مكتبة الإسلام الشاملة

264 - شعر حسان بن ثابت في مرثيته الرسول

1

وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما حدثنا ابن هشام، عن أبي زيد الأنصاري:

بطيبة رسم للرسول ومعهد … منير وقد تعفو الرسوم وتهمد
ولا تمتحي الآيات من دار حرمة … بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آثار وباقي معالم … وربع له فيه مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها … من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها … أتاها البلى فالآي منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده … وقبرا بها واراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت … عيون ومثلاها من الجفن تسعد
يذكرن آلاء الرسول وما أرى … لها محصيا نفسي فنفسي تبلد
مفجعة قد شفها فقد أحمد … فظلت لآلاء الرسول تعدد
وما بلغت من كل أمر عشيره … ولكن لنفسي بعد ما قد توجد
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها … على طلل القبر الذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت … بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
وبورك لحد منك ضمن طيبا … عليه بناء من صفيح منضد
تهيل عليه الترب أيد وأعين … عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة … عشية علوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم … وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكى السماوات يومه … ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يوما رزية هالك … رزية يوم مات فيه محمد؟
تقطع فيه منزل الوحي عنهم … وقد كان ذا نور يغور وينجد
يدل على الرحمن من يقتدي به … وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا … معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
عفو عن الزلات يقبل عذرهم … وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله … فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبينا هم في نعمة الله بينهم … دليل به نهج الطريقة يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى … حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثنى جناحه … إلى كنف يحنو عليهم ويمهد
فبينا هم في ذلك النور إذ غدا … إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا … يبكيه حق المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها … لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللحد ضافها … فقيد يبكينه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده … خلاء له فيه مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت … ديار وعرصات وربع ومولد
فبكي رسول الله يا عين عبرة … ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
ومالك لا تبكين ذا النعمة التي … على الناس منها سابغ يتغمد
فجودي عليه بالدموع وأعولي … لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد … ولا مثله حتى القيامة يفقد
أعف وأوفى ذمة بعد ذمة … وأقرب منه نائلا لا ينكد
وأبذل منه للطريف وتالد … إذا ضن معطاء بما كان يتلد
وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى … وأكرم جدا أبطحيا يسود
وأمنع ذروات وأثبت في العلا … دعائم عز شاهقات تشيد
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا … وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
رباه وليدا فاستتم تمامه … على أكرم الخيرات رب ممجد
تناهت وصاة المسلمين بكفه … فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند
أقول ولا يلقى لقولي عائب … من الناس إلا عازب العقل مبعد
وليس هواي نازعا عن ثنائه … لعلي به في جنة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره … وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد

وقال حسان بن ثابت أيضا، يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما بال عينك لا تنام كأنما … كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهدي أصبح ثاويا … يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
وجهي يقيك الترب لهفي ليتني … غيبت قبلك في بقيع الغرقد
بأبي وأمي من شهدت وفاته … في يوم الاثنين النبي المهتدي
فظللت بعد وفاته متبلدا … متلددا يا ليتني لم أولد
أأقيم بعدك بالمدينة بينهم … يا ليتني صبحت سم الأسود
أو حل أمر الله فينا عاجلا … في روحة من يومنا أو من غد
فتقوم ساعتنا فنلقى طيبا … محضا ضرائبه كريم المحتد
يا بكر آمنة المبارك بكرها … ولدته محصنة بسعد الأسعد
نورا أضاء على البرية كلها … من يهد للنور المبارك يهتدي
يا رب فاجمعنا معا ونبينا … في جنة تثنى عيون الحسد
في جنة الفردوس فاكتبها لنا … يا ذا الجلال وذا العلا والسؤدد
والله أسمع ما بقيت بهالك … إلا بكيت على النبي محمد
يا ويح أنصار النبي ورهطه … بعد المغيب في سواء الملحد
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا … سودا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره … وفضول نعمته بنا لم نجحد
والله أكرمنا به وهدى به … أنصاره في كل ساعة مشهد
صلى الإله ومن يحف بعرشه … والطيبون على المبارك أحمد

قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

نب المساكين أن الخير فارقهم … مع النبي تولى عنهم سحرا
من ذا الذي عنده رحلي وراحلتي … ورزق أهلي إذا لم يؤنسوا المطرا
أم من نعاتب لا نخشى جنادعه … إذا اللسان عتا في القول أو عثرا
كان الضياء وكان النور نتبعه … بعد الإله وكان السمع والبصرا
فليتنا يوم واروه بملحده … وغيبوه وألقوا فوقه المدرا
لم يترك الله منا بعده أحدا … ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ذلت رقاب بني النجار كلهم … وكان أمرا من امر الله قد قدرا
واقتسم الفيء دون الناس كلهم … وبددوه جهارا بينهم هدرا

وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا:

آليت ما في جميع الناس مجتهدا … مني ألية بر غير إفناد
تا الله ما حملت أنثى ولا وضعت … مثل الرسول نبي الأمة الهادي
ولا برا الله خلقا من بريته … أوفى بذمة جار أو بميعاد
من الذي كان فينا يستضاء به … مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
أمسى نساؤك عطلن البيوت فما … يضربن فوق قفا ستر بأوتاد
مثل الرواهب يلبسن المباذل قد … أيقن بالبؤس بعد النعمة البادي
يا أفضل الناس إني كنت في نهر … أصبحت منه كمثل المفرد الصادي

قال ابن هشام: عجز البيت الأول عن غير ابن إسحاق.

انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب