104 - تفسير سورة الهمزة
تَفْسِيرُ سُورَةِ وَيْلٌ لِكُلِّ هَمْزَةٍ لُمَزَةٍ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ( 1 ) ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ ( 2 ) ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ ( 3 ) ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ ( 4 ) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ ( 5 ) ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ ( 6 ) ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ ( 7 ) ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ( 8 ) ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ ( 9 ) ) الْهَمَّازُ : بِالْقَوْلِ ، وَاللَّمَّازُ : بِالْفِعْلِ . يَعْنِي : يَزْدَرِي بِالنَّاسِ وَيَنْتَقِصُ بِهِمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ) [ الْقَلَمِ : 11 ] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ) طَعَّانٍ مِعْيَابٍ . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : الْهُمَزَةُ ، يَهْمِزُهُ فِي وَجْهٍ ، وَاللُّمَزَةُ مِنْ خَلْفِهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : يَهْمِزُهُ وَيَلْمِزُهُ بِلِسَانِهِ وَعَيْنِهِ ، وَيَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ ، وَيَطْعَنُ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ :الْهُمَزَةُ : بِالْيَدِ وَالْعَيْنِ ، وَاللُّمَزَةُ : بِاللِّسَانِ. وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : هُمَزَةٌ : لُحُومُ النَّاسِ . ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ . وَقِيلَ غَيْرُهُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هِيَ عَامَّةٌ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ ) أَيْ : جَمَعَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَأَحْصَى عَدَدَهُ كَقَوْلِهِ : ( ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ ) [ الْمَعَارِجِ : 18 ] قَالَهُ السُّدِّيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : ( ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ ) أَلْهَاهُ مَالُهُ بِالنَّهَارِ ، هَذَا إِلَى هَذَا ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ ، نَامَ كَأَنَّهُ جِيفَةً . وَقَوْلُهُ : ( ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ ) أَيْ : يَظُنُّ أَنَّ جَمْعَهُ الْمَالَ يُخْلِدُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ ؟ ( كَلَّا ) أَيْ : لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ وَلَا كَمَا حَسِبَ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ ) أَيْ : لَيُلْقَيَنَّ هَذَا الَّذِي جَمَعَ مَالًا فَعَدَّدَهُ فِيالْحُطْمَةِوَهِيَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ صِفَةٌ ; لِأَنَّهَا تُحَطِّمُ مَنْ فِيهَا . وَلِهَذَا قَالَ : ( ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ ) قَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ : تَحْرِقُهُمْ إِلَى الْأَفْئِدَةِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ ، ثُمَّ يَقُولُ : لَقَدْ بَلَغَ مِنْهُمُ الْعَذَابُ ، ثُمَّ يَبْكِي .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ :تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ فُؤَادَهُ حَذْوَ حَلْقِهِ تَرْجِعُ عَلَى جَسَدِهِ . وَقَوْلُهُ : ( ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ) أَيْ : مُطْبَقَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْبَلَدِ . وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويَهْ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سِرَاجٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ خَرْزَاذَ ، حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ أَشْرَسَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ) قَالَ : " مُطْبَقَةٌ " . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسِيدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، قَوْلَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ . ( ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ ) قَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ : عَمَدٍ مِنْ حَدِيدٍ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : مِنْ نَارٍ . وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ ) يَعْنِي :الْأَبْوَابُ هِيَ الْمَمْدُوةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّةٍ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَدْخَلَهُمْ فِي عَمَدٍ فَمُدَّتْ عَلَيْهِمْ بِعِمَادٍ ، وَفِي أَعْنَاقِهِمُ السَّلَاسِلُ فَسَدَّتْ بِهَا الْأَبْوَابَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ بِعَمَدٍ فِي النَّارِ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : ( ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ ) يَعْنِي الْقُيُودَ الطِّوَالَ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ "