَمَا أَنَّ الْمَاءَ هُوَ حَيَاةُ الشَّجَرِ ، ثُمَّ يَكْسِبُ بِسَبَبِ اخْتِلَاطِهِ مَعَهَا اسْمًا خَاصًّا ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِالْعِنَبَةِ وَعُصِرَ مِنْهَا صَارَ إِمَّا مُصْطَارًا أَوْ خَمْرًا ، وَلَا يُقَالُ لَهُ : " مَاءٌ " حِينَئِذٍ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، وَهَكَذَا لَا يُقَالُ لِلنَّفْسِ : " رُوحٌ " إِلَّا عَلَى هَذَا النَّحْوِ ، وَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ لِلرُّوحِ : نَفْسٌ إِلَّا بِاعْتِبَارِ مَا تَئُولُ إِلَيْهِ . فَحَاصِلُ مَا يَقُولُ أَنَّ الرُّوحَ أَصْلُ النَّفْسِ وَمَادَّتُهَا ، وَالنَّفْسُ مُرَكَّبَةٌ مِنْهَا وَمِنَ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ ، فَهِيَ هِيَ مَنْ وَجْهٍ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْتُ : وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي مَاهِيَةِ الرُّوحِ وَأَحْكَامِهَا وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ كُتُبًا . وَمِنْ أَحْسَنِ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ ابْنُ مَنْدَهْ ، فِي كِتَابٍ سَمِعْنَاهُ فِي : الرُّوحِ .
( ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ ( 86 ) ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ ( 87 ) ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ( 88 ) ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ ( 89 ) ) . يَذْكُرُ تَعَالَى نِعْمَتَهُ وَفَضْلَهُ الْعَظِيمَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ ، فِيمَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَطْرُقُ النَّاسَ رِيحٌ حَمْرَاءُ - يَعْنِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ - مِنْ قِبَلِ الشَّامِ ، فَلَا يَبْقَى فِي مُصْحَفِ رَجُلٍ وَلَا فِي قَلْبِهِ آيَةٌ ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ : ( ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ) الْآيَةَ . ثُمَّ نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى شَرَفِ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُلَوِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ كُلُّهُمْ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ ، لَمَا أَطَاقُوا ذَلِكَوَلَمَا اسْتَطَاعُوهُ ، وَلَوْ تَعَاوَنُوا وَتَسَاعَدُوا وَتَظَافَرُوا ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يُسْتَطَاعُ ، وَكَيْفَ يُشْبِهُ كَلَامُ الْمَخْلُوقِينَ كَلَامَ الْخَالِقِ ، الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ ، وَلَا مِثَالَ لَهُ ، وَلَا عَدِيلَ لَهُ ؟ ! وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ [ بْنِ جُبَيْرٍ ] أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ ، جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَهُ : إِنَّا نَأْتِيكَ بِمِثْلِ مَا جِئْتَنَا بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . وَفِي هَذَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَسِيَاقُهَا كُلُّهُ مَعَ قُرَيْشٍ ، وَالْيَهُودُ إِنَّمَا اجْتَمَعُوا بِهِ فِي الْمَدِينَةِ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ) أَيْ : بَيَّنَّا لَهُمُ الْحُجَجَ وَالْبَرَاهِينَ الْقَاطِعَةَ ، وَوَضَّحْنَا لَهُمُ الْحَقَّ وَشَرَحْنَاهُ وَبَسَطْنَاهُ ، وَمَعَ هَذَا ( ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ ) أَيْ : جُحُودًا وَرَدًّا لِلصَّوَابِ .
( ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ( 90 ) ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ ( 91 ) ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ( 92 ) ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ( 93 ) ) . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، قَدِمَ مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، عَنْ عِكْرِمَةَ ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ ، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ، وَرَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، وَأَبَا الْبَخْتَرِيِّ أَخَا بَنِي أَسَدٍ ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ ، وَزَمَعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ، وَالْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ ، وَنُبَيْهًا وَمُنَبِّهًا ابْنَيِ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيَّيْنِ ، اجْتَمَعُوا ، أَوْ : مَنِ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ ، بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ :ابْعَثُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتَّى تُعْذَرُوا فِيهِفَبَعَثُوا إِلَيْهِ : أَنَّ أَشْرَافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ . فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيعًا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُمْ فِي أَمْرِهِ بَدَاءٌ ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا ، يُحِبُّ رُشْدَهُمْ ، وَيَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهُمْ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّا قَدْ بَعَثْنَا إِلَيْكَ لِنُعْذَرَ فِيكَ ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ! لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ ، وَعِبْتَ الدِّينَ ، وَسَفَّهْتَ الْأَحْلَامَ ، وَشَتَمْتَ الْآلِهَةَ ، وَفَرَّقْتَ الْجَمَاعَةَ ، فَمَا بَقِيَ مِنْ أَمْرٍ قَبِيحٍ إِلَّا وَقَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ! فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالَنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَطْلُبُ الشَّرَفَ فِينَا ، سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ بِمَا يَأْتِيكَ رِئْيًا تَرَاهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ - وَكَانُوا يُسَمُّونَ التَّابِعَ مِنَ الْجِنِّ الرِّئْيَ - فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ ، بَذَلْنَا أَمْوَالَنَا فِي طَلَبِ الطِّبِّ ، حَتَّى نُبَرِّئَكَ مِنْهُ ، أَوْ نُعْذَرَ فِيكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا بِي مَا تَقُولُونَ ، مَا جِئْتُكُمْ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ ، وَلَا الشَّرَفَ فِيكُمْ ، وَلَا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنْ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي ، وَنَصَحْتُ لَكُمْ ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ ، فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ " . أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا . فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ مِنَّا مَا عَرَضْنَا عَلَيْكَ ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَضْيَقَ مِنَّا بِلَادًا ، وَلَا أَقَلَّ مَالًا وَلَا أَشَدَّ عَيْشًا مِنَّا ، فَاسْأَلْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِمَا بَعَثَكَ بِهِ ، فَلْيُسَيِّرْ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنَا ، وَلْيَبْسُطْ لَنَا بِلَادَنَا ، وَلْيُفَجِّرْ فِيهَا أَنْهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا ، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يُبْعَثُ لَنَا قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا صَدُوقًا ، فَنَسْأَلُهُمْ عَمَّا تَقُولُ حَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ ؟ فَإِنْ صَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاكَ وَصَدَّقُوكَ ، صَدَّقْنَاكَ ، وَعَرَفْنَا مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ! فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا بِهَذَا بُعِثْتُ ، إِنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ ، فَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ ، فَإِنْ تَقْبَلُوهُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ " . قَالُوا : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَنَا هَذَا فَخُذْ لِنَفْسِكَ ، فَاسْأَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ ، وَتَسْأَلُهُ فَيَجْعَلَ لَكَ جِنَانًا ، وَكُنُوزًا وَقُصُورًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، وَيُغْنِيَكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي ، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ ، حَتَّى نَعْرِفَ فَضْلَ مَنْزِلَتِكَ مِنْ رَبِّكَ ، إِنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ، مَا أَنَا بِالَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا ، وَمَا بُعِثْتُ إِلَيْكُمْ بِهَذَا ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ " . قَالُوا : فَأَسْقِطِ السَّمَاءَ ، كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إِنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلَ . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ بِكُمْ ذَلِكَ " . فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، أَمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ ، وَنَسْأَلُكَ عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ ، وَنَطْلُبُ مِنْكَ مَا نَطْلُبُ فَيُقَدِّمَ إِلَيْكَ وَيُعَلِّمَكَ مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ ، وَيُخْبِرَكَ مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا ، إِذَا لَمْ نَقْبَلْ مِنْكَ مَا جِئْتَنَا بِهِ ، فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ إِنَّمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ ، يُقَالُ لَهُ : الرَّحْمَنُ ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا ، فَقَدْ أَعْذَرْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ، أَمَا وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ وَمَا فَعَلْتَ بِنَا حَتَّى نُهْلِكَكَ أَوْ تُهْلِكَنَا . وَقَالَ قَائِلُهُمْ : نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ . وَقَالَ قَائِلُهُمْ : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا . فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ ، وَقَامَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّتِهِ ، ابْنُ عَاتِكَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، عَرَضَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ مَا عَرَضُوا ، فَلَمْ تَقْبَلْهُ مِنْهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوكَ لِأَنْفُسِهِمْ أُمُورًا لِيَعْرِفُوا بِهَا مَنْزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ ، فَلَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تُعَجِّلَ لَهُمْ مَا تُخَوِّفُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ ، فَوَاللَّهِ لَا أُؤْمِنُ بِكَ أَبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إِلَى السَّمَاءِ سُلَّمًا ، ثُمَّ تَرْقَى فِيهِ ، وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى تَأْتِيَهَا ، وَتَأْتِيَ مَعَكَ بِنُسْخَةٍ مَنْشُورَةٍ ، مَعَكَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، يَشْهَدُونَ أَنَّكَ كَمَا تَقُولُ . وَايْمُ اللَّهِ ، لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أَنِّي لَا أُصَدِّقُكَ . ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ حَزِينًا أَسِفًا لِمَا فَاتَهُ ، مِمَّا كَانَ طَمَعَ فِيهِ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ دَعَوْهُ ، وَلِمَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ إِيَّاهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَهَذَا الْمَجْلِسُ الَّذِي اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ لَهُ ، لَوْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ ذَلِكَ اسْتِرْشَادًا لَأُجِيبُوا إِلَيْهِ ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ كُفْرًا وَعِنَادًا ، فَقِيلَ لِلرَّسُولِ : إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْنَاهُمْ مَا سَأَلُوا فَإِنْ كَفَرُوا عَذَّبْتُهُمْ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ عَلَيْهِمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ ، فَقَالَ : " بَلْ تَفْتَحُ عَلَيْهِمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ " كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَيْضًا ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 59 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ) [ الْفُرْقَانِ : 7 - 11 ] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ) الْيَنْبُوعُ : الْعَيْنُ الْجَارِيَةُ ، سَأَلُوهُ أَنْ يُجْرِيَ لَهُمْ عَيْنًا مَعِينًا فِي أَرْضِ الْحِجَازِ هَاهُنَا وَهَاهُنَا ، وَذَلِكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، لَوْ شَاءَ لَفَعَلَهُ وَلَأَجَابَهُمْ إِلَى جَمِيعِ مَا سَأَلُوا وَطَلَبُوا ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ) [ يُونُسَ : 96 ، 97 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ) [ الْأَنْعَامِ : 111 ] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى ( ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ ) أَيْ : أَنَّكَ وَعَدْتَنَا أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَنْشَقُّ فِيهِ السَّمَاءُ وَتَهِي ، وَتَدَلَّى أَطْرَافُهَا ، فَعَجِّلْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، وَأَسْقِطْهَا كِسَفًا [ أَيْ : قِطَعًا ، كَقَوْلِهِمْ : ( ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ) الْآيَةَ [ الْأَنْفَالِ : 32 ] ، وَكَذَلِكَ سَأَلَ قَوْمُ شُعَيْبٍ مِنْهُ فَقَالُوا : ( أَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا ] مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 187 ] . فَعَاقَبَهُمُ الرَّبُّ بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ ، إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . وَأَمَّانَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ ، فَسَأَلَ إِنْظَارَهُمْ وَتَأْجِيلَهُمْ ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا . وَكَذَلِكَ وَقَعَ ، فَإِنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذُكِرُوا مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ حَتَّى " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ " الَّذِي تَبِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ مَا قَالَ ، أَسْلَمَ إِسْلَامًا تَامًّا ، وَأَنَابَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ( ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ : هُوَ الذَّهَبُ . وَكَذَلِكَ هُوَ فِيقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ " ، ( ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ ) أَيْ : تَصْعَدُ فِي سُلَّمٍ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْكَ ( ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيَّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ مَكْتُوبٌ فِيهِ إِلَى كُلٍّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ صَحِيفَةٌ : هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، تُصْبِحُ مَوْضُوعَةً عِنْدَ رَأْسِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ) أَيْ : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ سُلْطَانِهِ وَمَلَكُوتِهِ ، بَلْ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ ، إِنْ شَاءَ أَجَابَكُمْ إِلَى مَا سَأَلْتُمْ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِبْكُمْ ، وَمَا أَنَا إِلَّا رَسُولٌ إِلَيْكُمْ أُبْلِغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ ، وَقَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ، وَأَمْرُكُمْ فِيمَا سَأَلْتُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " عَرَضَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا ، فَقُلْتُ : لَا يَا رَبِّ ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا ، وَأَجُوعُ يَوْمًا - أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ - فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي " الزُّهْدِ " عَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، بِهِ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ .
( ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ( 94 ) ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ( 95 ) ) يَقُولُ تَعَالَى : ( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ ) أَيْ : أَكْثَرَهُمْ ) أَنْ يُؤْمِنُوا ) وَيُتَابِعُوا الرُّسُلَ ، إِلَّا اسْتِعْجَابُهُمْ مِنْ بَعْثَتِهِ الْبَشَرَ رُسُلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) [ يُونُسَ : 2 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ) [ التَّغَابُنِ : 6 ] ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ : ( ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 47 ] ، وَكَذَلِكَ قَالَتِ الْأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ : ( ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 10 ] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ : إِنَّهُ يَبْعَثُ إِلَيْهِمُ الرَّسُولَ مِنْ جِنْسِهِمْ ؛ لِيَفْقَهُوا عَنْهُ وَيَفْهَمُوا مِنْهُ ، لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ مُخَاطَبَتِهِ وَمُكَالَمَتِهِ ، وَلَوْ بَعَثَ إِلَى الْبَشَرِ رَسُولًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمَا اسْتَطَاعُوا مُوَاجَهَتَهُ وَلَا الْأَخْذَ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 164 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ) [ التَّوْبَةِ : 128 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ ) [ الْبَقَرَةِ : 151 ، 152 ] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( ﴿لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ ) أَيْ : كَمَا أَنْتُمْ فِيهَا ( ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ) أَيْ : مِنْ جِنْسِهِمْ ، وَلَمَّا كُنْتُمْ أَنْتُمْ بَشَرًا ، بَعَثْنَا فِيكُمْ رُسُلَنَا مِنْكُمْ لُطْفًا وَرَحْمَةً .
( ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ( 96 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُرْشِدًا نَبِيَّهُ إِلَى الْحُجَّةِ عَلَى قَوْمِهِ ، فِي صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ : أَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ ، عَالِمٌ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ ، فَلَوْ كُنْتُ كَاذِبًا [ عَلَيْهِ ] انْتَقَمَ مِنِّي أَشَدَّ الِانْتِقَامِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ ) [ الْحَاقَّةِ : 44 - 46 ] . وَقَوْلُهُ : (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) أَيْ : عَلِيمٌ بِهِمْ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِنْعَامَ وَالْإِحْسَانَ وَالْهِدَايَةَ ، مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الشَّقَاءَ وَالْإِضْلَالَ وَالْإِزَاغَةَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ :
( ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ( 97 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَصَرُّفِهِ فِي خَلْقِهِ ، وَنُفُوذِ حُكْمِهِ ، وَأَنَّهُ لَا مُعَقِّبَ لَهُ ، بِأَنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ) وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ ) أَيْ : يَهْدُونَهُمْ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ) [ الْكَهْفِ : 17 ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ نُفَيْعٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ :
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِمْ ؟ قَالَ : " الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ " . وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : [ حَدَّثَنَا يَزِيدُ ] ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قَالَ : قَامَ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ : يَا بَنِي غِفَارٍ ، قُولُوا وَلَا تَحْلِفُوا ، فَإِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْوَاجٍ : فَوْجٍ رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ ، وَفَوْجٍ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ ، وَفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَتَحْشُرُهُمْ إِلَى النَّارِ . فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : هَذَانِ قَدْ عَرَفْنَاهُمَا ، فَمَا بَالُ الَّذِينَ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ ؟ قَالَ : يُلْقِي اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ حَتَّى لَا يَبْقَى ظَهْرٌ ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ الْمُعْجِبَةُ ، فَيُعْطِيهَا بِالشَّارِفِ ذَاتِ الْقَتَبِ ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا . وَقَوْلُهُ : ( عُمْيًا ) أَيْ : لَا يُبْصِرُونَ ) وَبُكْمًا ) يَعْنِي : لَا يَنْطِقُونَ ) وَصُمًّا ) : لَا يَسْمَعُونَ . وَهَذَا يَكُونُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ جَزَاءً لَهُمْ كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا بُكْمًا وَعُمْيًا وَصُمًّا عَنِ الْحَقِّ فَجُوزُوا فِي مَحْشَرِهِمْ بِذَلِكَ أَحْوَجَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ) مَأْوَاهُمْ ) أَيْ : مُنْقَلِبُهُمْ وَمَصِيرُهُمْ ) جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَكَنَتْ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : طَفِئَتْ ) زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) أَيْ : لَهَبًا وَوَهَجًا وَجَمْرًا ، كَمَا قَالَ : ( ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ ) [ النَّبَإِ : 30 ] .
( ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ( 98 ) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ ( 99 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى : هَذَا الَّذِي جَازَيْنَاهُمْ بِهِ ، مِنَ الْبَعْثِ عَلَى الْعَمَى وَالْبُكْمِ وَالصَّمَمِ ، جَزَاؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ؛ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا ) بِآيَاتِنَا ) أَيْ بِأَدِلَّتِنَا وَحُجَجِنَا ، وَاسْتَبْعَدُوا وُقُوعَ الْبَعْثِ ) وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا ) بَالِيَةً نَخِرَةً ) أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ) أَيْ : بَعْدَ مَا صِرْنَا إِلَى مَا صِرْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَى وَالْهَلَاكِ ، وَالتَّفَرُّقِ وَالذَّهَابِ فِي الْأَرْضِ نُعَادُ مَرَّةً ثَانِيَةً ؟ فَاحْتَجَّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، وَنَبَّهَهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ ، بِأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَقُدْرَتُهُ عَلَى إِعَادَتِهِمْ أَسْهَلُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ : ( ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ ) [ غَافِرٍ : 57 ] وَقَالَ ( ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ) [ الْأَحْقَافِ : 33 ] وَقَالَ ( ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ) [ يس : 81 ، 83 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعِيدُ أَبْدَانَهُمْ وَيُنَشِّئُهُمْ نَشْأَةً أُخْرَى ، وَيُعِيدُهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ . وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ ) أَيْ : جَعَلَ لِإِعَادَتِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ أَجَلًا مَضْرُوبًا وَمُدَّةً مُقَدَّرَةً لَا بُدَّ مِنَ انْقِضَائِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ) [ هُودٍ : 104 ] . وَقَوْلُهُ : ( فَأَبَى الظَّالِمُونَ ) أَيْ : بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ) إِلَّا كُفُورًا ) إِلَّا تَمَادِيًا فِي بَاطِلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ .
( ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ ( 100 ) ) يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ : لَوْ أَنَّكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - تَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِي خَزَائِنِ اللَّهِ ، لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ : أَيِ الْفَقْرِ ، أَيْ : خَشْيَةَ أَنْ تُذْهِبُوهَا ، مَعَ أَنَّهَا لَا تَفْرَغُ وَلَا تَنْفَدُ أَبَدًا ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ طِبَاعِكُمْ وَسَجَايَاكُمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ : أَيْ بَخِيلًا مَنُوعًا . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ ) [ النِّسَاءِ : 53 ] أَيْ : لَوْ أَنَّ لَهُمْ نَصِيبًا فِي مُلْكِ اللَّهِ لَمَا أَعْطَوْا أَحَدًا شَيْئًا ، وَلَا مِقْدَارَ نَقِيرٍ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَصِفُ الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ ، إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَهَدَاهُ ؛ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجَزَعَ وَالْهَلَعَ صِفَةٌ لَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ ) [ الْمَعَارِجِ : 19 - 22 ] . وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ ، وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى كَرَمِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ :
( ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ ( 101 ) ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ( 102 ) ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ( 103 ) ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ ( 104 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ بَعَثَ مُوسَى بِتِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ، وَهِيَ الدَّلَائِلُ الْقَاطِعَةُ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَمَّنْ أَرْسَلَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ ، وَهِيَ : الْعَصَا ، وَالْيَدُ ، وَالسِّنِينَ ، وَالْبَحْرُ ، وَالطُّوفَانُ ، وَالْجَرَادُ ، وَالْقُمَّلُ ، وَالضَّفَادِعُ ، وَالدَّمُ ، آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : هِيَ الْيَدُ ، وَالْعَصَا ، وَالْخَمْسُ فِي " الْأَعْرَافِ " ، وَالطَّمْسَةُ وَالْحَجَرُ . وَقَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ : هِيَ يَدُهُ ، وَعَصَاهُ ، وَالسِّنِينَ ، وَنَقْصُ الثَّمَرَاتِ ، وَالطُّوفَانُ ، وَالْجَرَادُ ، وَالْقُمَّلُ ، وَالضَّفَادِعُ ، وَالدَّمُ . وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ حَسَنٌ قَوِيٌّ . وَجَعَلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ " السِّنِينَ وَنَقْصَ الثَّمَرَاتِ " وَاحِدَةً ، وَعِنْدَهُ أَنَّ التَّاسِعَةَ هِيَ : تَلَقُّفُ الْعَصَا مَا يَأْفِكُونَ . ( ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ) [ الْأَعْرَافِ : 133 ] أَيْ : وَمَعَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمُشَاهَدَتِهِمْ لَهَا ، كَفَرُوا بِهَا وَجَحَدُوا بِهَا ، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ، وَمَا نَجَعَتْ فِيهِمْ ، فَكَذَلِكَ لَوْ أَجَبْنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوا مِنْكَ ، سَأَلُوا وَقَالُوا : ( ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 90 ] إِلَى آخِرِهَا ، لَمَا اسْتَجَابُوا وَلَا آمَنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسَى - وَقَدْ شَاهَدَ مِنْهُ مَا شَاهَدَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ - : ( ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ ) قِيلَ : بِمَعْنَى سَاحِرٍ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . فَهَذِهِ الْآيَاتُ التِّسْعُ الَّتِي ذَكَرَهَا هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ هِيَ الْمُرَادَةُ هَاهُنَا ، وَهِيَ الْمَعْنِيَّةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ) [ النَّمْلِ : 10 - 12 ] . فَذَكَرَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : الْعَصَا وَالْيَدَ ، وَبَيَّنَ الْآيَاتِ الْبَاقِيَاتِ فِي " سُورَةِ الْأَعْرَافِ " وَفَصَّلَهَا . وَقَدْ أُوتِيَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، آيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً ، مِنْهَا ضَرْبُهُ الْحَجَرَ بِالْعَصَا ، وَخُرُوجُ الْأَنْهَارِ مِنْهُ ، وَمِنْهَا تَظْلِيلُهُمْ بِالْغَمَامِ ، وَإِنْزَالُ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أُوتُوهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِمْ بِلَادَ مِصْرَ ، وَلَكِنْ ذَكَرَ هَاهُنَا التِّسْعَ الْآيَاتِ الَّتِي شَاهَدَهَا فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، وَكَانَتْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فَخَالَفُوهَا وَعَانَدُوهَا كُفْرًا وَجُحُودًا . فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ [ أَحْمَدُ ] : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ يُحَدِّثُ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ :
قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ : اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] حَتَّى نَسْأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ) فَقَالَ : لَا تَقُلْ لَهُ : نَبِيٌّ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ لَصَارَتْ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ . فَسَأَلَاهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا تَسْرِقُوا ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلَا تَسْحَرُوا ، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ ، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً - أَوْ قَالَ : لَا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ - شُعْبَةُ الشَّاكُّ - وَأَنْتُمْ يَا يَهُودُ ، عَلَيْكُمْ خَاصَّةً أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ " . فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، وَقَالَا : نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ . [ قَالَ : " فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَتَّبِعَانِي ؟ " قَالَا : لِأَنَّ دَاوُدَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، دَعَا أَلَّا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ ] ، وَإِنَّا نَخْشَى إِنْ أَسْلَمْنَا أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ . فَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ هَكَذَا التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَهُوَ حَدِيثٌ مُشْكَلٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ ، وَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ التِّسْعُ الْآيَاتُ بِالْعَشْرِ الْكَلِمَاتِ ، فَإِنَّهَا وَصَايَا فِي التَّوْرَاةِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى فِرْعَوْنَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ : ( ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ ) أَيْ : حُجَجًا وَأَدِلَّةً عَلَى صِدْقِ مَا جِئْتُكَ بِهِ ( ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ) أَيْ : هَالِكًا ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَلْعُونًا . وَقَالَ : أَيْضًا هُوَ وَالضَّحَّاكُ : ( ﴿مَثْبُورًا﴾ ) أَيْ : مَغْلُوبًا . وَالْهَالِكُ - كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ - يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى :
إِذْ أُجَارِي الشَّيْطَانَ فِي سَنَنِ الْغَ ※ يِّ وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ ※
[ بِمَعْنَى هَالِكٍ ] . وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ بِرَفْعِ التَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ : " عَلِمْتُ " وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . وَلَكِنَّ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ لِفِرْعَوْنَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ) [ النَّمْلِ : 13 ، 14 ] . فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّسْعِ الْآيَاتِ إِنَّمَا هِيَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْعَصَا ، وَالْيَدِ ، وَالسِّنِينَ ، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، وَالطُّوفَانِ ، وَالْجَرَادِ ، وَالْقُمَّلِ ، وَالضَّفَادِعِ ، وَالدَّمِ . الَّتِي فِيهَا حُجَجٌ وَبَرَاهِينُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، وَخَوَارِقُ وَدَلَائِلُ عَلَى صِدْقِ مُوسَى وَوُجُودِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ الَّذِي أَرْسَلَهُ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهَا كَمَا وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْوَصَايَا لَيْسَ فِيهَا حُجَجٌ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، وَأَيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ إِقَامَةِ الْبَرَاهِينِ عَلَى فِرْعَوْنَ ؟ وَمَا جَاءَ هَذَا الْوَهْمُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ فَإِنَّ لَهُ بَعْضَ مَا يُنْكَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَعَلَّ ذَيْنِكَ الْيَهُودِيَّيْنِ إِنَّمَا سَأَلَا عَنِ الْعَشْرِ الْكَلِمَاتِ ، فَاشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي بِالتِّسْعِ الْآيَاتِ ، فَحَصَلَ وَهْمٌ فِي ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ) أَيْ يُخْلِيَهُمْ مِنْهَا وَيُزِيلَهُمْ عَنْهَا ( ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ ) وَفِي هَذَا بِشَارَةٌ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَتْحِ مَكَّةَ مَعَ أَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ ؛ فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مِنْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ ) [ الْإِسْرَاءِ : 76 ، 77 ] ؛ وَلِهَذَا أَوْرَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ مَكَّةَ ، فَدَخَلَهَا عَنْوَةً عَلَى أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ ، وَقَهَرَ أَهْلَهَا ، ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ حِلْمًا وَكَرَمًا ، كَمَا أَوْرَثَ اللَّهُ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ، وَأَوْرَثَهُمْ بِلَادَ فِرْعَوْنَ وَأَمْوَالَهُمْ وَزُرُوعَهُمْ وَثِمَارَهُمْ وَكُنُوزَهُمْ ، كَمَا قَالَ : ( ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ) [ الشُّعَرَاءِ : 59 ] وَقَالَ هَاهُنَا ( ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ ) أَيْ : جَمِيعُكُمْ أَنْتُمْ وَعَدُوُّكُمْ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ : ( ﴿لَفِيفًا﴾ ) أَيْ : جَمِيعًا .
( ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ( 105 ) ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ( 106 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ ، أَنَّهُ بِالْحَقِّ نَزَلَ ، أَيْ : مُتَضَمِّنًا لِلْحَقِّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ) [ النِّسَاءِ : 166 ] أَيْ : مُتَضَمِّنًا عِلْمَ اللَّهِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُطْلِعَكُمْ عَلَيْهِ ، مِنْ أَحْكَامِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ . وَقَوْلُهُ : ( وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) أَيْ : وَوَصَلَ إِلَيْكَ - يَا مُحَمَّدُ - مَحْفُوظًا مَحْرُوسًا ، لَمْ يُشَبْ بِغَيْرِهِ ، وَلَا زِيدَ فِيهِ وَلَا نَقُصَ مِنْهُ ، بَلْ وَصَلَ إِلَيْكَ بِالْحَقِّ ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِهِ شَدِيدُ الْقُوَى ، [ الْقَوِيُّ ] الْأَمِينُ الْمَكِينُ الْمُطَاعُ فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى . وَقَوْلُهُ : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ) أَيْ : يَا مُحَمَّدُ ) إِلَّا مُبَشِّرًا ) لِمَنْ أَطَاعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وَنَذِيرًا ) لِمَنْ عَصَاكَ مِنَ الْكَافِرِينَ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ ) أَمَّا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ ، فَمَعْنَاهُ : فَصَّلْنَاهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلَى الْوَقَائِعِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ ) فَرَّقْنَاهُ ) بِالتَّشْدِيدِ ، أَيْ : أَنْزَلْنَاهُ آيَةً آيَةً ، مُبَيَّنًا مُفَسَّرًا ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ ) أَيْ : لِتُبَلِّغَهُ النَّاسَ وَتَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ ) عَلَى مُكْثٍ ) أَيْ : مَهَلٍ ) وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ) أَيْ : شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ .
( ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ( 107 ) ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ ( 108 ) ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ( 109 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ : ( آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ) أَيْ : سَوَاءٌ آمَنْتُمْ بِهِ أَمْ لَا فَهُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِ فِي سَالِفِ الْأَزْمَانِ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ ) أَيْ : مِنْ صَالِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِكِتَابِهِمْ وَيُقِيمُونَهُ ، وَلَمْ يُبَدِّلُوهُ وَلَا حَرَّفُوهُ ) إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ ) هَذَا الْقُرْآنُ ، ( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ ) جَمْعُ ذَقْنٍ ، وَهُوَ أَسْفَلُ الْوَجْهِ ) سُجَّدًا ) أَيْ : لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، مِنْ جَعْلِهِ إِيَّاهُمْ أَهْلًا إِنْ أَدْرَكُوا هَذَا الرَّسُولَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ [ هَذَا ] الْكِتَابُ ؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ : ( سُبْحَانَ رَبِّنَا ) أَيْ : تَعْظِيمًا وَتَوْقِيرًا عَلَى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ ، وَأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ الَّذِي وَعَدَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ [ الْمُتَقَدِّمِينَ عَنْ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلِهَذَا قَالُوا : ( سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ) ] . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ ) أَيْ : خُضُوعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِيمَانًا وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ ، وَيَزِيدُهُمُ اللَّهُ خُشُوعًا ، أَيْ : إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا كَمَا قَالَ : ( ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ) [ مُحَمَّدٍ : 17 ] . وَقَوْلُهُ : ( وَيَخِرُّونَ ) عَطْفُ صِفَةٍ عَلَى صِفَةٍ لَا عَطْفُ سُجُودٍ عَلَى سُجُودٍ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ※ وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ ※
( ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ( 110 ) ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ( 111 ) ) . يَقُولُ تَعَالَى : قُلْ يَا مُحَمَّدُ ، لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُنْكِرِينَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الْمَانِعِينَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِالرَّحْمَنِ : ( ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ) أَيْ : لَا فَرْقَ بَيْنَ دُعَائِكُمْ لَهُ بِاسْمِ " اللَّهِ " أَوْ بِاسْمِ " الرَّحْمَنِ " ، فَإِنَّهُ ذُو الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ) إِلَى أَنْ قَالَ : ( ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ) [ الْحَشْرِ : 22 - 24 ] . وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ
أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : " يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ " ، فَقَالَ : إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَدْعُو وَاحِدًا ، وَهُوَ يَدْعُو اثْنَيْنِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ) الْآيَةَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ ( ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ) قَالَ : كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ ، وَسَبُّوا مَنْ أَنْزَلَهُ ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ . قَالَ : فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ) أَيْ : بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ) وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ) عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمُ الْقُرْآنَ حَتَّى يَأْخُذُوهُ عَنْكَ ) وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ) . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ بِهِ ، وَكَذَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ : " فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، سَقَطَ ذَلِكَ ، يَفْعَلُ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ " . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَهَرَ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي ، تَفَرَّقُوا عَنْهُ وَأَبَوْا أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ ، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ مَا يَتْلُو وَهُوَ يُصَلِّي ، اسْتَرَقَ السَّمْعَ دُونَهُمْ فَرَقًا مِنْهُمْ ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ يَسْتَمِعُ ، ذَهَبَ خَشْيَةَ أَذَاهُمْ فَلَمْ يَسْتَمِعْ ، فَإِنْ خَفَضَ صَوْتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَمِعِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ مِنْ قِرَاءَتِهِ شَيْئًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ) وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ) فَيَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ) وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ) فَلَا تُسْمِعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهَا مِمَّنْ يَسْتَرِقُ ذَلِكَ دُونَهُمْ ، لَعَلَّهُ يَرْعَوِي إِلَى بَعْضِ مَا يَسْمَعُ ، فَيَنْتَفِعَ بِهِ ) وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ) وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ . وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَمْ يُخَافِتْ بِهَا مَنْ أَسْمَعَ أُذُنَيْهِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِذَا صَلَّى فَقَرَأَ خَفَضَ صَوْتَهُ ، وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ ، فَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ : لِمَ تَصْنَعُ هَذَا ؟ قَالَ : أُنَاجِي رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - وَقَدْ عَلِمَ حَاجَتِي . فَقِيلَ : أَحْسَنْتَ . وَقِيلَ لِعُمَرَ : لِمَ تَصْنَعُ هَذَا ؟ قَالَ : أَطْرُدُ الشَّيْطَانَ ، وَأُوقِظُ الْوَسْنَانَ . قِيلَ أَحْسَنْتَ . فَلَمَّا نَزَلَتْ : ( ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ) قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ : ارْفَعْ شَيْئًا ، وَقِيلَ لِعُمَرَ : اخْفِضْ شَيْئًا . وَقَالَ أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ . وَهَكَذَا رَوَى الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو عِيَاضٍ ، وَمَكْحُولٌ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ [ ابْنِ ] عَيَّاشٍ الْعَامِرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ : كَانَ أَعْرَابٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِذَا سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا إِبِلًا وَوَلَدًا . قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ ) قَوْلٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي التَّشَهُّدِ : ( ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ ) وَبِهِ قَالَ حَفْصٌ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، مِثْلَهُ . قَوْلٌ آخَرُ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ ) قَالَ : لَا تُصَلِّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ ، وَلَا تَدَعَهَا مَخَافَةَ النَّاسِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : ( ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ ) قَالَ : لَا تُحْسِنْ عَلَانِيَتَهَا وَتُسِيءَ سَرِيرَتَهَا . وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، بِهِ . وَهُشَيْمٌ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنْهُ بِهِ . وَسَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْهُ كَذَلِكَ . قَوْلٌ آخَرُ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ) قَالَ : أَهْلُ الْكِتَابِ يُخَافِتُونَ ، ثُمَّ يَجْهَرُ أَحَدُهُمْ بِالْحَرْفِ فَيَصِيحُ بِهِ ، وَيَصِيحُونَ هُمْ بِهِ وَرَاءَهُ ، فَنَهَاهُ أَنْ يَصِيحَ كَمَا يَصِيحُ هَؤُلَاءِ ، وَأَنْ يُخَافِتَ كَمَا يُخَافِتُ الْقَوْمُ ، ثُمَّ كَانَ السَّبِيلُ الَّذِي بَيْنَ ذَلِكَ ، الَّذِي سَنَّ لَهُ جِبْرِيلُ مِنَ الصَّلَاةِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ ) لَمَّا أَثْبَتَ تَعَالَى لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى ، نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ النَّقَائِصِ فَقَالَ : ( ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ) بَلْ هُوَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ . ( ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ) أَيْ : لَيْسَ بِذَلِيلٍ فَيَحْتَاجَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلِيٌّ أَوْ وَزِيرٌ أَوْ مُشِيرٌ ، بَلْ هُوَ تَعَالَى [ شَأْنُهُ ] خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَمُقَدِّرُهَا وَمُدَبِّرُهَا بِمَشِيئَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ) لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا وَلَا يَبْتَغِي نَصْرَ أَحَدٍ . ( ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ) أَيْ : عَظِّمْهُ وَأَجِلَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ الْمُعْتَدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ ، عَنِ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ ) الْآيَةَ ، قَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالُوا : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ، وَقَالَ الْعَرَبُ : [ لَبَّيْكَ ] لَبَّيْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ ؛ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ . وَقَالَ الصَّابِئُونَ وَالْمَجُوسُ : لَوْلَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَذَلَّ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ) وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، [ حَدَّثَنَا يَزِيدُ ] حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُ أَهْلَهُ هَذِهِ الْآيَةَ ( ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ) الصَّغِيرَ مِنْ أَهْلِهِ وَالْكَبِيرَ . قُلْتُ : وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهَا آيَةَ " الْعِزِّ " وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ : أَنَّهَا مَا قُرِئَتْ فِي بَيْتٍ فِي لَيْلَةٍ فَيُصِيبَهُ سَرَقٌ أَوْ آفَةٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ سَيْحَانَ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدِي فِي يَدِهِ ، فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ رَثِّ الْهَيْئَةِ ، فَقَالَ : " أَيْ فُلَانُ ، مَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ؟ " . قَالَ : السَّقَمُ وَالضُّرُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " أَلَّا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تُذْهِبُ عَنْكَ السَّقَمَ وَالضُّرَّ ؟ " . قَالَ : لَا قَالَ : مَا يَسُرُّنِي بِهَا أَنْ شَهِدْتُ مَعَكَ بَدْرًا أَوْ أَحَدًا . قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : " وَهَلْ يُدْرِكُ أَهْلُ بَدْرٍ وَأَهْلُ أُحُدٍ مَا يُدْرِكُ الْفَقِيرُ الْقَانِعُ ؟ " . قَالَ : فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِيَّايَ فَعَلِّمْنِي قَالَ : فَقُلْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ : " تَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا " . قَالَ : فَأَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَقَدْ حَسُنَتْ حَالِي ، قَالَ : فَقَالَ لِي : " مَهْيَمْ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ أَزَلْ أَقُولُ الْكَلِمَاتِ الَّتِي عَلَّمْتَنِي . إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِي مَتْنِهِ نَكَارَةٌ . [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .